وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الثَّانِي
١
دِمَشْقُ، صَيْفُ عَامِ 1976.
كَانَتِ الشَّمْسُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُبَكِّرَةِ مِنَ الصَّبَاحِ لَا تَزَالُ رَحِيمَةً نِسْبِيًّا، لَمْ تَبْلُغْ بَعْدُ ذُرْوَةَ قَسْوَتِهَا الَّتِي تَجْعَلُ حِجَارَةَ سُوقِ الْحَرِيقَةِ الْعَتِيقَةِ تَلْفَحُ الْوَجْهَ كَأَنَّهَا تَتَنَفَّسُ نَارًا مَكْتُومَةً، وَكَأَنَّ اسْمَ السُّوقِ نَفْسَهُ، ذَلِكَ الِاسْمَ الَّذِي يَحْمِلُهُ مُنْذُ حَرِيقٍ كَبِيرٍ الْتَهَمَهُ قَبْلَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ ثُمَّ أُعِيدَ بِنَاؤُهُ مِنْ رَمَادِهِ، مَا زَالَ يُذَكِّرُ كُلَّ مَنْ يَمُرُّ مِنْ هُنَا بِأَنَّ النَّارَ، إِنِ اشْتَعَلَتْ مَرَّةً، فَإِنَّهَا لَا تَنْسَى الطَّرِيقَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي أَحْرَقَتْهُ.
وَقَفَ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ، فَتًى فِي الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، نَحِيلُ الْجَسَدِ، أَسْمَرُ الْوَجْهِ مِنْ شَمْسِ الْقَرْيَةِ الَّتِي لَمْ تُغَادِرْهُ بَعْدُ رَغْمَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ قَضَاهَا فِي الْمَدِينَةِ، أَمَامَ بَابٍ خَشَبِيٍّ عَرِيضٍ، عَلَيْهِ لَافِتَةٌ قَدِيمَةٌ كُتِبَ عَلَيْهَا بِخَطٍّ عَرَبِيٍّ جَمِيلٍ بَعْضَ الشَّيْءِ مُتَآكِلِ الْأَطْرَافِ: “تَوْفِيقُ النَّابُلُسِيُّ وَأَوْلَادُهُ – تِجَارَةُ الْأَقْمِشَةِ بِالْجُمْلَةِ وَالْمُفَرَّقِ”. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَوْلَادٌ فِعْلِيًّا يَعْمَلُونَ فِي هَذَا الْمَتْجَرِ، فَقَدْ سَمِعَ عَدْنَانُ مِنْ أَحَدِ جِيرَانِ قَرْيَتِهِ أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا فَقَدَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ فِي حَادِثِ سَيَّارَةٍ قَبْلَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَأَنَّ اللَّافِتَةَ بَقِيَتْ كَمَا هِيَ، رُبَّمَا لِأَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا لَمْ يَجِدْ فِي نَفْسِهِ الْقُوَّةَ الْكَافِيَةَ لِتَغْيِيرِهَا، أَوْ رُبَّمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَهْتَمُّ بِمِثْلِ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ بَعْدَ أَنْ فَقَدَ مَا هُوَ أَهَمُّ مِنْهَا بِكَثِيرٍ.
مَسَحَ عَدْنَانُ كَفَّيْهِ الْمُتَعَرِّقَتَيْنِ بِطَرَفِ قَمِيصِهِ الْقُطْنِيِّ الْوَحِيدِ الْجَيِّدِ الَّذِي يَمْلِكُهُ، ذَلِكَ الَّذِي غَسَلَتْهُ أُمُّهُ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَاسْتَعَدَّتْ أَنْ تَدْفَعَ ثَمَنَ الْفَحْمِ لِكَيِّهِ، رَغْمَ أَنَّ الْفَحْمَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ كَانَ يُحْسَبُ حِسَابُهُ فِي بَيْتِهِمْ كَمَا يُحْسَبُ حِسَابُ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ. نَظَرَ إِلَى الْبَابِ طَوِيلًا، وَتَذَكَّرَ كَلِمَاتِ عَمِّهِ الَّذِي دَبَّرَ لَهُ هَذِهِ الْفُرْصَةَ عَبْرَ مَعْرِفَةٍ قَدِيمَةٍ تَرْبِطُهُ بِأَحَدِ تُجَّارِ السُّوقِ: “الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ رَجُلٌ صَعْبُ الْمِرَاسِ، قَلِيلُ الْكَلَامِ، لَكِنَّهُ رَجُلٌ نَظِيفُ الْيَدِ وَالْقَلْبِ. إِنْ أَثْبَتَّ لَهُ أَنَّكَ أَمِينٌ، فَلَنْ تَحْتَاجَ بَعْدَهَا إِلَى تَوْصِيَةٍ مِنْ أَحَدٍ طَوَالَ حَيَاتِكَ.”
طَرَقَ الْبَابَ مَرَّتَيْنِ، بِحَذَرٍ، وَانْتَظَرَ.
فَتَحَ رَجُلٌ فِي السِّتِّينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، مُتَوَسِّطُ الْقَامَةِ، أَبْيَضُ الشَّعْرِ تَمَامًا، يَرْتَدِي قَمِيصًا أَبْيَضَ نَظِيفًا مَكْوِيًّا بِعِنَايَةٍ رَغْمَ بَسَاطَتِهِ، وَسِرْوَالًا دَاكِنَ اللَّوْنِ، وَعَلَى أَنْفِهِ نَظَّارَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ صَغِيرَةٌ تَجْعَلُ عَيْنَيْهِ تَبْدُوَانِ أَوْسَعَ مِمَّا هُمَا عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَةِ. نَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ مِنْ فَوْقِ النَّظَّارَةِ، بِنَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ هَادِئَةٍ، لَا تَرْحِيبَ ظَاهِرًا فِيهَا وَلَا رَفْضَ، مُجَرَّدُ تَقْيِيمٍ صَامِتٍ دَقِيقٍ، كَأَنَّهُ يَزِنُ الشَّابَّ الْوَاقِفَ أَمَامَهُ بِمِيزَانٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ سِوَاهُ. “أَنْتَ ابْنُ أُخْتِ أَبُو خَلِيلٍ؟” “نَعَمْ يَا حَاجُّ، أَنَا عَدْنَانُ. عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ.” “ادْخُلْ.”
كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي قَالَهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ النَّابُلُسِيُّ فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَدِيرَ وَيَعُودَ إِلَى دَاخِلِ الْمَتْجَرِ، تَارِكًا الْبَابَ مَفْتُوحًا خَلْفَهُ، كَأَنَّهُ يَتْرُكُ لِعَدْنَانَ حُرِّيَّةَ الِاخْتِيَارِ: أَنْ يَدْخُلَ، أَوْ أَنْ يَعُودَ مِنْ حَيْثُ أَتَى.
دَخَلَ عَدْنَانُ.
٢
كَانَ الْمَتْجَرُ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَهُ مِنَ الْخَارِجِ، يَمْتَدُّ عَمِيقًا إِلَى الدَّاخِلِ، مُقَسَّمًا إِلَى أَرْوِقَةٍ ضَيِّقَةٍ بَيْنَ رُفُوفٍ خَشَبِيَّةٍ عَالِيَةٍ تَصِلُ إِلَى السَّقْفِ، مُحَمَّلَةً بِأَطْنَانٍ مِنَ الْأَقْمِشَةِ الْمَلْفُوفَةِ بِعِنَايَةٍ: الْقُطْنُ، الْحَرِيرُ، الصُّوفُ الشِّتَوِيُّ رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنِ الشِّتَاءُ بَعْدُ، أَقْمِشَةٌ مُسْتَوْرَدَةٌ مِنْ إِيطَالْيَا وَفَرَنْسَا بِجَانِبِ أَقْمِشَةٍ مَحَلِّيَّةٍ مِنْ حَلَبَ وَحِمْصَ، كُلُّ نَوْعٍ فِي زَاوِيَتِهِ الْمُخَصَّصَةِ، وَكُلُّ لَوْنٍ مُرَتَّبٌ بِجَانِبِ مَا يُقَارِبُهُ مِنْ دَرَجَاتٍ، حَتَّى بَدَا الْمَكَانُ كُلُّهُ كَأَنَّهُ لَوْحَةٌ كَبِيرَةٌ مُنَظَّمَةٌ بِدِقَّةٍ رِيَاضِيَّةٍ صَارِمَةٍ.
“اسْمَعْ جَيِّدًا يَا عَدْنَانُ، لِأَنَّنِي لَنْ أُكَرِّرَ الْكَلَامَ مَرَّتَيْنِ.” وَقَفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ خَلْفَ طَاوِلَتِهِ الْخَشَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، الَّتِي بَدَتْ كَأَنَّهَا شَاهِدَةٌ عَلَى عُقُودٍ مِنَ التِّجَارَةِ، مَلِيئَةً بِخُدُوشٍ صَغِيرَةٍ وَحُزُوزٍ تَرَكَهَا سِكِّينُ قَصِّ الْأَقْمِشَةِ عَلَى مَدَى سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ. “هُنَا فِي هَذَا الْمَتْجَرِ، أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ فَقَطْ تُهِمُّنِي: الصِّدْقُ، وَالدِّقَّةُ، وَالنِّظَامُ، وَالصَّمْتُ. مَنْ يَمْلِكُ هَذِهِ الْأَرْبَعَةَ، يَبْقَى مَعِي طَوِيلًا. وَمَنْ يَفْتَقِرُ إِلَى وَاحِدَةٍ مِنْهَا، لَا يَبْقَى أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعٍ.” “فَهِمْتُ يَا حَاجُّ.” “لَمْ تَفْهَمْ بَعْدُ، لَكِنَّكَ سَتَفْهَمُ.” نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ نَظْرَةً أَطْوَلَ قَلِيلًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا فِي وَجْهِهِ. “كَمْ عُمْرُكَ؟” “وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً يَا حَاجُّ.” “وَمَاذَا تَعْرِفُ عَنِ الْأَقْمِشَةِ؟” “لَا شَيْءَ تَقْرِيبًا، يَا حَاجُّ، بِصَرَاحَةٍ.” ابْتَسَمَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً جِدًّا، بِالْكَادِ تُلْحَظُ، لَكِنَّهَا كَانَتْ أَوَّلَ ابْتِسَامَةٍ يَرَاهَا عَدْنَانُ عَلَى وَجْهِهِ ذَلِكَ الصَّبَاحَ. “جَيِّدٌ. أُفَضِّلُ مَنْ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا عَلَى مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ. الْأَوَّلُ يَتَعَلَّمُ بِسُرْعَةٍ، وَالثَّانِي يَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ طَوِيلٍ لِيَنْسَى مَا تَعَلَّمَهُ خَطَأً قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ بِتَعَلُّمِ الصَّوَابِ.”
قَادَهُ إِلَى الرَّفِّ الْأَوَّلِ، وَبَدَأَ يَشْرَحُ لَهُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ رَتِيبٍ لَا يَتَغَيَّرُ كَثِيرًا سَوَاءٌ كَانَ يَشْرَحُ أَوْ يُوَبِّخُ أَوْ يُمَازِحُ نَادِرًا، كَيْفَ يُصَنَّفُ كُلُّ نَوْعٍ مِنَ الْأَقْمِشَةِ، وَكَيْفَ يُقَاسُ، وَكَيْفَ يُقَصُّ بِدِقَّةٍ دُونَ هَدْرِ شِبْرٍ وَاحِدٍ إِضَافِيٍّ، لِأَنَّ كُلَّ شِبْرٍ، كَمَا قَالَ، “هُوَ رِزْقُ أَحَدِهِمْ، وَمَنْ يَهْدُرُ رِزْقَ النَّاسِ بِإِهْمَالٍ، يُحَاسَبُ عَلَيْهِ عَاجِلًا أَوْ آجِلًا، سَوَاءٌ عَرَفَ الزَّبُونُ أَوْ لَمْ يَعْرِفْ.”
مَرَّ الْيَوْمُ الْأَوَّلُ بَطِيئًا وَطَوِيلًا، لَكِنَّ عَدْنَانَ لَمْ يَشْعُرْ بِالْمَلَلِ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ حَوْلَهُ كَانَ جَدِيدًا، مُثِيرًا، مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ حَيَاةِ الْقَرْيَةِ الَّتِي عَرَفَهَا طَوَالَ عُمْرِهِ: زَرْعُ الْأَرْضِ، رَعْيُ الْأَغْنَامِ الْقَلِيلَةِ الَّتِي يَمْلِكُهَا وَالِدُهُ، الْمَشْيُ مَسَافَاتٍ طَوِيلَةً إِلَى الْمَدْرَسَةِ الْبَعِيدَةِ ثُمَّ تَرْكُهَا بَعْدَ الثَّانَوِيَّةِ لِأَنَّ الْأُسْرَةَ لَمْ تَعُدْ قَادِرَةً عَلَى تَحَمُّلِ غِيَابِهِ عَنِ الْعَمَلِ فِي الْأَرْضِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَهُوَ يَعُودُ سَيْرًا عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى غُرْفَتِهِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، لَمْ يَسْتَطِعْ عَدْنَانُ أَنْ يَمْنَعَ نَفْسَهُ مِنَ التَّفْكِيرِ فِي أُمِّهِ، الْوَاقِفَةِ الْآنَ عَلَى الْأَرْجَحِ عِنْدَ بَابِ بَيْتِهِمُ الطِّينِيِّ الصَّغِيرِ فِي قَرْيَةِ الْحُصَيْنِيَّةِ، تَنْظُرُ نَحْوَ الطَّرِيقِ التُّرَابِيِّ الْمُمْتَدِّ بِاتِّجَاهِ الْمَدِينَةِ، تَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ ابْنُهَا الْبِكْرُ قَدْ وَجَدَ عَمَلًا يَلِيقُ بِهِ، أَوْ إِنْ كَانَتْ قَدْ أَرْسَلَتْهُ إِلَى الْعَاصِمَةِ عَبَثًا لِيُوَاجِهَ وَحِيدًا قَسْوَةَ مَدِينَةٍ لَا يَعْرِفُ فِيهَا أَحَدًا سِوَى عَمِّهِ الْبَعِيدِ. كَانَتْ أُمُّهُ، فَاطِمَةُ، امْرَأَةً لَمْ تَتَجَاوَزِ الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهَا بَعْدُ، لَكِنَّ الْفَقْرَ وَالْوِلَادَاتِ السِّتَّ الْمُتَتَالِيَةَ وَالْعَمَلَ الشَّاقَّ فِي الْأَرْضِ جَعَلَا وَجْهَهَا يَبْدُو أَكْبَرَ بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ عَلَى الْأَقَلِّ مِنْ عُمْرِهَا الْحَقِيقِيِّ. كَانَتْ هِيَ مَنْ أَصَرَّتْ، رَغْمَ اعْتِرَاضِ وَالِدِهِ الْأَوَّلِ، عَلَى أَنْ يَذْهَبَ عَدْنَانُ إِلَى دِمَشْقَ حِينَ سَمِعَتْ عَنِ الْفُرْصَةِ، قَائِلَةً جُمْلَةً لَمْ يَنْسَهَا عَدْنَانُ أَبَدًا: “الْأَرْضُ سَتَبْقَى هُنَا يَا أَبُو خَلِيلٍ، لَكِنَّ الْعُمْرَ لَا يَنْتَظِرُ أَحَدًا. دَعِ الْوَلَدَ يُجَرِّبْ حَظَّهُ، وَلَوْ فَشِلَ، سَيَعُودُ إِلَيْنَا، وَلَنْ نَلُومَهُ عَلَى شَيْءٍ.”
أَمَّا وَالِدُهُ، مَحْمُودٌ الرَّافِعِيُّ، فَكَانَ رَجُلًا صَامِتًا غَلِيظَ الْيَدَيْنِ مِنْ عَمَلِ الْأَرْضِ، لَا يَتَحَدَّثُ كَثِيرًا، لَكِنَّهُ فِي صَبَاحِ رَحِيلِ عَدْنَانَ، وَقَفَ عِنْدَ بَابِ الْبَيْتِ، وَوَضَعَ يَدَهُ الْخَشِنَةَ عَلَى كَتِفِ ابْنِهِ، وَقَالَ لَهُ جُمْلَةً وَاحِدَةً فَقَطْ، بِصَوْتٍ أَجَشَّ خَنَقَتْهُ الْعَاطِفَةُ رَغْمَ مُحَاوَلَتِهِ إِخْفَاءَهَا: “لَا تُخْجِلْنِي يَا عَدْنَانُ، أَيْنَمَا ذَهَبْتَ.” كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ، أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ نَصِيحَةٍ مُطَوَّلَةٍ، هِيَ مَا حَمَلَهُ عَدْنَانُ مَعَهُ فِي جَيْبِهِ الدَّاخِلِيِّ، أَقْرَبَ إِلَى قَلْبِهِ مِنْ أَيِّ مَالٍ أَوْ وَثِيقَةٍ، طَوَالَ أَيَّامِهِ الْأُولَى الصَّعْبَةِ فِي دِمَشْقَ.
وَلَهُ خَمْسَةُ إِخْوَةٍ أَصْغَرُ مِنْهُ: خَلِيلٌ، الَّذِي سُمِّيَ عَمُّهُ عَلَى اسْمِهِ، وَثَلَاثُ أَخَوَاتٍ لَمْ يَتَجَاوَزْنَ بَعْدُ سِنَّ الْمَدْرَسَةِ، وَأَصْغَرُهُمْ رَضِيعٌ لَمْ يَبْلُغْ عَامَهُ الْأَوَّلَ بَعْدُ. كَانَ عَدْنَانُ يَعْرِفُ، بِوُضُوحٍ لَا لَبْسَ فِيهِ، أَنَّ كُلَّ لِيرَةٍ سَيُوَفِّرُهَا مِنْ عَمَلِهِ فِي مَتْجَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ سَتَذْهَبُ مُبَاشَرَةً إِلَى تَعْلِيمِ إِخْوَتِهِ، وَإِلَى طَعَامِ الْعَائِلَةِ، وَرُبَّمَا، إِنْ سَمَحَتِ الْأَيَّامُ يَوْمًا، إِلَى قِطْعَةِ أَرْضٍ إِضَافِيَّةٍ صَغِيرَةٍ تُخَفِّفُ عَنْ أَبِيهِ بَعْضَ عِبْءِ السِّنِينَ.
كَانَ هَذَا كُلُّهُ يَعِيشُ فِي صَدْرِهِ كُلَّ صَبَاحٍ وَهُوَ يَمْشِي نَحْوَ سُوقِ الْحَرِيقَةِ، عِبْئًا ثَقِيلًا لَكِنَّهُ أَيْضًا وَقُودًا لَا يَنْضُبُ لِعَزِيمَتِهِ.
٣
فِي نِهَايَةِ ذَلِكَ الْأُسْبُوعِ الْأَوَّلِ، وَبَيْنَمَا كَانَ عَدْنَانُ يُرَتِّبُ آخِرَ لَفَّاتِ الْقُمَاشِ قَبْلَ الْإِغْلَاقِ، سَأَلَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ فَجْأَةً، دُونَ مُقَدِّمَاتٍ، وَهُوَ يَحْسُبُ حَصِيلَةَ الْيَوْمِ عَلَى دَفْتَرٍ صَغِيرٍ بِقَلَمِ رَصَاصٍ مُحَبَّبِ النِّهَايَةِ مِنْ كَثْرَةِ الْبَرْيِ: “لِمَاذَا أَتَيْتَ مِنَ الْقَرْيَةِ إِلَى دِمَشْقَ يَا عَدْنَانُ؟ أَلَا تُحِبُّ الْأَرْضَ؟” تَوَقَّفَ عَدْنَانُ عَنْ عَمَلِهِ لِلَحْظَةٍ، مُفَاجَأً بِالسُّؤَالِ. “أُحِبُّ الْأَرْضَ يَا حَاجُّ، لَكِنَّ الْأَرْضَ لَا تَكْفِي. نَحْنُ سِتَّةُ إِخْوَةٍ، وَالْأَرْضُ الَّتِي يَمْلِكُهَا وَالِدِي لَا تَكْفِي لِإِطْعَامِ اثْنَيْنِ. أَنَا الْأَكْبَرُ، وَعَلَيَّ أَنْ أُسَاعِدَ.” “وَمَاذَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ، حِينَ تَكْبُرُ أَكْثَرَ؟”
سُؤَالٌ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ عَدْنَانُ جِدِّيًّا مِنْ قَبْلُ، لَيْسَ بِهَذِهِ الصِّيَاغَةِ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى الْأَقَلِّ. فَكَّرَ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، بِصِدْقٍ شَدِيدٍ لَمْ يَحْسِبْ لَهُ حِسَابًا كَافِيًا: “لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ يَا حَاجُّ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ أَنَّنِي لَا أُرِيدُ أَنْ أَظَلَّ طَوَالَ حَيَاتِي أَخَافُ مِنَ الشِّتَاءِ الْقَادِمِ، وَهَلْ سَيَكْفِينَا الْقَمْحُ إِلَى الرَّبِيعِ أَمْ لَا.”
نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ نَظْرَةً طَوِيلَةً صَامِتَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى دَفْتَرِهِ دُونَ تَعْلِيقٍ. لَكِنَّ عَدْنَانَ لَاحَظَ، رَغْمَ ذَلِكَ، أَنَّ شَيْئًا فِي تِلْكَ النَّظْرَةِ قَدْ تَغَيَّرَ قَلِيلًا، كَأَنَّ الرَّجُلَ الْعَجُوزَ الصَّعْبَ الْمِرَاسِ قَدْ أَضَافَ إِلَى مِيزَانِهِ الصَّامِتِ الَّذِي يَزِنُ بِهِ النَّاسَ مِعْيَارًا جَدِيدًا وَجَدَهُ فِيهِ.
٤
مَرَّتِ الْأَسَابِيعُ، وَتَحَوَّلَتِ الْغَرَابَةُ الْأُولَى إِلَى إِيقَاعٍ مَأْلُوفٍ. كَانَ عَدْنَانُ يَسْتَيْقِظُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِقَلِيلٍ فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا بِالِاشْتِرَاكِ مَعَ شَابَّيْنِ آخَرَيْنِ مِنْ قُرًى مُجَاوِرَةٍ فِي حَيٍّ شَعْبِيٍّ قَرِيبٍ مِنَ السُّوقِ، يَتَوَضَّأُ بِمَاءٍ بَارِدٍ، يُصَلِّي الْفَجْرَ، ثُمَّ يَمْشِي عِشْرِينَ دَقِيقَةً عَبْرَ أَزِقَّةِ دِمَشْقَ الْقَدِيمَةِ الْمُسْتَيْقِظَةِ بِالْكَادِ، لِيَصِلَ إِلَى الْمَتْجَرِ قَبْلَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِدَقَائِقَ قَلِيلَةٍ كُلَّ يَوْمٍ، لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ بِسُرْعَةٍ أَنَّ هَذَا التَّفْصِيلَ الصَّغِيرَ، أَنْ يَكُونَ هُوَ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْمَتْجَرِ لَا أَنْ يَنْتَظِرَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ مَفْتُوحًا، كَانَ يَعْنِي لِلرَّجُلِ الْعَجُوزِ أَكْثَرَ مِمَّا تَعْنِيهِ أَيُّ كَلِمَةِ إِطْرَاءٍ يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَهَا.
تَعَلَّمَ عَدْنَانُ أَسْمَاءَ الْأَقْمِشَةِ كُلَّهَا خِلَالَ شَهْرٍ وَاحِدٍ، وَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَقُصُّهَا بِدِقَّةٍ تَكَادُ تَكُونُ آلِيَّةً، وَتَعَلَّمَ كَيْفَ يَتَعَامَلُ مَعَ الزَّبَائِنِ الْمُخْتَلِفِينَ: التَّاجِرُ الْجُمْلَةُ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُفَاوِضَ عَلَى كُلِّ قِرْشٍ، وَالسَّيِّدَةُ الَّتِي تُرِيدُ قُمَاشًا لِفُسْتَانِ عُرْسِ ابْنَتِهَا وَلَا تَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَاذَا تُرِيدُ فَتَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ وَصَبْرٍ طَوِيلَيْنِ، وَالْخَيَّاطُ الْمَاهِرُ الَّذِي يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ مَا يُرِيدُ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يُهْدَرَ وَقْتُهُ بِشَرْحٍ لَا دَاعِيَ لَهُ.
وَتَعَلَّمَ أَيْضًا، بِالتَّدْرِيجِ، وُجُوهَ سُوقِ الْحَرِيقَةِ وَأَصْوَاتَهُ: أَبُو سَلِيمٍ، بَائِعُ الْبَهَارَاتِ الْمُجَاوِرُ، الَّذِي كَانَ يُهْدِي عَدْنَانَ كُلَّ صَبَاحٍ حَفْنَةً صَغِيرَةً مِنْ حَبِّ الْهَالِ “لِتُطَيِّبَ بِهَا نَفَسَكَ أَمَامَ الزَّبَائِنِ”، عَلَى حَدِّ تَعْبِيرِهِ الدَّائِمِ بِابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ تَكْشِفُ عَنْ أَسْنَانِهِ الْقَلِيلَةِ الْمُتَبَقِّيَةِ. وَأُمُّ رِيَاضٍ، صَاحِبَةُ مَحَلِّ الْخُيُوطِ فِي نِهَايَةِ الرِّوَاقِ، الَّتِي كَانَتْ تُرَاقِبُ كُلَّ قَادِمٍ جَدِيدٍ إِلَى السُّوقِ بِعَيْنٍ فُضُولِيَّةٍ حَذِرَةٍ، وَسُرْعَانَ مَا أَحَبَّتْ عَدْنَانَ لِأَدَبِهِ الْجَمِّ وَبَدَأَتْ تُنَادِيهِ “يَا ابْنِي” كُلَّمَا مَرَّ مِنْ أَمَامِ مَحَلِّهَا. وَحَسَنٌ، الشَّابُّ الَّذِي يَعْمَلُ فِي مَتْجَرٍ مُجَاوِرٍ يَبِيعُ الْأَزْرَارَ وَالْإِكْسَسْوَارَاتِ، وَالَّذِي أَصْبَحَ أَقْرَبَ صَدِيقٍ لِعَدْنَانَ فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ الْأُولَى.
“أَتَعْرِفُ يَا عَدْنَانُ،” قَالَ لَهُ حَسَنٌ ذَاتَ ظَهِيرَةٍ، وَهُمَا يَقْتَسِمَانِ رَغِيفَ خُبْزٍ طَازِجًا، “أَنَا أَحْسُدُكَ عَلَى عَمَلِكَ عِنْدَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. الْجَمِيعُ فِي السُّوقِ يَعْرِفُ أَنَّهُ رَجُلٌ شَرِيفٌ، لَا كَصَاحِبِ عَمَلِي، الَّذِي يَخْصِمُ مِنْ رَاتِبِي ثَمَنَ أَيَّةِ قِطْعَةِ أَزْرَارٍ أُتْلِفُهَا، حَتَّى لَوْ كَانَتْ غَلْطَةً غَيْرَ مَقْصُودَةٍ.” “يَقُولُونَ فِي السُّوقِ إِنَّهُ كَانَ تَاجِرًا كَبِيرًا جِدًّا فِي شَبَابِهِ، قَبْلَ أَنْ يَخْسَرَ مُعْظَمَ ثَرْوَتِهِ فِي صَفْقَةٍ خَاسِرَةٍ، ثُمَّ بَدَأَ مِنْ جَدِيدٍ بِصَبْرٍ شَدِيدٍ حَتَّى بَنَى هَذَا الْمَتْجَرَ. وَيَقُولُونَ أَيْضًا إِنَّهُ فَقَدَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ فِي حَادِثٍ، وَأَنَّ زَوْجَتَهُ مَاتَتْ بَعْدَهُ بِحُزْنٍ، فَبَقِيَ وَحِيدًا تَمَامًا، لَا أَهْلَ لَهُ سِوَى مَتْجَرِهِ هَذَا.”
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَصُ صَحِيحَةً تَمَامًا أَمْ أَنَّهَا تَضَخَّمَتْ وَتَغَيَّرَتْ كَمَا تَتَغَيَّرُ كُلُّ الْحِكَايَاتِ حِينَ تَنْتَقِلُ مِنْ فَمٍ إِلَى فَمٍ فِي أَزِقَّةِ سُوقٍ مُزْدَحِمٍ، لَكِنَّهَا زَادَتْهُ فُضُولًا تُجَاهَ هَذَا الرَّجُلِ الْهَادِئِ الْغَامِضِ الَّذِي أَصْبَحَ، دُونَ أَنْ يُخَطِّطَ لِذَلِكَ، أَقْرَبَ إِلَى أَبٍ ثَانٍ مِنْهُ إِلَى مُجَرَّدِ صَاحِبِ عَمَلٍ.
كَانَ سُوقُ الْحَرِيقَةِ، بِالنِّسْبَةِ لِعَدْنَانَ، أَشْبَهَ بِعَالَمٍ صَغِيرٍ مُكْتَمِلٍ بِذَاتِهِ. وَكَانَ بَعْضُ تُجَّارِ السُّوقِ، وَخَاصَّةً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَدَيْهِمْ شُرَكَاءُ أَوْ أَقَارِبُ فِي بَيْرُوتَ الْقَرِيبَةِ، يَتَحَدَّثُونَ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ عَمَّا يَجْرِي هُنَاكَ، فِي تِلْكَ الْمَدِينَةِ السَّاحِلِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ، حَتَّى قَبْلَ عَامٍ وَاحِدٍ فَقَطْ، تُوصَفُ بِأَنَّهَا “بَارِيسُ الشَّرْقِ”، وَالَّتِي أَصْبَحَتِ الْآنَ، بِحَسَبِ مَا كَانَ يُتَنَاقَلُ مِنْ أَخْبَارٍ مُتَقَطِّعَةٍ، مَسْرَحًا لِاقْتِتَالٍ طَائِفِيٍّ دَامٍ لَا يَبْدُو أَنَّ لَهُ نِهَايَةً قَرِيبَةً. سَمِعَ عَدْنَانُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ أَحَادِيثَ عَابِرَةً عَنْ عَائِلَاتٍ لُبْنَانِيَّةٍ كَامِلَةٍ هَجَرَتْ بُيُوتَهَا وَتِجَارَتَهَا بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا، هَرَبًا مِنْ قَذَائِفَ عَشْوَائِيَّةٍ أَوْ مِنْ مِيلِيشْيَاتٍ مُسَلَّحَةٍ اسْتَوْلَتْ فَجْأَةً عَلَى أَحْيَائِهَا، وَعَنْ بَعْضِهِمْ مَنْ لَجَأَ إِلَى دِمَشْقَ حَامِلًا مَعَهُ مَا اسْتَطَاعَ حَمْلَهُ مِنْ مَالٍ وَذَهَبٍ، بَاحِثًا عَنْ مَكَانٍ آمِنٍ، وَلَوْ مُؤَقَّتًا، يُودِعُ فِيهِ مَا تَبَقَّى مِنْ ثَرْوَةِ عُمْرٍ كَامِلٍ مِنَ الْكَدِّ وَالتَّعَبِ. لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، يُعِيرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ اهْتِمَامًا كَبِيرًا، فَهِيَ بَدَتْ لَهُ بَعِيدَةً عَنْ عَالَمِهِ الصَّغِيرِ الْجَدِيدِ فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ، لَكِنَّهَا كَانَتْ، دُونَ أَنْ يَدْرِيَ، تَحِيكُ خَيْطًا سَيَلْتَقِي يَوْمًا بِخَيْطِ حَيَاتِهِ الْخَاصَّةِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَكُنْ لِيَتَخَيَّلَهَا أَبَدًا فِي ذَلِكَ الصَّيْفِ الْبَعِيدِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، أَخْطَأَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَنْ عَرَفَهُ عَدْنَانُ، فِي حِسَابِ فَاتُورَةِ زَبُونٍ غَنِيٍّ مَعْرُوفٍ فِي السُّوقِ، تَاجِرِ عَقَارَاتٍ يُدْعَى أَبَا رِيَاضٍ، اشْتَرَى كَمِّيَّةً كَبِيرَةً مِنَ الْقُمَاشِ الْحَرِيرِيِّ الْفَاخِرِ لِتَجْهِيزِ مَحَلِّ مَلَابِسَ جَدِيدٍ يَفْتَتِحُهُ. أَعْطَى الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ الْبَاقِيَ لِلزَّبُونِ، لَكِنَّ عَدْنَانَ، الَّذِي كَانَ يُرَاقِبُ الْحِسَابَ بِصَمْتٍ مِنْ زَاوِيَتِهِ الْمُعْتَادَةِ، لَاحَظَ أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا قَدْ أَخْطَأَ فِي جَمْعِ الْأَرْقَامِ لِصَالِحِ الزَّبُونِ بِمَبْلَغٍ لَا بَأْسَ بِهِ.
انْتَظَرَ عَدْنَانُ حَتَّى غَادَرَ الزَّبُونُ، ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِتَرَدُّدٍ. “يَا حَاجُّ، أَظُنُّ أَنَّكَ أَعْطَيْتَ أَبَا رِيَاضٍ بَاقِيًا أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَحِقُّ.” تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَنْ تَرْتِيبِ أَوْرَاقِهِ، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ بِجِدِّيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ. “كَمْ بِالضَّبْطِ؟” رَاجَعَ عَدْنَانُ الْحِسَابَ بِسُرْعَةٍ عَلَى قُصَاصَةِ وَرَقٍ. “أَرْبَعُمِائَةِ لِيرَةٍ يَا حَاجُّ، تَقْرِيبًا.” جَلَسَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ صَامِتًا لِلَحَظَاتٍ، يُرَاجِعُ الْأَرْقَامَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، مُقِرًّا بِالْخَطَأِ. “أَنْتَ مُحِقٌّ. أَخْطَأْتُ.” نَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ نَظْرَةً فَاحِصَةً أُخْرَى. “أَتَعْرِفُ كَمْ مِنَ النَّاسِ، فِي هَذَا السُّوقِ بِالذَّاتِ، كَانُوا سَيَسْكُتُونَ عَنْ هَذَا الْخَطَأِ لَوْ كَانُوا مَكَانَكَ، خُصُوصًا أَنَّ الْمَبْلَغَ لِصَالِحِي أَنَا لَا لِصَالِحِكَ؟” “لَكِنَّهُ لَيْسَ مَالَكَ أَنْتَ وَحْدَكَ يَا حَاجُّ، أَنْتَ أَخْطَأْتَ لِصَالِحِ الزَّبُونِ، وَالْفَرْقُ سَيَخْرُجُ مِنْ جَيْبِكَ.” “هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَعْنِيهِ.” ابْتَسَمَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ تِلْكَ الِابْتِسَامَةَ الْخَفِيفَةَ نَفْسَهَا الَّتِي رَآهَا عَدْنَانُ مَرَّةً وَاحِدَةً فَقَطْ فِي يَوْمِهِ الْأَوَّلِ. “مُعْظَمُ مَنْ عَمِلُوا عِنْدِي، حِينَ يَكْتَشِفُونَ خَطَأً كَهَذَا، يَنْتَظِرُونَ لِيَرَوْا إِنْ كَانَ الْخَطَأُ لِصَالِحِهِمْ هُمْ قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرُوا هَلْ يُخْبِرُونَنِي أَمْ لَا. أَنْتَ أَخْبَرْتَنِي فَوْرًا، رَغْمَ أَنَّ الْخَطَأَ لَا يَخُصُّكَ بِشَيْءٍ مُبَاشِرٍ.” ثُمَّ أَضَافَ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً مِمَّا اعْتَادَ أَنْ يَسْمَعَهَا عَدْنَانُ مِنْهُ: “غَدًا، سَآخُذُكَ مَعِي لِأُقَابِلَ صَاحِبَ الدَّيْنِ الْقَدِيمِ فِي حَيِّ الْمَيْدَانِ. أُرِيدُكَ أَنْ تَشْهَدَ شَيْئًا.”
٥
لَمْ يَشْرَحِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي، رَافَقَهُ عَدْنَانُ فِي زِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ إِلَى تَاجِرٍ مُسِنٍّ آخَرَ فِي حَيِّ الْمَيْدَانِ الْبَعِيدِ نِسْبِيًّا عَنْ سُوقِ الْحَرِيقَةِ، لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُ دَيْنًا قَدِيمًا كَانَ قَدْ أَقْرَضَهُ إِيَّاهُ دُونَ سَنَدٍ مَكْتُوبٍ، بِنَاءً عَلَى الثِّقَةِ وَحْدَهَا. كَانَ الطَّرِيقُ إِلَى حَيِّ الْمَيْدَانِ طَوِيلًا نِسْبِيًّا، سَارَا فِيهِ مُعْظَمَهُ صَمْتًا، وَالْحَاجُّ تَوْفِيقٌ يَمْشِي بِخُطًى ثَابِتَةٍ رَغْمَ عُمْرِهِ، عَصَاهُ الْخَشَبِيَّةُ تَطْرُقُ الْأَرْضَ بِإِيقَاعٍ مُنْتَظِمٍ يَكَادُ يُشْبِهُ دَقَّاتِ سَاعَةٍ قَدِيمَةٍ.
حِينَ وَصَلَا أَخِيرًا إِلَى مَتْجَرٍ صَغِيرٍ مُتَهَالِكٍ بَعْضَ الشَّيْءِ فِي عُمْقِ حَيِّ الْمَيْدَانِ، اسْتَقْبَلَهُمَا تَاجِرٌ مُسِنٌّ يُدْعَى أَبُو فَارِسٍ، بَدَا عَلَيْهِ الْقَلَقُ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّعُ هَذِهِ الزِّيَارَةَ وَيَخْشَاهَا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
لَاحَظَ عَدْنَانُ كَيْفَ تَعَامَلَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ مَعَ الرَّجُلِ بِكُلِّ احْتِرَامٍ، دُونَ إِلْحَاحٍ أَوْ تَذْكِيرٍ مُهِينٍ، حَتَّى إِنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ صِحَّتِهِ وَعَنْ أَحْوَالِ أَوْلَادِهِ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ مَوْضُوعَ الدَّيْنِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَكَيْفَ دَفَعَ الرَّجُلُ الدَّيْنَ كَامِلًا بِصَمْتٍ وَامْتِنَانٍ وَاضِحٍ عَلَى وَجْهِهِ، بَلْ إِنَّهُ حَاوَلَ أَنْ يُضِيفَ مَبْلَغًا رَمْزِيًّا “تَعْبِيرًا عَنِ الشُّكْرِ”، رَفَضَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِحَزْمٍ لَطِيفٍ قَائِلًا: “أَعْطَيْتُكَ مَا تَحْتَاجُهُ حِينَ احْتَجْتَهُ، وَأَنْتَ أَعَدْتَهُ لِي حِينَ اسْتَطَعْتَ. هَذَا كُلُّ مَا فِي الْأَمْرِ، وَلَا دَاعِيَ لِأَيِّ شَيْءٍ إِضَافِيٍّ بَيْنَنَا.”
فِي طَرِيقِ الْعَوْدَةِ، سَأَلَ عَدْنَانُ بِجُرْأَةٍ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ أَتَتْهُ: “يَا حَاجُّ، أَلَا تَخَافُ أَنْ تُقْرِضَ أَحَدًا بِلَا سَنَدٍ مَكْتُوبٍ؟ مَاذَا لَوْ أَنْكَرَ الدَّيْنَ؟” نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ طَوِيلًا وَهُمَا يَسِيرَانِ فِي الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ الْمُكْتَظَّةِ بِحَرَكَةِ السُّوقِ، قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِجُمْلَةٍ لَمْ يَنْسَهَا عَدْنَانُ أَبَدًا طَوَالَ حَيَاتِهِ اللَّاحِقَةِ، جُمْلَةٍ سَتَعُودُ إِلَى ذِهْنِهِ بَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ فِي لَحَظَاتٍ كَثِيرَةٍ مَفْصِلِيَّةٍ: “السَّنَدُ الْمَكْتُوبُ يَحْمِي مَالَكَ مِنَ الْغَرِيبِ، يَا عَدْنَانُ. لَكِنَّ السَّنَدَ الْحَقِيقِيَّ، الَّذِي لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُمَزِّقَهُ أَوْ يُزَوِّرَهُ، هُوَ مَعْرِفَتُكَ بِقَلْبِ الرَّجُلِ الَّذِي تَتَعَامَلُ مَعَهُ. أَنَا لَا أُقْرِضُ أَمْوَالِي لِمَنْ لَا أَعْرِفُ قَلْبَهُ، مَهْمَا كَانَ السَّنَدُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيَّ قَوِيًّا. وَالْمَالُ الَّذِي أَخْسَرُهُ أَحْيَانًا بِسَبَبِ ثِقَتِي، أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَخْسَرُهُ لَوْ عِشْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا بِلَا ثِقَةٍ بِأَحَدٍ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ، بِنَبْرَةٍ أَخْفَضَ، كَأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ لِنَفْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَحَدَّثُ لِعَدْنَانَ: “مِنْ هَذِهِ اللَّحْظَةِ… أَنْتَ لَسْتَ فَقَطْ عَامِلًا عِنْدِي.” لَمْ يُكْمِلِ الْجُمْلَةَ. نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَيْهِ مُنْتَظِرًا الْمَزِيدَ، لَكِنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا كَانَ قَدْ أَشَاحَ بِوَجْهِهِ نَحْوَ وَاجِهَةِ مَتْجَرٍ مُجَاوِرٍ، وَكَأَنَّهُ نَدِمَ فَجْأَةً عَلَى مَا قَالَهُ. لَمْ يَسْأَلْهُ عَدْنَانُ عَمَّا قَصَدَهُ؛ كَانَ قَدْ تَعَلَّمَ فِي تِلْكَ الْأَسَابِيعِ الْقَلِيلَةِ أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا لَا يُحِبُّ أَنْ يُسْتَدْرَجَ لِلْحَدِيثِ عَنْ أُمُورٍ لَمْ يُقَرِّرْ بِنَفْسِهِ أَنْ يَتَحَدَّثَ عَنْهَا.
٦
فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ تَمُّوزَ مِنْ ذَلِكَ الصَّيْفِ، بَدَأَتْ تَطْرَأُ عَلَى الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ تَغَيُّرَاتٌ صَغِيرَةٌ لَاحَظَهَا عَدْنَانُ دُونَ أَنْ يَفْهَمَ سَبَبَهَا فِي الْبِدَايَةِ: كَانَ يَصِلُ إِلَى الْمَتْجَرِ مُتَأَخِّرًا بِضْعَ دَقَائِقَ أَحْيَانًا، هُوَ الَّذِي لَمْ يَتَأَخَّرْ يَوْمًا وَاحِدًا طَوَالَ الشَّهْرَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ، وَكَانَ يَنْظُرُ أَحْيَانًا نَحْوَ بَابِ الْمَتْجَرِ بِتَرَقُّبٍ خَفِيفٍ حِينَ يَسْمَعُ صَوْتَ خُطُوَاتٍ فِي الزُّقَاقِ الْخَارِجِيِّ، وَكَانَ يُغْلِقُ دَفْتَرَ حِسَابَاتِهِ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ كُلَّمَا دَخَلَ أَحَدٌ الْمَتْجَرَ فَجْأَةً، حَتَّى لَوْ كَانَ عَدْنَانَ نَفْسَهُ.
لَاحَظَ عَدْنَانُ أَيْضًا أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا بَدَأَ يُرَاسِلُ أَحَدًا بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ عَبْرَ رَسَائِلَ قَصِيرَةٍ يَكْتُبُهَا بِخَطِّ يَدِهِ عَلَى أَوْرَاقٍ صَغِيرَةٍ، يَطْوِي كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، ثُمَّ يُسَلِّمُهَا سِرًّا لِصَبِيٍّ صَغِيرٍ يَعْمَلُ حَمَّالًا فِي السُّوقِ، يَهْمِسُ لَهُ بِضْعَ كَلِمَاتٍ لَا يَسْمَعُهَا عَدْنَانُ، ثُمَّ يُرَاقِبُ الصَّبِيَّ وَهُوَ يَخْتَفِي بَيْنَ الْأَزِقَّةِ بِاتِّجَاهٍ لَا يَعْرِفُهُ عَدْنَانُ. وَذَاتَ مَرَّةٍ، حِينَ سَأَلَهُ عَدْنَانُ بِلَا قَصْدٍ سَيِّئٍ إِنْ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ، أَجَابَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِحِدَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ مِنْهُ: “اهْتَمَّ بِعَمَلِكَ يَا عَدْنَانُ، وَسَأَهْتَمُّ أَنَا بِشُؤُونِي.” ثُمَّ نَدِمَ عَلَى حِدَّتِهِ عَلَى مَا بَدَا، وَأَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ: “سَامِحْنِي، لَسْتُ غَاضِبًا مِنْكَ. فَقَطْ… بَعْضُ الْأُمُورِ الْقَدِيمَةِ عَادَتْ لِتَشْغَلَ بَالِي هَذِهِ الْأَيَّامَ.”
لَمْ يَجْرُؤْ عَدْنَانُ عَلَى السُّؤَالِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُ بَدَأَ يُرَاقِبُ، بِحِسٍّ لَمْ يَعْرِفْ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ، تِلْكَ التَّفَاصِيلَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي كَانَتْ تَتَرَاكَمُ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ. شَعَرَ عَدْنَانُ، دُونَ أَنْ يَسْتَطِيعَ تَفْسِيرَ هَذَا الشُّعُورِ بِوُضُوحٍ، أَنَّ هُنَاكَ عَاصِفَةً تَتَجَمَّعُ فِي الْأُفُقِ، عَاصِفَةً صَامِتَةً لَا يَسْمَعُ أَحَدٌ هَدِيرَهَا بَعْدُ، لَكِنَّهَا تَقْتَرِبُ لَا مَحَالَةَ.
فِي إِحْدَى الْأَمْسِيَاتِ، بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ الْمَتْجَرُ أَبْوَابَهُ لِلزَّبَائِنِ، طَلَبَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ مِنْ عَدْنَانَ أَنْ يَبْقَى قَلِيلًا بَعْدَ الْمَوْعِدِ الْمُعْتَادِ لِتَرْتِيبِ بَعْضِ اللَّفَّاتِ الَّتِي وَصَلَتْ حَدِيثًا مِنْ حَلَبَ. لَمْ يَكُنْ هَذَا طَلَبًا غَرِيبًا فِي حَدِّ ذَاتِهِ، لَكِنَّ شَيْئًا فِي نَبْرَةِ صَوْتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ ذَلِكَ الْمَسَاءَ كَانَ مُخْتَلِفًا، أَكْثَرَ تَوَتُّرًا مِنَ الْمُعْتَادِ بِشَكْلٍ خَفِيفٍ بِالْكَادِ يُلْحَظُ. لَاحَظَ عَدْنَانُ أَنَّ يَدَيِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ كَانَتَا تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا وَهُوَ يُغْلِقُ دَرْجَ النُّقُودِ، وَأَنَّهُ رَاجَعَ قُفْلَ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ مَرَّتَيْنِ مُتَتَالِيَتَيْنِ، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَفْعَلْهُ مِنْ قَبْلُ قَطُّ.
كَانَ عَدْنَانُ قَدِ انْتَهَى تَقْرِيبًا مِنْ تَرْتِيبِ اللَّفَّاتِ، وَيَسْتَعِدُّ لِلْمُغَادَرَةِ، حِينَ سَمِعَ طَرْقًا خَفِيفًا عَلَى الْبَابِ الْخَلْفِيِّ لِلْمَتْجَرِ، ذَلِكَ الْبَابَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَفْتَحُ عَلَى زُقَاقٍ ضَيِّقٍ مُظْلِمٍ نَادِرًا مَا يُسْتَخْدَمُ.
تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ فَجْأَةً عَمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ، وَنَظَرَ نَحْوَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ بِحِدَّةٍ غَيْرِ مَعْهُودَةٍ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ. “عَدْنَانُ، اذْهَبْ إِلَى الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ وَابْدَأْ بِجَرْدِ الصَّنَادِيقِ الْفَارِغَةِ. سَآتِي إِلَيْكَ بَعْدَ قَلِيلٍ.”
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ يَطْلُبُ فِيهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ مِنْ عَدْنَانَ أَنْ يُغَادِرَ الْمَكَانَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ الْمُبَاشِرَةِ، دُونَ سَبَبٍ وَاضِحٍ.
تَظَاهَرَ عَدْنَانُ بِالِانْصِيَاعِ، وَسَارَ نَحْوَ الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ، لَكِنَّ فُضُولًا قَوِيًّا، فُضُولًا لَمْ يَعْرِفْ عَدْنَانُ مِنْ أَيْنَ أَتَاهُ بِالضَّبْطِ، جَعَلَهُ يَتَبَاطَأُ عِنْدَ مُنْعَطَفِ الرِّوَاقِ، حَيْثُ يُمْكِنُهُ، مِنْ خَلْفِ كَوْمَةٍ مِنْ لَفَّاتِ الْقُمَاشِ الْمُكَدَّسَةِ، أَنْ يَرَى مَا يَجْرِي عِنْدَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ دُونَ أَنْ يُرَى هُوَ نَفْسُهُ بِوُضُوحٍ.
فَتَحَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ الْبَابَ الْخَلْفِيَّ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ أَوَّلًا، كَمَا بَدَا مِنْ حَرَكَتِهِ، مِنْ أَنَّ الزُّقَاقَ خَالٍ تَمَامًا.
دَخَلَ رَجُلٌ، لَمْ يَسْتَطِعْ عَدْنَانُ أَنْ يَرَى وَجْهَهُ بِوُضُوحٍ مِنْ مَكَانِهِ، لِأَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَرْتَدِي عَبَاءَةً دَاكِنَةً تُغَطِّي مُعْظَمَ جَسَدِهِ رَغْمَ حَرَارَةِ الصَّيْفِ الْخَانِقَةِ، وَكُوفِيَّةً مَلْفُوفَةً حَوْلَ رَأْسِهِ بِطَرِيقَةٍ تُخْفِي نِصْفَ وَجْهِهِ. كَانَ يَحْمِلُ بَيْنَ يَدَيْهِ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا نِسْبِيًّا، بِحَجْمٍ لَا يَتَجَاوَزُ صُنْدُوقَ أَحْذِيَةٍ كَبِيرًا، لَكِنَّهُ بَدَا، مِنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَحْمِلُهُ بِهَا الرَّجُلُ، ثَقِيلًا بِشَكْلٍ غَيْرِ مُتَنَاسِبٍ مَعَ حَجْمِهِ، أَوْ رُبَّمَا ثَمِينًا إِلَى دَرَجَةِ أَنَّ حَامِلَهُ يَخْشَى أَنْ يَسْقُطَ مِنْهُ.
٧
“تَوْفِيقُ.” كَانَ صَوْتُ الرَّجُلِ مُنْخَفِضًا، أَجَشَّ، يَحْمِلُ نَبْرَةَ تَعَبٍ شَدِيدٍ، وَرُبَّمَا شَيْئًا مِنَ الْخَوْفِ أَيْضًا، كَمَا شَعَرَ عَدْنَانُ مِنْ مَكَانِهِ رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ رُؤْيَةَ مَلَامِحِ الرَّجُلِ بِوُضُوحٍ كَافٍ. “لَا وَقْتَ لَدَيَّ لِلشَّرْحِ الْآنَ. أَحْتَاجُ مِنْكَ أَنْ تَحْتَفِظَ بِهَذَا لِبَعْضِ الْوَقْتِ.” “مَاذَا يَجْرِي؟ لَمْ أَرَكَ مُنْذُ أَشْهُرٍ، وَتَأْتِي الْآنَ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، فِي هَذَا الْوَقْتِ الْمُتَأَخِّرِ؟” كَانَ صَوْتُ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ أَكْثَرَ تَوَتُّرًا مِمَّا سَمِعَهُ عَدْنَانُ مِنْهُ مِنْ قَبْلُ. “الْأُمُورُ… تَعَقَّدَتْ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ. هُنَاكَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ هَذَا الصُّنْدُوقِ، وَهُنَاكَ مَنْ قَدْ يَصِلُ إِلَيَّ أَنَا شَخْصِيًّا قَرِيبًا. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْتَفِظَ بِهِ عِنْدِي بَعْدَ الْآنَ، لَيْسَ بِأَمَانٍ عَلَى الْأَقَلِّ.” “وَلِمَاذَا أَنَا بِالذَّاتِ؟ لِمَاذَا لَا تَذْهَبُ إِلَى أَقَارِبِكَ، إِلَى إِخْوَتِكَ؟” ضَحِكَ الرَّجُلُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً مَرِيرَةً، لَا أَثَرَ فِيهَا لِأَيِّ مَرَحٍ حَقِيقِيٍّ. “لِأَنَّنِي لَا أَثِقُ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ يَا تَوْفِيقُ، لَا كَمَا أَثِقُ بِكَ. أَنْتَ الرَّجُلُ الْوَحِيدُ الَّذِي عَرَفْتُهُ طَوَالَ حَيَاتِي وَلَمْ يَخُنِّي يَوْمًا، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، رَغْمَ كُلِّ الْفُرَصِ الَّتِي أُتِيحَتْ لَكَ لِتَفْعَلَ ذَلِكَ.” تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ، شِبْهِ هَامِسٍ: “احْتَفِظْ بِهِ مَهْمَا حَدَثَ لِي. لَا تَفْتَحْهُ، وَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ أَحَدًا، وَلَا تُخْبِرْ أَحَدًا أَنَّهُ مَوْجُودٌ عِنْدَكَ، حَتَّى لَوْ سَأَلَكَ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْكَ. سَآتِي لِأَخْذِهِ بِنَفْسِي حِينَ تَهْدَأُ الْأُمُورُ، أَوْ…” تَوَقَّفَ مَرَّةً أُخْرَى. “أَوْ سَيَأْتِي شَخْصٌ آخَرُ، يَحْمِلُ عَلَامَةً سَأُخْبِرُكَ بِهَا، إِنْ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنَا الْعَوْدَةَ شَخْصِيًّا.”
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، صَمْتٌ شَعَرَ فِيهِ عَدْنَانُ أَنَّ الْهَوَاءَ نَفْسَهُ فِي الْمَتْجَرِ قَدْ تَجَمَّدَ لِلَحْظَةٍ. “وَإِنْ لَمْ تَعُدْ؟” سَأَلَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ خَفِيضٍ جِدًّا هَذِهِ الْمَرَّةَ.
لَمْ يُجِبِ الرَّجُلُ مُبَاشَرَةً. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، مَدَّ يَدَهُ وَسَلَّمَ الصُّنْدُوقَ إِلَى الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، الَّذِي تَلَقَّاهُ بِيَدَيْنِ مُتَرَدِّدَتَيْنِ. “إِنْ لَمْ أَعُدْ خِلَالَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، افْتَحْهُ بِنَفْسِكَ، وَاعْرِفِ الْحَقِيقَةَ، وَافْعَلْ بِهَا مَا يُمْلِيهِ عَلَيْكَ ضَمِيرُكَ. أَثِقُ بِكَ فِي هَذَا أَكْثَرَ مِمَّا أَثِقُ بِنَفْسِي.” ثُمَّ أَضَافَ، بِنَبْرَةٍ اكْتَسَتْ فَجْأَةً بِشَيْءٍ مِنَ الْحَنَانِ النَّادِرِ: “وَشُكْرًا لَكَ، تَوْفِيقُ، عَلَى كُلِّ شَيْءٍ. لَنْ أَنْسَى هَذَا أَبَدًا، فِي هَذِهِ الدُّنْيَا أَوْ فِي أَيِّ دُنْيَا أُخْرَى بَعْدَهَا.”
قَبْلَ أَنْ يَسْتَطِيعَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ أَنْ يَرُدَّ بِشَيْءٍ، انْسَلَّ الرَّجُلُ خَارِجًا مِنَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ بِالسُّرْعَةِ نَفْسِهَا الَّتِي دَخَلَ بِهَا، وَاخْتَفَى فِي عَتْمَةِ الزُّقَاقِ الضَّيِّقِ، تَارِكًا الْحَاجَّ تَوْفِيقًا وَاقِفًا وَحِيدًا، يَحْمِلُ الصُّنْدُوقَ الْخَشَبِيَّ الصَّغِيرَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَوَجْهُهُ، فِي ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ الْخَافِتِ الْمُعَلَّقِ فَوْقَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، يَحْمِلُ تَعْبِيرًا لَمْ يَرَهُ عَدْنَانُ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ قَطُّ: مَزِيجًا غَرِيبًا مِنَ الْحُزْنِ الْعَمِيقِ وَالْخَوْفِ الْمَكْتُومِ وَشَيْءٍ آخَرَ، شَيْءٍ أَشْبَهَ بِثِقَلِ مَسْؤُولِيَّةٍ هَائِلَةٍ سَقَطَتْ لِلتَّوِّ عَلَى كَتِفَيْهِ دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ.
٨
بَقِيَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ وَاقِفًا فِي مَكَانِهِ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ بَعْدَ أَنِ اخْتَفَى الرَّجُلُ الْغَرِيبُ، يَنْظُرُ إِلَى الصُّنْدُوقِ بَيْنَ يَدَيْهِ كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى شَيْءٍ لَا يُصَدِّقُ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ، ثُمَّ أَغْلَقَ الْبَابَ الْخَلْفِيَّ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ، وَأَقْفَلَهُ بِمِفْتَاحٍ بَدَا لِعَدْنَانَ قَدِيمًا وَصَدِئًا، مِفْتَاحًا لَمْ يَرَ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا يَسْتَخْدِمُهُ مِنْ قَبْلُ طَوَالَ الْأَشْهُرِ الْمَاضِيَةِ.
انْسَحَبَ عَدْنَانُ بِهُدُوءٍ تَامٍّ نَحْوَ الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ، مُتَجَنِّبًا أَيَّ صَوْتٍ قَدْ يَكْشِفُ أَنَّهُ كَانَ يُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ كُلَّهُ مِنْ خَلْفِ كَوْمَةِ اللَّفَّاتِ، وَبَدَأَ يَتَظَاهَرُ بِجَرْدِ الصَّنَادِيقِ الْفَارِغَةِ كَمَا طُلِبَ مِنْهُ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِقُوَّةٍ، وَذِهْنُهُ غَارِقٌ فِي دَوَّامَةٍ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي لَمْ يَجِدْ لَهَا جَوَابًا وَاحِدًا.
بَعْدَ دَقَائِقَ، سَمِعَ خُطُوَاتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ تَقْتَرِبُ مِنَ الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ. دَخَلَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْمِلُ الصُّنْدُوقَ مَعَهُ بَعْدَ الْآنَ، وَقَدِ اخْتَفَى إِلَى حَيْثُ لَا يَعْرِفُ عَدْنَانُ. “انْتَهَيْتَ مِنَ التَّرْتِيبِ يَا عَدْنَانُ؟” سَأَلَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ قَبْلَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ. “نَعَمْ يَا حَاجُّ، انْتَهَيْتُ تَقْرِيبًا.” حَاوَلَ عَدْنَانُ أَنْ يَجْعَلَ صَوْتَهُ طَبِيعِيًّا بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ، رَغْمَ أَنَّ قَلْبَهُ مَا زَالَ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فَاحِصَةً، وَلِلَحْظَةٍ، لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ، خُيِّلَ لِعَدْنَانَ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَجُوزَ يَعْرِفُ تَمَامًا أَنَّهُ رَآهُ، أَنَّهُ سَمِعَ كُلَّ كَلِمَةٍ.
لَكِنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا لَمْ يَقُلْ شَيْئًا. اكْتَفَى بِأَنْ قَالَ، بِنَبْرَتِهِ الْمُعْتَادَةِ الْهَادِئَةِ الرَّتِيبَةِ: “جَيِّدٌ. أَغْلِقِ الْبَابَ خَلْفَكَ حِينَ تُغَادِرُ، وَتَعَالَ بَاكِرًا غَدًا، لَدَيْنَا شَحْنَةُ قُمَاشٍ كَبِيرَةٌ قَادِمَةٌ مِنْ حَلَبَ.” “حَاضِرٌ يَا حَاجُّ.”
٩
فِي الْأَيَّامِ التَّالِيَةِ، حَاوَلَ عَدْنَانُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ تَمَامًا، وَكَأَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ لَمْ تَحْدُثْ قَطُّ، لَكِنَّهُ لَاحَظَ، رَغْمَ كُلِّ مُحَاوَلَاتِهِ، أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقًا نَفْسَهُ لَمْ يَعُدْ كَمَا كَانَ تَمَامًا. كَانَ يَبْدُو أَكْثَرَ شُرُودًا فِي لَحَظَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ النَّهَارِ، وَأَكْثَرَ يَقَظَةً حِيَالَ أَيِّ صَوْتٍ غَرِيبٍ يَأْتِي مِنَ الزُّقَاقِ الْخَلْفِيِّ، وَقَدْ لَاحَظَ عَدْنَانُ أَيْضًا أَنَّهُ بَدَأَ يُقْفِلُ الْبَابَ الْخَلْفِيَّ بِقُفْلَيْنِ اثْنَيْنِ بَدَلًا مِنْ وَاحِدٍ، وَيَتَفَقَّدُ ذَلِكَ الْقُفْلَ مَرَّتَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ كُلَّ يَوْمٍ، فِي حَرَكَةٍ تَكَادُ تَكُونُ لَاإِرَادِيَّةً، صَارَتْ جُزْءًا مِنْ رُوتِينِهِ الْيَوْمِيِّ الْجَدِيدِ كَمَا لَوْ أَنَّهَا كَانَتْ مَوْجُودَةً دَائِمًا.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، وَدُونَ أَيَّةِ مُقَدِّمَاتٍ، سَأَلَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَدْنَانَ سُؤَالًا غَرِيبًا بَعْضَ الشَّيْءِ وَهُمَا يُرَتِّبَانِ مَعًا شِحْنَةَ قُمَاشٍ جَدِيدَةً: “لَوْ وَجَدْتَ شَيْئًا يَخُصُّ شَخْصًا آخَرَ، شَيْئًا ثَمِينًا جِدًّا، وَطُلِبَ مِنْكَ أَنْ تَحْتَفِظَ بِهِ دُونَ أَنْ تَسْأَلَ عَنْ سَبَبِهِ، هَلْ كُنْتَ لِتَفْعَلَ؟”
تَوَقَّفَ عَدْنَانُ عَنْ عَمَلِهِ، مُنْدَهِشًا بَعْضَ الشَّيْءِ مِنَ السُّؤَالِ، لَكِنَّهُ أَجَابَ بِصِدْقٍ بَعْدَ تَفْكِيرٍ قَصِيرٍ: “أَظُنُّ ذَلِكَ يَا حَاجُّ، إِنْ كُنْتُ أَثِقُ بِمَنْ طَلَبَ مِنِّي ذَلِكَ.”
أَوْمَأَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، وَكَأَنَّ الْجَوَابَ أَرْضَاهُ، ثُمَّ عَادَ إِلَى عَمَلِهِ دُونَ تَعْلِيقٍ آخَرَ، تَارِكًا عَدْنَانَ يَتَسَاءَلُ، مَرَّةً أُخْرَى، عَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا السُّؤَالُ مُجَرَّدَ فُضُولٍ عَابِرٍ، أَمْ أَنَّهُ كَانَ اخْتِبَارًا صَغِيرًا آخَرَ، مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنِ اخْتِبَارِ الْمَالِ الَّذِي أَعَادَهُ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، اخْتِبَارًا يَتَعَلَّقُ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِشَيْءٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ الْأَمَانَةِ فِي الْحِسَابَاتِ التِّجَارِيَّةِ.
غَادَرَ عَدْنَانُ الْمَتْجَرَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَهُوَ يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ ثِقَلًا لَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ، ثِقَلَ سِرٍّ لَمْ يَطْلُبْهُ، لَمْ يَفْهَمْهُ، لَكِنَّهُ أَصْبَحَ، رَغْمًا عَنْهُ، جُزْءًا مِنْهُ بِمُجَرَّدِ أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْهِ. مَشَى فِي أَزِقَّةِ دِمَشْقَ الْقَدِيمَةِ عَائِدًا إِلَى غُرْفَتِهِ، وَالْقَمَرُ مُعَلَّقٌ فَوْقَ مَآذِنِ الْمَدِينَةِ الْعَتِيقَةِ، وَالسُّوقُ نَائِمٌ مِنْ حَوْلِهِ بِصَمْتِهِ الْمُعْتَادِ، لَكِنَّ عَدْنَانَ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ أَنْ بَدَأَ عَمَلَهُ فِي مَتْجَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، لَمْ يَشْعُرْ أَنَّ هَذَا الصَّمْتَ بَرِيءٌ تَمَامًا كَمَا بَدَا لَهُ طَوَالَ الْأَسَابِيعِ الْمَاضِيَةِ.
جَلَسَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى حَافَّةِ سَرِيرِهِ الْخَشَبِيِّ الْبَسِيطِ فِي الْغُرْفَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، بَيْنَمَا كَانَ زَمِيلَاهُ فِي الْغُرْفَةِ نَائِمَيْنِ بِالْفِعْلِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ كُلَّ تَفْصِيلٍ مِنْ ذَلِكَ الْمَشْهَدِ الَّذِي شَهِدَهُ: صَوْتُ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ الْمُتْعَبِ، ذَلِكَ الصُّنْدُوقُ الصَّغِيرُ الَّذِي بَدَا أَثْقَلَ مِنْ حَجْمِهِ، وَتِلْكَ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي قَالَهَا الرَّجُلُ قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ: “إِنْ لَمْ أَعُدْ خِلَالَ سَنَةٍ كَامِلَةٍ مِنْ هَذَا الْيَوْمِ، افْتَحْهُ بِنَفْسِكَ، وَاعْرِفِ الْحَقِيقَةَ.” مَنْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ؟ وَمَا الَّذِي يُخَبِّئُهُ ذَلِكَ الصُّنْدُوقُ لِيَجْعَلَ رَجُلًا بَالِغًا يَتَحَدَّثُ بِهَذَا الْخَوْفِ الْوَاضِحِ فِي صَوْتِهِ؟ وَلِمَاذَا اخْتَارَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِالذَّاتِ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ مَنْ يَعْرِفُهُمْ فِي دِمَشْقَ، لِيَأْتَمِنَهُ عَلَى سِرٍّ بِهَذَا الْحَجْمِ؟
فَكَّرَ عَدْنَانُ أَيْضًا، وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي سَقْفِ الْغُرْفَةِ الْمُعْتِمِ، فِي مَوْقِفِهِ هُوَ نَفْسِهِ مِنْ كُلِّ هَذَا. لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا حَقِيقِيًّا، لَمْ يَرَ سِوَى ظِلَالٍ وَمَسْمُوعَاتٍ جُزْئِيَّةٍ، وَلَمْ يَكُنِ اسْمُهُ قَدْ ذُكِرَ وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي ذَلِكَ الْحِوَارِ الْغَامِضِ. كَانَ بِإِمْكَانِهِ، لَوْ أَرَادَ، أَنْ يَنْسَى مَا رَآهُ تَمَامًا، أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي الْغَدِ وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ. لَكِنَّهُ شَعَرَ، بِشَكْلٍ غَرِيبٍ لَا يَسْتَطِيعُ تَفْسِيرَهُ مَنْطِقِيًّا، أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ فِعْلًا أَنْ يَنْسَى، وَأَنَّ شَيْئًا مَا، خَيْطًا رَفِيعًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ، قَدْ رَبَطَ مَصِيرَهُ لِلتَّوِّ بِذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الْخَشَبِيِّ الصَّغِيرِ، وَبِذَلِكَ الرَّجُلِ الْغَرِيبِ الْمَجْهُولِ الْهُوِيَّةِ، وَبِأَسْرَارِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَكَشَّفُ لَهُ، قَطْرَةً قَطْرَةً، دُونَ أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ، وَدُونَ أَنْ يَمْلِكَ أَيَّةَ وَسِيلَةٍ لِإِيقَافِهِ.
كَانَ يَعْرِفُ، بِشَكْلٍ غَامِضٍ لَكِنَّهُ أَكِيدٌ تَمَامًا فِي أَعْمَاقِهِ، أَنَّ مَا شَهِدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ الصَّغِيرَ الَّذِي دَخَلَ حَيَاتَهُ دُونَ أَنْ يَسْتَأْذِنَهُ، سَيُغَيِّرُ شَيْئًا جَوْهَرِيًّا فِي مَصِيرِهِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، أَدْنَى فِكْرَةٍ عَنْ حَجْمِ هَذَا التَّغْيِيرِ، وَلَا عَنِ الْمَدَى الَّذِي سَيَبْلُغُهُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، حِينَ يَعُودُ ذَلِكَ الصُّنْدُوقُ نَفْسُهُ، أَوْ مَا يُمَثِّلُهُ عَلَى الْأَقَلِّ، لِيَطْرُقَ بَابَ حَيَاتِهِ مِنْ جَدِيدٍ، فِي مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ كُلَّ الْبُعْدِ عَنْ سُوقِ الْحَرِيقَةِ، وَفِي زَمَنٍ لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ الْفَتَى قَادِرًا حَتَّى عَلَى تَخَيُّلِهِ.
نَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مُتَأَخِّرًا جِدًّا، وَحِينَ اسْتَيْقَظَ فِي الصَّبَاحِ عَلَى صَوْتِ أَذَانِ الْفَجْرِ الْمُعْتَادِ، شَعَرَ أَنَّ شَيْئًا بِدَاخِلِهِ قَدْ تَغَيَّرَ بِالْفِعْلِ، وَأَنَّهُ، بِمُجَرَّدِ أَنْ مَشَى نَحْوَ سُوقِ الْحَرِيقَةِ ذَلِكَ الصَّبَاحَ كَسَابِقِ عَهْدِهِ كُلَّ يَوْمٍ، لَمْ يَعُدْ يَمْشِي نَحْوَ مُجَرَّدِ يَوْمِ عَمَلٍ عَادِيٍّ آخَرَ، بَلْ نَحْوَ فَصْلٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا مِنْ حَيَاتِهِ، فَصْلٍ لَنْ يَعْرِفَ أَبَدًا، وَهُوَ يَفْتَحُ بَابَ الْمَتْجَرِ الْخَشَبِيَّ الْعَرِيضَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْمُبَكِّرَةِ، أَنَّهُ سَيَسْتَغْرِقُ مِنْهُ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلًا، وَقَارَّةً بِأَكْمَلِهَا، لِيَكْتَشِفَ أَخِيرًا مَا كَانَ يُخَبِّئُهُ ذَلِكَ الصُّنْدُوقُ الصَّغِيرُ الثَّقِيلُ، وَمَا كَانَ يَعْنِيهِ حَقًّا أَنْ يَكُونَ الْمَرْءُ، فِي نَظَرِ رَجُلٍ مِثْلِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، جَدِيرًا بِثِقَةٍ لَا تُقَاسُ بِأَيِّ مِيزَانٍ مَعْرُوفٍ.
