
معانٍ في ظلال الكلمات
الجزء الأول
افتتاحيــة
كُتبت مسوّدة هذه الرواية بين هدوء قرية “البيضا”، في أحضان جبال طرطوس، وهمس مقهى الصيادين على شاطئ المتوسط. هناك، بين خضرة الجبل وتردّد موج البحر، تشكّلت كلماتها الأولى في آب/أغسطس 1984، كأنها تبحث عن فضاءها الأول، وتختبر، بخجلٍ وجرأة، قدرتها على أن تتحوّل إلى حلمٍ مكتوب.
في عام 1985، امتدّت الرحلة بها من جبال وشاطئ طرطوس إلى جبال وشاطئ مدينة “جبلة”، حيث استقرت الفصول على نسمات البحر، وعلى صمت الجبال، كأن الطبيعة نفسها تهمس لها: “سيري، فالعالم ينتظر أن يسمعك.”
وبداية عام 1986، واصلت المسوّدة تفتّحها في قرية “برج إسلام” على شواطئ اللاذقية، حيث كان صفاء البحر ونسيم الجبال يغذيان الكلمات، ويمنحانها أجنحة لتطير في فضاء الحكاية، تبحث عن قلب القارئ قبل أن تجد طريقها إلى الوجود
وبعد أعوام طويلة، عادت المسوّدة لتستنشق الحياة من جديد، هذه المرة في مدينة “دبي”، بين سمائها الجديدة وأفقها المفتوح، بين أيار/مايو وآب/أغسطس 2016. هناك، استعاد النص أنفاسه الأولى، وكأن حلم الجبال والبحر عاد ليكتمل، في مدينة تعلم السرد كيف يوازن بين الضوء والظل، بين الماضي حين يطلّ، والمستقبل حين يتهيأ للكتابة
وهكذا، كما تنشأ المعاني في صمتٍ عميق قبل أن تُنطق، خرجت هذه الرواية إلى قارئها، حاملة أثر الأماكن التي مرّت بها، ونبض الأزمنة التي عاشت فيها، وروحًا لم تتوقّف يومًا عن الحلم، عن الإيمان بأن الكلمة قادرة على أن تصنع عالمها الخاص
:المقدمة
في عالمٍ لا تُقاس فيه الحقيقة بما يُقال، بل بما يختبئ خلف القول، تتشكّل هذه الرواية لتأخذ القارئ في رحلة تتجاوز حدود السرد التقليدي، وتفتّش عن المعنى في مساحات غير مرئية:
في الصمت، في الارتباك، في الحنين، وفي تلك اللحظات التي تتكلّم فيها اللغة دون أن تنطق.
تبدأ الحكاية من ضفّتين متقابلتين لفضاء واحد:
ضفّة الريف، حيث يولد “سالم” وسط صمت الطبيعة وعمقها، وحيث تتسلّل اللغة إلى قلبه كهمس يتنامى، لا كدرس يُتلقّى.
وضفّة المدينة، حيث تنشأ “ميّ” تحت ضوء الكتب، في بيت يتنفّس العلم والسؤال، فتتعامل مع اللغة كنافذة على الفكر، لا كإيقاع ينبض في الجسد.
من التقاء هاتين الجهتين — الصوت الداخلي لسالم، والبصيرة الهادئة لميّ — تنشأ رحلة الرواية:
رحلة بحث لا عن الكلمات نفسها، بل عن ظلالها؛ تلك الطبقات الخفية التي تشكّل المعنى، وتحمله من عصر إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى، كما تنتقل النار من جذوة إلى أخرى.
يتحرّك النص بين لحظات تتداخل فيها الفلسفة بالسرد، والتأمّل بالتجربة، فيقرأ القارئ تطوّر الشخصيتين كما لو أنه يقرأ نصًّا لغويًّا حيًّا تتبدّل دلالاته بتبدّل السياق، وتتّسع مع كل خطوة يخطوها سالم في قلب دمشق، ومع كل حوار تخوضه ميّ مع كتبها… ومع نفسها.
وتقودنا الرواية في مسارها العميق إلى أسئلة تتجاوز ظاهر الأحداث:
هل اللغة كائن حيّ يتنفّس عبر البشر؟
هل نحن الذين نمنح الكلمات معناها، أم أنّ الكلمات هي التي تعيد تشكيل أرواحنا؟
هل يمكن للإنسان أن يفهم ذاته قبل أن يفهم لغته؟
وأي معنى يختبئ في الظلّ حين تعجز الكلمات عن حمله؟
“معانٍ في ظلال الكلمات” ليست رواية عن اللغة فحسب؛
إنّها رواية عن الإنسان في علاقته بالمعنى، وعن المعنى في علاقته بالحياة، وعن تلك اللحظة التي يُدرك فيها المرء أنّ الكلمة ليست صوتًا عابرًا، بل أثر يتردّد في أعماق النفس، وأنّ ما لا يُقال كثيرًا ما يكون أثقل ممّا يُقال.
في هذا النص، تتجاور الدلالة بالسرد، ويتحوّل الدرس الجامعي إلى بابٍ للمعرفة الداخلية، ويصبح اللقاء بين سالم وميّ نقطة اشتباك بين عالمين:
عالم يرى اللغة ذاكرة، وعالم يراها فكرة.
وبينهما ينشأ فضاء ثالث… فضاء يكتشف فيه القارئ أنّ المعاني لا تسكن النور وحده، بل تتوهّج كذلك في الظلال.
– نـعـمــان الـبـربــري
الفصل الأول:
وُلِد “سالم” في قريةٍ صغيرة من قرى ريف جبلة، على سفحٍ تتدرّج منه التلال حتى تلامس زرقة البحر. هناك، كان الصباح ينهض ببطء، كطفلٍ يفرك النوم عن عينيه، ويمدّ رأسه عبر نافذةٍ تعبق برائحة التربة النديّة وصوت الدجاج في باحة الدار. كان بيت سالم بسيطًا، لكنه عامر بدفءٍ لا يخطئه القلب: غرفتان صغيرتان تطل نافذتاهما على صفٍّ من أشجار الليمون، ووالدان يعملان في مدرسة ابتدائية قريبة، يعودان كل مساء محمّلين بـ”أحرف القراءة الأولى”، و”أصوات التلاميذ”، و”أوراق الدرس”، كأنهما يجلبان معهما من المدرسة شيئًا من الحكايات ومن تفاصيل الحياة التي لا تنتهي.
ومع أنَّ أجواء البيت لم تكن سوى أصداء يومٍ مدرسي طويل، فإنها بالنسبة لسالم كانت عالمًا يتشكّل. كان طفلًا صامتًا، شديد الإصغاء، كأن الصمت نفسه مدرسة تنقّيه وتعلّمه فنّ التمعّن. كثيرًا ما كان يسترق السمع إلى ما يقوله الأب لتلاميذه، أو إلى ما تمتتم به الأم بين صفحات كتبها. كان يلتقط الكلمات قبل أن يفهمها، يخزّنها في ذاكرته كما تُخزَّن “بذور تنتظر ماءً خفيًّا” لتنبُت يومًا ما في أعماقه.
وفي داخله بدأت الأسئلة الأولى تنمو: لماذا نلتقط الكلمات قبل أن نفهمها؟ وهل للّغة ظلٌّ يسبق معناها؟
كان هذا الحوار الداخلي يترك في نفسه أثرًا عجيبًا، كأنه يسمع صوتًا خافتًا يتساءل:
“أيمكن للكلمة أن تسبق الفكرة؟ أم أن للفكرة مسارًا خفيًّا يدفع اللفظة إلى الوجود؟”
وكان سالم، رغم طفولته، يشعر أن هذا السؤال ليس مجرد خاطر، بل بابٌ لمدرسة أخرى لا يشترك فيها إلا من يسمع لغته الداخلية.
ومع مرور السنوات، بقي هذا الطبع رفيقه: يصمت حين يتكلم الآخرون، ويتأمل المعنى كما يتأمل الباحث عن شيءٍ ضائع منذ زمن بعيد. وكان صمته يشبه مراقبة “شمسٍ تتسلل بين أغصان الليمون”، في محاولةٍ لالتقاط الضوء والظل معًا، وكأن فهم الحياة يحتاج إلى الإصغاء لما لا يقال بقدر ما يحتاج إلى سماع ما يُقال.
لم يغادر سالم “جبلة وقراها المحيطة بها” إلا عندما التحق بالجامعة في دمشق. كان كلّ طريق يقطعه بالحافلة أشبه بـ”رحلة في الزمن”: يترك خلفه رائحة البحر، وضوء الصباح، وظلّ السحابة على الحقول، لكنه يحمل معه ما هو أثقل وأعمق: حلمه بأن يفهم العالم من خلال اللغة.
وفي كل صباح، كان يسأل نفسه:
“هل اللغة تحمل العالم، أم العالم هو الذي يمنح اللغة شكلها؟”
وكان يشعر أحيانًا أن دفتره الصغير هو مرآة لأسئلته، وأن الكلمات التي يكتبها تحاول أن تجيب عنه، أو تتركه في مساحةٍ من الغموض الجميل.
كان سالم نحيل القامة، أسمر بلون الشمس، عيناه سوداوان تعكسهما مسحة خجل عميق. صوته منخفض، يتجنّب الجدال إلا إذا اضطر، لكن حين يتكلم، تخرج كلماته بطيئة، حذرة، كأنه يخشى أن “يجرح شيئًا ما” بها. وكان كثيرًا ما يسأل نفسه:
“هل للكلمة وقعٌ على الروح؟ أم أن الروح هي التي تمنح الكلمة وزنها وقيمتها؟”
كان هذا السؤال يقوده إلى الشعر، إلى المعلقات، إلى تراث اللغة منذ نقشها الأول على ورق البردي وحتى قصائد العصر الحديث. يقرأ الشعر القديم كما يقرأ البعض “كتب الصلاة”، بخشوع وارتباك، كأنه يخشى أن تفلت من بين يديه حقيقة كان يبحث عنها منذ البداية.
وفي الجامعة، كثيرًا ما شعر بالغربة، لا لأنّه فقير أو قادم من الريف، بل لأنه يحمل في داخله لغةً لم يُفصح عنها بعد. كانت تلك اللغة تشبه “نهرًا يجري في جوف الأرض”، لا يسمعه أحد، لكنه يشعر به يهزّ أعماقه. وفي قلبه جرحٌ صغير لم يخبر به أحدًا: خوفٌ قديم من ألا يكون كافيًا…
لا كافيًا في المعرفة،
ولا في المدينة،
ولا أمام أولئك الذين يملكون ثقة الكلام.
ومع ذلك، كان هناك شيءٌ ما يدفعه إلى الأمام، يشبه عناد الريح وهي تجري بين التلال، كأن اللغة نفسها— منذ عصر سيبويه والخليل، وحتى آخر شاعرٍ خطّ على الورق همسًا— كانت تهمس في أذنه:
“تابع… فالكلمة حياة، ومن لا يسأل لا يفهم، ومن لا يفهم لا يسير.”
وفي لحظة تأمل صادقة، طرح سالم سؤاله الأكبر:
“هل يكفي أن نحيا الكلمات لنفهم العالم، أم أن العالم هو الذي يعيد تشكيل الكلمات في داخلنا؟”
وهكذا، مضت رحلته، سؤالًا يتولّد من سؤال، وكلمة تبحث عن ظلّها، ونفسًا تتلمّس طريقها في عالمٍ تخلقه اللغة بقدر ما يخلقه الإنسان.
وُلِدت “ميّ” في مدينة السَّلميّة، في بيتٍ لا يعرف السكون إلا قليلًا، إذ لم تكن الطاولة تخلو من كتاب، ولا الرفّ من ورقة، ولا المساء من نقاشٍ يطول بين والديها. كان الأبوان — وهما أستاذان جامعيان —يحملان العلم كما يحمل البعض “قناديل تُضيء للآخرين الطريق”.
وهنا يظهر السؤال الأول، سؤالٌ يطلّ برأسه كما تطلّ الفكرة الأولى عند بداية درس النحو:
هل يولد الإنسان محاطًا بالعلم، أم أن العلم يولد معه في صمت البيت قبل أن يستيقظ؟
كبرت ميّ وسط “ضوءٍ فكريّ ناعم”، يشبه خيط الفجر حين ينساب بين ستائر نافذة، لا يفرض نفسه لكنه يحضر. كانت كتب الفلسفة واللغة رفيقتَيْها، وكانت الأسئلة تُقدَّم على المائدة كما يُقدَّم الخبز والشاي؛ أسئلة تمسّ ما وراء الدرس، وما وراء اليوميّ.
ومنذ سنواتها الأولى، امتلكت ميّ قدرة مختلفة على اقتناص العلاقات بين الأشياء؛ لم تكن تحفظ الكلمات، بل كانت “تتذوّقها” كما يتذوّق العارفُ نبرة البيت الشعري. ولم تكن تقرأ لتجتاز امتحانًا، بل لتلتقط “خيطًا صغيرًا يربط العالم ببعضه”.
وهنا يطلّ سؤالٌ من أسئلة البلاغة القديمة:
هل تكفي الكلمات لشرح العالم، أم أن العالم يحتاج إلى من يربط خيوطه بالمعنى؟
وكأنّ اللغة — بأوزانها وصيغها وأسرارها منذ عصر سيبويه — كانت تحاول أن تهمس لها بأن المعنى لا يُؤخذ من ظاهر اللفظ، بل من مكنونه.
كانت والدتها تقول عنها: “هذه الصغيرة تفهم ما وراء الجملة، لا الجملة وحدها.”
وتتردّد هذه العبارة في داخل ميّ كلما أمسكت كتابًا، فتطرح على نفسها سؤالًا جديدًا:
ما الذي يجعل الفهم يتجاوز حدود الجملة؟
هل الفهم محض عقلٍ يتتبع المنطق، أم وجدانٌ يلتقط الإيحاء، أم أنّه جمعٌ بين الاثنين؟
وكان هذا الحوار الداخلي يشبه درسًا في “دلائل الإعجاز” للجرجاني، حيث لا يكون المعنى ما تقوله الكلمة، بل ما تشير إليه.
وحين دخلت ميّ الجامعة، جاء حضورها هادئًا، لكنه يشبه ماءً صافياً يمسّ القلب دون أن يثير ضجيجًا. قامتُها متوسطة، وشعرها الأسود ينسدل ببساطة على كتفيها، ووجهها يحمل ملامح ناعمة تخفي وراءها صلابة فكرية لا يخطئها من يقترب منها. لا ترفع صوتها، لكنها حين تشرح فكرة، يصمت الآخرون وتنحسر الأصوات كأنها تستمع لشيء تُدرك قيمته.
ولم تكن ميّ تميل إلى الجدل، لأنّ الجدل في نظرها “صدامٌ بين الأصوات”، بينما اللغة — كما تقول لنفسها — “حقلٌ للضوء، لا ساحة للقتال”. كانت ترى أن الكلمة إن لم تُنر، أظلمت، وإن لم يُقَد حقّها، ضاع معناها.
وفي عالمها الداخلي، لم يكن قهرٌ اجتماعيّ أو ماديّ يشغلها؛ بل كان هناك تحدٍّ آخر، تحدٍّ أكثر خفاءً وعمقًا: كيف تبني ذاتها بعيدًا عن ظلّ والديها وبريق علمهما؟
كانت تحبّهما، لكنها تخشى أن يُنسب ذكاؤها إليهما، لا إليها. كانت تريد أن تثبت، أولًا لنفسها، أنّ فهمها للغة ليس ميراثًا يُسلَّم كما تُسلَّم “الوصايا”، بل تجربةٌ تُبنى كما تُبنى القصيدة: ألمًا، وصبرًا، ومحاولات لا تنتهي.
وكان صوتٌ داخليّ يسألها دائمًا:
هل المعرفة تُكتسب بالوراثة، أم بالمعايشة؟
وهل يستطيع الإنسان أن يتجاوز ظلّ من سبقه، ليصنع لغته الخاصة لا لغةَ عائلته؟
كانت تشعر في سرّها أنّ “العالم يُقرأ كما يُقرأ النص”، وأنّ الإنسان لا يمكن أن يُفهم إلا إذا فُهمت لغته — لغته العميقة، تلك التي لا تُكتب ولا تُنطق، بل تُحسّ وتُدرك.
وتجد نفسها تتساءل كلما أغلقت كتابًا:
هل نفهم العالم لأن اللغة تفسّره، أم نفهم اللغة لأن العالم يدفعنا إلى ذلك؟
وهل يمكن للإنسان أن يكتب لغته الداخلية كما يكتب سطرًا على ورقة، أم أن تلك اللغة ستظلّ سرًّا لا يُفضي إلا لمن يصغي إليه بصدق؟
وهكذا كانت ميّ… تمشي بين الكتب كما يمشي العارف في طريقٍ يعرف نهايته، لكنه يستمتع بكل خطوة فيها، لأنه يدرك أن “المعنى” — مثل الضوء — لا يُمسَك بيدٍ واحدة، بل يُرى بقلوبٍ متسائلة.
وهنا ينهض السؤال الكبير الذي رافق اللغويين والشعراء منذ تدوين الكلمة الأولى:
هل تكفي اللغة المكتوبة لفهم الإنسان، أم أن هناك لغةً أخرى تتجاوز الحروف والكلمات، لغةً لا تُقرأ بالعين بل بالحدس والنبض والصمت؟
عند هذا السؤال بالذات، يبدأ التقاطع بين “سالم” و”ميّ”، كأن القدر جمعهما عند “ملتقى عالمين”:
هو قادم من ريفٍ يتعلم فيه الإنسان الإصغاء إلى الطبيعة ليعرف نفسه؛ حيث للريح لغتها، وللتراب حكايته، وللصمت ظلٌّ يتكلم.
وهي آتية من مدينةٍ يتعلم فيها المرء الإصغاء إلى الفكرة ليعرف العالم؛ حيث الفلسفة تسأل، والكتب تجيب، واللغة تصبح صدىً للعقل أكثر مما هي صدىً للجسد.
وهنا ينبت سؤالٌ جوهري، سؤالٌ يلامس جذور علم الدلالة وبلاغة القدماء:
ما العلاقة بين الطبيعة والفكر؟ بين الصوت الداخلي للكلمات والصمت العميق الذي تعبّر عنه الطبيعة؟
وكأن كلًّا منهما يحمل “لغة” خاصة لا تُفهم بسهولة؛ لغة تحتاج إلى قارئٍ تُبصر عيناه ما وراء السطور، وتُصغي روحه إلى ما وراء الصوت.
كان سالم يتعامل مع اللغة وكأنها “ذكرى”.
في داخله صوت يقول:
“الحرف ليس شكلًا؛ إنه ذاكرة تمشي.”
يلمس الكلمات كما يلمس صفحة قديمة من دفتر طفولته.
كل كلمة عنده تُثير صمتًا، وكل حرف يحرس سرًّا دفينًا.
يشعر أن اللغة صمتٌ يتحرك بين الأصابع، وأن العالم يبدأ من همسها قبل أن يبدأ من ضوضائه.
كان يسأل نفسه:
“لماذا أشعر أنني أرتجف حين أكتب كلمة؟ هل أخاف منها أم أقدّسها؟ وهل الحرف أقرب إلى الروح أم إلى العقل؟”
أما ميّ، فترى اللغة بشكلٍ آخر؛ كانت تتعامل معها كأنها “سؤال” لا ينتهي.
تفتّش بين الكلمات عن معنى، تبحث عن الأفق الذي يمتد وراء الحروف.
وفي داخلها حوارٌ دائم لا يهدأ:
“ما قيمة الكلمة إذا لم تفتح بابًا لفهم الإنسان؟”
“هل تكفي اللغة لتكون مرآةً للعالم، أم يجب أن تعكس الذات قبل أن تعكس الأشياء؟”
كانت ميّ تشبه في بحثها الفيلسوف الذي يقرأ النص ليصل إلى ما وراءه، ويستنطق الجملة ليكتشف ما لم يُقَل فيها.
وكان الفارق بينهما يزداد وضوحًا كلما سارا معًا في الحوار:
هو خجول، يدخل العالم الجديد مترددًا، يخشى أن يخلع الكلمة من مكانها.
كان يقول في نفسه:
“هل أتحدث كي يعرفوني، أم أصمت كي لا أخطئ؟”
“هل أخجل من اللغة أم من نفسي؟”
كان يخاف أن يكشف عمّا بداخله قبل أن يتقن التحدث عنه.
أما هي فهادئة، واثقة، كأنها تمشي على أرضٍ تعرف تضاريسها.
تبحث عن “معناها” في كل نص، في كل فكرة، في كل سطر.
وترى اللغة فضاءً واسعًا لتجربة الذات واستيعاب العالم، لا جدارًا يقف بين الإنسان وبين صوته الداخلي.
وكانت تقول في سرّها:
“هل الهدوء نوع من التأمل، أم هو قدرة على رؤية الأشياء كما هي؟”
“وهل الواثق هو من يملك الجواب، أم من يملك القدرة على الإصغاء؟”
وهنا يطرح القارئ سؤالًا لا يقل عمقًا:
هل الخجل صمتٌ داخلي يعترض طريق الكلام، أم هو مساحة للتفكير قبل النطق؟
وهل الهدوء يساوي التأمل، أم هو قدرة على استيعاب العالم قبل الحكم عليه؟
وهكذا، يلتقي “سالم” و”ميّ” عند نقطة لا تُرى بالعين، لكنها واضحة للقلب:
كلٌّ منهما يبحث عن لغةٍ تخصّه،
لغةٍ لا تُشبه لغة الآخرين،
ولا تعتمد على الحروف وحدها،
بل تمتدّ إلى ما بين السطور… وإلى ما وراء الروح.
في لقائهما الأول، يبدأ كلٌّ من “سالم” و”ميّ” رحلةً لم يتخيّلاها؛ رحلةً تشبه انفتاح بابٍ لم يكن منظورًا، بابٍ يقود إلى “فهمٍ جديد للعالم… وللذات… وللمعنى”.
وهناك، عند تداخل عوالمهما، يتقاطع صمت الريف مع صخب الفكر، وهدوء المدينة مع نبض الطبيعة. ومن هذا التقاطع تولد أسئلةٌ جديدة، أسئلةٌ تُشبه إشراقات البلاغيين الأوائل حين بحثوا في ما وراء اللفظ:
كيف يمكن للغربة أن تصنع لغةً داخلية؟
وهل يولد المعنى من لقاءٍ صامت بين شخصين قبل أن يولد من نقاشٍ علني يسمعه الجميع؟
يجد كلٌّ منهما نفسه يقرأ الآخر كما يقرأ النص: بتمهّل، بحذر، بتجاوزٍ للحروف وجرسها إلى الفكرة التي وراءها، ثم إلى النبض الخفيّ الذي يجعل للكلمة روحًا لا تُرى.
وفي هذا اللقاء، يصبح الصمت لغة، وتصير اللغة شكلًا من أشكال الصمت؛ ويغدو الحوار الداخلي بينهما حوارًا ممتدًّا بين “ما هو مكتوب أو “معلن عنه” وما هو مسكوت عنه”.
وهنا يطلّ سؤالٌ مركزيّ، سؤالٌ يُحاكي جوهر علم التأويل عبر العصور:
هل يبدأ الفهم الحقيقي للآخر من معرفة كلماته، أم من استشراف صمته؟
وأيّهما أصدق في الكشف: اللفظ المنطوق أم المعنى الذي لم يجد طريقه بعد إلى اللسان؟
لم يكن الفجر قد اكتمل حين خرج “سالم” من بيته في القرية المعلّقة على سفوح جبلة.
كانت الأرض ما تزال ترتجف بندى الليل، تتنفّس كأنها تستيقظ على مهل. ومن جهة الغرب كانت رائحة البحر تأتي رخوةً، كأنّ الموج نفسه “يودّعه في خفوت”.
وقف على العتبة لحظة قصيرة، نَظر إلى الباب الخشبي القديم، ثم أغلقه بهدوءٍ يشبه اعتذارًا.
أكان يخشى أن يستيقظ أبواه؟
أم كان يخشى أن يوقظ شيئًا فيه هو— ذلك الشيء الذي يشدّه إلى البيت، ويجعل صمت الليل أثقل من الرحيل؟
كانت الحافلة الصغيرة تنتظره عند طرف الطريق الترابي، صامتةً كحجرٍ نائمٍ في حضن الطبيعة.
صعد إليها بخطواتٍ متردّدة، حاملاً حقيبته القماشية، ثم جلس قرب النافذة.
لم يكن في الحافلة غيره وسائقٍ يلوك قطعة خبز بيدٍ، ويقود بالأخرى، ويهزّ رأسه كمن يصغي لنشيدٍ لا يُسمَع.
وفي صمت الصباح ذاك، تساءل سالم في داخله، بصوتٍ لا يسمعه أحد سواه:
“هل الرحيل عن المكان يعني فقدان الذات؟ أم أنّ الذات ترافقنا أينما ذهبنا؟”
وللمرة الأولى، شعر أنّه يترك خلفه “حياةً كاملة”:
صوت أمّه وهي تشرح الدرس لتلاميذ الصفّ، ضحكة أبيه حين يعود محمّلًا بطرائف المدرسة، ظلّ الليمون على بلاط الدار، ورائحة الغرفة التي كتب فيها أول قصيدة لم يجرؤ على أن يقرؤها لأحد.
كان هذا الشعور يوقظ فيه سؤالًا طويل العمر، سؤالًا رافق الشعراء منذ العصور الأولى:
هل الكلمات التي تُكتب في الخفاء، أو القصائد التي تُهمَس، تظلّ حيّة إذا لم يسمعها أحد؟
وهل تستطيع اللغة أن تحمل روح المكان بعيدًا عن المكان ذاته؟
كان سالم يلمس على أطراف قلبه جوابًا خافتًا، لكنه لم يثق به بعد.
ربما لأنّ اللغة عنده — كما يقول لنفسه — تحتاج إلى مكانٍ كي تزهر، وإلى ذاكرةٍ كي تعيش، وإلى مسافةٍ كي تُفهم.
أو لعلّه كان يشعر بأنّ كل خطوة يخطوها نحو المدينة ستضيف إلى روحه معنى جديدًا، أو تنزع منها شيئًا كان يألفه.
كان قلبه يخفق بصمتٍ خافت، لا يميّز فيه المرء بين نبضة حنين إلى ما مضى، ورعشة ترقّب لما سيأتي، حتى بدا له كأن اللغة ذاتها تتحوّل إلى “مرآة معلّقة بين العالم والذات”. ومع كل خطوة تقطعها الحافلة على الطريق الترابي، كان سالم يرى في خيوط الضوء الأولى أنّ الرحيل ليس انتقالًا جسديًا فحسب، بل عبورٌ نحو سؤال قديم جديد:
من يكون الإنسان إذا غادر المكان الذي شكّل ملامح روحه؟
أيمكن للغة أن تكون الجسر الأول قبل التجربة، والمأوى الأول قبل أن يجد في العالم موطئ قدم؟
وفي زاويةٍ بعيدة من نفسه، كان شيءٌ يشبه النداء يهمس في داخله همسًا لا يسمعه أحد سواه:
“اللغة… هي طريقك. امضِ، ولا تلتفت.”
لم يكن الصوت صوتًا حقيقيًا، بل سؤالاً داخليًا يعلو فوق كل ضوضاء:
هل اللغة طريقٌ إلى المعرفة، أم أنها مرآة تعيد إلينا وجوهنا الحقيقية؟
وهل تكفي الكلمات لترسم صورة العالم، أم أن الفهم يحتاج قلبًا يقرأ ما بين السطور وما وراءها؟
ظلّ سالم يتأمل المشاهد المتراجعة خلف نافذته:
القرى تنكمش رويدًا، البحر يتراجع كخطّ أزرق يتلاشى عند الأفق، والجبال تنحني كصفحاتٍ تُطوى في كتاب العمر. وفي تلك اللحظات، راوده شعور غريب بأن المكان يودّعه، أو لعلّ المكان كان ينسحب من داخله شيئًا فشيئًا. فسأل نفسه بصوتٍ لا يسمعه أحد:
هل يغادر الإنسان المكان حقًا، أم أنّ المكان هو الذي يترك أثره فينا ثم يغادر؟
وهل الذاكرة هي التي تصنع الوطن، أم أنّ الوطن هو الذي يخلق تلك الذاكرة؟
عاد صوت أبيه، الذي قال له مساء الأمس:
“يا سالم… لا تخَفْ من العلم، خَفْ من أن تبقى مكانك.”
فتنهّد وسأل نفسه من جديد:
هل الخوف من الجمود أشدّ من الخوف من الفشل؟
وهل يكتمل الإنسان حين يتقدّم نحو المجهول، أم حين يفهم موقعه من ذاته قبل موقعه من العالم؟
وحين دخلت الحافلة حدود دمشق، شعر سالم بأنّ جسده بأكمله “يتقلّص دفعة واحدة”، كأنّ المدينة الكبيرة تمدّ يدًا غير مرئية لتبتلع عاداته الصغيرة، وصمته الطويل، وخطواته المتردّدة.
المدينة هنا واسعة، ضجيجها متشابك، ولغتها تختلف عن لغة الريف؛ كلماتٌ سريعة، أصواتٌ تتلاحق، ولهجة لا تزال تتعثر في أذنيه. كان يحاول تلقّف الكلمات، لكن بعضها يفلت من ذهنه “كما تفلت الطيور من قبضة طفلٍ لا يجيد الإمساك”.
فطرح على نفسه سؤالًا مألوفًا غريبًا معًا:
هل تتغيّر اللغة حين يتغيّر المكان؟
أم أن الكلمات نفسها تحمل ظلالًا جديدة حين تُقال في فضاء لا نعرفه بعد؟
وهل يمكن للغة أن تحتفظ بوزنها وحرارتها حين تغادر البيئة التي وُلدت فيها؟
وفي خضمّ هذا الاضطراب، بدأ الحوار الداخلي لسالم يتشكّل:
“هل أضيّع نفسي إن لم أفهم لغة المدينة؟
أم أنّ فهمها سيعيد تشكيل ذاتي بطريقةٍ لم أختبرها من قبل؟”
كل كلمةٍ يسمعها ولا يفهمها، وكل مشهدٍ يعبر النافذة دون أن يلتقطه بكامل معناه، يصبح امتحانًا جديدًا للذاكرة، وللقلب، وللرغبة في التعلّم. هنا، بدأ يدرك أن اللغة ليست أداة فحسب؛ إنها “رحلة” تتداخل فيها المعرفة والإحساس، التاريخ واللحظة، الذات والعالم.
لغةٌ تفتح أبوابًا جديدة، وتعيد تشكيل نظرة الإنسان إلى نفسه، وتبني بينه وبين المكان الجديد جسورًا لا تُرى، لكنها تُشعره بأن الحرف يمكن أن يصبح وطنًا، وأن الصمت يمكن أن يتحوّل إلى بداية صوت.
كان يحمل حقيبته ويمشي إلى مدخل السكن الجامعي بخطواتٍ لا تخلو من التردّد. المكان يعجّ بالحركة: أبواب تُفتح وتُغلق على وتيرة لا تهدأ، طلاب يعبرون متعجلين يحمل بعضهم دفاترهم، وآخرون يجرّون حقائب بلاستيكية تُصدر خشخشةً تشبه وقع الأمواج المتكسّرة، وصوت بائع قريب ينادي على بضاعته وكأن المدينة كلها تتنفس بصوته.
لم يعرف سالم أين يضع عينيه؛ شعر أن المدينة تُهاجمه بوجوهها وأصواتها وأنفاسها دفعة واحدة. وهنا هتف في داخله سؤالٌ يتردّد مثل صدى بعيد:
“هل الفهم يبدأ بالمكان أم بالذات؟
وهل اللغة التي تتحدث بها المدينة ستصل إليّ، أم أنني أنا من أحمل إليها لغتي لأفهمها؟”
صعد إلى غرفته في الطابق الثالث. كانت غرفة صغيرة، ضيّقة المساحة، فيها سريران متقابلان، ومكتبان يواجه أحدهما الآخر كما لو كانا وجهين متحاورين. لم يكن في الغرفة أحد. وضع حقيبته على السرير القريب من النافذة، ثم وقف متأملاً، كأنه يقرأ نصًا لم تُكتب مقدمته بعد.
لا شيء هنا يشبه عالمه القديم — لا شجرة الليمون التي تُظلّل عتبة البيت، ولا الكتب المدرسية التي كانت تتكدس على طاولة أمه، ولا كرسي والده الخشبي الذي اعتاد الجلوس عليه ساعة الغروب.
جلس على السرير وأخرج دفترًا قديمًا، صفحاته ممتلئة بخطه المرتبك الذي كان يتطوّر معه خطوةً بعد خطوة. لم يفكر بما سيكتب؛ ترك القلم ينطلق كما ينطلق المسافر في طريقٍ لا خرائط له. ووجد الكلمات تتقدّم وحدها، كأنها تعرف وجهتها قبل أن يعرفها هو:
“اليوم… بدأتُ لغةً جديدة.
لغةٌ لا تشبه ما ورثته من أبي وأمي،
بل لغةٌ تتغيّر فيّ قبل أن أفهمها.
أخشى أن أضيع فيها،
وأخشى ألّا أضيع.
سالم.”
وما إن انتهى من كتابة السطر الأخير حتى ارتفع في داخله سؤال آخر، سؤال له جذور ضاربة في تاريخ اللغة كما في تاريخ الإنسان:
هل اللغة تصنع الذات، أم أنّ الذات هي التي تُنبت لغتها؟
وهل يستطيع الإنسان أن يكتب نفسه قبل أن يعرفها، أم أنّ المعرفة تسبق الكتابة كما يسبق الضوءُ الظلّ؟
كان سالم يشعر، وهو يرى الحروف تنساب على الورقة، أنّ اللغة لم تعد مجرد جسر للتواصل، ولا وسيلة لحفظ الذكريات، بل أصبحت “رحلة لاكتشاف الروح”. كل حرفٍ يكتبه يفتح نافذة صغيرة على عالمه الداخلي، وكل جملة تنكشف أمامه كطريق جديد نحو ذاته التي لم يتعرّف إليها بعد.
وفي صمت الغرفة الضيقة، بدت الكلمات التي ورثها من أبيه وأمه — الأمثال، العبارات القديمة، الدعوات الخفيفة حين يخرج إلى المدرسة — وكأنها لم تَبْلَ، ولم تتشتّت، بل تحوّلت إلى “جسور تمتدّ نحو المستقبل”، جسور تربط بين لغة الأمس ولغة الغد، بين الطفل الذي كانه، والشاب الذي يبدأ الآن كتابة نفسه من جديد.
وهكذا أدرك سالم أن اللغة، منذ فجر العربية وحتى يومه، لم تكن يومًا حروفًا تُجمع فحسب، بل كانت دائمًا “نبضًا يُقرأ بالقلب قبل اللسان، ومرآة يرى فيها الإنسان صورته حين يبحث عنها”.
أغلق الدفتر ببطء، كما لو أنّ الصفحة الأخيرة كانت نافذةً تُطوى على عالم صغير انكشف للتوّ. وما إن وضعه جانبًا حتى سمع حركةً في الرواق تتقدّم نحوه، يعقبها طرقٌ خفيف على الباب. نهض وفتحه، فوجد أمامه شابًا طويل القامة، عريض الابتسامة، قال بصوتٍ مرح:
“أهلًا جار… يبدو أنك جديد هنا؟”
اكتفى سالم بهزّ رأسه، خجلٌ خفيف يتحرّك في ملامحه كعادته حين يختار الصمت بدل الكلام. وفي داخله، ارتفع سؤالٌ يلامس جوهر ما يعيشه:
“هل يُقاس الانتماء بالابتسامة أم بالكلمة؟
وهل يكفي أن تُعرّف نفسك للآخر، أم أنّ اللغة ذاتها تحتاج إلى وقتٍ كي تُقيم بين الأرواح جسرًا آمنًا؟”
قطع طارق حيرته بدعوة سريعة:
“يلا… في قاعة كبيرة نازلين نسمع أول محاضرة بمادة “المكتبة العربية”. بيحكوا إنو الدكتورة اللي بتدرّسها قوية كتير!”
تردّد سالم لحظة، ثم تبعه، وكأن قدميه سُحبتا بفضولٍ لا يستطيع مقاومته. وفي أثناء نزولهما السُّلّم، بدأ حواره الداخلي ينبض من جديد:
“اللغة… ها هي تعود لتقف أمامي، لا كحروفٍ وأصوات، بل كاختبار جديد. هل سأتعامل معها كما كنت أفعل في قريتي؟ أم أنّ لهذه المدينة لسانًا آخر؟ هل اللغة هنا وسيلة لفهم المحاضرة فقط، أم مرآة لعالمي الداخلي الذي لم يتشكّل بعد؟”
كانت الشمس قد ارتفعت في السماء، تُلقي ضوءها على ممرّات حديقة الجامعة التي امتلأت بالحركة، أما داخل المبنى فوجوه كثيرة تعبر كصفحات كتاب ضخم لا يعرف سالم كيف يقرأه بعد، وخزائن إلى جانب من بعض الممرات تُفتح وتُغلق، ودفاتر بأيد طلاب تُقلب بعجلة. شعر للحظة أنه يقف في “نص غير مكتوب”، نصّ تتحرك فيه الأحداث بسرعة، ولا يبقى منه في الذاكرة إلا ما يختاره القلب لينقش أثره.
وحين وصلا إلى باب المدرّج “الأول”، توقّف قليلاً. شعر بارتجافة خفيفة في صدره… ليست خوفًا خالصًا، وليست دهشة كاملة، بل شيء بينهما، شيء يشبه الاستعداد لاستقبال عالم جديد. كأن اللغة ذاتها واقفة هناك، خلف الباب، تنتظره لتسأله بصوتٍ لا يسمعه إلا الداخلون إلى عالمها:
“هل نفهم الكلمات كما نفهم أنفسنا؟
أم أننا حين نقرأ كلمةً، نعيد قراءة حياتنا كلها؟
وهل تبدأ معان النص عند لحظة قراءة النص،
أم عند لحظة قراءة العالم… والذات… والآخر؟”
دخل المدرّج بخطوة متردّدة، لكنه شعر أن هذه الخطوة كانت بداية صفحة جديدة في كتابه، صفحة لم تكتب بعد، لكنها بدأت تُفتح ببطء، كأن اللغة تقول له:
“تعال… فالرواية لا تبدأ إلا حين تُفتح الأسئلة.”
في ذلك الصمت القصير، قبل أن يعلو صوت الأستاذ أو تُفتح دفاتر العلم، انفتحت في ذهن سالم “أبوابٌ لم يعرف لها اسمًا من قبل”: أبواب لحوارات خفيّة كانت تتنقّل داخله بين الفكرة والروح، بين المعرفة التي يريدها والخوف الذي يدرك شكله، بين الصمت الذي اعتاده والصوت الذي تنتظره الحياة منه. كان يشعر أن كل لحظة تسبق الدخول إلى عالم اللغة تحمل سرًا صغيرًا، وأن كل سرٍّ ينتظر ساحة ليُكشَف فيها.
فتح “طارق” الباب، ودخلا معًا. امتلأت المقاعد تقريبًا، وفي الصفوف الأمامية لفت نظر سالم مشهدٌ بسيط لكنه غريب الأثر: فتاة هادئة، شعرها الأسود ينسدل بانضباط نحو كتفيها، تنظر أمامها بثباتٍ يشبه السكينة، وتدوّن شيئًا في دفتر صغير. لم يعرف اسمها بعد، لكن في طريقة جلوسها، وفي انحناءة قلمها، وفي تلك النظرة العميقة التي لم تلتفت إليه، أحسّ سالم — دون سبب ظاهر — بأن وجوده في هذا المدرّج لن يكون كوجود أي طالب آخر.
وكأنّ في حضورها “نصًّا ينتظر أن يُقرأ”، أو بابًا سيُفتح له يومًا ما.
اختار أن يجلس في الصف الرابع، ووضع حقيبته تحت المقعد، محاولًا أن يلتقط خيطًا من خيوط المكان. دقائق قليلة… ودخلت الدكتورة إلى القاعة. انقطع الهمس، ثم ارتفع صوتها واثقًا، واضحًا كرصاصة ضوء:
“سنبدأ اليوم بكلمة واحدة…
كلمة تغيّر معناها عبر قرون.
كلمة تقول لنا إن اللغة ليست ما نقوله فقط… بل ما نخاف أن نقوله.”
شعر سالم أن هذه الجملة لم تُلقَ في الهواء، بل سقطت في داخله، فأثارت دوامة من الأسئلة التي لم يعرف كيف تبدأ ولا أين تنتهي. تردّد في صدره سؤال لم يخطر له من قبل:
“هل اللغة تتغيّر مع الزمن، أم أنّ الزمن نفسه يتغيّر وفق تجدد اللغة؟
وهل كل كلمة هي سجلّ لتجربة الإنسان، أم مرآة لما نخفيه في جذور الروح؟”
بدأ يسمع صوتها يمتد في القاعة بثقة مدهشة، فازداد يقينه بأنه لم يأتِ إلى الجامعة لمجرّد بداية دراسة، بل لبداية حياةٍ جديدة، حياة تتشكّل من كلمات، ومن أسئلة لا تقلّ وزنًا عن المعاني.
لكنه لم يفهم بعد ما الذي شدّه في صوتها تحديدًا:
هل هو ذلك الثبات الهادئ الذي يسكن نبرة الأستاذة؟
أم الكلمات التي خرجت من فمها كأنها “حجارة صقيلة رُصّت فوق بعضها بعناية حكيم قديم”؟
أم ربما ذلك الشعور بأنها لا تُدرّس درسًا في اللغة… بل تكشف سرًّا من أسرارها القديمة، سرًّا ظلّ مخبوءً في التحولات التي مرّت بها العربية منذ الجاهلية إلى اليوم؟
جلس سالم يتأمّل، وبدأت الأسئلة تنفتح داخله كما تنفتح صفحة جديدة من كتاب لا ينتهي:
“هل يبدأ الفهم الحقيقي للغة بالحفظ والتقليد، أم بالتأمل والاستكشاف؟
وهل يمكن لكلمةٍ واحدة أن تحمل تاريخ العربية كلّه؛
تاريخ الأصوات الأولى للأجداد،
وتحوّلات المعاني،
ومسارات الدلالة التي كتبتها الأجيال بحبر التجربة؟”
في تلك اللحظة، أدرك أن كل ما سيأتي بعد هذه المحاضرة — وكل ما سيكتبه ويعيشه — سيبدأ من سؤال، وأن السؤال نفسه هو أول خطوة في طريق اكتشاف اللغة… وطريق معرفة الذات.
وبينما كانت الدكتورة تمضي في شرحها بنبرةٍ واثقة، شعر سالم أنّ دخوله هذا المدرّج لم يكن دخولًا اعتياديًا، بل انخراطًا في “رحلة عبر الزمن”؛ رحلة تمتدّ من ظلال المخطوطات القديمة إلى إشراقات النصوص الحديثة، من تراتيل الشعر الجاهلي إلى دقّة البلاغة العربية في أرقى عصورها. بدا له كأنّ كل كلمة تُقال تحمل ثقلًا نفسيًا خاصًا، وأنّ كل مسافة صامتة بين جملة وأخرى تخبّئ معنًى لا يُفصح به مباشرة، بل يُترك لذائقة المستمع ووعيه أن يلتقطه.
وفي أعماقه استيقظ صوت آخر، كأنّه ظلّ وديع لروحه يسأله بما يشبه الحيرة المطمئنة:
“لماذا أنصت إلى الكلمات أكثر مما أقرؤها؟
أهو لأن نبرة الصوت تكشف سرًّا لا تستطيع الحروف وحدها حمله؟
أم لأن اللغة ليست أدواتٍ وحسب، بل هي ضربٌ من نبض الوجود وامتدادٌ لصوت الإنسان في هذا العالم؟”
وفي ذلك الصمت المملوء بالأصداء، أدرك سالم أنّ العلم لا يقوم على حفظ الكلمات فحسب، بل على تأمّلها، استكشاف جذورها، تتبع مساراتها بين العصور، والانفتاح على ما تبوح به من أبواب جديدة للذات والعالم على حد سواء.
كانت القاعة هادئة، لكن هدوءها لم يكن فراغًا؛ بل امتلاءً.
طلاب في الصفوف الأولى يكتبون بنشاط، وآخرون يتأملون اللوح بعينين نصف شاردتين، فيما كان سالم يحاول أن يلتقط كل كلمة، وكأن خوفًا خفيًا بداخله يحذّره من أن تفلت منه عبارة واحدة، إذ ربّما كانت تلك العبارة قادرة على أن تغيّر فهمه للغة… وربما لنفسه أيضًا. حتى الهواء بدا وكأنه يحمل “نبرة الدكتورة”، ويتعلّق قليلًا في الفضاء بين السقف والجدران قبل أن يستقرّ على الطاولات وأوراق الحضور.
عادت الدكتورة إلى السبّورة، وقالت بصوت فيه شيء من البصيرة القديمة:
“انظروا… كلمة واحدة قد تحمل تاريخًا كاملًا.
وقد تُخفي خوفًا، أو رغبة، أو خيالًا.
المعنى ليس ثابتًا.
المعنى يعيش كما تعيش الأحياء.”
رفعت الطباشير بين أصابعها، ورسمت الكلمة بحركة بطيئة كأنّها تنقّب في الذاكرة:
“الهَوَى”
ثم التفتت إلى القاعة، ونظرتها تستفزّ الأسئلة قبل الأجوبة:
“من يجرؤ أن يعرّفه؟”
في تلك اللحظة، أحسّ سالم أنّ السؤال لم يكن مطروحًا للطلاب فقط، بل له وحده أيضًا.
وأنّ “الهَوَى” لم يكن مجرد لفظ، بل مفتاحًا لرحلة جديدة في فهم اللغة… وفهم القلب.
لم يتحرّك أحد. حتى الأوراق التي كانت تُحدِث خشخشة خفيفة قبل لحظات، خمدت كأن القاعة كلّها قد قرّرت أن “تُمسِك أنفاسها” في انتظار شيء لا يُعرَف كنهه. كان الطلاب يتبادلون النظرات بينهم بنوعٍ من القلق الهادئ، كأنّ الدكتورة لم تطلب تعريف كلمة، بل دعتهم إلى عبور جسرٍ يمتدّ بين المعنى والحياة.
وفي هذا الصمت المتوتّر، بدأ صوت سالم الداخلي يعلو بين أضلعه، كأنه حوار يخرج من أعماق اللغة نفسها:
“هل يمكن للكلمة أن تكون أكثر من حروفٍ تُكتب؟
هل تحمل في طيّاتها حياة الإنسان، وتجربته، وخوفه، وتردده، وجرأته؟
وهل تُفهم الكلمة حين ننطقها… أم حين نعيش معناها؟”
وبينما كانت الدكتورة تتهيّأ لتكمل حديثها، ارتفع صوت رقيق من الصف الأمامي. صوتٌ فيه من الهدوء ما يجعل المستمع يميل نحوه دون وعي:
“الهَوَى… ليس شيئًا واحدًا.
هو السقوط… وهو الحبّ.
هو الانجذاب… وهو الضعف.
وربّما… هو أن يهبط القلب من مكانه دون أن يستأذن صاحبه.”
ساد صمت جديد، لكنّه هذه المرة لم يكن صمتًا جامدًا، بل صمتًا ممتلئًا بالدلالة. شعر سالم أن الكلمات التي سمعها الآن ليست تعريفًا لغويًا، بل تجربة إنسانية تتسلّل إلى داخله. فقال لنفسه:
“هل الكلمات تُكتب لتُفهَم… أم لتُستشعر؟
هل لكل معنى نبضٌ داخلي يسبق نُطقه؟
وهل اللّغة تكشف لنا أسرار القلب، كما تكشف لنا أسرار التاريخ والدلالة عبر العصور؟”
وفجأة، أحسّ سالم بأن كلمة “الهَوَى” لم تعد درسًا أكاديميًا، بل “نافذة تُطلّ على الذات”، نافذة تطلب منه أن يسأل، وأن يتأمّل، وأن يوازن بين ما يتكوّن في القلب وما يُصاغ على اللسان؛ بين المعنى الذي يُقال، والمعنى الذي يظلّ حبيس الصمت.
وفي هذا الهدوء الذي عاد يسود القاعة، أدرك سالم شيئًا لم يفكر فيه يومًا:
إنّ اللغة ليست ما يُلفَظ فحسب، بل ما يُشعَر به، وما يمنح الإنسان القدرة على سماع صوته الداخلي، وما يفتح له أبوابًا لفهم ذاته والعالم في آنٍ واحد.
التفت الطلاب نحو مصدر الصوت. هناك كانت الفتاة نفسها التي لمحها سالم عند دخوله القاعة — “ميّ”. جلست مستقيمة الظهر، كأنها جزء من سكون المعنى نفسه، وأمسكت قلمها كما لو أنه امتداد لوعيها وروحها، لا مجرد أداة للكتابة.
ابتسمت الدكتورة بهدوء العالم الذي يعرف تمامًا من أين تأتي الإجابة، ولم يبدو على وجهها أي أثر للمفاجأة. قالت بصوت يجمع بين الرضا والانتظار:
“جيّد يا…؟”
رفعت الفتاة رأسها قليلًا، وبنبرة ثابتة قالت:
“ميّ.”
كتبت الدكتورة كلمة أخرى على السبورة، بحركة بطيئة وكأنها تضع حجر أساس لفهم أعمق:
“النَّسِيء”
ثم التفتت نحو الطلاب بنظرة تمزج بين التحدّي والتوقع:
“والآن… من سيشرح كيف تتغيّر كلمة حين تتغيّر الحضارة؟”
شعر سالم بأنّ السؤال وقع عليه كصخرة كبيرة تُسقط على حواسه قبل عقله، موجة عالية تتقاذف الأفكار والوجدان معًا. كان يعرف الكلمة من أبيه وأمه، ومن دروس قديمة عن تقويم العرب و”الأيام النَّسيئة”، وكيف استخدموا هذا المفهوم لقياس مرور الزمن وربطه بالمجتمع واللغة. لكن الوقوف أمام هذا السؤال المباشر كان أشبه بالوقوف أمام جبل شاهق: مهيب، صامت، يختبر قوّة قلبه قبل عقله.
جلس الصمت حوله كثوبٍ ثقيل يضغط على صدره، وبدأ حديثه الداخلي يتردد بصوت خافت:
“هل فهم اللغة يعني حفظ المعنى فقط، أم إدراك كيف يتغير مع الزمن؟
هل كل كلمة تحمل روح حضارة كاملة؟
أم أن الحضارة تصنع الكلمات كما تصنع الحياة نفسها؟”
تردّد قليلاً، ثم رفع إصبعه لأول مرة. شعوره كان مزدوجًا: رهبة صغيرة، ومغامرة داخلية. كأن قلبه يسبق يده في مخاطرة دقيقة، مخاطرة تكشف جزءًا من ذاته أمام الآخرين. ارتجف قليلاً، لكنه شعر بضغط داخلي قوي: شيء ما في داخله يُصرّ على أن يُسمع.
رأت الدكتورة إصبعه، ونظرت إليه بعينين هادئتين، كما لو كانت تعرف أنّ هذا الموقف سيكشف جانبًا جديدًا من شجاعته. قالت بصوتٍ فيه حرارة الاحترام والتشجيع:
“تفضّل.”
الفصل الثاني:
وفي تلك اللحظة، شعر سالم أن اللغة ليست مجرد أدوات للتواصل، بل “حياةٌ تتكشف أمامك في كل حرف، وكل كلمة تحمل زمنها ومكانها وروح من قالها أول مرة”. وفي أعماق ذاته، بدأ الحوار يتفرع، مع ميّ التي كتبت بهدوء، ومع نفسه التي كانت تبحث عن موقعها في عالم الجامعة الجديد، ومع التاريخ الكبير للغة العربية، الذي يربط الكلمات ببعضها، الماضي بالحاضر، والمعرفة بالوجدان.
شعر سالم بأنّ قدميه “عالقتان في الأرض”، كأن الأرض نفسها تمنعه من الإفلات، لكن الكلمات تقدّمت نيابة عنه، خرجت من داخله بعفوية لم يخطط لها:
“النَّسِيء… هو تأجيل.
تأجيلٌ لشيءٍ يخشاه الناس، أو يريدون أن يخفوا أثره.
والعرب كانوا يؤجّلون الأشهر الحرم…
كأنهم يلعبون بالزمن ليحافظوا على… على توازنٍ معيّن.”
توقف للحظة، ارتجف قلبه خفيةً، وخشى أن يكون قد أخطأ، أو أن يضحك أحد. لكن الدكتورة نظرت إليه بجدّية لم يتوقعها، ثم قالت بهدوء يملؤه الاحترام:
“هذا تعريفٌ جميل يا…؟”
“سالم.”
أومأت برأسها ببطء، وأضافت:
“أحسنت يا سالم.
المعنى ليس ما نقوله فقط… بل ما نهرب منه.”
حلّ صمت خفيف في القاعة، لم يكن صمت ارتباك، بل صمت انتباه، صمت يحمل سؤالًا ضمنيًا لكل حاضر:
هل الكلمة تكشف عن ما نحاول إخفاءه؟
وهل اللغة ليست مجرد حروف، بل مرآة للوجدان والتجربة الإنسانية؟
في تلك اللحظة، شعر سالم أنّه “يلمس شيئًا من ذاته”، ذلك الجزء المجهول الذي ظل مختبئًا منذ غادر القرية، منذ أن ترك وراءه رائحة البحر، ظلّ الليمون، وصفاء غرفته الصغيرة. أدرك أن اللغة، بهذا المعنى العميق، لم تعد أداة للتعبير فحسب، بل جسرًا يصل بين الداخل والخارج، بين الزمان والمكان، بين ذاته والآخرين.
بدأ في داخله حوارٌ جديد:
“هل الكلمات التي أخاف منها في صمتي، تلك التي أهرب منها، هي نفسها التي ستعلمني شيئًا عن نفسي؟
وهل المعرفة تبدأ من الخارج، أم من الصوت الذي ينبعث من الداخل؟”
وهكذا، بينما كان صمت القاعة يملأ المكان، شعر سالم أن اللحظة التي مرّت ليست مجرد درس عن “النَّسِيء”، بل كانت درسًا أعمق: درس عن اللغة والزمان والذات، عن الشجاعة في الوقوف والمواجهة، وعن الطريق الذي يبدأ فيه الإنسان لفهم ذاته قبل أن يفهم العالم.
بعد انتهاء المحاضرة، خرج الطلاب في مجموعات، بعضهم يتناقش حول أمثلة الدكتورة، والبعض الآخر يهرع إلى محاضرة أخرى، فيما كان سالم يخطو ببطء شديد، كأن قدميه “تخافان أن تتحرّكا قبل أن يكتمل في صدره معنى ما سمعه”.
كان طارق يسير بجانبه ويثرثر عن ازدحام القاعة، لكن سالم لم يسمع منه إلا نتفًا قليلة. كل شيء في رأسه كان يدور حول كلمة واحدة:
“المعنى… يعيش.”
وحين وصل إلى أوّل الساحة أمام المدرّج، لمح “ميّ” تمشي وحدها، دفترها في يد، ويدها الأخرى تحمل كتابًا صغيرًا. لم تلتفت، لكنها كانت تسير بخطواتٍ ثابتة، كأنها تعرف طريقها جيدًا.
مدّ سالم نظره نحوها دون أن يعرف سببًا واضحًا لذلك. لم تكن هناك كلمة مناسبة لوصف شعوره؛ لا “إعجاب”، ولا “فضول”، ولا “دهشة”. كان الأمر أبسط — وأعمق — من كل ذلك. شعر بأن تلك الفتاة “تقرأ العالم بطريقةٍ يريد هو أن يتعلمها”، بطريقة تشبه ما قرأه في كتب البلاغة القديمة عن تأثير الكلمة على النفس والروح، وعن “سرّ العلاقة بين المعنى والصوت والصمت”، كما في تراثنا العربي عبر القرون.
وفي أعماقه بدأ حوارٌ جديد:
“هل هذه الطريقة في قراءة العالم مرتبطة فقط بالكلمات، أم هي امتداد للغة الداخلية التي نولد بها؟
وهل اللغة الحية ليست فقط ما يُقال، بل ما نستشعره ونحمله في أعماقنا؟
وهل يكفي أن نفهم الحروف لنفهم المعنى، أم أنّ الفهم يحتاج إلى نبض القلب وروح التأمل؟”
تحولت المشهدية أمام سالم إلى درس غير معلن: درس عن الصمت، عن النظر، عن اللحظة التي تقرر فيها الذات أن تتعلم، أن تتفتح على الآخر، أن ترى العالم بلا حواجز بين الكلمات والوجدان.
في المساء، حين عاد إلى غرفته الجامعية، جلس على السرير، وأخرج دفتره القديم، وبدأ يخطُّ أفكاره:
“اليوم… شعرتُ أنّ اللغة ليست شيئًا أتعلّمه،
بل شيءٌ يعيد ترتيب قلبي.
قلت كلمةً، فسمعتها، فعرفتُ أن للصوت ثقلًا…
وأنّ المعنى إن نطقناه خائفين، انكسر.
وإن نطقناه شجعانًا، كشف لنا أنفسنا.
سالم.”
وضع القلم ببطء، ونظر من نافذة الغرفة نحو السماء الدمشقية، وقد بدأ الغروب يلوّنها بلونٍ يشبه المسك، لون يذكره بصفاء الفجر في قريته، لكن مع شعور مختلف: شعور بالانفتاح على عالم جديد، على لغة جديدة، على “صوتٍ داخلي لم يعرفه قلبه من قبل”. ولأوّل مرة، لم يشعر بالغربة تمامًا.
لم ينم تلك الليلة بسهولة؛ كان قلبه مفعمًا بشيء يشبه الارتجاج الخفيف، كأن الدرس الذي سمعه صباحًا ما زال “يدقّ جدران صدره على مهل”. تقلّب فوق فراشه الضيق في الغرفة الجامعية، يسمع شخير زميله الجديد طارق، ويراقب خطوط الضوء البرتقالي الذي يتسلّل من مصباح الشارع إلى الجدار.
وفي داخله، بدأ الحوار المستمر مع ذاته:
“هل اللغة تُكتب لتُفهم، أم لتُعاش؟
وهل الصوت يحمل معنى يسبق الحروف، كما قال القدماء العرب في البلاغة: ‘الكلمة قبل اللفظ’؟
وهل يمكن للمعنى أن يترسخ في القلب قبل أن يستقر في العقل؟
وهل يُمكن للغة أن تكون جسرًا بين الذات والعالم، بين الداخل والخارج، بين الخوف والشجاعة؟”
كان صوته الداخلي، مع كل سؤال، يضيف طبقة جديدة من الفهم: طبقة تتجاوز مجرد المعرفة إلى تجربة حية، تجعل الكلمات ليست مجرد حروف، بل “نبضًا يتحرك في روح الإنسان قبل أن يُنطق”.
وبين همس الظلال على الجدران، وضوء الشارع الذي يتسلل إلى الغرفة، شعر سالم بأن كل كلمةٍ ينطقها أو يسمعها، وكل صمتٍ يحتضنه، “هو تجربة صغيرة لفهم الذات وفهم العالم معًا”. كانت ليلةً يختلط فيها الحلم بالواقع، واللغة بالشعور، والذاكرة بالاستشراف، وكأن المدينة كلها تهمس له بأن المعنى لا يُقاس بالحروف وحدها، بل بالروح التي تحملها.
فتح دفتره مرة أخرى، وقرأ ما كتبه، ثم أغلقه بسرعة، كمن يخاف أن يرى نفسه أكثر مما يحتمل، كمن يخشى أن تتضح له أعمق طبقات كيانه قبل أوانها.
وحين بدأ النعاس يهبط عليه، كان آخر ما سمعه “صمت المدينة… وصوت داخلي يقول له:
‘أنت في البداية، فقط البداية.’”
في اليوم التالي، نهض مبكرًا. غسل وجهه، وارتدى لباسه الجامعي الأزرق، ومشى نحو الكلية قبل أن يزدحم المكان، قبل أن تسرق الحركة صوته الداخلي، قبل أن يبتعد إحساسه الأول بالكلمة والمعنى عن صدره.
كانت دمشق في ذلك الصباح تُشبه مدينة “تُعيد ترتيب نفسها”: بائعو الخضار يزيحون الستائر عن بسطاتهم، عمّال المقاهي يدقّون الأكواب على الرخام، وطلابٌ يقطعون الساحة بعيون نصف نائمة، يحملون كتبًا ودفاتر وأحلامًا ثقيلة.
سار سالم ببطء، كأنه يخشى أن يصل بسرعة، وأن يتبدّد ذلك الشعور الذي تركته فيه محاضرة الأمس، ذلك الشعور الذي جعله يسمع للغة كأنها “نبض داخلي يُسافر عبر الزمن”، من فجر قريته إلى قلب المدينة، من الصمت إلى الصوت.
وفي داخله بدأ الحوار المستمر مع ذاته:
“هل اللغة تُعاش قبل أن تُحفظ؟
وهل الكلمات التي نتردد في نطقها تحمل سرّ الذات أكثر من الكلمات التي نعلنها؟
وهل يمكن للمعنى أن يولد من صمتٍ طويل قبل أن يولد من الكلام؟
وهل الإنسان يعرف ذاته حين يسمع صوته الداخلي أم حين يسمع صوت العالم؟”
كان كل خطوة يخطوها، وكل ظل يعبر طريقه، يفتح أمامه نافذة صغيرة على “تجربة جديدة للغة”، تجربة تتجاوز السرد والشرح لتصبح “حياةً تُكتشف، قلبًا بعد قلب، نبضًا بعد نبض”.
حين دخل باحة الكلية، لمح سالم مجموعة طلاب واقفين أمام لوحة الإعلانات، يتجادلون حول جدول بعض المحاضرات. توقف على بُعد خطوة، غير راغب في الاقتراب أو الانخراط، فاكتفى بالاستماع من بعيد، كمن يتأمل مشهدًا لم يُدرك بعد كل خفاياه.
كان بينهم صوت مألوف… صوت هادئ، لكنه يحمل وضوحًا يخلق فراغًا حوله، فراغًا يترك للمعنى أن يتسلل. إنه صوت “ميّ”.
كانت تقول:
“لا… ليس في القاعة الثالثة. الدكتورة عزيزة لا تغيّر مكان محاضرتها عادة. انظر هنا… الجدول واضح.”
وقف سالم للحظة، يسمع الكلمات وكأنها “حروف تتجسّد في الواقع”، تربط بين الداخل والخارج، بين صمت الأمس وضوضاء اليوم، بين صوته الداخلي ووعي المدينة. شعوره بها، مع كل حركة ولفظ، يثير فيه إدراكًا دقيقًا: أنّ اللغة ليست مجرد أدوات للتواصل، بل “حياة تتكشف في التفاصيل اليومية”، أنماط صمت ونبرة ووضعية، كل ذلك جزء من قراءة عميقة للواقع.
وفي داخله بدأ التساؤل:
“هل كل لغة تُقرأ بهذه الطريقة؟
أم أن هناك صوتًا داخليًا يجعل الكلمات حيّة؟
وهل كل لقاء مع الصوت والوضوح هو بداية لفهم أعمق للذات؟”
اقترب سالم خطوة دون أن يعي، كأنه يُقاد نحو نص لم يُكتب بعد.
كانت ميّ واقفة أمام اللوحة، دفترها بيدها، وكتاب صغير تحت ذراعها.
شعر سالم أنه يعرف ذلك الكتاب: غلاف قديم، لون رمادي، وعنوانه بخط أسود واضح:
“دلائل الإعجاز”.
فتجمّدت نظرته لحظة، كأنه يرى شيئًا يخصه، شيئًا من عالمه الداخلي يطل من بين دفّات الورق والكلمات، كأنه يلمس جسورًا بين صوته الداخلي وعمق اللغة، بين المعرفة المكتسبة وفضول القلب، بين ما هو ظاهر وما يختبئ في النفس من أسئلة تنتظر أن تُسمع.
التفتت إحدى الطالبات إلى ميّ وقالت:
“معك حق… ما كنت شايفته!”
ضحكت ميّ بخفّة، ثم أدارت جسدها لتبتعد، فاصطدمت عيناها بعيني سالم.
لم يدرِ سالم ماذا يفعل. ارتعش شيء في صدره، خفقان هادئ، كأن قلبه يحاول قراءة اللحظة قبل أن تُقرأ الكلمات. رفع حاجبيه قليلًا في محاولة لإخفاء ارتباكه، وهي بدورها بدت للحظة قصيرة متفاجئة، ثم أمالت رأسها بتحية خفيفة:
“صباح الخير.”
ردّ سالم بصوت أضعف قليلاً مما أراد له:
“صباح النور.”
سألت ميّ بفضول لطيف:
“أنت… سالم، صحيح؟”
“نعم.”
ابتسمت وقالت:
“قرأتُ تعريفك للنَّسِيء أمس… كان جميلًا.”
ارتجف شيءٌ ما في صدره، شيء يشبه “نبض الكلمة الذي يتردد داخل النفس قبل أن يصل إلى الصوت”. كيف تذكّرت؟ كيف التقطت كلماته وسط عشرات الأصوات والهمسات؟
قال وهو يحاول أن يبدو ثابتًا:
“قَدَر ما أعرف.”
وفي داخله بدأ الحوار الداخلي يتسارع، ينساب بين التفكير والشعور:
“كيف للكلمة أن تترك أثراً في شخص آخر؟
هل اللغة ليست فقط أداة للتواصل، بل مرآة للوجدان؟
وكيف يمكن لالتقاط كلمة واحدة أن يربط بين الحاضر والماضي، بين نفسي والآخر، بين الصمت والصوت؟”
كان صمت اللحظة يملأ الفراغ بينهما، صمت يحمل حرارة الأسئلة، صمت يحرك الوعي: هل الفهم الحقيقي للآخر يبدأ من الصوت أم من المعنى الخفي الذي يكتشفه القلب؟ وهل يمكن للكلمة أن تصبح جسراً بين عوالم مختلفة في لحظة قصيرة؟
أما ميّ، فقد شعرت للحظة بأن حضور سالم يختلف عن أي حضور آخر، وأن صمته يحمل ما لم يُقال بعد:
“هل كل من يكتب بصدق يترك أثرًا؟
وهل يمكن للصوت الداخلي أن يُسمع من دون أن يُنطق؟”
كانت تلك اللحظة، على بساطتها، “بوابة لفهم جديد”، فهمٌ للغة، للذات، ولعلاقة الإنسان بما يقول وما يخفي، ولحقيقة أنّ المعنى لا يُكتفى به عند القراءة فقط، بل يُعاش، ويُحسّ، ويُستشعر.
ابتسمت ميّ بهدوء:
“أحيانًا… القليل من المعرفة أعمق من الكثير من الحفظ.”
وتجاوزته بخفة، متجهةً نحو المدرّج “الأول”.
راقبها سالم تمشي، وكل خطوة منها تترك أثرًا خفيفًا في الهواء، كأنها “توقيع صامت على اللحظة”، توقيع يذكّره بأن اللغة ليست مجرد كلمات، بل إحساس يُستشعر في الحركة، في الصمت، وفي العينين قبل الأذنين.
في القاعة، جلس سالم في مكانه المعتاد. فتح دفتره، لكنه لم يكتب شيئًا، بل ظل ينظر إلى الباب، ينتظر دخول الدكتورة، أو ربما… ينتظر أن يرى ميّ تدخل أولًا.
جاءت الدكتورة في الموعد المحدّد، تحمل مجموعة أوراق، وقالت بصوتها الواثق الذي يشبه نبرة معلم يعرف ما يريد قوله:
“سنبدأ اليوم بدرسٍ في السياق.”
كتبت على السبورة بحروف واضحة:
“المعنى بلا سياق… جسد بلا روح.”
ثم التفتت إلى القاعة، تحدّق في وجوه الطلاب:
“من يشرح؟”
رفع سالم يده دون أن يشعر، شعور مختلط بالتردد والارتجاف الخفيف، لكنه لم يتراجع حين التقت عينا الدكتورة بعينيه.
وفي داخله بدأ الحوار المستمر:
“هل الفهم الحقيقي للكلمة يبدأ من سياقها، أم من قلب من ينطقها؟
وهل السياق يجعل المعنى حيًّا، أم أن الحياة تكمن في ما يشعر به الإنسان حين يلتقطها؟”
كانت هذه اللحظة بالنسبة له أكثر من مجرد درس، كانت “لحظة اكتشاف”: اكتشاف أنّ اللغة ليست مجرد أدوات، بل نبض داخلي، وشعور متبادل بين النطق، والصمت، والفكر، والوجدان.
قال:
“السياق… هو المكان الذي تُوضع فيه الكلمة.
هو علاقتها بما حولها، وما قبلها، وما بعدها.
بدونه… نرى كلمة فقط.
لكن معه… نرى حياة كاملة.”
في داخله، انبثق الحوار الداخلي:
“هل كل كلمة تحتاج إلى سياق لتُفهم حقًا؟
أم أن بعض الكلمات تحمل روحها حتى خارج السياق؟
وكيف يمكن للمعنى أن يتحوّل إلى حياة حين يُقرأ في مكانه الصحيح؟
وهل اللغة ليست كما قال القدماء: ‘الحروف جسور بين ما يُرى وما يُخفى’؟”
وبينما تتنقل عيناه بين السبورة وبين ميّ، التي جلست أمامه بثبات وتمعّن، شعر سالم بأن “الفهم ليس مجرد استيعاب، بل رحلة استشعار، رحلة ربط بين الذات والكلمة والواقع”.
كان يدرك أن كل درس، وكل كلمة تُكتب أو تُقال، ليست مجرد أدوات تعليمية، بل “دعوة لإعادة ترتيب العالم الداخلي قبل الخارجي”، لإعادة قراءة النفس وربطها بما حولها من أحداث وصور وأصوات.
ساد صمتٌ صغير في القاعة، صمتٌ يحمل وزن الكلمات قبل أن تُقال، صمتٌ يُشعر كل حاضر بأن المعنى يبدأ حين يُصغى إليه، قبل أن يُنطق، وأن كل حرف وكل نبرة تختزن تجربة الإنسان عبر الزمان والمكان.
سمع سالم صوتًا من الصف الأمامي — صوت ميّ، هادئًا، لكنه مشحون بالوضوح واليقين:
“السياق… أيضًا يقود المعنى.
أحيانًا يدفعه، وأحيانًا يحجّمه، وأحيانًا يحرّره.
يعتمد على موقع كل كلمة من الجملة… ومن الإنسان الذي ينطقها.”
نظرت الدكتورة إليهما معًا، نظرة فيها شيء من الرضا، وشيء من الملاحظة، كأنها تقول ضمنيًا: “أينما وُجد من يعي اللغة كحياة، يوجد فهم أعمق للوجود.” ثم أضافت بابتسامة خفيفة:
“جيد… يبدو أن لدينا في هذا الصفّ من يفهم أن اللغة ليست لعبة تُحفظ، بل طريق يُعاش.”
تسارعت دقات قلب سالم قليلاً، ولم يعرف السبب. في داخله، بدأ شيءٌ خفيّ يتشكّل، كأن خيطًا رقيقًا يمتد من مقعده حتى مقعد ميّ، خيطٌ لا تراه العيون، لكن الأرواح تشعر به، خيط من الصمت والفهم المشترك، رابط بين من يتأملون الكلمة وبين من يعيشونها.
بعد المحاضرة، خرج سالم إلى الباحة، التي كانت مزدحمة كالعادة: أصوات، ضحكات، دفاتر متناثرة، طلاب يمرّون مسرعين، كلٌّ يركض وراء معنى أو امتحان أو موعد. تأمل سالم للحظة، وفكّر:
“الإنسان في الجامعة يشبه كلمة تبحث عن جملة تحميها، عن سياق يحفظها ويكشفها معًا.”
وبينما كان يمشي بهدوء، سمع صوتًا هادئًا خلفه:
“سالم…!”
التفت، فوجد ميّ تقف خلفه، تحمل كتاب “دلائل الإعجاز” بيدها، وعيناها تشعّان بالهدوء واليقين. قالت:
“أعجبني ما قلته قبل قليل.
هل تقرأ في الدلالة منذ فترة؟”
اهتزّ شيء داخله، شعور بأن اللغة ليست فقط ما يُقال أو يُكتب، بل ما يلتقطه القلب قبل الأذن، وما يستشعره العقل قبل الحروف.
وسأل نفسه بصمت:
“هل يمكن للمعنى أن يُختبر حقًا إلا حين يُشارك، حين يُقرأ ويُسمع، حين يُحسّ بين اثنين، أو أكثر، يسعيان إلى فهم العالم من خلال الكلمات نفسها؟”
وكانت ميّ، دون أن تدري، قد أطلقت شرارة هذا التساؤل في داخله، لتفتح أمامه أفقًا جديدًا: أفقًا حيث الكلمة ليست مجرد صوت يُسمع، بل حياة تُعاش، حيث كل سياق يحمل في طياته حياةً كاملة، وكل معنى يُختبر في النفس قبل أن يُنطق على الشفاه.
هزّ سالم رأسه بخفّة، صامتًا لكنه يهمس لنفسه:
“أقرأ… لكنّي لا أفهم دائمًا.”
ابتسمت ميّ، وظهر في ابتسامتها شيء من الصبر والهدوء، كما لو أنّها تعرف أنّ الرحلة نحو الفهم تبدأ من الصمت قبل اللفظ:
“هذا يعني أنّك تقرأ كما ينبغي.”
ثم أضافت بصوت منخفض، كأنها تهمس لفكرة مختبئة في قلبه:
“إذا أحببت… يمكن أن نراجع بعض الأفكار سويًّا.
ليس شرطًا الآن… فقط حين تشعر أنك تريد ذلك.”
وسلّمت عليه بخفّة، واتجهت نحو المكتبة. تركته واقفًا، يشعر فجأة بأن الهواء أثقل مما كان، كأن الكلمات التي قالها لها بدأت تحتل مساحةً في داخله قبل أن يعي السبب.
همس لنفسه داخليًا:
“هذه الفتاة…
تفتح في قلبي نافذة، ولا تغلقها.”
وفي الليل، جلس سالم على سريره الضيق في المدينة الجامعية، أخرج دفتره، وأمسك القلم، فكتب:
“الميَّةُ… ماءٌ ولغة.
تشبه كلمة لا تكشف معناها من أوّل نظرة.
ربّما… تكون سياقًا جديدًا لحياتي.
وربّما… أكون أنا السياق الذي لم تتوقّعه.
سالم.”
وبين الحروف التي خطّها بيده، شعر سالم أنّ اللغة ليست مجرد أدوات للتعبير، بل “مسارٌ لفهم الذات، ومفتاحٌ لمكانٍ لا يظهر إلا حين نقرّب الكلمات من القلب”.
تساءل في داخله، صامتًا لكنه غارق في الفكر:
“هل كل لقاء يمكن أن يخلق سياقًا جديدًا للمعنى؟
وهل المعنى يمكن أن يولد من مجرد صمتٍ أو نظرة، قبل أن يُقال؟”
وللمرة الأولى، شعر أن القراءة ليست واجبًا أو درسًا، بل “رحلة اكتشاف مستمرة، رحلة يكتب فيها كل من يعيش اللغة جزءًا من ذاته، ويجد فيها نافذة على العالم”، نافذة قد تبدأ صغيرة، لكنها تتسع مع كل كلمة تُفهم وتُعاش، ومع كل تجربة يُنيرها الوعي والوجدان.
ثم أغلق الدفتر ببطء، كمن يغلق بابًا على سرٍّ بدأ للتوّ يتكوّن. ومنذ أن قالت له ميّ: “إذا أحببت… نراجع بعض الأفكار سويًّا”، لم يغادر صوتها رأسه، كان يتردّد بين ثنايا ذاكرته كما يتردد اسم طفلٍ في أول يوم مدرسة: خوف وفضول وارتباك جميل لا يعرف له اسمًا.
ظلّ يومه يتنقّل بين مدرجات الكلية وساحتها، يلمح ميّ أحيانًا من بعيد، تسير بخطوات ثابتة، تحمل الكتب كأنّها تحمل أجزاءً من عالمها الخاص. تارةً يرفع يده ليحيّيها، ثم يتراجع، وتارةً يمشي نحوها ثم يميل إلى اتجاه آخر، كأنه يخشى أن يقترب من اللغة نفسها.
وفي داخله، بدأ الحوار الداخلي يتعمّق:
“هل هذه الفتاة تحمل مفتاحًا لمعنى الكلمات؟
أم أنّها جزء من سياقٍ أكبر، لم أستطع بعد أن أراه؟
وهل يمكن للغة أن تكشف لنا ما نخفيه قبل أن يُسأل؟
وهل يُعاش المعنى حقًا إلا حين يُقاسس مع من يعي صمتنا كما يعي صوتنا؟”
في صباحٍ غائم، قرّر سالم أن يدخل المكتبة. لم يكن من محبّي الأماكن المغلقة، لكن شيئًا ما قاده إليها، خيطٌ دقيق من الضوء، أو ربما صدى هادئ من صوت ميّ الذي لم يزل يتردد في ذهنه، كأنّه يفتح أمامه أبوابًا لم يُفهم بعد.
دخل بخطوات متردّدة، والأرض الخشبية تحت قدميه تصدر صدىً خفيفًا. المكتبة واسعة، برفوف خشبية طويلة، ونوافذ عالية ينساب منها نور خافت يهبط على الطاولات كندى شفاف، يلمس صفحات الكتب قبل أي شيء آخر. كان الطلاب يجلسون بصمت يشبه صمت المعابد، كلٌّ منهم غارق في كتاب، وكأن الورق هنا ليس مجرد ورق، بل أرواح معلّقة، تنتظر أن تُستدعى بالكلمات والفهم.
بحث سالم بعينيه عن مكان يجلس فيه، فاختار زاوية بعيدة قرب نافذة تطلّ على شجرة خرنوب ضخمة تتلوّن أوراقها بخفة الضوء المائل. فتح دفتره، لكنّه لم يكتب شيئًا؛ الكلمات تتردّد، لا تستقرّ، وكأن اللغة نفسها تنتظر تأويله، أو تنتظر منه أن يدرك أنّ فهمها ليس مجرد حفظ أو تعريف.
وفجأة، سمع صوتًا هادئًا خلفه:
“سالم؟”
تجمد للحظة، كأن قلبه أدرك أنّ هذا الصوت سيعيد ترتيب كل ما اعتقد أنّه عرفه عن اللغة، عن القراءة، عن ذاته. التفت… ووجد ميّ تقف خلفه، دفترها في يدها وكتابها الآخر تحت ذراعها، وكأنها تحمل معه “سياقًا جديدًا لم يقرأه بعد”.
ابتسمت بصمتٍ يجعل السؤال يطفو في ذهنه:
“هل كل لقاء يمكن أن يخلق معنى؟
أم أنّ المعنى يولد من مجرد حضور؟”
وقف سالم للحظة، متأمّلًا حضورها، وكانت ميّ واقفة تحته مباشرة، تحمل دفتر ملاحظاتها وكتابًا ذا غلاف أزرق داكن.
في داخله بدأ الحوار الداخلي، يراوح بين دهشة وفضول:
“ما محتوى هذا الكتاب؟
هل هو عن الأسلوب؟ أم عن الدلالة الحديثة؟
أم أنّه واحد من تلك الكتب التي تبدو بسيطة الشكل، لكنها عميقة المحتوى… مثل اللغة نفسها؟”
ابتسمت ميّ بخفّة، وقالت: “هل أُزعجك إن جلست؟”
هزّ سالم رأسه بسرعة، كما لو أنّ قلبه يسبق لسانه في الإجابة: “لا… طبعًا… تفضّلي.”
جلست أمامه، وفتحت دفترها، بلا ثرثرة، بلا مبالغة في الاهتمام، لكن حضورها ذاته كان كافيًا ليُربك نبضه.
في داخله بدأ الحوار:
“هل يمكن للكلمة أن تهتز كما يهتز القلب؟
وهل يمكن للحضور أن يصبح سياقًا، وأن يحمل معنىً لم يُكتب بعد؟”
وضعت قلمها فوق الورقة بدقة متناهية، كأن يدها تعرف أنّ اللغة عمل جراحيّ، لا زخرفة. في كل حركة من حركاتها كان هناك هدوءٌ يعرفه القدماء في صناعات البيان، انعكاس لطريقة العرب في العناية بالكلمة منذ العصر الجاهلي، مرورًا بعصر النحو والصرف، وحتى البلاغة الكلاسيكية، حيث كل كلمة تُوزن قبل أن تُنطق.
سالم شعر، في صمت اللحظة، أنّه لا يراقب ميّ فقط… بل يراقب صدى اللغة فيها، الطريقة التي تلامس بها المعنى، فتُعيد ترتيب فهمه لنفسه وللعالم من حوله.
سأل نفسه بصوت داخلي:
“هل اللغة تكتشف الإنسان، أم أنّ الإنسان هو من يكتشف اللغة؟
وهل كل معنى يحتاج إلى حضورٍ يفيض به قلبٌ صامت قبل أن يُسمع؟”
وبينما هو يغرق في السؤال، كتب في دفتره، كأنه يحاور نفسه:
“ربّما الفهم الحقيقي لا يولد من الحفظ، بل من رؤية المعنى ينبثق في صمتٍ، ومن لحظة حضورٍ صامتة تُضيء الكلمات.”
رفعت ميّ رأسها، التقت عينيه للحظة قصيرة، ثم ابتسمت برقة، كأنّها تقول بلا كلمات: “نحن هنا لنعرف اللغة، ولكننا أيضًا نعرف أنفسنا.”
شعر سالم برعشة خفيفة، لم تكن خوفًا، بل شعورًا بالانفتاح على معنى لم يسبق له أن شعر به؛ معنى يربط بين الكلمة والقلب، بين النظر والصوت، بين الصمت والفهم.
همس بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يُسمع خارج دفتره الداخلي:
“قلتِ البارحة… إنّ السياق يقود المعنى أحيانًا. كيف…؟”
التفتت إليه، وعيناها تشعّان يقظةً وانتباهًا، كأنّها كانت تنتظر هذا السؤال منذ لحظة الجلوس معه.
قالت بهدوءٍ يشي بمعرفة عميقة، وبصوت يحمل ثقل التجربة:
“ليس كل الكلمات تتحرّك بالطريقة نفسها.
هناك كلمات تتحمّل الحياة وحدها…
وأخرى لا تتنفّس إلا بجوار كلمةٍ أخرى.”
وضعت يدها بخفّة على الصفحة، ورسمت دائرة صغيرة بالقلم، كأنها تحدّد مركزًا لمعنى يتوسّط اللغة والروح:
“خذ مثلًا: كلمة “نور”.
تبدو واضحة، أليس كذلك؟
لكن جرّب أن تضعها في سياقات مختلفة…
“نورٌ يخرج من الباب…”
“نورٌ في القلب…”
“نورٌ يُخفي شيئًا…”
“نورٌ يكشف ما نخافه…”
هل هي واحدة؟”
توقف سالم، ينظر إلى الدائرة الصغيرة، ثم إلى ميّ، متسائلًا في صمت:
“هل المعنى يولد من الكلمة نفسها، أم من المكان الذي توضع فيه؟”
وفي داخله شعر بأنّ اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل كيان حيّ، يتنفس، يتكوّن ويتغيّر مع الزمن، ومع الإدراك، ومع التجربة الإنسانية، تمامًا كما فعل العرب منذ الجاهلية، حين جعلوا لكل كلمة وزنها، وإيقاعها، ووقعها النفسي على السامع، وابتدعوا البلاغة لتكون مرآة الروح، ومفتاحًا لفهم الذات والآخر معًا.
ميّ أضافت بعد لحظة صمت:
“وهذا ما يجعل دراسة اللغة رحلة دائمة… رحلة اكتشاف الذات والعالم معًا. الكلمة ليست ما تُقال فقط، بل ما تُشعر به وما تستحضره في القلوب.”
وفي داخله بدأ الحوار الداخلي يتسارع، يسأل نفسه:
“هل المعنى يُولد حين يُسمع فحسب، أم حين يُحسّ ويتعايش؟
وهل لكل كلمة نبض داخلي يسبق لفظها، كما قال القدماء: ‘الكلمة قبل اللفظ’؟”
شعر سالم أن صمت المكتبة، وصوت القلم، وكل الهواء حولهما أصبح فجأة “حاملاً لمعنى أعمق؛ معنى يربط بين النطق والفكر، بين الصوت والعاطفة، بين ما يُرى وما يُحسّ”.
هزّ سالم رأسه… لا، ليست واحدة.
توقف قليلاً، واستقرّ الفكر في قلبه:
“كأنّ الكلمة… تعيش أكثر من حياة.”
ابتسمت ميّ — ابتسامة لا تشبه ضحك الآخرين، ابتسامة فيها شيء من الاعتراف، وكأنّها تقول بلا كلمات: “أدركت أنّك بدأت تفهم”:
“بالضبط.”
ثم أضافت بصوت يكاد يكون همسًا، كأن كل حرف يخرج بحذر من بين الصمت والهواء:
“وأحيانًا… نحن أنفسنا نصبح سياقًا لكلمة معينة.
نحن من نمنحها حياةً مختلفة.”
شعر سالم أن قلبه يرتجف، ارتجافًا خفيًّا، ليس خوفًا ولا فرحًا، بل اهتزازًا لطريقة جديدة لرؤية العالم.
ربّما فهم، وربّما لم يفهم بعد، لكنّه كان يعرف شيئًا واحدًا بوضوح: أنّ ميّ، بطريقةٍ ما، “لا تشرحه له فقط… بل تكشف له بابًا لم يكن يجرؤ على فتحه وحده، بابًا يقوده إلى المعنى الحقيقي للغة، وإلى نفسه”.
مرّت نصف ساعة من الصمت المليء بالكلمات، صمتٌ لم يكن فراغًا، بل “مساحة تنبض بما لم يُقال”.
كانت ميّ تكتب، وسالم يقرأ، ثم يتوقّف عند جملة، ثم ينظر إليها، كأنه يبحث عن ضوء إضافي لا يمنحه النص وحده، “ضوء يفتح نافذة في ذهنه نحو لغةٍ لم يعرف أن الكلمات يمكن أن تكون فيها حياةً مستقلة”.
وفجأة، قالت ميّ، دون أن ترفع رأسها، بصوت هادئ يقطع هذا الانسجام:
“سالم… لماذا اخترت اللغة؟”
وفي داخله بدأ الحوار الداخلي يتسارع:
“هل اختياري للغة كان اختيارًا عاطفيًا أم فطريًا؟
وهل اللغة هي مجرد وسيلة للتعبير، أم هي جسور تربط بين القلب والفكر، بين الذات والعالم؟
هل كل كلمة أقولها أو أسمعها تخلق سياقًا جديدًا… حياة جديدة؟”
سقط السؤال عليه كحجرٍ في بئر عميق.
تردّد… تنفّس ببطء، وأغمض عينيه للحظة، يستدعي صدى صوته الأبوي، وهمس والدته وهو يشرح له درسًا، وذكريات قصائد طفولته التي كتبها خجلاً ولم يجرؤ على قراءتها، ورغبته القديمة في أن يفهم لماذا الكلمة قادرة على أن “تشفي، أو تُدمي، أو تخلق عالمًا كاملاً في قلب من يسمعها”.
جلس للحظة، يحدّق في دفتره، متسائلًا بصوت داخلي:
“هل اللغة… حياةٌ نمنحها نحن، أم حياةٌ تمنحنا نحن؟”
رفعت ميّ رأسها، نظرت إليه، وعيناها تقولان ما لم يقله أي كتاب: “إن الطريق طويل، لكنه يبدأ بفهم أن الكلمة ليست مجرد حرف، بل “عالم قائم بذاته، ومرآة لروحك”.”
شعر سالم، لأول مرة، أنّ اختياره للغة لم يكن مجرد رغبة في التعلم، بل “رحلة لاكتشاف ذاته، رحلة تصنع منها كل كلمة معنى، وكل معنى حياة”.
قال سالم بصوتٍ خافت، كما لو كان يحاول أن يسمعه قلبه قبل أذنه:
“لأنّي… أبحث.
أبحث عن شيءٍ لا أعرف اسمه، لكنّي أشعر أنّه موجود… في مكانٍ بين الجملة والصمت.”
رفعت ميّ رأسها، للمرة الأولى منذ جلست، ووقف الزمن للحظة؛ عينان سوداويتان تحملان شغفًا خفيفًا ودهشة ناعمة، كأنهما تلتقطان خيوط المعنى المخفية بين الكلمات.
قالت بهدوء، وكأنها تقرأ ما بين السطور قبل الحروف:
“أظنّك ستجده.”
وفي داخله، بدأ الحوار الداخلي ينمو:
“هل المعنى يكمن في الكلمة وحدها، أم في من يعيشها ويحتضنها؟
وهل اللغة ليست مجرد أدوات، بل “نبض يمتدّ بين القلب والصمت، بين الذات والآخر”، كما قال القدماء في علوم البلاغة والنحو؟
وهل كل كلمة تُكتب أو تُقال، تحمل معها حياة جديدة يمكن أن تغيّر من يقرأها قبل أن تغيّر من يكتبها؟”
لم يتحرّك سالم، وكأن الأرض تحت قدميه قد تحوّلت إلى “صفحة بيضاء تنتظر أن يُكتب عليها سرّ جديد”.
لم يعرف ماذا يقول؛ كان يشعر بطريقة لا تشبه أي شعور سابق بأنّ أحدًا يرى داخله، لا كلماته فقط، بل “تلك الزوايا الخفية التي لم تُفتح إلا بالكلمة والصمت معًا”.
وقفت ميّ بعد قليل، جمعت دفاترها وأقلامها بعناية، ثم قالت بابتسامة تشبه وداعًا مؤقّتًا، خفيفة كنسيم يمر بين رفوف الكتب:
“سأكون هنا غدًا… إذا أحببت أن نكمل.”
هزّ سالم رأسه، وصوته خانقه في حنجرته، فلا خرج شيء، سوى “الصمت الذي صار حاملاً لكل المعاني غير المنطوقة”.
وحين غادرت، بقي واقفًا، يحدّق في المكان الذي جلست فيه، كأنّه يحاول الإمساك بـ”خيط خفي يمتدّ بين روحه وروحها”.
فتح سالم دفتره، وأمسك بالقلم، فكتب بحروف تتعثّر لكنها صادقة، تحمل صدى شعوره العميق:
“كانت اللغة… بابًا.
لكنّها اليوم صارت نافذة.
وأخشى… أن تكون نافذة على قلبي.
سالم.”
ثم أغلق الدفتر ببطء، كمن يغلق “نافذة لا يعرف ما الذي ستطل عليه”، وترك يده ترتجف فوق الغلاف، ارتجافًا يمزج بين خوف الاكتشاف وبهجة الفهم، بين الخجل والإعجاب، وبين ما كان وما قد يكون.
للمرة الأولى شعر سالم أن الكلمات…
“قد لا تكون مجرد كلمات.
قد تكون بداية حياة جديدة، ووسيلة لفهم الذات قبل فهم العالم”، كما اعتاد الشعراء العرب القدامى أن يكتبوا، فكانت الكلمة عندهم “جسرًا بين الروح والزمان، بين المعنى والمشهد، بين ما يُقال وما يُخفى”.
وفي داخله بدأ الحوار الصامت:
“هل كل كلمة نحملها في الصدر هي نافذة محتملة؟
وهل اللغة ليست أداة للتواصل وحدها، بل “روح تتنفس فينا وتكشفنا لأنفسنا قبل أن تُكشف للعالم”؟
وهل يمكن للمعنى أن يولد من صمتٍ واحد، أو من حضورٍ خفي، كما كان يفعل البلاغيون والمفسّرون العرب، حين يجعلون للكلمة وقعًا في القلب قبل الأذن، وفي النفس قبل الفكر؟”
في صباح ذلك اليوم، كان سالم يمشي في باحة الكلية كمن يبحث عن شيء ضاع منه… أو ربما ينتظر أن يعثر عليه صدفة، بين وقع خطواته و”صمت قلبه”.
لم يكن يعرف ما هو بالضبط — كلمة، فكرة، أو ربما “ملامح ابتسامة تركت أثرًا لا يريد الاعتراف به”.
كانت الساحة مزدحمة كالعادة؛ الطلاب يعبرون مسرعين، يحملون كتبًا وأكواب قهوة، يتجادلون ويضحكون، ويصنعون ضوضاء تشبه “احتفالًا خفيًا بالحياة”، كأنهم يرددون دون وعي أن الحياة هي سياق لكل كلمة تُقال، لكل فكرة تُولد.
أمّا سالم، فكان يسير بخطوات هادئة، يده في جيبه، وعيناه تبحثان دون وعي، تتأمل الوجوه والكتب والهواء، كأنه يحاول “التقاط شيء لا يُرى، لكنه يُحسّ”.
وعندما التفت نحو مدخل المكتبة، رآها.
كانت ميّ واقفة عند العتبة، تحمل كتابًا بيدها، وتُقلّب صفحاته بسرعة خفيفة، كما يفعل من يبحث عن “جملة معيّنة تحمل معنىً يتجاوز الورق والحبر”.
وقف سالم للحظة، متوقفًا بين الرغبة في الاقتراب والخوف من أن يفسد هذا “الشعور بالمعنى المكتشف حديثًا”.
في تلك اللحظة، شعر بأن اللغة ليست فقط ما نكتب ونقرأ، بل “ما نشعر به حين نرى الآخر يتشارك معنا نفس الدهشة، نفس البحث عن المعنى، نفس الانتباه للصوت الذي يحملنا إلى ما وراء الحروف”.
شعر سالم بأن قلبه قفز خطوةً واحدة إلى الأمام.
وضع يده على صدره خفية، كأنّه يحاول تهدئة شيءٍ لا يهدأ، شيء يشبه “وقع الكلمات حين تبدأ بالاحتشاد في الداخل قبل أن تُنطق”.
تردّد.
“هل أقترب؟
هل أحيّيها؟
أم أمشي كأنّ شيئًا لم يحدث؟”
وفي داخله بدأ الحوار الصامت:
“هل يمكن للمعنى أن يولد من مجرد حضور؟
وهل اللغة تُفهم فقط بالكلمات، أم بالفضاء الذي يخلقها بين النفوس؟
وهل هناك سياق يُعاش قبل أن يُقال، كما اعتاد البلاغيون العرب أن يجعلوا لكل كلمة وزنًا ووقعًا نفسيًا على السامع؟”
كانت الأسئلة تتقاطع في ذهن سالم، كأنها “صفحات متشابكة من دفتر قديم”، كل سؤال يحفر في معنى الكلمة، وفي معنى وجوده بين الآخرين، وفي علاقة الصوت بالروح، وفي حدود الإدراك التي يرسمها الكلام قبل أن يُنطق.
فجأة، رفعت ميّ رأسها، ورآها تنظر إليه مباشرة.
ابتسمت — ابتسامة قصيرة، بسيطة، لكنها وصلت داخله بسرعة الضوء، كأنها “جملة خاطفة في نص شعري يضيء المعنى بين السطور”.
رفعت يدها قليلًا، إشارة صغيرة، لا يفعلها المرء إلا مع من صار جزءًا — ولو بسيطًا — من يومه، من “سياق وجوده”، كما يقول علماء اللغة: “إن المعنى لا يُخلق بالكلمات وحدها، بل بالعلاقات التي تضعها تلك الكلمات في إطار حضورنا مع الآخر”.
تقدّم سالم نحوها، شعر أنّ خطواته خفيفة على الأرض، كأن الأرض نفسها “تحترم صمت الروح، وتغني صدى المعنى”.
قالت ميّ، بصوت هادئ لكنه مشبع باليقين:
«ظننت أنّك ستأتي اليوم.»
ارتبك.
هل كانت تنتظره؟
أم أنّها قالتها فقط لتشجّعه؟
تردّد في داخله صدى السؤال: “هل اللغة التي نستخدمها تفهمنا حقًا، أم أنّها ترسم لنا حدودًا نكتشفها بالصدفة؟”
أجاب بصوت خافت، كأنه يهمس لفكره قبل أن يسمعه الآخر:
«لم أكن… متأكدًا.»
أغلقت ميّ الكتاب برفق، ووقفت أمامه مباشرة.
ثم قالت بابتسامة دافئة:
«هل نكمل ما بدأناه أمس؟»
في تلك اللحظة، شعر سالم أن كل كلمة، كل نظرة، كل حركة صمت، هي “درس حيّ في المعنى، في السياق، وفي اكتشاف الذات عبر اللغة”.
وكان صمت المكتبة حولهما، ليس فراغًا، بل مساحةً تحتضن المعنى قبل أن يُقال، كما اعتاد البلاغيون العرب القدماء أن يجعلوا لكل كلمة وزنها وإيقاعها ووقعها النفسي على السامع.
هزّ سالم رأسه، ولم يثق بصوته، كأن الكلمات التي قد تُنطق لم تجرؤ بعد على الخروج.
كان يعرف أنّ هذا الامتداد البسيط للحديث، هذا الجلوس أمام ميّ، ليس “مجرد متابعة لموضوع اللغة والسياق”، بل هو امتداد داخلي، رحلة جديدة في فهم الكلمة ومعناها، رحلة تشبه مسيرة العرب القدماء في الدرس والبلاغة، حيث “كانت الكلمة تعكس الروح قبل أن تعكس الواقع”.
شعر سالم فجأة أنّ كل حركة، كل خطوة، وكل ابتسامة، هي جزء من “سياق أكبر لا يُرى بالعين، لكنه يُحسّ بالروح”: أن اللغة ليست مجرد كلمات نقرأها أو نكتبها، بل حياة تُعاش، وقلوب تُفتح، وأرواح تتقاطع في صمت مشترك قبل أن تتحدّث.
دخلت ميّ أولًا، وسار سالم خلفها، كل خطوة تبدو وكأنها تحمل صدى سؤال قديم عن الذات والمعنى.
وفي داخله سؤال واحد، يلحّ عليه بلا توقف:
“هل هذه الخطوة جاءت من اللغة… أم من القلب؟”
“أم أنّ القلب نفسه يستخدم اللغة كجسرٍ ليعبر نحو ذاته؟”
جلسا في المكتبة، قرب نافذة الخرنوب الكبيرة، حيث كان الضوء ينكسر على رفوف الكتب، فيظهر كل صفحة كأنها “عالم صغير ينتظر الاكتشاف”.
وضعت ميّ كتبها على الطاولة، ثم قالت بخفّة، كأن صوتها نفسه جزء من تجربة لغوية تتشكل لحظة بلحظة:
«اليوم… لدي سؤال لك.»
سالم شعر بارتجاف خفي، كأن السؤال نفسه يحمل مفتاحًا لمعنى لم يُكتشف بعد، مفتاح “لفهم الكلمة كما عاشت عبر العصور، لفهم الذات كما تكشفها اللغة، وللسؤال الذي يربط بين الحرف والروح”.
توقّف سالم عن ترتيب أوراقه، وارتجفت أفكاره كما لو كانت “حروفًا تبحث عن معنى في صفحة بيضاء”.
نظر إلى ميّ، محاولًا قراءة نبرة السؤال قبل كلماته، فقالت:
«ما أوّل كلمة أحببتها في حياتك؟»
كان سؤالًا بسيطًا، لكنه “زلزل شيئًا عميقًا فيه”. ليس عن العلم، ولا عن النظرية، ولا عن درسٍ من الدروس… بل سؤال عن القلب، عن زمنٍ محفور داخله، عن معنى الكلمة حين تتلاقى مع المشاعر، كما كان يفعل العرب منذ الجاهلية، حين “كانت الكلمة جسدًا للروح قبل أن تصبح مجرد صوت”.
تنقّل سالم بين ذاكرته ودفاتره وأيامه القديمة، يرى نفسه طفلًا عند باب البيت، يسمع أباه يشرح درس القراءة لجارتهم، يرى أمه تُعلّمه كتابة الحروف على الرمل، يرى ضوء الشمس يلمع على صفحات كتابٍ قديم… يرى صدى الكلمات الأولى التي دخلت قلبه دون استئذان.
قال بصوت منخفض، يكاد يكون همسًا:
«أوّل كلمة أحببتها… هي “مساء”.»
رفعت ميّ حاجبيها بخفة، وعيناها تلمعان بشغف لطيف، ثم سألت:
«لماذا؟»
أجاب، كما لو كان يعيد اكتشاف قلبه:
«لا أعرف بالضبط…
ربّما لأنّها كانت الكلمة التي أسمعها كل يوم من أمي، عندما تجلس قرب النافذة وتقول:
“ما أجمل هذا المساء.”
كانت تقولها بنبرة تحمل شيئًا من الدفء… وشيئًا من الحنين… وشيئا من اللغة نفسها، التي تجمع الزمن والمكان معًا.»
وبينما ارتفعت نظراته نحو نافذة الخرنوب، شعر سالم أن “الكلمة لم تعد مجرد صوت، بل نافذة تطل على العالم الداخلي، حيث اللغة تصنع جسورًا بين النفس والمكان، بين الماضي والحاضر، بين السكون والحركة”، كأنّه اكتشف أنّ كل كلمة أحبّها الطفل في بداياته “هي حجر الأساس لكل تجربة لاحقة في فهمه للمعنى”.
ابتسمت ميّ — ابتسامة بعيدة هذه المرة، كأنها ليست له وحده، بل لنمط تفكيره، للطريقة التي يُعيد بها ترتيب الكلمات داخله كما لو كانت “خرائط تُرسم للمرة الأولى”.
قالت:
«جميل…
الكلمات التي نحبّها أولًا تبقى في داخلنا… تقودنا دون أن نعرف.»
ثم سألته بصوت خافت، يشبه همسًا بين حروف متراصة:
«وأنت؟
هل ما زالت كلمة “مساء” تعني لك شيئًا؟»
تردّد سالم… كما يتردّد اللسان أمام كلمة محمّلة بالذاكرة والحنين، ثم قال:
«نعم.
كلما سمعتها… شعرت أنّ أحدًا يفتح بابًا صغيرًا في داخلي.»
لم تقل ميّ شيئًا، لكنها التفتت إلى النافذة، كأنها تريد أن تخفي أثرًا خفيفًا ظهر في عينيها، أثر يشبه “وهجًا عابرًا للكلمة حين تلتقي بالقلب”.
مرّ الوقت في صمتٍ دافئ، صمتٌ ليس فراغًا، بل “مساحة تتسع للمعنى”، حيث كانت ميّ تقرأ له من كتاب قديم، وسالم يتابع كلماتها بانتباه لا يفهم سببه كله.
لم يكن يسمع المفردات فقط…
كان يسمع “طريقة نطقها، إيقاع صوتها، ونمط لهجة السَّلميّة الهادئة التي تمنح الكلمات نعومة إضافية”، وكأن اللغة نفسها “تكتسب روحًا من صوتها”.
وفجأة قالت ميّ، بعينين نصف مغلقتين، كأنها تختبر صدى الكلمة في ذهنه:
«سالم… هل تعلم؟
الكلمات… تُشبه الناس أحيانًا.
بعضها واضح منذ اللحظة الأولى،
وبعضها…
لا يُفهم إلا بعد زمن.»
نظر إليها سالم، وشعر أن الزمن داخل القاعة يختلف عن العالم الخارجي.
لم يعرف هل كانت تتحدّث عن اللغة… أم عنه… أم عن نفسها… أم عن كل ما يجمع بين الكلمة والحياة، بين الصوت والروح، بين الصمت والفهم.
وهكذا بقيت الكلمات معلّقة، وكأنها تنتظر أن يكتشف كل منهما في الآخر معانيها الحقيقية، كما فعل العرب عبر قرون، حين كانت اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل “مسرحًا للروح، ومرآة للذات، وسرًّا مخفيًا وراء كل حرف”.
قبل أن تنهض ميّ لترحل، أغلقت كتابها ببطء، كأنها تختم صفحة من يوم بدأ للتوّ يُشكل ذاكرة جديدة، ثم قالت بصوت شبه خافت:
«أظنّ أنّك… تفكّر بطريقة تُشبه الشعر.»
تجمّد. لم يجد في نفسه كلمات يردّ بها، وكأنّ المعنى أكبر من أن يُحاط بحرف واحد.
ثم أضافت ميّ، بنبرة أكثر وضوحًا، كأنها تريد أن تشقّ الضباب الذي يعلو داخله:
«ليس كل الناس ينظرون إلى الكلمة كأنها حيّة.
أنت تفعل.»
قال سالم، وكأن قلبه يتفادى الانزلاق في الردّ السطحي:
«ربّما… لأنّي أتمنى أن أفهم نفسي من خلالها.»
هزّت ميّ رأسها ببطء، كأنها تمنح صبرها للزمن نفسه، ثم قالت بهدوءٍ فيه حكمة:
«ستفعل…
لكنّك تحتاج إلى صبر…
وصحبة جيّدة في الطريق.»
ثم حملت كتابها ووقفت، وعندما همّت بالمغادرة، التفتت إليه فجأة، كأن لحظة الرحيل لم تُخلق للانفصال بل للقرار:
«سالم…
هل تحبّ أن نلتقي غدًا أيضًا؟»


Leave a Reply