وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
مَرَّ أُسْبُوعَانِ عَلَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْغَرِيبَةِ عِنْدَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، دُونَ أَنْ يَتَغَيَّرَ شَيْءٌ ظَاهِرٌ فِي إِيقَاعِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ دَاخِلَ مَتْجَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ. عَادَ كُلُّ شَيْءٍ، عَلَى السَّطْحِ عَلَى الْأَقَلِّ، إِلَى طَبِيعَتِهِ: الزَّبَائِنُ يَأْتُونَ وَيَذْهَبُونَ، وَالْأَقْمِشَةُ تُقَاسُ وَتُقَصُّ وَتُلَفُّ، وَالْحَاجُّ تَوْفِيقٌ يَجْلِسُ خَلْفَ طَاوِلَتِهِ الْخَشَبِيَّةِ يُحْصِي حَصِيلَةَ كُلِّ يَوْمٍ بِدَفْتَرِهِ الصَّغِيرِ كَمَا فَعَلَ دَائِمًا. لَكِنَّ عَدْنَانَ كَانَ يَعْرِفُ، بِيَقِينٍ لَا يُخْطِئُ، أَنَّ شَيْئًا مَا قَدْ تَغَيَّرَ فِي الْعُمْقِ، وَأَنَّ ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ الْخَشَبِيَّ الصَّغِيرَ لَا يَزَالُ فِي مَكَانٍ مَا، مُخَبَّأً بِعِنَايَةٍ، يَنْتَظِرُ صَاحِبَهُ الَّذِي لَمْ يَعُدْ بَعْدُ.
لَمْ يَتَحَدَّثِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَنِ الْأَمْرِ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَمْ يَسْأَلْ عَدْنَانَ عَمَّا رَآهُ أَوْ سَمِعَهُ، وَكَأَنَّ كِلَيْهِمَا قَرَّرَ، دُونَ اتِّفَاقٍ مُعْلَنٍ، أَنْ يَتْرُكَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ تَغْرَقُ فِي صَمْتٍ مُشْتَرَكٍ، صَمْتٍ يَعْرِفُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ الْآخَرَ يَعْرِفُ، لَكِنْ لَا أَحَدَ مِنْهُمَا يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلَ مَنْ يَكْسِرُ هَذَا التَّوَازُنَ الْهَشَّ.
كَانَ عَدْنَانُ قَدْ بَدَأَ عَادَةً جَدِيدَةً: كُلَّ لَيْلَةِ جُمُعَةٍ، يَجْلِسُ فِي غُرْفَتِهِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَعَلَى ضَوْءِ مِصْبَاحِ كَازٍ خَافِتٍ، يَكْتُبُ رِسَالَةً قَصِيرَةً إِلَى أُمِّهِ فِي الْقَرْيَةِ: أَحْوَالُ الْعَمَلِ، الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ الطَّيِّبُ الصَّارِمُ، أَصْدِقَاؤُهُ الْجُدُدُ فِي السُّوقِ، وَحَنِينُهُ الدَّائِمُ إِلَى وُجُوهِهِمْ جَمِيعًا. كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ أُمَّهُ لَا تُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ، لَكِنَّ جَارَتَهُمْ فِي الْقَرْيَةِ، مُعَلِّمَةً مُتَقَاعِدَةً، كَانَتْ تَقْرَأُ لَهَا الرَّسَائِلَ بِصَوْتٍ عَالٍ كُلَّمَا وَصَلَتْ وَاحِدَةٌ جَدِيدَةٌ، ثُمَّ تَكْتُبُ لَهَا رَدًّا مُخْتَصَرًا تُمْلِيهِ الْأُمُّ بِكَلِمَاتٍ بَسِيطَةٍ مَلِيئَةٍ بِالدُّعَاءِ وَالْحَنَانِ.
فِي تِلْكَ الْأَسَابِيعِ نَفْسِهَا، لَاحَظَ عَدْنَانُ أَنَّ عَدَدَ الزَّبَائِنِ الْقَادِمِينَ مِنْ خَارِجِ دِمَشْقَ، وَخُصُوصًا مِنْ بَيْرُوتَ وَضَوَاحِيهَا، ازْدَادَ بِشَكْلٍ مَلْحُوظٍ فِي السُّوقِ كُلِّهِ، لَا فِي مَتْجَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ وَحْدَهُ. كَانُوا يَأْتُونَ فِي مَجْمُوعَاتٍ صَغِيرَةٍ، عَائِلَاتٍ كَامِلَةً أَحْيَانًا، يَشْتَرُونَ كَمِّيَّاتٍ كَبِيرَةً مِنَ الْأَقْمِشَةِ وَالْحَاجِيَّاتِ الْأَسَاسِيَّةِ بِسُرْعَةٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يَسْتَعِدُّونَ لِإِقَامَةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تُخَطَّطْ فِي الْأَصْلِ، وَتَحْمِلُ وُجُوهُهُمْ ذَلِكَ الْقَلَقَ الْخَاصَّ الَّذِي يُمَيِّزُ مَنْ فَرَّ مِنْ شَيْءٍ مُرْعِبٍ لَا يُرِيدُ الْحَدِيثَ عَنْهُ بِالتَّفْصِيلِ. سَمِعَ عَدْنَانُ، أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ، أَحَادِيثَ مُتَقَطِّعَةً عَنْ حَوَاجِزِ طُرُقٍ، وَعَنْ أَحْيَاءٍ بَيْرُوتِيَّةٍ بِأَكْمَلِهَا صَارَتْ خُطُوطَ تَمَاسٍّ بَيْنَ الْفَصَائِلِ الْمُتَحَارِبَةِ، وَعَنْ عَائِلَاتٍ اضْطُرَّتْ لِتَرْكِ بُيُوتِهَا وَمَحَالِّهَا التِّجَارِيَّةِ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَضُحَاهَا.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ بِالذَّاتِ، بَعْدَ حَادِثَةِ الذَّهَبِ وَاخْتِبَارِهِ الْكَبِيرِ، كَتَبَ عَدْنَانُ رِسَالَةً أَطْوَلَ مِنَ الْمُعْتَادِ، أَخْبَرَ فِيهَا أُمَّهُ، دُونَ ذِكْرِ تَفَاصِيلِ الذَّهَبِ، أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ بَدَأَ يَثِقُ بِهِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، وَأَنَّهُ يُحِسُّ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ غَادَرَ الْقَرْيَةَ، أَنَّهُ يَبْنِي لِنَفْسِهِ مُسْتَقْبَلًا حَقِيقِيًّا، لَا مُجَرَّدَ عَمَلٍ مُؤَقَّتٍ يَسُدُّ الرَّمَقَ. أَنْهَى الرِّسَالَةَ بِجُمْلَةٍ كَتَبَهَا بِخَطٍّ مُتَعَثِّرٍ قَلِيلًا: “ادْعِي لِي يَا أُمِّي أَنْ أَبْقَى دَائِمًا كَمَا رَبَّيْتِنِي، صَادِقًا مَهْمَا كَانَتِ الْإِغْرَاءَاتُ، فَهَذَا أَثْمَنُ مَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْكِ وَمِنْ أَبِي مَعًا.”
فِي صَبَاحِ أَحَدِ أَيَّامِ آبَ الْحَارَّةِ، جَاءَ إِلَى الْمَتْجَرِ زَبُونٌ لَمْ يَرَهُ عَدْنَانُ مِنْ قَبْلُ: رَجُلٌ فِي الْخَمْسِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، أَنِيقُ الْمَلْبَسِ بِشَكْلٍ يَلْفِتُ النَّظَرَ عَنْ مُعْظَمِ زَبَائِنِ السُّوقِ الْمُعْتَادِينَ، يَرْتَدِي بَدْلَةً كَامِلَةً رَغْمَ الْحَرِّ الشَّدِيدِ، وَسَاعَةً ذَهَبِيَّةً لَامِعَةً عَلَى مِعْصَمِهِ، وَخَاتَمًا كَبِيرًا مُرَصَّعًا بِحَجَرٍ أَحْمَرَ عَلَى إِصْبَعِهِ. عَرَّفَ عَنْ نَفْسِهِ لِلْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِاسْمِ “أَبُو نِضَالٍ”، تَاجِرٌ يَمْلِكُ عِدَّةَ مَحَالَّ لِلْمَلَابِسِ الْجَاهِزَةِ فِي حَيِّ الشَّعْلَانِ الرَّاقِي، وَيُرِيدُ شِرَاءَ كَمِّيَّةٍ كَبِيرَةٍ جِدًّا مِنْ أَفْخَرِ أَنْوَاعِ الْأَقْمِشَةِ لَدَيْهِ، دُفْعَةً وَاحِدَةً، نَقْدًا.
كَانَ أَبُو نِضَالٍ رَجُلًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ مُعْظَمِ زَبَائِنِ سُوقِ الْحَرِيقَةِ: صَوْتُهُ عَالٍ وَاثِقٌ، يَتَحَدَّثُ بِلَهْجَةِ مَنْ يَعْرِفُ قِيمَةَ كُلِّ قِرْشٍ يَمْلِكُهُ وَلَا يَخْشَى إِظْهَارَ ذَلِكَ، وَعَيْنَاهُ تَتَنَقَّلَانِ بِسُرْعَةٍ بَيْنَ الرُّفُوفِ كَأَنَّهُ يُقَيِّمُ كُلَّ شَيْءٍ بِمَنْطِقٍ تِجَارِيٍّ بَارِدٍ لَا مَكَانَ فِيهِ لِأَيَّةِ عَاطِفَةٍ.
“أُرِيدُ كُلَّ مَا لَدَيْكَ مِنَ الْحَرِيرِ الْإِيطَالِيِّ الْفَاخِرِ، وَكَمِّيَّةً كَبِيرَةً مِنَ الصُّوفِ الْإِنْكِلِيزِيِّ أَيْضًا، لِلْمَوْسِمِ الشِّتَوِيِّ الْقَادِمِ.” قَالَهَا وَهُوَ يَجْلِسُ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُخَصَّصِ لِلزَّبَائِنِ الْمُهِمِّينَ دُونَ أَنْ يُدْعَى إِلَى الْجُلُوسِ، بِثِقَةِ مَنِ اعْتَادَ أَنْ يَأْخُذَ مَا يُرِيدُ دُونَ اسْتِئْذَانٍ كَثِيرٍ.
رَاجَعَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ مَخْزُونَهُ بِهُدُوئِهِ الْمُعْتَادِ، وَطَلَبَ مِنْ عَدْنَانَ دَفْتَرَ الْمَخْزُونِ الْخَاصَّ بِالْأَقْمِشَةِ الْمُسْتَوْرَدَةِ، وَبَدَأَ يُقَلِّبُهُ بِتَمَهُّلٍ، بَيْنَمَا كَانَ أَبُو نِضَالٍ يَنْقُرُ بِأَصَابِعِهِ عَلَى مَسْنَدِ الْكُرْسِيِّ بِنَفَادِ صَبْرٍ وَاضِحٍ.
“كَمْ لَدَيْكَ بِالضَّبْطِ مِنَ الْحَرِيرِ الْإِيطَالِيِّ؟” سَأَلَ أَخِيرًا، بِنَبْرَةِ مَنْ يُحَاوِلُ اسْتِعْجَالَ الْأُمُورِ.
“لَدَيَّ مَا يَكْفِي حَاجَتَكَ، إِنْ شَاءَ اللهُ، لَكِنْ دَعْنِي أَتَأَكَّدُ مِنَ الْكَمِّيَّاتِ أَوَّلًا، فَأَنَا لَا أُحِبُّ أَنْ أَعِدَ بِمَا لَا أَسْتَطِيعُ الْوَفَاءَ بِهِ.” أَجَابَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ بِهُدُوئِهِ الْمُعْتَادِ، غَيْرَ مُتَأَثِّرٍ بِضِيقِ ضَيْفِهِ.
اسْتَمَرَّتِ الْمُفَاوَضَةُ قُرَابَةَ نِصْفِ سَاعَةٍ، بَيْنَ تَفَاصِيلِ الْأَسْعَارِ وَشُرُوطِ التَّسْلِيمِ، بَيْنَمَا وَقَفَ عَدْنَانُ قَرِيبًا، يُرَاقِبُ بِإِعْجَابٍ كَيْفَ يَتَعَامَلُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ مَعَ هَذَا الزَّبُونِ الْمُخْتَلِفِ، بِثَبَاتٍ لَا يَتَزَعْزَعُ أَمَامَ مُحَاوَلَاتِ أَبِي نِضَالٍ الْمُتَكَرِّرَةِ لِخَفْضِ السِّعْرِ أَوِ اسْتِعْجَالِ التَّسْلِيمِ دُونَ ضَمَانَاتٍ كَافِيَةٍ. فِي لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ، حِينَ حَاوَلَ أَبُو نِضَالٍ الضَّغْطَ بِشِدَّةٍ عَلَى السِّعْرِ، مُهَدِّدًا بِالذَّهَابِ إِلَى تَاجِرٍ آخَرَ، ابْتَسَمَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ بِبَسَاطَةٍ: “تَفَضَّلْ، إِنْ وَجَدْتَ مَنْ يَبِيعُكَ بِضَاعَةً بِهَذِهِ الْجَوْدَةِ بِسِعْرٍ أَقَلَّ، فَلَنْ أَلُومَكَ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهِ. لَكِنِّي أَعْرِفُ هَذَا السُّوقَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ عَامًا، وَلَا أَظُنُّ أَنَّكَ سَتَجِدُ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ بِهَذِهِ السُّهُولَةِ.” تَرَاجَعَ أَبُو نِضَالٍ فَوْرًا عَنْ تَهْدِيدِهِ، وَقَبِلَ بِالسِّعْرِ دُونَ مَزِيدٍ مِنَ الْجِدَالِ.
اتَّفَقَ الطَّرَفَانِ أَخِيرًا عَلَى صَفْقَةٍ كَبِيرَةٍ، أَكْبَرِ صَفْقَةٍ يَشْهَدُهَا عَدْنَانُ مُنْذُ بَدَأَ عَمَلَهُ فِي الْمَتْجَرِ، بِمَبْلَغٍ يَتَجَاوَزُ مَا يَكْسِبُهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ عَادَةً فِي شَهْرٍ كَامِلٍ.
أَخْرَجَ أَبُو نِضَالٍ مِنْ جَيْبِ سُتْرَتِهِ الدَّاخِلِيِّ كِيسًا جِلْدِيًّا صَغِيرًا، ثَقِيلًا بِشَكْلٍ وَاضِحٍ، وَبَدَأَ يَعُدُّ مِنْهُ الْأَوْرَاقَ النَّقْدِيَّةَ بِسُرْعَةٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَهُوَ يَتَحَدَّثُ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ بِصَوْتٍ عَالٍ عَنْ صَفْقَةٍ عَقَارِيَّةٍ أُخْرَى يَنْوِي إِبْرَامَهَا ذَلِكَ الْأُسْبُوعَ، وَكَأَنَّ عَدَّ الْمَبَالِغِ الْكَبِيرَةِ كَانَ بِالنِّسْبَةِ لَهُ أَمْرًا رُوتِينِيًّا لَا يَسْتَحِقُّ التَّرْكِيزَ الْكَامِلَ.
بَعْدَ أَنْ أَتَمَّ الرَّجُلُ الدَّفْعَ وَغَادَرَ الْمَتْجَرَ بِخُطًى وَاثِقَةٍ سَرِيعَةٍ، تَارِكًا وَرَاءَهُ رَائِحَةَ عِطْرٍ فَرَنْسِيٍّ فَاخِرٍ، بَدَأَ عَدْنَانُ يُرَتِّبُ لَفَّاتِ الْقُمَاشِ تَمْهِيدًا لِتَغْلِيفِهَا لِلتَّسْلِيمِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي. وَبَيْنَمَا كَانَ يُزِيحُ إِحْدَى اللَّفَّاتِ الْكَبِيرَةِ عَنِ الطَّاوِلَةِ، لَمَحَ شَيْئًا صَغِيرًا لَامِعًا سَقَطَ عَلَى الْأَرْضِ قُرْبَ الْكُرْسِيِّ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَبُو نِضَالٍ.
انْحَنَى وَالْتَقَطَهُ: كِيسٌ جِلْدِيٌّ آخَرُ، أَصْغَرُ بِكَثِيرٍ، لَكِنَّهُ ثَقِيلٌ بِشَكْلٍ غَرِيبٍ رَغْمَ صِغَرِ حَجْمِهِ. فَتَحَهُ بِحَذَرٍ، فَوَجَدَ بِدَاخِلِهِ عَدَدًا مِنَ الْقِطَعِ الذَّهَبِيَّةِ، لَامِعَةً، قَدِيمَةَ الطِّرَازِ، عِشْرِينَ قِطْعَةً أَوْ أَكْثَرَ قَلِيلًا، إِضَافَةً إِلَى بَعْضِ الْأَوْرَاقِ النَّقْدِيَّةِ الْأَجْنَبِيَّةِ بِعُمْلَةٍ لَمْ يَتَعَرَّفْ عَلَيْهَا بِسُهُولَةٍ.
نَظَرَ حَوْلَهُ بِسُرْعَةٍ. لَمْ يُلَاحِظْ أَحَدٌ سُقُوطَ الْكِيسِ، لَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ الْمُنْشَغِلُ بِتَرْتِيبِ أَوْرَاقِهِ بَعْدَ الصَّفْقَةِ الْكَبِيرَةِ، وَلَا أَيُّ زَبُونٍ آخَرَ، إِذْ كَانَ الْمَتْجَرُ شِبْهَ فَارِغٍ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ. أَدْرَكَ عَدْنَانُ فَوْرًا أَنَّ هَذَا الْمَبْلَغَ، لَوْ قُدِّرَ بِاللِّيرَاتِ السُّورِيَّةِ، يُعَادِلُ عَلَى الْأَرْجَحِ أَكْثَرَ مِنْ رَاتِبِهِ لِسَنَةٍ كَامِلَةٍ، وَرُبَّمَا لِسَنَتَيْنِ.
خَرَجَ مُسْرِعًا مِنَ الْمَتْجَرِ، يَبْحَثُ بِعَيْنَيْهِ فِي الزُّقَاقِ الْمُزْدَحِمِ عَنْ أَبِي نِضَالٍ، لَكِنَّ الرَّجُلَ كَانَ قَدِ اخْتَفَى بَيْنَ حُشُودِ السُّوقِ الصَّبَاحِيَّةِ الْكَثِيفَةِ. تَرَدَّدَ لَحْظَةً، ثُمَّ عَادَ أَدْرَاجَهُ، حَامِلًا الْكِيسَ فِي قَبْضَتِهِ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، اعْتَرَضَهُ حَسَنٌ، صَدِيقُهُ مِنَ الْمَتْجَرِ الْمُجَاوِرِ، الَّذِي كَانَ قَدْ لَاحَظَ مِنْ بَعِيدٍ مَا الْتَقَطَهُ عَنِ الْأَرْضِ.
“مَا هَذَا يَا عَدْنَانُ؟” سَأَلَهُ حَسَنٌ بِفُضُولٍ وَاضِحٍ.
أَرَاهُ عَدْنَانُ الْكِيسَ بِحَذَرٍ، دُونَ أَنْ يَفْتَحَهُ بِالْكَامِلِ أَمَامَهُ. “سَقَطَ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَشْتَرِي الْأَقْمِشَةَ قَبْلَ قَلِيلٍ، أَبُو نِضَالٍ. أَظُنُّهُ ذَهَبًا.”
اتَّسَعَتْ عَيْنَا حَسَنٍ دَهْشَةً. “ذَهَبٌ؟ كَمْ؟”
“لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ، رُبَّمَا عِشْرُونَ قِطْعَةً أَوْ أَكْثَرُ.”
صَفَّرَ حَسَنٌ صَفِيرًا مُنْخَفِضًا. “يَا عَدْنَانُ، هَذَا الرَّجُلُ غَنِيٌّ جِدًّا، لَهُ عِدَّةُ مَحَالَّ فِي الشَّعْلَانِ، وَلَنْ يَشْعُرَ أَصْلًا بِفُقْدَانِ هَذَا الْمَبْلَغِ. حَتَّى لَوْ بَحَثَ عَنْهُ، سَيَظُنُّ أَنَّهُ أَضَاعَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ، أَوْ أَنَّ أَحَدًا سَرَقَهُ فِي زَحْمَةِ السُّوقِ. لَنْ يَشُكَّ فِي مَتْجَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ أَبَدًا، فَهُوَ مَعْرُوفٌ بِنَزَاهَتِهِ فِي كُلِّ السُّوقِ.”
فَهِمَ عَدْنَانُ فَوْرًا مَا كَانَ يُلَمِّحُ إِلَيْهِ حَسَنٌ، وَشَعَرَ بِانْزِعَاجٍ مَمْزُوجٍ بِفُضُولٍ تِجَاهَ هَذِهِ الْفِكْرَةِ الَّتِي طَرَحَتْ نَفْسَهَا فَجْأَةً، رَغْمًا عَنْهُ.
“أَنْتَ تَقْصِدُ أَنْ أَحْتَفِظَ بِهِ؟”
خَفَضَ حَسَنٌ صَوْتَهُ أَكْثَرَ: “لِمَاذَا لَا؟ لَا أَحَدَ يَعْرِفُ أَنَّكَ الْتَقَطْتَهُ سِوَايَ، وَأَنَا لَنْ أَقُولَ لِأَحَدٍ كَلِمَةً. بِهَذَا الْمَبْلَغِ، يُمْكِنُكَ أَنْ تُرْسِلَ نِصْفَهُ لِعَائِلَتِكَ فِي الْقَرْيَةِ، وَيَكْفِيهِمْ لِسَنَوَاتٍ، وَتَحْتَفِظَ بِالنِّصْفِ الْآخَرِ لِنَفْسِكَ. أَنْتَ تَعْمَلُ بِجِدٍّ شَدِيدٍ يَا عَدْنَانُ، وَتَسْتَحِقُّ قَلِيلًا مِنَ الْحَظِّ الْجَيِّدِ لِمَرَّةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى الْأَقَلِّ.”
“لَكِنْ يَا حَسَنُ، هَذَا مَالُ رَجُلٍ آخَرَ، مَهْمَا كَانَ غَنِيًّا. كَيْفَ لِي أَنْ آخُذَهُ بِبَسَاطَةٍ؟”
“وَمَاذَا فِي ذَلِكَ؟ الْأَغْنِيَاءُ لَا يَشْعُرُونَ بِفُقْدَانِ أَمْوَالِهِمْ كَمَا نَشْعُرُ نَحْنُ، أَنْتَ تَعْرِفُ ذَلِكَ جَيِّدًا.” أَشَارَ حَسَنٌ بِيَدِهِ نَحْوَ الْكِيسِ فِي قَبْضَةِ عَدْنَانَ، وَعَيْنَاهُ تَلْمَعَانِ بِحَمَاسَةٍ غَرِيبَةٍ. “فَكِّرْ جَيِّدًا قَبْلَ أَنْ تُقَرِّرَ يَا صَدِيقِي، فَمِثْلُ هَذِهِ الْفُرْصَةِ لَنْ تَتَكَرَّرَ مَرَّتَيْنِ فِي حَيَاةِ إِنْسَانٍ مِثْلِنَا.”
بَقِيَ عَدْنَانُ صَامِتًا لَحَظَاتٍ طَوِيلَةً، يَنْظُرُ إِلَى الْكِيسِ الصَّغِيرِ فِي يَدِهِ. فَكَّرَ فِي أُمِّهِ، فِي وَجْهِهَا الْمُتْعَبِ الْمَشْغُولِ دَائِمًا بِحِسَابَاتِ الْقَمْحِ وَالشِّتَاءِ الْقَادِمِ، وَفِي إِخْوَتِهِ الصِّغَارِ الَّذِينَ قَدْ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَلَابِسَ جَدِيدَةٍ أَوْ دَوَاءٍ أَوْ تَعْلِيمٍ أَفْضَلَ. فَكَّرَ فِي كَمِّ الْوَقْتِ الَّذِي سَيَسْتَغْرِقُهُ لِيَجْمَعَ هَذَا الْمَبْلَغَ نَفْسَهُ مِنْ رَاتِبِهِ الْمُتَوَاضِعِ.
لَكِنَّهُ فَكَّرَ أَيْضًا، بِقُوَّةٍ أَكْبَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، فِي كَلِمَاتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ: “مَنْ يَخُنْ نَفْسَهُ فِي السِّرِّ، لَنْ يَكُونَ أَمِينًا فِي الْعَلَنِ، مَهْمَا بَدَا أَمِينًا.” وَفِي تِلْكَ النَّظْرَةِ الَّتِي رَآهَا فِي عَيْنَيْ الْحَاجِّ حِينَ أَعَادَ لَهُ الْمَبْلَغَ الزَّائِدَ قَبْلَ أَسَابِيعَ، تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتِي شَعَرَ فِيهَا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ الْقَصِيرَةِ، أَنَّ رَجُلًا كَبِيرًا فِي السِّنِّ يَنْظُرُ إِلَيْهِ لَا كَصَبِيٍّ فَقِيرٍ يَعْمَلُ مِنْ أَجْلِ لُقْمَةِ الْعَيْشِ، بَلْ كَرَجُلٍ، بِمَعْنَى الْكَلِمَةِ الْكَامِلِ.
وَأَدْرَكَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْمَالَ، مَهْمَا بَدَا مُغْرِيًا، لَمْ يَكُنْ مَالَهُ، وَلَمْ يَكْسِبْهُ بِعَرَقِهِ أَوْ جُهْدِهِ، وَأَنَّ أَخْذَهُ سَيَبْقَى دَائِمًا، فِي أَعْمَاقِ ضَمِيرِهِ، سَرِقَةً لَا تُغْسَلُ بِأَيِّ مُبَرِّرٍ وَلَوْ بَدَا مَنْطِقِيًّا فِي لَحْظَةِ الْإِغْرَاءِ.
“لَا يَا حَسَنُ.” قَالَهَا أَخِيرًا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ حَازِمٌ تَمَامًا. “لَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ. هَذَا الْمَالُ لَيْسَ لِي، وَيَجِبُ أَنْ يَعُودَ إِلَى صَاحِبِهِ.”
نَظَرَ إِلَيْهِ حَسَنٌ بِدَهْشَةٍ مَمْزُوجَةٍ بِاحْتِرَامٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ. “أَنْتَ مَجْنُونٌ يَا عَدْنَانُ، أَتَعْرِفُ ذَلِكَ؟ أَيُّ شَخْصٍ آخَرَ فِي هَذَا السُّوقِ كَانَ سَيَحْتَفِظُ بِهِ دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ ثَانِيَةً وَاحِدَةً.”
ابْتَسَمَ عَدْنَانُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً. “رُبَّمَا. لَكِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ هَذَا السِّرَّ مَعِي طَوَالَ حَيَاتِي، يَا حَسَنُ. بَعْضُ الْأَشْيَاءِ لَا تَسْتَحِقُّ ثَمَنَهَا، مَهْمَا بَدَا هَذَا الثَّمَنُ مُغْرِيًا فِي الْبِدَايَةِ.”
هَزَّ حَسَنٌ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ: “لَا أَفْهَمُكَ تَمَامًا، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنِّي أَحْتَرِمُكَ أَكْثَرَ الْآنَ مِمَّا كُنْتُ أَحْتَرِمُكَ قَبْلَ خَمْسِ دَقَائِقَ.” ثُمَّ أَضَافَ بِابْتِسَامَةٍ عَرِيضَةٍ: “فَقَطْ عِدْنِي بِشَيْءٍ وَاحِدٍ: إِنْ أَصْبَحْتَ يَوْمًا غَنِيًّا بِطَرِيقِكَ الشَّرِيفِ هَذَا، لَا تَنْسَ صَدِيقَكَ الْقَدِيمَ مِنْ مَتْجَرِ الْأَزْرَارِ.”
ضَحِكَ عَدْنَانُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدَأَ هَذَا الْمَوْقِفُ كُلُّهُ. “أَعِدُكَ يَا حَسَنُ، لَنْ أَنْسَى.”
عَادَ عَدْنَانُ إِلَى دَاخِلِ الْمَتْجَرِ، وَتَوَجَّهَ مُبَاشَرَةً نَحْوَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ.
“يَا حَاجُّ، وَجَدْتُ هَذَا عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ أَنْ غَادَرَ أَبُو نِضَالٍ. أَظُنُّهُ سَقَطَ مِنْهُ سَهْوًا.” وَضَعَ الْكِيسَ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَفَتَحَهُ أَمَامَهُ.
نَظَرَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ إِلَى الْقِطَعِ الذَّهَبِيَّةِ بِصَمْتٍ طَوِيلٍ، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى عَدْنَانَ بِنَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ، أَعْمَقَ مِنْ أَيَّةِ نَظْرَةٍ رَآهَا مِنْهُ مِنْ قَبْلُ.
“هَلْ تَعْرِفُ كَمْ يُسَاوِي هَذَا الْمَبْلَغَ يَا عَدْنَانُ؟”
“لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ يَا حَاجُّ، لَكِنَّهُ كَثِيرٌ، أَكْثَرُ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَكْسِبُهُ فِي سَنَةٍ كَامِلَةٍ، عَلَى مَا أَظُنُّ.”
“أَكْثَرُ مِنْ سَنَتَيْنِ، فِي الْحَقِيقَةِ.” وَضَعَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ يَدَهُ عَلَى الْكِيسِ دُونَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَعْدُ. “وَلَمْ يَرَكَ أَحَدٌ وَأَنْتَ تَلْتَقِطُهُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
تَرَدَّدَ عَدْنَانُ لَحْظَةً. “حَسَنٌ رَآنِي، مِنْ مَتْجَرِ الْأَزْرَارِ الْمُجَاوِرِ. لَكِنْ لَا أَحَدَ غَيْرُهُ.”
“وَمَاذَا قَالَ لَكَ حَسَنٌ؟”
أَجَابَ عَدْنَانُ بِصِدْقٍ كَامِلٍ: “قَالَ لِي إِنَّهُ يُمْكِنُنِي الِاحْتِفَاظُ بِهِ يَا حَاجُّ، وَإِنَّ أَحَدًا لَنْ يَعْرِفَ.”
صَمَتَ الْحَاجُّ طَوِيلًا، قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ بِصَوْتٍ أَخْفَضَ قَلِيلًا: “وَلِمَاذَا لَمْ تَفْعَلْ؟”
فَكَّرَ عَدْنَانُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ: “لِأَنِّي لَوْ فَعَلْتُ، يَا حَاجُّ، لَكُنْتُ قَدْ سَرَقْتُ شَيْئًا لَمْ أَعْمَلْ مِنْ أَجْلِهِ. وَرُبَّمَا لَنْ يَعْرِفَ أَحَدٌ، لَكِنِّي سَأَعْرِفُ أَنَا، كُلَّ يَوْمٍ، طَوَالَ حَيَاتِي. وَلَا أَظُنُّ أَنَّ أَيَّ مَبْلَغٍ مِنَ الْمَالِ، مَهْمَا كَبُرَ، يَسْتَحِقُّ أَنْ أَحْمِلَ هَذَا الشُّعُورَ مَعِي إِلَى الْأَبَدِ.”
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، صَمْتٌ مُخْتَلِفٌ تَمَامًا عَنْ ذَلِكَ الصَّمْتِ الْمُتَوَتِّرِ الَّذِي سَادَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ لَيْلَةِ الصُّنْدُوقِ الْغَامِضَةِ؛ صَمْتٌ دَافِئٌ، مَلِيءٌ بِشَيْءٍ أَشْبَهَ بِالْفَخْرِ الصَّامِتِ.
أَخِيرًا، أَخَذَ الْحَاجُّ الْكِيسَ، وَوَضَعَهُ فِي دُرْجِ طَاوِلَتِهِ الْمُقْفَلِ: “سَأَتَأَكَّدُ مِنْ إِعَادَتِهِ إِلَى أَبِي نِضَالٍ شَخْصِيًّا غَدًا. سَأُخْبِرُهُ أَنَّ أَحَدَ عُمَّالِي وَجَدَهُ وَأَعَادَهُ، دُونَ أَنْ أَذْكُرَ اسْمَكَ، إِلَّا إِنْ أَرَادَ هُوَ أَنْ يَعْرِفَ.”
“لَسْتُ بِحَاجَةٍ إِلَى شُكْرٍ يَا حَاجُّ.”
“أَعْرِفُ.” ابْتَسَمَ الْحَاجُّ تِلْكَ الِابْتِسَامَةَ الْخَفِيفَةَ النَّادِرَةَ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، عَادَ أَبُو نِضَالٍ إِلَى الْمَتْجَرِ لِاسْتِلَامِ شِحْنَتِهِ، وَبِمُجَرَّدِ أَنْ دَخَلَ، تَوَجَّهَ إِلَى الْحَاجِّ بِوَجْهٍ جَادٍّ، مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنْ ثِقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ.
“يَا حَاجُّ تَوْفِيقٍ، أَظُنُّ أَنِّي فَقَدْتُ شَيْئًا مُهِمًّا هُنَا بِالْأَمْسِ، كِيسًا صَغِيرًا فِيهِ بَعْضُ الذَّهَبِ وَالْعُمْلَاتِ الْأَجْنَبِيَّةِ.”
أَخْرَجَ الْحَاجُّ الْكِيسَ مِنْ دُرْجِهِ: “هَذَا مَا فَقَدْتَهُ، عَلَى مَا أَظُنُّ. وَجَدَهُ أَحَدُ عُمَّالِي عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ مُغَادَرَتِكَ مُبَاشَرَةً.”
فَتَحَ أَبُو نِضَالٍ الْكِيسَ بِسُرْعَةٍ، وَتَأَكَّدَ مِنْ مُحْتَوَيَاتِهِ بِعَيْنَيْنِ لَا تُخْفِيَانِ ارْتِيَاحًا شَدِيدًا. “الْحَمْدُ لِلَّهِ، كُلُّ شَيْءٍ مَوْجُودٌ.” نَظَرَ إِلَى الْحَاجِّ بِامْتِنَانٍ وَاضِحٍ. “مَنِ الَّذِي وَجَدَهُ؟ أُرِيدُ أَنْ أَشْكُرَهُ شَخْصِيًّا، وَأَنْ أُكَافِئَهُ.”
اسْتَدْعَى الْحَاجُّ عَدْنَانَ، الَّذِي كَانَ يُرَتِّبُ بَعْضَ الْأَقْمِشَةِ فِي الزَّاوِيَةِ الْبَعِيدَةِ. “هَذَا عَدْنَانُ، الشَّابُّ الَّذِي وَجَدَ كِيسَكَ وَلَمْ يَتَرَدَّدْ لَحْظَةً فِي إِعَادَتِهِ.”
نَظَرَ أَبُو نِضَالٍ إِلَى عَدْنَانَ بِإِعْجَابٍ وَاضِحٍ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ بِضْعَ أَوْرَاقٍ نَقْدِيَّةٍ كَبِيرَةٍ. “خُذْ هَذَا يَا بُنَيَّ، مُكَافَأَةٌ صَغِيرَةٌ عَلَى أَمَانَتِكَ.”
تَرَدَّدَ عَدْنَانُ لَحْظَةً، وَنَظَرَ إِلَى الْحَاجِّ كَأَنَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ بِعَيْنَيْهِ، فَأَوْمَأَ الْحَاجُّ بِرَأْسِهِ بِخِفَّةٍ. مَدَّ عَدْنَانُ يَدَهُ وَتَنَاوَلَ الْمَبْلَغَ بِامْتِنَانٍ، شَاعِرًا بِفَارِقٍ كَبِيرٍ بَيْنَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ وَتِلْكَ الَّتِي فَكَّرَ فِيهَا لَيْلَةَ أَمْسِ: أَنْ يُعْطَى الْمَرْءُ مُكَافَأَةً عَلَى أَمَانَتِهِ شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ كُلِّيًّا عَنْ أَنْ يَأْخُذَ مَا لَيْسَ لَهُ خُلْسَةً.
بَعْدَ أَنْ غَادَرَ أَبُو نِضَالٍ، نَظَرَ الْحَاجُّ إِلَى عَدْنَانَ بِتِلْكَ النَّظْرَةِ الدَّافِئَةِ نَفْسِهَا: “رَأَيْتَ كَيْفَ تَغَيَّرَ شُعُورُكَ حِينَ أَعْطَاكَ تِلْكَ الْمُكَافَأَةَ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟”
“نَعَمْ يَا حَاجُّ، شَعَرْتُ بِشَيْءٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا، شَيْءٍ طَيِّبٍ حَقًّا.”
“هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَرَدْتُ أَنْ تَتَعَلَّمَهُ. الْمَالُ الْحَلَالُ، مَهْمَا كَانَ قَلِيلًا، يَمْنَحُكَ شُعُورًا لَا يَمْنَحُهُ أَيُّ مَبْلَغٍ مُحَرَّمٍ، مَهْمَا كَانَ كَبِيرًا. تَذَكَّرْ هَذَا الشُّعُورَ جَيِّدًا، فَسَتَحْتَاجُ إِلَى تَذَكُّرِهِ فِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةٍ قَادِمَةٍ.”
لَمْ يَمْضِ وَقْتٌ طَوِيلٌ حَتَّى انْتَشَرَتْ قِصَّةُ عَدْنَانَ وَالذَّهَبِ فِي أَرْجَاءِ سُوقِ الْحَرِيقَةِ كُلِّهِ. أَصْبَحَ التُّجَّارُ الْآخَرُونَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِعَيْنٍ مُخْتَلِفَةٍ، بَعْضُهُمْ بِإِعْجَابٍ صَادِقٍ، وَبَعْضُهُمُ الْآخَرُ بِشَيْءٍ مِنَ السُّخْرِيَةِ الْخَفِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَخْلُ مِنْ حَسَدٍ مَكْتُومٍ.
“سَمِعْتُ أَنَّكَ رَفَضْتَ ذَهَبًا بِقِيمَةِ سَنَتَيْنِ مِنَ الْعَمَلِ يَا عَدْنَانُ!” قَالَهَا أَبُو سَلِيمٍ بَائِعُ الْبَهَارَاتِ، وَهُوَ يُقَدِّمُ لَهُ حَفْنَةً مِنْ حَبِّ الْهَالِ. “اللهُ يُعْطِيكَ الْعَافِيَةَ يَا بُنَيَّ، أَمْثَالُكَ قَلِيلُونَ فِي هَذَا الزَّمَنِ.”
حَتَّى أُمُّ رِيَاضٍ، صَاحِبَةُ مَحَلِّ الْخُيُوطِ، نَادَتْهُ حِينَ مَرَّ مِنْ أَمَامِ مَحَلِّهَا: “تَعَالَ يَا ابْنِي.” وَضَعَتْ فِي يَدِهِ كِيسًا صَغِيرًا مِنَ الْحَلْوَى: “هَذِهِ هَدِيَّةٌ بَسِيطَةٌ، فَقَطْ لِأُخْبِرَكَ أَنِّي فَخُورَةٌ بِكَ، وَكَأَنَّكَ ابْنِي الْحَقِيقِيُّ.”
شَعَرَ عَدْنَانُ بِحَرَجٍ مَمْزُوجٍ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ مِنْ كُلِّ هَذَا الِاهْتِمَامِ الْمُفَاجِئِ؛ فَهُوَ لَمْ يَكُنْ يَقْصِدُ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا اسْتِثْنَائِيًّا، بَلْ شَعَرَ بِبَسَاطَةٍ أَنَّهُ فَعَلَ مَا كَانَ يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَهُ أَيُّ إِنْسَانٍ فِي مَوْقِعِهِ. لَكِنَّهُ أَدْرَكَ، بِحِكْمَةٍ تَفُوقُ سِنَّهُ، أَنَّ هَذِهِ السُّمْعَةَ الْجَدِيدَةَ، سُمْعَةَ “الشَّابِّ الْأَمِينِ عِنْدَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ”، سَتَكُونُ، مَعَ الْوَقْتِ، أَثْمَنَ رَأْسِمَالٍ يَمْلِكُهُ فِي حَيَاتِهِ الْمِهَنِيَّةِ الْقَادِمَةِ.
جَلَسَ عَدْنَانُ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُقَابِلِ لِطَاوِلَةِ الْحَاجِّ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ أَنْ بَدَأَ عَمَلَهُ هُنَا.
“أَنْتَ تَعْمَلُ عِنْدِي مُنْذُ مَا يُقَارِبُ الشَّهْرَيْنِ، يَا عَدْنَانُ، وَقَدْ أَثْبَتَّ لِي، فِي أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ، أَنَّكَ تَمْلِكُ شَيْئًا نَادِرًا جِدًّا فِي هَذَا الزَّمَنِ: قَلْبًا لَا يَخُونُ، حَتَّى حِينَ لَا يُرَاقِبُهُ أَحَدٌ.” تَوَقَّفَ قَلِيلًا. “أَنَا رَجُلٌ كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، وَحِيدٌ، لَا أَهْلَ لِي يَرِثُونَ هَذَا الْمَتْجَرَ وَلَا هَذِهِ الْخِبْرَةَ الَّتِي جَمَعْتُهَا عَلَى مَدَى أَرْبَعِينَ عَامًا. وَقَدْ بَدَأْتُ أُفَكِّرُ، مُنْذُ فَتْرَةٍ، فِيمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ أُعَلِّمَهُ كُلَّ مَا أَعْرِفُ، لَا فَقَطْ عَنِ الْأَقْمِشَةِ، بَلْ عَنْ كَيْفِيَّةِ إِدَارَةِ تِجَارَةٍ كَامِلَةٍ.”
شَعَرَ عَدْنَانُ بِقَلْبِهِ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى مُقَاطَعَتِهِ.
“أُرِيدُ أَنْ أُعَلِّمَكَ كُلَّ شَيْءٍ، يَا عَدْنَانُ. لَيْسَ فَقَطْ كَيْفَ تَبِيعُ الْقُمَاشَ، بَلْ كَيْفَ تُدِيرُ حِسَابَاتِي، وَكَيْفَ تَتَعَامَلُ مَعَ كِبَارِ الْمُوَرِّدِينَ، وَكَيْفَ تُفَاوِضُ عَلَى أَسْعَارِ الشَّحَنَاتِ الْكَبِيرَةِ. أُرِيدُكَ أَنْ تُصْبِحَ، مَعَ الْوَقْتِ، أَقْرَبَ إِلَى شَرِيكٍ فِي هَذَا الْمَتْجَرِ مِنْكَ إِلَى مُجَرَّدِ عَامِلٍ فِيهِ.”
رَفَعَ الْحَاجُّ يَدَهُ بِلُطْفٍ، يُشِيرُ إِلَيْهِ أَنْ يَنْتَظِرَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَنْتَهِ بَعْدُ.
“لَكِنَّ هَذَا الْأَمْرَ، يَا عَدْنَانُ، يَأْتِي مَعَ مَسْؤُولِيَّةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَتَخَيَّلُ. سَأَحْتَاجُ مِنْكَ، مَعَ الْوَقْتِ، أَنْ تَعْرِفَ أُمُورًا عَنْ حَيَاتِي، عَنْ تَارِيخِي، وَرُبَّمَا عَنْ أَشْخَاصٍ قَدْ يَأْتُونَ يَوْمًا يَسْأَلُونَ عَنْ أَشْيَاءَ لَا تَخُصُّهُمْ، أَوْ يَبْحَثُونَ عَنْ أَشْيَاءَ تَرَكَهَا أَحَدُهُمْ عِنْدِي مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.” نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً ثَاقِبَةً. “إِنْ حَدَثَ ذَلِكَ يَوْمًا، يَا عَدْنَانُ، سَأَحْتَاجُ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ كَتُومًا كَصَخْرَةٍ، وَأَنْ تَتَذَكَّرَ دَائِمًا أَنَّ بَعْضَ الْأَسْرَارِ، حَتَّى لَوْ كَانَ مُؤْلِمًا أَنْ تُحْفَظَ، تَحْمِي أُنَاسًا أَبْرِيَاءَ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تُؤْذِي مَنْ يَحْفَظُهَا.”
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ إِلَامَ يُلَمِّحُ الْحَاجُّ، لَكِنَّهُ فَهِمَ، بِحَدْسٍ أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ مَنْطِقٍ وَاضِحٍ، أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُرْتَبِطٌ بِطَرِيقَةٍ مَا بِتِلْكَ اللَّيْلَةِ الْغَرِيبَةِ عِنْدَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ.
“أَفْهَمُ يَا حَاجُّ.” قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَاثِقٍ أَكْثَرَ مِمَّا شَعَرَ بِهِ فِي دَاخِلِهِ فِعْلًا. “وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَثِقَ بِي، فِي هَذَا وَفِي أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ.”
نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَاجُّ نَظْرَةً طَوِيلَةً أَخِيرَةً. “أَعْرِفُ ذَلِكَ، يَا عَدْنَانُ. لِهَذَا بِالذَّاتِ اخْتَرْتُكَ.”
جَلَسَ الْحَاجُّ مِنْ جَدِيدٍ خَلْفَ طَاوِلَتِهِ، وَنَظَرَ إِلَى الْفَرَاغِ أَمَامَهُ للَحْظَةٍ. “هَلْ تَعْرِفُ لِمَاذَا أَثِقُ بِالصِّدْقِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا، يَا عَدْنَانُ؟”
هَزَّ عَدْنَانُ رَأْسَهُ نَافِيًا، مُنْتَظِرًا.
“حِينَ كُنْتُ فِي مِثْلِ عُمْرِكَ تَقْرِيبًا، كَانَ لِي شَرِيكٌ فِي التِّجَارَةِ، صَدِيقُ عُمُرِي مُنْذُ الطُّفُولَةِ. بَنَيْنَا مَعًا مَتْجَرَنَا الْأَوَّلَ، حَجَرًا حَجَرًا، وَثِقَةً بِثِقَةٍ، حَتَّى أَصْبَحَ مِنْ أَكْبَرِ مَتَاجِرِ الْأَقْمِشَةِ فِي دِمَشْقَ كُلِّهَا. كُنْتُ أَثِقُ بِهِ كَمَا أَثِقُ بِنَفْسِي، بَلْ أَكْثَرَ أَحْيَانًا.” تَوَقَّفَ، وَنَظَرَاتُهُ شَرَدَتْ بَعِيدًا. “وَحِينَ جَاءَتْ فُرْصَةٌ كَبِيرَةٌ، سَافَرْتُ أَنَا لِأَتَفَقَّدَ بِضَاعَةً فِي حَلَبَ، وَتَرَكْتُ لَهُ كُلَّ شُؤُونِ الْمَتْجَرِ، بِثِقَةٍ عَمْيَاءَ لَمْ أَشُكَّ فِيهَا لَحْظَةً وَاحِدَةً.”
“وَمَاذَا حَدَثَ يَا حَاجُّ؟” سَأَلَ عَدْنَانُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ.
“حِينَ عُدْتُ بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ، وَجَدْتُ الْمَتْجَرَ مُغْلَقًا، وَكُلَّ مَا فِيهِ مِنْ بِضَاعَةٍ وَنُقُودٍ قَدِ اخْتَفَى، وَصَدِيقِي مَعَهُ، دُونَ أَثَرٍ. لَمْ أَرَهُ مُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ.” نَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ حَمَلَتَا ظِلًّا مِنْ أَلَمٍ قَدِيمٍ لَمْ يَنْدَمِلْ تَمَامًا. “خَسِرْتُ كُلَّ شَيْءٍ بَنَيْتُهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، يَا عَدْنَانُ، لَيْسَ فَقَطِ الْمَالَ، بَلْ شَيْئًا أَثْمَنَ بِكَثِيرٍ: قُدْرَتِي عَلَى الثِّقَةِ بِسُهُولَةٍ بِأَيِّ إِنْسَانٍ.”
صَمَتَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَهْدَأَ: “لِهَذَا بِالذَّاتِ، حِينَ رَأَيْتُكَ تُعِيدُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ الزَّائِدَ قَبْلَ أَسَابِيعَ، ثُمَّ حِينَ رَأَيْتُكَ الْيَوْمَ تَرْفُضُ إِغْرَاءَ ذَلِكَ الذَّهَبِ، شَعَرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ جِدًّا: أَنَّ هُنَاكَ أَمَلًا، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، فِي أَنْ يُوجَدَ إِنْسَانٌ يَسْتَحِقُّ الثِّقَةَ الْكَامِلَةَ مِنْ جَدِيدٍ.”
نَهَضَ الْحَاجُّ مِنْ مَكَانِهِ، وَسَارَ نَحْوَ أَحَدِ الْأَدْرَاجِ السُّفْلِيَّةِ فِي خِزَانَتِهِ الْخَشَبِيَّةِ الْقَدِيمَةِ، تِلْكَ الَّتِي لَمْ يَرَ عَدْنَانُ الْحَاجَّ يَفْتَحُهَا مِنْ قَبْلُ قَطُّ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مِفْتَاحًا نُحَاسِيًّا صَغِيرًا، قَدِيمَ الطِّرَازِ، مُعَلَّقًا بِخَيْطٍ جِلْدِيٍّ بَالٍ.
“هَذَا مِفْتَاحُ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، يَا عَدْنَانُ. مِنَ الْيَوْمِ فَصَاعِدًا، أَنْتَ الْوَحِيدُ، غَيْرِي، الَّذِي يَمْلِكُ نُسْخَةً مِنْهُ.” مَدَّهُ إِلَيْهِ بِيَدٍ ثَابِتَةٍ، رَغْمَ أَنَّ عَدْنَانَ لَاحَظَ ارْتِجَافَةً خَفِيفَةً جِدًّا فِي أَصَابِعِهِ.
تَنَاوَلَ عَدْنَانُ الْمِفْتَاحَ بِيَدٍ مُتَرَدِّدَةٍ، شَاعِرًا بِثِقَلِهِ الْمَعْنَوِيِّ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ ثِقَلِهِ الْحَقِيقِيِّ الْخَفِيفِ فِي رَاحَةِ يَدِهِ.
“احْتَفِظْ بِهِ جَيِّدًا، وَلَا تَفْقِدْهُ أَبَدًا. وَإِنْ سَأَلَكَ أَحَدٌ يَوْمًا عَنْهُ، عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَخُصُّ هَذَا الْبَابَ، أَوْ عَمَّا قَدْ يَكُونُ خَلْفَهُ، تَذَكَّرْ دَائِمًا أَنَّ صَمْتَكَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، قَدْ يَكُونُ أَثْمَنَ هَدِيَّةٍ تُقَدِّمُهَا لِي، أَوْ لِأَشْخَاصٍ آخَرِينَ لَنْ تَعْرِفَ أَسْمَاءَهُمْ أَبَدًا.”
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، عَادَ عَدْنَانُ إِلَى غُرْفَتِهِ الْمُسْتَأْجَرَةِ وَالْمِفْتَاحُ النُّحَاسِيُّ الصَّغِيرُ مُعَلَّقٌ حَوْلَ رَقَبَتِهِ تَحْتَ قَمِيصِهِ، مُلَاصِقًا لِجِلْدِهِ، كَأَنَّهُ جُزْءٌ جَدِيدٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ. جَلَسَ عَلَى حَافَّةِ سَرِيرِهِ، يُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا حَدَثَ ذَلِكَ الْيَوْمَ: الِاخْتِبَارُ الَّذِي اجْتَازَهُ دُونَ أَنْ يُخَطِّطَ لَهُ، وَالثِّقَةُ الْهَائِلَةُ الَّتِي مَنَحَهُ إِيَّاهَا رَجُلٌ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ قَبْلَ شَهْرَيْنِ سِوَى اسْمِهِ، وَتِلْكَ الْقِصَّةُ الْمُؤْلِمَةُ عَنْ صَدِيقِ عُمُرِهِ الَّذِي خَانَهُ يَوْمًا دُونَ سَابِقِ إِنْذَارٍ.
أَدْرَكَ عَدْنَانُ، بِنُضْجٍ تَجَاوَزَ عُمْرَهُ الْحَقِيقِيَّ، أَنَّ مَا مُنِحَ إِيَّاهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ مِفْتَاحٍ نُحَاسِيٍّ صَغِيرٍ، بَلْ كَانَ أَشْبَهَ بِجُزْءٍ مِنْ قَلْبِ رَجُلٍ حَطَّمَتْهُ الْخِيَانَةُ يَوْمًا، وَقَرَّرَ رَغْمَ ذَلِكَ أَنْ يَمْنَحَ ثِقَتَهُ مِنْ جَدِيدٍ، بِحَذَرٍ شَدِيدٍ لَكِنْ بِصِدْقٍ تَامٍّ، لِشَابٍّ فَقِيرٍ مِنْ قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا قَبْلَ شَهْرَيْنِ فَقَطْ.
شَعَرَ عَدْنَانُ، وَهُوَ يَسْتَلْقِي أَخِيرًا عَلَى فِرَاشِهِ الْبَسِيطِ مُحَاوِلًا النَّوْمَ، أَنَّ حَيَاتَهُ قَدْ تَغَيَّرَتْ بِشَكْلٍ جَوْهَرِيٍّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِالذَّاتِ. لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ صَبِيٍّ يَعْمَلُ فِي مَتْجَرِ أَقْمِشَةٍ، بَلْ أَصْبَحَ، دُونَ أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ تَمَامًا، حَارِسًا لِسِرٍّ لَا يَعْرِفُ حَجْمَهُ الْحَقِيقِيَّ بَعْدُ، وَحَامِلًا لِمِفْتَاحٍ قَدْ يَفْتَحُ، يَوْمًا مَا، بَابًا لَنْ يَسْتَطِيعَ بَعْدَهُ أَنْ يَعُودَ إِلَى حَيَاتِهِ الْبَسِيطَةِ كَمَا كَانَتْ مِنْ قَبْلُ.
مَا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ عَدْنَانُ، وَهُوَ يَغْرَقُ أَخِيرًا فِي نَوْمٍ مُتَقَطِّعٍ مَلِيءٍ بِأَحْلَامٍ غَامِضَةٍ عَنْ صَنَادِيقَ مُقْفَلَةٍ وَأَبْوَابٍ خَلْفِيَّةٍ مُظْلِمَةٍ، هُوَ أَنَّ ذَلِكَ الْمِفْتَاحَ النُّحَاسِيَّ الصَّغِيرَ لَنْ يَكُونَ آخِرَ اخْتِبَارٍ يُوَاجِهُهُ ذَلِكَ الصَّيْفَ، وَأَنَّ زُوَّارًا جُدُدًا كَانُوا يَسْتَعِدُّونَ بِالْفِعْلِ، فِي مَدِينَةٍ أُخْرَى غَيْرِ بَعِيدَةٍ، لِلسَّفَرِ إِلَى دِمَشْقَ، حَامِلِينَ مَعَهُمْ أَسْئِلَةً عَنْ ذَلِكَ الصُّنْدُوقِ نَفْسِهِ الَّذِي أَصْبَحَ عَدْنَانُ الْآنَ أَحَدَ حُرَّاسِهِ الصَّامِتِينَ، دُونَ أَنْ يَخْتَارَ ذَلِكَ تَمَامًا.
