Numan Albarbari نعمان البربري

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 04

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ

الْفَصْلُ الرَّابِعُ

١
مَرَّ أُسْبُوعٌ كَامِلٌ عَلَى اللَّيْلَةِ الَّتِي مَنَحَ فِيهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَدْنَانَ مِفْتَاحَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، أُسْبُوعٌ مَرَّ هَادِئًا فِي ظَاهِرِهِ، لَكِنَّ عَدْنَانَ كَانَ يَشْعُرُ، بِحَدْسٍ صَارَ أَكْثَرَ حِدَّةً كُلَّ يَوْمٍ، أَنَّ هَذَا الْهُدُوءَ أَشْبَهُ بِذَلِكَ الْهُدُوءِ الَّذِي يَسْبِقُ الْعَاصِفَةَ فِي قِصَصِ كِبَارِ السِّنِّ، هُدُوءٌ مَشْحُونٌ بِتَرَقُّبٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ لَكِنَّ الْجَمِيعَ يَتَنَفَّسُهُ.
كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ قَدْ أَصْبَحَ أَكْثَرَ انْشِغَالًا بِرَسَائِلِهِ السِّرِّيَّةِ، يَقْرَأُ الْوَارِدَ مِنْهَا بَعِيدًا عَنْ أَعْيُنِ عَدْنَانَ، ثُمَّ يُحْرِقُهُ كَعَادَتِهِ فِي تِلْكَ الْمَنْفَضَةِ النُّحَاسِيَّةِ الصَّغِيرَةِ، لَكِنَّهُ بَدَأَ أَيْضًا، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، يَتْرُكُ لِعَدْنَانَ مَسْؤُولِيَّاتٍ حَقِيقِيَّةً: كَانَ يُوكِلُ إِلَيْهِ أَحْيَانًا اسْتِقْبَالَ بَعْضِ التُّجَّارِ الصِّغَارِ وَحْدَهُ، وَالتَّفَاوُضَ مَعَهُمْ عَلَى أَسْعَارِ الشَّحَنَاتِ الْمُتَوَسِّطَةِ، بَلْ سَمَحَ لَهُ مَرَّةً أَنْ يُوَقِّعَ بِنَفْسِهِ عَلَى إِيصَالِ اسْتِلَامِ بِضَاعَةٍ، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ لِيَتَخَيَّلَهُ عَدْنَانُ قَبْلَ شَهْرَيْنِ فَقَطْ حِينَ كَانَ مُجَرَّدَ فَتًى خَائِفٍ يَقِفُ أَمَامَ بَابِ مَتْجَرٍ لَا يَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا.
فِي إِحْدَى تِلْكَ الْأَمْسِيَاتِ الْهَادِئَةِ نِسْبِيًّا مِنْ ذَلِكَ الْأُسْبُوعِ، وَبَيْنَمَا كَانَا يُغْلِقَانِ الْمَتْجَرَ مَعًا، سَأَلَ عَدْنَانُ، بِجُرْأَةٍ مُتَزَايِدَةٍ اكْتَسَبَهَا مِنَ الثِّقَةِ الْمُتَنَامِيَةِ بَيْنَهُمَا: «يَا حَاجُّ، مُنْذُ مَتَى تَعْرِفُ كَمَالَ الْحَوْرَانِيَّ بِالضَّبْطِ؟»
تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَنْ عَمَلِهِ لَحْظَةً، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ نَظْرَةً طَوِيلَةً، وَكَأَنَّهُ يُقَيِّمُ إِنْ كَانَ الْوَقْتُ مُنَاسِبًا لِمُشَارَكَةِ جُزْءٍ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّةِ الْقَدِيمَةِ. «مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا، يَا عَدْنَانُ. كُنَّا شَابَّيْنِ، كِلَانَا يَحْلُمُ بِأَنْ يُصْبِحَ تَاجِرًا كَبِيرًا، وَكَانَتْ دِمَشْقُ وَبَيْرُوتُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَقْرَبَ إِلَى بَعْضِهِمَا بِكَثِيرٍ مِمَّا هُمَا الْيَوْمَ، تِجَارَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ بَيْنَهُمَا، وَعَائِلَاتٌ تَتَزَاوَجُ مِنَ الْمَدِينَتَيْنِ، وَصَدَاقَاتٌ تَعْبُرُ الْحُدُودَ بِلَا عَنَاءٍ يُذْكَرُ.» ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً خَفِيفَةً. «كَمَالٌ كَانَ أَكْثَرَنَا طُمُوحًا، وَأَكْثَرَنَا جُرْأَةً فِي الْمُخَاطَرَةِ. أَنَا كُنْتُ الْحَذِرَ بَيْنَنَا، الَّذِي يَحْسُبُ كُلَّ خُطْوَةٍ مَرَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَخْطُوَهَا. كَانَ هَذَا التَّوَازُنُ بَيْنَنَا هُوَ سِرَّ نَجَاحِ شَرَاكَتِنَا فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ، حَتَّى افْتَرَقَتْ بِنَا الطُّرُقُ، كُلُّ وَاحِدٍ يَبْنِي مُسْتَقْبَلَهُ فِي مَدِينَتِهِ.»
«وَهَلْ بَقِيتُمَا عَلَى تَوَاصُلٍ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ؟»
«مُتَقَطِّعٌ، كَمَا تَكُونُ كُلُّ الصَّدَاقَاتِ الْقَدِيمَةِ حِينَ تَبْتَعِدُ الْمَسَافَاتُ. رِسَالَةٌ هُنَا، زِيَارَةٌ هُنَاكَ، خَبَرٌ عَنْ زَوَاجٍ أَوْ وِلَادَةٍ يَصِلُ مُتَأَخِّرًا بِأَسَابِيعَ. لَكِنَّ الرَّابِطَ الْحَقِيقِيَّ بَيْنَنَا، ذَلِكَ الَّذِي لَا تَمْحُوهُ الْمَسَافَةُ وَلَا الزَّمَنُ، بَقِيَ مَوْجُودًا دَائِمًا، حَتَّى فِي أَطْوَلِ فَتَرَاتِ الصَّمْتِ بَيْنَنَا.» تَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى الْفَرَاغِ أَمَامَهُ بِشُرُودٍ وَاضِحٍ. «لِهَذَا بِالذَّاتِ يُؤْلِمُنِي أَنْ أَرَاهُ الْيَوْمَ بِهَذَا الْحَالِ، يَائِسًا، خَائِفًا عَلَى مُسْتَقْبَلِ ابْنَتِهِ، مُضْطَرًّا لِأَنْ يَطْلُبَ مِنِّي شَيْئًا أَعْرِفُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَطْلُبَهُ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ، نَاهِيكَ عَنْ صَدِيقِ عُمْرِهِ.»
فِي صَبَاحِ أَحَدِ أَيَّامِ أَوَائِلِ تِشْرِينَ الْأَوَّلِ، وَدَخَلَ عَدْنَانُ الْمَتْجَرَ بَاكِرًا كَعَادَتِهِ، شَعَرَ بِشَيْءٍ مُخْتَلِفٍ فِي الْجَوِّ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى. كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ قَدْ وَصَلَ قَبْلَهُ، وَهُوَ أَمْرٌ نَادِرُ الْحُدُوثِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْبَابِ الْأَمَامِيِّ، يَنْظُرُ إِلَى الزُّقَاقِ الْخَارِجِيِّ بِتَرَقُّبٍ وَاضِحٍ، يَدَاهُ مُتَشَابِكَتَانِ خَلْفَ ظَهْرِهِ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَعْتَدْ عَدْنَانُ رُؤْيَتَهُ بِهَا.
«صَبَاحَ الْخَيْرِ يَا حَاجُّ.»
اسْتَدَارَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِسُرْعَةٍ طَفِيفَةٍ، كَأَنَّهُ فُوجِئَ بِصَوْتِ عَدْنَانَ رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَنَّهُ سَيَصِلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ كُلَّ يَوْمٍ. «صَبَاحَ النُّورِ، يَا عَدْنَانُ.» تَوَقَّفَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهَا عَادِيَّةً قَدْرَ الْإِمْكَانِ: «قَدْ يَأْتِي الْيَوْمَ، أَوْ غَدًا، الزَّائِرُ الَّذِي حَدَّثْتُكَ عَنْهُ. كَمَالٌ. كَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ، وَرُبَّمَا ابْنَتُهُ مَعَهُ.»
كَانَ هَذَا أَوَّلَ مَرَّةٍ يَذْكُرُ فِيهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ اسْمَ الرَّجُلِ كَامِلًا بِهَذَا الْوُضُوحِ، وَشَعَرَ عَدْنَانُ أَنَّ ثَمَّةَ ثِقَلًا خَاصًّا فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نَطَقَ بِهَا الِاسْمَ، وَكَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهُ يَحْمِلُ عُقُودًا مِنَ الذِّكْرَيَاتِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالْحُبِّ وَالْأَلَمِ مَعًا.
«أَتُرِيدُنِي أَنْ أَكُونَ هُنَا حِينَ يَصِلُ، يَا حَاجُّ، أَمْ تُفَضِّلُ أَنْ أَنْشَغِلَ بِشَيْءٍ آخَرَ؟»
فَكَّرَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ قَلِيلًا، ثُمَّ أَجَابَ: «لَا، ابْقَ. أُرِيدُكَ أَنْ تَكُونَ هُنَا، أَنْ تُرَاقِبَ، أَنْ تَتَعَلَّمَ. لَكِنْ، كَمَا قُلْتُ لَكَ مِنْ قَبْلُ، لَا تَتَحَدَّثْ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يَخُصُّ الْمَتْجَرَ أَوْ يَخُصُّنِي إِلَّا فِي حُدُودِ الْعَمَلِ الْمُعْتَادِ. اسْمَعْ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَكَلَّمُ.»

٢
جَاءَ الزَّئِرانِ، إِنْ جَازَ التَّعْبِيرُ، فِي مُنْتَصَفِ ذَلِكَ النَّهَارِ بِالذَّاتِ، حِينَ كَانَتِ الشَّمْسُ فِي أَوْجِ ارْتِفَاعِهَا وَحَرَارَتُهَا الْخَرِيفِيَّةُ اللَّطِيفَةُ تَمْلَأُ أَزِقَّةَ السُّوقِ بِضَوْءٍ ذَهَبِيٍّ دَافِئٍ. سَمِعَ عَدْنَانُ صَوْتَ عَجَلَاتِ سَيَّارَةِ أُجْرَةٍ تَتَوَقَّفُ عِنْدَ مَدْخَلِ السُّوقِ الْقَرِيبِ، وَهُوَ صَوْتٌ غَيْرُ مَأْلُوفٍ فِي تِلْكَ الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي لَا تَدْخُلُهَا السَّيَّارَاتُ عَادَةً، ثُمَّ خُطُوَاتٍ مُتْعَبَةً تَقْتَرِبُ بِبُطْءٍ بَيْنَ الزَّحَامِ، كَأَنَّ أَصْحَابَهَا يَحْمِلُونَ ثِقَلَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ شَاقَّةٍ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُجَرَّدِ الْمَسَافَةِ الْجُغْرَافِيَّةِ بَيْنَ بَيْرُوتَ وَدِمَشْقَ.
كَانَ كَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ رَجُلًا فِي الْخَمْسِينِيَّاتِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنْ عُمْرِهِ، طَوِيلَ الْقَامَةِ نِسْبِيًّا، أَنِيقَ الْمَلْبَسِ بِأَنَاقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ أَنَاقَةِ أَبِي نِضَالٍ الْفَجَّةِ الصَّارِخَةِ؛ أَنَاقَةٍ هَادِئَةٍ وَاثِقَةٍ، بِذْلَةٍ رَمَادِيَّةٍ دَاكِنَةٍ أَنِيقَةِ الْقَصِّ لَكِنَّهَا تَحْمِلُ آثَارَ تَعَبِ سَفَرٍ طَوِيلٍ، وَشَعْرٍ أَبْيَضَ غَزِيرٍ مُصَفَّفٍ بِعِنَايَةٍ، وَعَيْنَيْنِ بُنِّيَّتَيْنِ عَمِيقَتَيْنِ تَحْمِلَانِ نَظْرَةَ رَجُلٍ رَأَى الْكَثِيرَ فِي حَيَاتِهِ، رُبَّمَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ يَرَى. لَاحَظَ عَدْنَانُ أَنَّ يَدَيِ الرَّجُلِ، رَغْمَ أَنَاقَتِهِ الظَّاهِرَةِ، كَانَتَا تَحْمِلَانِ ارْتِعَاشَةً خَفِيفَةً بِالْكَادِ تُلْحَظُ، وَأَنَّ حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً صَغِيرَةً كَانَ يَحْمِلُهَا بِإِحْكَامٍ شَدِيدٍ تَحْتَ ذِرَاعِهِ، وَكَأَنَّهَا أَثْمَنُ مَا يَمْلِكُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.
إِلَى جَانِبِهِ، وَقَفَتْ شَابَّةٌ فِي أَوَائِلِ الْعِشْرِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهَا، طَوِيلَةٌ نَحِيلَةٌ، ذَاتُ شَعْرٍ أَسْوَدَ طَوِيلٍ مَرْبُوطٍ بِإِحْكَامٍ إِلَى الْخَلْفِ، وَعَيْنَيْنِ حَادَّتَيْنِ ذَكِيَّتَيْنِ تَنْتَقِلَانِ بِسُرْعَةٍ بَيْنَ كُلِّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِ الْمَتْجَرِ، كَأَنَّهَا تَحْفَظُ كُلَّ شَيْءٍ فِي ذَاكِرَتِهَا بِسُرْعَةٍ تَفُوقُ سُرْعَةَ أَيِّ زَائِرٍ عَادِيٍّ. كَانَتْ تَرْتَدِي فُسْتَانًا بَسِيطًا أَنِيقًا، لَكِنَّ مَلَامِحَ وَجْهِهَا كَانَتْ تَحْمِلُ التَّعَبَ نَفْسَهُ الَّذِي يَحْمِلُهُ وَجْهُ وَالِدِهَا، تَعَبَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ شَاقَّةٍ، وَرُبَّمَا شَيْئًا آخَرَ أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ تَعَبِ السَّفَرِ.
تَوَقَّفَ كَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ عِنْدَ عَتَبَةِ الْبَابِ لَحْظَةً، يَنْظُرُ إِلَى دَاخِلِ الْمَتْجَرِ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَحْضِرُ ذِكْرَيَاتٍ قَدِيمَةً تَتَصَارَعُ فِي دَاخِلِهِ بَيْنَ الْحَنِينِ وَالْأَلَمِ. ثُمَّ دَخَلَ أَخِيرًا، وَابْنَتُهُ خَلْفَهُ مُبَاشَرَةً.
«تَوْفِيقُ.»
كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْوَحِيدَةَ الَّتِي قَالَهَا فِي الْبِدَايَةِ، اسْمًا مُجَرَّدًا، لَكِنَّهُ حَمَلَ فِي نَبْرَةِ صَوْتِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُ لِأَيَّةِ جُمْلَةٍ طَوِيلَةٍ أَنْ تَحْمِلَهُ: مَزِيجًا مِنَ الْمُفَاجَأَةِ رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ سَيَجِدُهُ هُنَا، وَمِنَ الْحَنِينِ، وَمِنْ شَيْءٍ آخَرَ أَشْبَهَ بِحَذَرٍ قَدِيمٍ لَمْ يَنْدَمِلْ تَمَامًا.
نَهَضَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِبُطْءٍ مِنْ خَلْفِ طَاوِلَتِهِ. «كَمَالُ.» لَمْ تَكُنْ نَبْرَتُهُ أَدْفَأَ كَثِيرًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ بَارِدَةً أَيْضًا؛ كَانَتْ أَشْبَهَ بِنَبْرَةِ رَجُلَيْنِ يَعْرِفَانِ أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا أَعْقَدُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ يُخْتَصَرَ بِتَرْحِيبٍ حَارٍّ أَوْ بُرُودٍ وَاضِحٍ.

٣
جَلَسَ كَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُخَصَّصِ لِلزَّبَائِنِ الْمُهِمِّينَ، بَيْنَمَا بَقِيَتِ ابْنَتُهُ وَاقِفَةً، تَنْظُرُ حَوْلَهَا بِفُضُولٍ وَاضِحٍ، حَتَّى اسْتَقَرَّتْ عَيْنَاهَا أَخِيرًا عَلَى عَدْنَانَ الْوَاقِفِ فِي زَاوِيَتِهِ الْمُعْتَادَةِ، فَحَدَّقَتْ فِيهِ لَحْظَةً أَطْوَلَ مِنَ اللَّازِمِ، وَكَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَفْهَمَ مَنْ يَكُونُ هَذَا الشَّابُّ بِالضَّبْطِ، ثُمَّ ابْتَسَمَتْ لَهُ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً مُهَذَّبَةً قَبْلَ أَنْ تَعُودَ عَيْنَاهَا إِلَى وَالِدِهَا.
«مَرَّ وَقْتٌ طَوِيلٌ، تَوْفِيقُ.» قَالَ كَمَالٌ، وَهُوَ يُزِيحُ نَظَرَهُ حَوْلَ الْمَتْجَرِ، مُتَفَحِّصًا كُلَّ رَفٍّ وَكُلَّ تَفْصِيلٍ بِنَظْرَةِ رَجُلٍ يَتَذَكَّرُ مَكَانًا زَارَهُ كَثِيرًا فِي زَمَنٍ آخَرَ. «لَمْ يَتَغَيَّرْ هَذَا الْمَكَانُ كَثِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.»
«الرِّجَالُ يَتَغَيَّرُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْأَمَاكِنِ، يَا كَمَالُ. أَنْتَ أَفْضَلُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ، بِشَعْرِكَ الْأَبْيَضِ هَذَا.»
ضَحِكَ كَمَالٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً، لَكِنَّهَا لَمْ تَصِلْ إِلَى عَيْنَيْهِ تَمَامًا. «وَأَنْتَ أَيْضًا، صَدِيقِي الْقَدِيمُ.» نَظَرَ إِلَى ابْنَتِهِ، ثُمَّ عَادَ بِنَظَرِهِ إِلَى الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. «هَذِهِ ابْنَتِي، رِيمُ. لَا أَظُنُّ أَنَّكَ رَأَيْتَهَا مُنْذُ أَنْ كَانَتْ طِفْلَةً صَغِيرَةً، لَوْ كُنْتَ قَدْ رَأَيْتَهَا أَصْلًا.»
نَظَرَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ إِلَى الْفَتَاةِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا شَيْءٌ غَرِيبٌ اخْتَلَطَ فِيهِ التَّقْدِيرُ بِشَيْءٍ آخَرَ أَعْمَقَ، شَيْءٍ بَدَا لِعَدْنَانَ أَقْرَبَ إِلَى الْحُزْنِ. «أَهْلًا بِكِ يَا ابْنَتِي. كَبِرْتِ كَثِيرًا مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ سَمِعْتُ فِيهَا عَنْ وَالِدِكِ.»
«شُكْرًا لَكَ يَا حَاجُّ تَوْفِيقٍ. سَمِعْتُ الْكَثِيرَ عَنْكَ مِنْ أَبِي، طَوَالَ حَيَاتِي.» كَانَ صَوْتُ رِيمَ وَاضِحًا، وَاثِقًا، أَكْثَرَ جُرْأَةً مِمَّا تَوَقَّعَهُ عَدْنَانُ مِنْ فَتَاةٍ فِي عُمْرِهَا فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ.
«كَلَامٌ طَيِّبٌ، أَتَمَنَّى.» قَالَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِابْتِسَامَةٍ خَفِيفَةٍ حَاوَلَ مِنْ خِلَالِهَا أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ ثِقَلِ الْجَوِّ الْمَشْحُونِ بِالْفِعْلِ.
«مُعْظَمُهُ، عَلَى الْأَقَلِّ.» أَجَابَتْ رِيمُ بِابْتِسَامَةٍ مَاكِرَةٍ صَغِيرَةٍ، لَمْ تَخْلُ مِنْ ذَكَاءٍ لَافِتٍ، سُرْعَانَ مَا لَاحَظَهُ عَدْنَانُ بِإِعْجَابٍ صَامِتٍ مِنْ مَكَانِهِ.
اسْتَرْخَى كَمَالٌ قَلِيلًا فِي مَقْعَدِهِ، وَكَأَنَّ كَلِمَاتِ ابْنَتِهِ خَفَّفَتْ شَيْئًا مِنْ تَوَتُّرِهِ الظَّاهِرِ. «كُنَّا شَرِيكَيْنِ، تَوْفِيقُ وَأَنَا، مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ، أَيَّامَ كُنَّا شَابَّيْنِ لَا نَمْلِكُ شَيْئًا سِوَى الطُّمُوحِ.» قَالَهَا مُوَجِّهًا كَلَامَهُ إِلَى عَدْنَانَ هَذِهِ الْمَرَّةَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَشْرَحَ لَهُ، أَوْ رُبَّمَا لِنَفْسِهِ، طَبِيعَةَ الْعَلَاقَةِ الَّتِي تَرْبِطُهُ بِالْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. «أَنَا أَتَيْتُ مِنْ بَيْرُوتَ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لِأَتَعَلَّمَ تِجَارَةَ الْأَقْمِشَةِ عِنْدَ عَمِّي الَّذِي كَانَ يَمْلِكُ مَتْجَرًا هُنَا فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ، وَتَوْفِيقُ كَانَ يَعْمَلُ حِينَهَا فِي الْمَتْجَرِ الْمُجَاوِرِ. أَصْبَحْنَا صَدِيقَيْنِ، ثُمَّ شَرِيكَيْنِ فِي بَعْضِ الصَّفَقَاتِ الْكَبِيرَةِ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْرُوتَ، أَنَا أُحْضِرُ الْبِضَاعَةَ مِنَ الْمَوَانِئِ، وَهُوَ يَبِيعُهَا هُنَا بِخِبْرَتِهِ فِي السُّوقِ الْمَحَلِّيِّ.» ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً قَلِيلًا. «كَانَتْ أَيَّامًا جَمِيلَةً، قَبْلَ أَنْ تَتَفَرَّقَ بِنَا الْحَيَاةُ، كُلُّ وَاحِدٍ فِي مَدِينَتِهِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ فِي هُمُومِهِ.»
«أَيَّامٌ جَمِيلَةٌ فِعْلًا.» أَكَّدَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، لَكِنَّ عَدْنَانَ لَاحَظَ أَنَّ نَظْرَةَ عَيْنَيْهِ حِينَ قَالَ ذَلِكَ حَمَلَتْ شَيْئًا أَعْقَدَ مِنْ مُجَرَّدِ الْحَنِينِ الْبَسِيطِ، شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى حَذَرِ رَجُلٍ يَتَذَكَّرُ أَنَّ الصَّدَاقَاتِ الْقَدِيمَةَ لَا تَخْلُو أَحْيَانًا مِنْ دُيُونٍ مُعَقَّدَةٍ، مَالِيَّةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَالِيَّةٍ.

٤
بَعْدَ تَبَادُلِ هَذِهِ الْمُجَامَلَاتِ الْحَذِرَةِ، خَفَضَ كَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ صَوْتَهُ قَلِيلًا، وَنَظَرَ نَحْوَ عَدْنَانَ لَحْظَةً، كَأَنَّهُ يَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ بِإِمْكَانِهِ التَّحَدُّثَ بِحُرِّيَّةٍ أَمَامَهُ.
«هُوَ يَعْمَلُ مَعِي مُنْذُ أَشْهُرٍ، وَيُمْكِنُكَ أَنْ تَثِقَ بِهِ كَمَا تَثِقُ بِي.» قَالَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ، مُلْتَقِطًا نَظْرَةَ كَمَالٍ بِسُرْعَةٍ.
هَزَّ كَمَالٌ رَأْسَهُ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ تَمَامًا عَلَى مَا بَدَا، لَكِنَّهُ تَابَعَ حَدِيثَهُ رَغْمَ ذَلِكَ، بِصَوْتٍ أَخْفَضَ مِنْ ذِي قَبْلُ. «تَوْفِيقُ، أَنْتَ تَعْرِفُ لِمَاذَا أَتَيْتُ. الْأَوْضَاعُ فِي بَيْرُوتَ… لَمْ تَعُدْ تُحْتَمَلُ.» تَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَكَأَنَّ الْكَلِمَاتِ التَّالِيَةَ تُكَلِّفُهُ جُهْدًا مُضَاعَفًا لِيَنْطِقَهَا. «خَسِرْتُ مَتْجَرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَمْلِكُهَا هُنَاكَ، أُحْرِقَا بِالْكَامِلِ فِي الِاشْتِبَاكَاتِ الْأَخِيرَةِ، بِكُلِّ مَا فِيهِمَا مِنْ بِضَاعَةٍ جَمَعْتُهَا عَلَى مَدَى عِشْرِينَ عَامًا كَامِلَةً. الْمَتْجَرُ الثَّالِثُ اضْطُرِرْتُ لِبَيْعِهِ بِثَمَنٍ بَخْسٍ لِرَجُلٍ اسْتَغَلَّ يَأْسِي، لِأَنَّنِي احْتَجْتُ الْمَالَ نَقْدًا وَبِسُرْعَةٍ لِأُخْرِجَ عَائِلَتِي مِنَ الْحَيِّ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ الطَّرِيقُ مُغْلَقًا تَمَامًا.» نَظَرَ إِلَى ابْنَتِهِ لَحْظَةً، بِحَنَانٍ مَمْزُوجٍ بِأَلَمٍ عَمِيقٍ. «لَمْ يَبْقَ لِي وَلِعَائِلَتِي سِوَى الْقَلِيلِ مِمَّا جَمَعْتُهُ طَوَالَ حَيَاتِي، مُعْظَمُهُ هُنَا، عِنْدَكَ، مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.»
تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ لَحْظَةً، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ، ثُمَّ إِلَى رِيمَ، ثُمَّ عَادَ بِنَظَرِهِ إِلَى كَمَالٍ. «دَعْنَا نَتَحَدَّثْ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ فِي مَكَانٍ آخَرَ، يَا كَمَالُ، لَا هُنَا.»
«لِمَاذَا؟ أَلَا تَثِقُ بِشَابِّكَ هَذَا؟ قُلْتَ لِلتَّوِّ إِنَّهُ أَمِينٌ.»
«الْأَمَانَةُ شَيْءٌ، وَالْحَذَرُ شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا، يَا صَدِيقِي الْقَدِيمَ. كُلَّمَا قَلَّ عَدَدُ مَنْ يَعْرِفُونَ تَفَاصِيلَ هَذَا الْأَمْرِ، كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ لِلْجَمِيعِ، بِمَنْ فِيهِمْ أَنْتَ وَابْنَتُكَ.»
بَدَا عَلَى وَجْهِ كَمَالٍ شَيْءٌ مِنَ الِانْزِعَاجِ، لَكِنَّهُ أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ أَخِيرًا، مُقِرًّا بِمَنْطِقِ كَلَامِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. «حَسَنًا. أَيْنَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَحَدَّثَ؟»
«تَعَالَ مَعِي إِلَى الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ. عَدْنَانُ، ابْقَ هُنَا، وَاعْتَنِ بِالْمَتْجَرِ وَالزَّبَائِنِ إِنْ جَاءَ أَحَدٌ، وَلَا تَدَعْ أَحَدًا يَدْخُلُ الرِّوَاقَ الدَّاخِلِيَّ مَهْمَا كَانَ السَّبَبُ.»

٥
انْسَحَبَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ وَكَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ إِلَى الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ، تَارِكَيْنِ عَدْنَانَ وَرِيمَ وَحِيدَيْنِ فِي الْمَتْجَرِ الْأَمَامِيِّ، فِي صَمْتٍ بَدَا فِي الْبِدَايَةِ مُحْرِجًا بَعْضَ الشَّيْءِ، قَبْلَ أَنْ تَكْسِرَهُ رِيمُ بِسُؤَالٍ مُبَاشِرٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ عَدْنَانُ.
«مُنْذُ مَتَى تَعْمَلُ عِنْدَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ؟»
«مُنْذُ أَوَاخِرِ الصَّيْفِ الْمَاضِي، مُنْذُ حَوَالَيْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ تَقْرِيبًا.»
«وَهَلْ تُحِبُّ الْعَمَلَ هُنَا؟»
ابْتَسَمَ عَدْنَانُ، مُنْدَهِشًا قَلِيلًا مِنْ مُبَاشَرَةِ السُّؤَالِ. «نَعَمْ، أُحِبُّهُ كَثِيرًا فِي الْحَقِيقَةِ. الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ رَجُلٌ صَعْبٌ أَحْيَانًا، لَكِنَّهُ رَجُلٌ عَادِلٌ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْهُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً كُلَّ يَوْمٍ.»
أَوْمَأَتْ رِيمُ بِرَأْسِهَا، وَتَجَوَّلَتْ عَيْنَاهَا فِي الْمَتْجَرِ مَرَّةً أُخْرَى، قَبْلَ أَنْ تَعُودَ لِتَنْظُرَ إِلَيْهِ مُبَاشَرَةً، بِنَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ لَمْ يَعْتَدْ عَدْنَانُ أَنْ يَرَاهَا فِي فَتَاةٍ مِنْ عُمْرِهَا. «أَتَعْرِفُ لِمَاذَا أَتَيْنَا الْيَوْمَ؟»
تَرَدَّدَ عَدْنَانُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِحَذَرٍ. «لَا، لَيْسَ بِالضَّبْطِ. الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ لَا يُشَارِكُنِي كُلَّ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ.»
«جَيِّدٌ.» قَالَتْهَا بِنَبْرَةٍ اخْتَلَطَ فِيهَا الِارْتِيَاحُ بِشَيْءٍ آخَرَ لَمْ يَسْتَطِعْ عَدْنَانُ تَحْدِيدَهُ بِدِقَّةٍ. «مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ يَبْقَى الْأَمْرُ كَذَلِكَ، عَلَى الْأَقَلِّ فِي الْوَقْتِ الْحَالِيِّ.»
«أَكُلُّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ؟» سَأَلَ عَدْنَانُ، مَدْفُوعًا بِفُضُولٍ لَمْ يَسْتَطِعْ كَبْتَهُ رَغْمَ كُلِّ تَحْذِيرَاتِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ لَهُ بِأَلَّا يَتَدَخَّلَ فِي أُمُورٍ لَا تَخُصُّهُ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ رِيمُ نَظْرَةً طَوِيلَةً، وَكَأَنَّهَا تَزِنُ فِي دَاخِلِهَا إِنْ كَانَ بِإِمْكَانِهَا أَنْ تَثِقَ بِهَذَا الشَّابِّ الْغَرِيبِ الَّذِي لَا تَعْرِفُهُ سِوَى مُنْذُ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ. «أَبِي رَجُلٌ جَيِّدٌ، بِمُعْظَمِ الْمَقَايِيسِ. لَكِنَّهُ أَيْضًا رَجُلٌ يَائِسٌ هَذِهِ الْأَيَّامَ، وَرَجُلٌ يَائِسٌ أَحْيَانًا… يَفْعَلُ أَشْيَاءَ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَهَا فِي ظُرُوفٍ أُخْرَى.» تَوَقَّفَتْ، وَكَأَنَّهَا نَدِمَتْ فَجْأَةً عَلَى قَوْلِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ تَنْوِي. «لَا تَهْتَمَّ بِمَا قُلْتُهُ. أَنَا فَقَطْ مُتْعَبَةٌ مِنْ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ.»
حَاوَلَ عَدْنَانُ أَنْ يُخَفِّفَ مِنَ التَّوَتُّرِ الَّذِي شَعَرَ أَنَّهُ تَسَبَّبَ بِهِ بِسُؤَالِهِ. «أَالطَّرِيقُ مِنْ بَيْرُوتَ طَوِيلٌ؟ لَمْ أُسَافِرْ إِلَى هُنَاكَ مِنْ قَبْلُ.»
ابْتَسَمَتْ رِيمُ ابْتِسَامَةً صَغِيرَةً، بَدَتْ مُمْتَنَّةً لِلتَّغْيِيرِ فِي مَوْضُوعِ الْحَدِيثِ. «طَوِيلٌ وَمُتْعِبٌ، خَاصَّةً هَذِهِ الْأَيَّامَ. الطُّرُقُ لَيْسَتْ آمِنَةً كَمَا كَانَتْ، وَهُنَاكَ حَوَاجِزُ كَثِيرَةٌ، وَأَحْيَانًا يَسْتَغْرِقُ الطَّرِيقُ الَّذِي كَانَ يَسْتَغْرِقُ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ يَوْمًا كَامِلًا.» نَظَرَتْ بَعِيدًا لَحْظَةً، وَكَأَنَّهَا تَسْتَعِيدُ صُوَرًا لَا تُرِيدُ أَنْ تُشَارِكَهَا بِالتَّفْصِيلِ. «بَيْرُوتُ الَّتِي أَعْرِفُهَا، الَّتِي كَبِرْتُ فِيهَا، لَمْ تَعُدْ مَوْجُودَةً تَقْرِيبًا. أَحْيَاءٌ كَامِلَةٌ تَحَوَّلَتْ إِلَى رُكَامٍ، وَأَصْدِقَاءُ كَثِيرُونَ لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ أَيْنَ هُمْ أَوْ إِنْ كَانُوا أَحْيَاءً أَصْلًا.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَرَجِ لِأَنَّهُ سَأَلَ سُؤَالًا بَسِيطًا فَفَتَحَ بَابًا لِأَلَمٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَ. «آسِفٌ، لَمْ أَقْصِدْ أَنْ أُثِيرَ ذِكْرَيَاتٍ مُؤْلِمَةً.»
«لَا بَأْسَ.» قَالَتْ بِابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ لَكِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ. «مِنَ الْجَيِّدِ أَحْيَانًا أَنْ يَسْأَلَ أَحَدٌ، بَدَلَ أَنْ يَتَجَنَّبَ الْجَمِيعُ الْمَوْضُوعَ خَوْفًا مِنْ إِحْرَاجِي. أَنْتَ لَطِيفٌ يَا…» تَوَقَّفَتْ، وَكَأَنَّهَا تُدْرِكُ لِلتَّوِّ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ اسْمَهُ.
«عَدْنَانُ. عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ.»
«عَدْنَانُ.» كَرَّرَتِ الِاسْمَ بِهُدُوءٍ، وَكَأَنَّهَا تَحْفَظُهُ فِي ذَاكِرَتِهَا. «اسْمٌ جَمِيلٌ.»
ابْتَسَمَ عَدْنَانُ بِحَرَجٍ خَفِيفٍ. «شُكْرًا. أُمِّي اخْتَارَتْهُ.»
«أُمِّي أَيْضًا كَانَتْ تُحِبُّ الْأَسْمَاءَ ذَاتَ الْمَعَانِي.» قَالَتْهَا بِنَبْرَةٍ حَزِينَةٍ خَفِيفَةٍ، دُونَ أَنْ تُوَضِّحَ أَكْثَرَ، وَشَعَرَ عَدْنَانُ أَنَّ هُنَاكَ قِصَّةً أُخْرَى، رُبَّمَا مُؤْلِمَةً هِيَ الْأُخْرَى، تَخْتَبِئُ خَلْفَ تِلْكَ الْجُمْلَةِ الْقَصِيرَةِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى السُّؤَالِ هَذِهِ الْمَرَّةَ.

٦
مَرَّتْ دَقَائِقُ طَوِيلَةٌ، بَدَتْ لِعَدْنَانَ أَطْوَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ حَجْمِهَا الْحَقِيقِيِّ، قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ وَكَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ مِنَ الْغُرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ، وَوَجْهُ كَمَالٍ يَحْمِلُ الْآنَ تَوَتُّرًا وَاضِحًا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا حِينَ دَخَلَ، بَيْنَمَا بَدَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ هَادِئًا فِي ظَاهِرِهِ، لَكِنَّ عَدْنَانَ، الَّذِي بَدَأَ يَتَعَلَّمُ قِرَاءَةَ تَفَاصِيلِ وَجْهِ مُعَلِّمِهِ الصَّغِيرَةِ، لَاحَظَ تَوَتُّرًا خَفِيًّا فِي زَاوِيَةِ فَمِهِ وَفِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَشَابَكَتْ بِهَا يَدَاهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ.
«إِذَنْ، هَذَا كُلُّ مَا يُمْكِنُكَ أَنْ تُقَدِّمَهُ لِي الْآنَ؟» قَالَ كَمَالٌ بِصَوْتٍ أَعْلَى قَلِيلًا مِمَّا كَانَ يَتَوَقَّعُهُ عَدْنَانُ، صَوْتٍ يَحْمِلُ خَيْبَةَ أَمَلٍ مَمْزُوجَةً بِغَضَبٍ مَكْبُوتٍ.
«هَذَا كُلُّ مَا يُمْكِنُنِي أَنْ أُقَدِّمَهُ الْآنَ، يَا كَمَالُ. الظُّرُوفُ مُعَقَّدَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ، وَالْأَمَانَةُ الَّتِي بَيْنَ يَدَيَّ لَيْسَتْ مِلْكِي وَحْدِي لِأَتَصَرَّفَ بِهَا كَمَا يَحْلُو لِي، حَتَّى لَوْ كُنْتُ أَتَفَهَّمُ تَمَامًا حَجْمَ حَاجَتِكَ الْآنَ.»
«أَمَانَةٌ؟» كَرَّرَ كَمَالٌ الْكَلِمَةَ بِمَرَارَةٍ وَاضِحَةٍ. «تَوْفِيقُ، أَنَا لَا أَطْلُبُ مِنْكَ صَدَقَةً، وَلَا حَتَّى مَعْرُوفًا. أَنَا أَطْلُبُ مَا أَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ عِنْدَكَ، مَا اسْتَوْدَعْتُكَ إِيَّاهُ بِنَفْسِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ، حِينَ كُنْتُ أَنَا الْقَادِرَ وَالْمُعْطِيَ، لَا الطَّالِبَ الْمُحْتَاجَ كَمَا أَصْبَحْتُ الْيَوْمَ.»
«وَأَنَا لَمْ أَنْسَ ذَلِكَ يَوْمًا، يَا كَمَالُ. لَكِنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي تَتَخَيَّلُهَا.» خَفَضَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ صَوْتَهُ أَكْثَرَ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَسْمَعَهُ عَدْنَانُ رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ. «هُنَاكَ ظُرُوفٌ، وَهُنَاكَ أَشْخَاصٌ آخَرُونَ مَعْنِيُّونَ بِهَذَا الْأَمْرِ، أَشْخَاصٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَجَاهَلَ حَقَّهُمْ لِمُجَرَّدِ أَنَّ حَاجَتَكَ أَصْبَحَتْ مُلِحَّةً.»
«أَيَّ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ؟ عَنْ مَاذَا تَتَحَدَّثُ بِالضَّبْطِ؟»
«لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُخْبِرَكَ الْآنَ، يَا كَمَالُ. صَدِّقْنِي، لَوْ كَانَ الْأَمْرُ بِيَدِي وَحْدِي، لَأَعْطَيْتُكَ كُلَّ مَا تَحْتَاجُهُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، دُونَ تَرَدُّدٍ. لَكِنَّنِي مُؤْتَمَنٌ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مَصْلَحَتِكَ أَنْتَ وَحْدَكَ.»
تَوَقَّفَ كَمَالٌ، وَبَدَا عَلَيْهِ أَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَهْضِمَ هَذَا الْكَلَامَ الْغَامِضَ، قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ حِدَّةً: «أَلِهَذَا عَلَاقَةٌ بِذَلِكَ… بِذَلِكَ الرَّجُلِ؟ الَّذِي كَانَ دَائِمًا يَزُورُكَ سِرًّا، مُنْذُ أَيَّامِ شَبَابِنَا؟»
جَفَلَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِشَكْلٍ وَاضِحٍ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ طَوَالَ تِلْكَ الْمُحَادَثَةِ كُلِّهَا، وَنَظَرَ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ عَدْنَانَ، كَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ سَمَاعَ هَذَا الْجُزْءِ بِالذَّاتِ مِنَ الْحَدِيثِ، رَغْمَ أَنَّ عَدْنَانَ، بِالطَّبْعِ، كَانَ يَسْمَعُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِوُضُوحٍ تَامٍّ مِنْ مَكَانِهِ الْقَرِيبِ.
«لَا أَعْرِفُ عَمَّنْ تَتَحَدَّثُ، يَا كَمَالُ.» أَجَابَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِسُرْعَةٍ، بِنَبْرَةٍ حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهَا حَازِمَةً، لَكِنَّهَا حَمَلَتِ ارْتِبَاكًا وَاضِحًا لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ تَمَامًا.
نَظَرَ كَمَالٌ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، شَكَّاكَةً، وَكَأَنَّهُ لَا يُصَدِّقُ هَذَا الْإِنْكَارَ الْمُفَاجِئَ، لَكِنَّهُ لَمْ يَضْغَطْ أَكْثَرَ، رُبَّمَا لِأَنَّهُ لَاحَظَ هُوَ الْآخَرُ وُجُودَ عَدْنَانَ وَرِيمَ عَلَى مَقْرُبَةٍ، أَوْ رُبَّمَا لِأَنَّهُ قَرَّرَ، بِحِكْمَةِ رَجُلٍ تَعِبَ مِنَ الْمُوَاجَهَاتِ، أَنْ يُؤَجِّلَ هَذَا الْجُزْءَ مِنَ النِّقَاشِ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ.
«أَعْطِنِي بَعْضَ الْوَقْتِ، أُسْبُوعًا، رُبَّمَا أُسْبُوعَيْنِ، رَيْثَمَا أُرَتِّبَ بَعْضَ الْأُمُورِ.» أَضَافَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ، مُحَاوِلًا أَنْ يُعِيدَ الْحَدِيثَ إِلَى مَسَارِهِ الْأَوَّلِ.
نَظَرَ كَمَالٌ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، مُحَاوِلًا عَلَى مَا بَدَا أَنْ يَقْرَأَ فِي وَجْهِ صَدِيقِهِ الْقَدِيمِ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي وَعْدِهِ أَمْ أَنَّهُ يُمَاطِلُهُ لِسَبَبٍ آخَرَ، سَبَبٍ لَمْ يُفْصِحْ عَنْهُ بَعْدُ. أَخِيرًا، أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، رَغْمَ أَنَّ عَدَمَ رِضَاهُ كَانَ وَاضِحًا تَمَامًا عَلَى مَلَامِحِهِ.
«أُسْبُوعَانِ، تَوْفِيقُ. لَا أَكْثَرَ. الْوَضْعُ فِي بَيْرُوتَ لَنْ يَنْتَظِرَنَا، وَلَا صَبْرَ لَدَيَّ عَلَى الْمَزِيدِ مِنَ التَّأْجِيلِ.»
«أُسْبُوعَانِ. أَعِدُكَ.»

٧
اسْتَدَارَ كَمَالٌ نَحْوَ ابْنَتِهِ، بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ حِدَّةً مِمَّا اسْتَخْدَمَهَا طَوَالَ الزِّيَارَةِ. «رِيمُ، لِنَذْهَبْ. لَدَيْنَا حَجْزٌ فِي الْفُنْدُقِ يَجِبُ أَنْ نَصِلَ إِلَيْهِ قَبْلَ الْمَسَاءِ.»
نَهَضَتْ رِيمُ مِنْ مَكَانِهَا، لَكِنَّهَا تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، وَنَظَرَتْ إِلَى عَدْنَانَ نَظْرَةً أَخِيرَةً، نَظْرَةً حَمَلَتْ شَيْئًا غَامِضًا لَمْ يَسْتَطِعْ عَدْنَانُ تَفْسِيرَهُ تَمَامًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، مَزِيجًا مِنَ التَّحْذِيرِ وَالْقَلَقِ وَرُبَّمَا شَيْءٍ آخَرَ أَكْثَرَ دِفْئًا لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِوُضُوحٍ.
اقْتَرَبَتْ خُطْوَةً مِنْ عَدْنَانَ، بِحُجَّةِ أَنْ تُصْلِحَ شَرِيطَ حِذَائِهَا، وَحِينَ انْحَنَتْ، هَمَسَتْ بِسُرْعَةٍ، بِصَوْتٍ لَا يَكَادُ يُسْمَعُ، مُوَجَّهًا لَهُ وَحْدَهُ: «احْذَرْ مِنْهُ.» ثُمَّ وَقَفَتْ بِسُرْعَةٍ، وَاسْتَدَارَتْ نَحْوَ وَالِدِهَا، وَكَأَنَّ شَيْئًا لَمْ يَحْدُثْ، تَارِكَةً عَدْنَانَ وَاقِفًا فِي مَكَانِهِ، مَذْهُولًا، غَيْرَ مُتَأَكِّدٍ تَمَامًا مِمَّا سَمِعَهُ، أَوْ مَا إِذَا كَانَتْ تَقْصِدُ وَالِدَهَا، أَمْ شَخْصًا آخَرَ تَمَامًا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ فِي ذَلِكَ اللِّقَاءِ الْمَشْحُونِ بِالتَّوَتُّرِ.
قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ الْبَابِ، وَبَيْنَمَا كَانَ وَالِدُهَا يُوَدِّعُ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ بِمُصَافَحَةٍ بَارِدَةٍ رَسْمِيَّةٍ عَلَى عَتَبَةِ الْمَتْجَرِ، مَدَّتْ رِيمُ يَدَهَا بِسُرْعَةٍ نَحْوَ عَدْنَانَ، كَأَنَّهَا تُوَدِّعُهُ بِلُطْفٍ كَأَيِّ زَائِرَةٍ مُهَذَّبَةٍ، وَحِينَ لَامَسَتْ كَفَّهُ، شَعَرَ بِشَيْءٍ صَغِيرٍ يَنْزَلِقُ مِنْ رَاحَةِ يَدِهَا إِلَى رَاحَتِهِ، وَرَقَةً صَغِيرَةً مَطْوِيَّةً بِعِنَايَةٍ، أَخْفَاهَا فَوْرًا فِي قَبْضَتِهِ دُونَ أَنْ يُلَاحِظَ أَحَدٌ آخَرُ فِي الْمَتْجَرِ مَا حَدَثَ.
«تَشَرَّفْتُ بِمَعْرِفَتِكَ.» قَالَتْهَا بِصَوْتٍ عَادِيٍّ تَمَامًا، وَكَأَنَّ شَيْئًا اسْتِثْنَائِيًّا لَمْ يَحْدُثْ لِلتَّوِّ بَيْنَهُمَا.
«وَأَنَا أَيْضًا.» أَجَابَ عَدْنَانُ بِصَوْتٍ مُرْتَبِكٍ قَلِيلًا، وَهُوَ يُغْلِقُ قَبْضَتَهُ بِإِحْكَامٍ حَوْلَ الْوَرَقَةِ الصَّغِيرَةِ، مُحَاوِلًا أَلَّا يُظْهِرَ أَيَّ رَدِّ فِعْلٍ قَدْ يَلْفِتُ انْتِبَاهَ أَحَدٍ.
خَرَجَ كَمَالٌ الْحَوْرَانِيُّ وَابْنَتُهُ مِنَ الْمَتْجَرِ، وَاخْتَفَيَا بِسُرْعَةٍ بَيْنَ زَحَامِ السُّوقِ، تَارِكَيْنِ وَرَاءَهُمَا، فِي نَظَرِ عَدْنَانَ عَلَى الْأَقَلِّ، أَسْئِلَةً أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَجَابَا عَنْهُ مِنْ إِجَابَاتٍ.

٨
أَغْلَقَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ الْبَابَ خَلْفَهُمَا، وَوَقَفَ صَامِتًا لِلَحَظَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَنْظُرُ إِلَى الزُّقَاقِ الْخَارِجِيِّ عَبْرَ الْفَتْحَةِ الزُّجَاجِيَّةِ الصَّغِيرَةِ فِي الْبَابِ، وَكَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَنَّهُمَا ابْتَعَدَا بِالْفِعْلِ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَدِيرَ نَحْوَ عَدْنَانَ بِوَجْهٍ بَدَا فَجْأَةً أَكْثَرَ إِرْهَاقًا بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ مِمَّا بَدَا عَلَيْهِ فِي الصَّبَاحِ.
«عَدْنَانُ، أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا مُهِمًّا.» جَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ خَلْفَ الطَّاوِلَةِ، بِحَرَكَةٍ بَطِيئَةٍ ثَقِيلَةٍ لَمْ يَعْتَدْ عَدْنَانُ رُؤْيَتَهَا مِنْهُ. «مَا رَأَيْتَهُ الْيَوْمَ، وَمَا سَمِعْتَهُ، وَلَوْ جُزْئِيًّا، يَجِبُ أَنْ يَبْقَى بَيْنَكَ وَبَيْنِي وَحْدَنَا. لَا حَسَنٌ، وَلَا أَيُّ صَدِيقٍ آخَرَ مِنَ السُّوقِ، وَلَا حَتَّى أُمُّكَ فِي الْقَرْيَةِ، حِينَ تَكْتُبُ لَهَا رِسَالَتَكَ الْقَادِمَةَ.»
«لَنْ أُخْبِرَ أَحَدًا يَا حَاجُّ، أَعِدُكَ.»
«أَعْرِفُ ذَلِكَ، وَإِلَّا لَمَا تَرَكْتُكَ تَبْقَى فِي الْمَتْجَرِ أَثْنَاءَ الزِّيَارَةِ.» نَظَرَ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً مُتْعِبَةً. «كَمَالٌ رَجُلٌ طَيِّبٌ فِي أَصْلِهِ، يَا عَدْنَانُ، لَكِنَّ الْحَرْبَ وَالْيَأْسَ يُغَيِّرَانِ أَفْضَلَ الرِّجَالِ أَحْيَانًا، وَيَجْعَلَانِهِمْ يَفْعَلُونَ أُمُورًا لَمْ يَكُونُوا لِيُفَكِّرُوا فِيهَا فِي ظُرُوفٍ أُخْرَى. أَنَا أَفْهَمُ يَأْسَهُ، وَأَتَعَاطَفُ مَعَهُ بِصِدْقٍ، لَكِنَّ مَا يَطْلُبُهُ مِنِّي لَيْسَ مِلْكِي وَحْدِي لِأُعْطِيَهُ إِيَّاهُ، مَهْمَا بَلَغَ الثَّمَنُ الَّذِي سَيَدْفَعُهُ هُوَ، أَوْ أَنَا، بِسَبَبِ هَذَا التَّأْخِيرِ.»
لَمْ يَفْهَمْ عَدْنَانُ بَعْدُ كُلَّ أَبْعَادِ مَا كَانَ يَحْدُثُ، لَكِنَّهُ فَهِمَ، بِوُضُوحٍ مُتَزَايِدٍ، أَنَّ الْأُسْبُوعَيْنِ الْقَادِمَيْنِ سَيَحْمِلَانِ تَوَتُّرًا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمَتْجَرُ مِنْ قَبْلُ، تَوَتُّرًا بَيْنَ رَجُلَيْنِ كَانَا صَدِيقَيْنِ يَوْمًا، وَبَيْنَ مَاضٍ مُشْتَرَكٍ مَلِيءٍ بِأَسْرَارٍ لَمْ يُكْشَفْ مِنْهَا لِعَدْنَانَ إِلَّا الْقَلِيلُ النَّزْرُ، بَيْنَمَا بَقِيَ مُعْظَمُهَا مَطْمُورًا بِعُمْقٍ، يَنْتَظِرُ لَحْظَتَهُ لِيَخْرُجَ إِلَى النُّورِ.

٩
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنْ أَغْلَقَ الْمَتْجَرُ أَبْوَابَهُ، وَوَجَدَ عَدْنَانُ نَفْسَهُ، كَعَادَتِهِ فِي الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ، يَبْقَى قَلِيلًا بَعْدَ الْمَوْعِدِ الْمُعْتَادِ لِمُسَاعَدَةِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ فِي تَرْتِيبِ آخِرِ أُمُورِ الْيَوْمِ، لَاحَظَ أَنَّ الرَّجُلَ الْعَجُوزَ أَكْثَرُ شُرُودًا مِنَ الْمُعْتَادِ، يَفْتَحُ دَفْتَرَ حِسَابَاتِهِ دُونَ أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ شَيْئًا حَقِيقِيًّا، وَكَأَنَّ عَقْلَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ تَمَامًا.
طَلَبَ مِنْهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ تَعَبًا وَاضِحًا، أَنْ يَذْهَبَ لِإِحْضَارِ بَعْضِ الصَّنَادِيقِ الْفَارِغَةِ مِنَ الْمَخْزَنِ الْخَلْفِيِّ، وَحِينَ تَوَجَّهَ عَدْنَانُ إِلَى هُنَاكَ، لَمَحَ، مِنْ زَاوِيَةِ عَيْنِهِ، الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ وَهُوَ يَتَّجِهُ نَحْوَ رُكْنٍ مُظْلِمٍ مِنَ الْمَتْجَرِ، خَلْفَ كَوْمَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ لَفَّاتِ الْقُمَاشِ الثَّقِيلَةِ النَّادِرًا مَا تُحَرَّكُ، وَيَحْنِي ظَهْرَهُ قَلِيلًا، وَكَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ مِنْ شَيْءٍ مُخَبَّأٍ هُنَاكَ، بِحَرَكَةٍ سَرِيعَةٍ حَذِرَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ أَدْرَاجَهُ بِسُرْعَةٍ حِينَ سَمِعَ خُطُوَاتِ عَدْنَانَ تَقْتَرِبُ.
لَمْ يُعَلِّقْ عَدْنَانُ عَلَى مَا رَآهُ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْهُ، لَكِنَّهُ سَجَّلَ فِي ذَاكِرَتِهِ ذَلِكَ الرُّكْنَ الْمُظْلِمَ خَلْفَ لَفَّاتِ الْقُمَاشِ الثَّقِيلَةِ، مُدْرِكًا، بِيَقِينٍ مُتَزَايِدٍ، أَنَّ الصُّنْدُوقَ الْخَشَبِيَّ الصَّغِيرَ الَّذِي شَهِدَ تَسْلِيمَهُ بِعَيْنَيْهِ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، رُبَّمَا لَا يَزَالُ هُنَاكَ، فِي مَكَانٍ مَا قَرِيبٍ جِدًّا مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ، أَقْرَبَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ يَتَخَيَّلُ، مُخْتَبِئًا وَسْطَ الْأَقْمِشَةِ وَالْغُبَارِ، يَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ شَدِيدٍ لَحْظَةً لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ بَعْدُ مَتَى سَتَأْتِي، وَلَا مَنْ سَيَأْتِي لِيُطَالِبَ بِهِ أَخِيرًا.
«يَا حَاجُّ، أَيُمْكِنُنِي أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا؟»
رَفَعَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ. «تَفَضَّلْ.»
«مَنْ كَانَ يَقْصِدُهُ كَمَالٌ حِينَ تَحَدَّثَ عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ يَزُورُكَ سِرًّا؟»
تَوَقَّفَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ لَحْظَةً طَوِيلَةً، وَبَدَا لَحْظَةً وَكَأَنَّهُ يُفَكِّرُ فِي كِذْبَةٍ سَرِيعَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَتَنَهَّدَ بِعُمْقٍ وَيُقَرِّرَ، عَلَى مَا بَدَا، أَنْ يَقُولَ جُزْءًا صَغِيرًا مِنَ الْحَقِيقَةِ عَلَى الْأَقَلِّ. «كَمَالٌ يَعْرِفُ بَعْضَ تَفَاصِيلِ حَيَاتِي الْقَدِيمَةِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِفُهَا مُعْظَمُ النَّاسِ، لِأَنَّنَا كُنَّا قَرِيبَيْنِ جِدًّا فِي سَنَوَاتٍ مُعَيَّنَةٍ. لَكِنْ حَتَّى هُوَ لَا يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَا أَنْوِي أَنْ أُخْبِرَهُ، عَلَى الْأَقَلِّ لَيْسَ الْآنَ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الظُّرُوفِ بِالذَّاتِ.» نَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ نَظْرَةً طَوِيلَةً. «أَعْرِفُ أَنَّ فُضُولَكَ يَكْبُرُ كُلَّ يَوْمٍ، يَا عَدْنَانُ، وَهَذَا أَمْرٌ طَبِيعِيٌّ بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْتَهُ وَسَمِعْتَهُ فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ. لَكِنَّنِي أَطْلُبُ مِنْكَ مَرَّةً أُخْرَى أَنْ تَصْبِرَ قَلِيلًا. الْوَقْتُ سَيَكْشِفُ كُلَّ شَيْءٍ، أَوْ لَا يَكْشِفُ شَيْئًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَكِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ خَارِجٌ عَنْ إِرَادَتِي تَمَامًا.»
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ إِلَى غُرْفَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، مَرَّ عَدْنَانُ بِمَحَلِّ حَسَنٍ، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ مَفْتُوحًا رَغْمَ تَأَخُّرِ الْوَقْتِ نِسْبِيًّا، إِذْ كَانَ صَاحِبُهُ يُحِبُّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الزَّبَائِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ الْقَادِمِينَ مِنْ خَارِجِ السُّوقِ.
«عَدْنَانُ! أَيْنَ كُنْتَ طَوَالَ الْيَوْمِ؟ سَمِعْتُ أَنَّ زُوَّارًا غُرَبَاءَ جَاؤُوا إِلَى مَتْجَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْيَوْمَ.» قَالَ حَسَنٌ بِفُضُولٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ يُرَتِّبُ بَعْضَ عُلَبِ الْأَزْرَارِ عَلَى رُفُوفِهِ.
«أَصْدِقَاءُ قُدَامَى لِلْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، مِنْ بَيْرُوتَ.» أَجَابَ عَدْنَانُ بِحَذَرٍ، مُتَذَكِّرًا تَحْذِيرَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ لَهُ بِأَلَّا يُفْصِحَ عَنْ أَيَّةِ تَفَاصِيلَ.
«سَمِعْتُ أَنَّ الرَّجُلَ تَاجِرٌ كَبِيرٌ كَانَ هُنَاكَ، خَسِرَ كُلَّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا فِي الْحَرْبِ.» هَزَّ حَسَنٌ رَأْسَهُ بِأَسَفٍ. «اللَّهُ يُعِينُ أَهْلَ بَيْرُوتَ، الْأَخْبَارُ الْقَادِمَةُ مِنْ هُنَاكَ مُرَوِّعَةٌ كُلَّ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ. سَمِعْتُ أَبَا سُلَيْمٍ يَقُولُ إِنَّ نِصْفَ تُجَّارِ بَيْرُوتَ الْمَعْرُوفِينَ إِمَّا هَرَبُوا إِلَى دِمَشْقَ أَوْ إِلَى قُبْرُصَ أَوْ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ آمِنٍ يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَيْهِ.»
«أَتَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ عَائِلَةِ الْحَوْرَانِيِّ بِالتَّحْدِيدِ؟ أَسَمِعْتَ بِاسْمِهِمْ مِنْ قَبْلُ؟»
فَكَّرَ حَسَنٌ قَلِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَتَذَكَّرَ. «الِاسْمُ يَبْدُو مَأْلُوفًا بَعْضَ الشَّيْءِ… أَظُنُّ أَنَّ عَمِّي، الَّذِي يُتَاجِرُ أَحْيَانًا مَعَ بَيْرُوتَ، ذَكَرَ هَذَا الِاسْمَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، تَاجِرَ أَقْمِشَةٍ وَمَنْسُوجَاتٍ كَبِيرًا، كَانَ لَهُ نُفُوذٌ وَاسِعٌ فِي السُّوقِ الْبَيْرُوتِيِّ قَبْلَ الْحَرْبِ. لَكِنْ لَا أَعْرِفُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يَا صَدِيقِي.»
شَكَرَ عَدْنَانُ صَدِيقَهُ وَوَاصَلَ طَرِيقَهُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَبْتَعِدْ كَثِيرًا حَتَّى صَادَفَ أَبَا سُلَيْمٍ بَائِعَ الْبَهَارَاتِ، جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّهِ الْخَشَبِيِّ الْمُعْتَادِ أَمَامَ مَحَلِّهِ، يَحْتَسِي كُوبَ شَايٍ أَخِيرٍ قَبْلَ إِغْلَاقِ دُكَّانِهِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ.
«يَا عَدْنَانُ! تَعَالَ، اجْلِسْ دَقِيقَةً.» نَادَاهُ أَبُو سُلَيْمٍ بِصَوْتِهِ الْمَأْلُوفِ الْوَدُودِ. «سَمِعْتُ أَنَّ ضُيُوفًا مِنْ بَيْرُوتَ زَارُوا الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ الْيَوْمَ. أَهَذَا صَحِيحٌ؟»
جَلَسَ عَدْنَانُ بِجَانِبِهِ لِلَحَظَاتٍ، حَذِرًا كَعَادَتِهِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ فُضُولِ أَهْلِ السُّوقِ. «نَعَمْ، أَصْدِقَاءُ قُدَامَى لَهُ.»
هَزَّ أَبُو سُلَيْمٍ رَأْسَهُ بِحِكْمَةِ مَنْ عَاشَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً فِي هَذَا السُّوقِ وَرَأَى فِيهِ كُلَّ أَنْوَاعِ النَّاسِ وَالْقِصَصِ. «اسْمَعْ يَا وَلَدِي، أَنَا لَا أَعْرِفُ تَفَاصِيلَ مَا يَجْرِي، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَهَا، فَهَذَا لَيْسَ شَأْنِي. لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ فِي هَذِهِ التِّجَارَةِ: حِينَ يَأْتِي رَجُلٌ غَنِيٌّ سَابِقًا، فَقَدَ كُلَّ شَيْءٍ فَجْأَةً، إِلَى صَدِيقٍ قَدِيمٍ يَمْلِكُ مَا فَقَدَهُ هُوَ، فَالنَّتِيجَةُ نَادِرًا مَا تَكُونُ هَادِئَةً، مَهْمَا بَلَغَتْ طِيبَةُ الرَّجُلَيْنِ فِي أَصْلِهِمَا. الْيَأْسُ يَا عَدْنَانُ، يُغَيِّرُ مَوَازِينَ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى أَعْمَقَ الصَّدَاقَاتِ.» رَشَفَ مِنْ كُوبِ شَايِهِ، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ بِعَيْنَيْنِ حَكِيمَتَيْنِ مُتْعَبَتَيْنِ. «انْصَحْ مُعَلِّمَكَ أَنْ يَكُونَ حَذِرًا، إِنْ سَمَحَتْ لَكَ الْمَسَافَةُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ أَنْ أَنْصَحَهُ مِنْ خِلَالِكَ.»
وَعَدَ عَدْنَانُ أَنْ يَنْقُلَ النَّصِيحَةَ، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ فِي دَاخِلِهِ أَنَّهُ لَنْ يَفْعَلَ، خَشْيَةَ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا لِسُؤَالِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ عَنْ مَصْدَرِ قَلَقٍ كَهَذَا لَمْ يَكْشِفْ لَهُ تَفَاصِيلَهُ بَعْدُ بِشَكْلٍ كَامِلٍ.
عَادَ عَدْنَانُ إِلَى غُرْفَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَأَوَّلُ مَا فَعَلَهُ بَعْدَ إِغْلَاقِ الْبَابِ خَلْفَهُ هُوَ أَنْ أَخْرَجَ الْوَرَقَةَ الصَّغِيرَةَ الَّتِي أَعْطَتْهُ إِيَّاهَا رِيمُ، وَفَرَدَ طَيَّاتِهَا بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ قَلِيلًا مِنْ فَرْطِ الْفُضُولِ وَالتَّرَقُّبِ.
كَانَتِ الْكِتَابَةُ صَغِيرَةً، أَنِيقَةً، مَكْتُوبَةً بِعَجَلَةٍ وَاضِحَةٍ لَكِنْ بِخَطٍّ وَاثِقٍ: «أَبِي يَائِسٌ أَكْثَرَ مِمَّا يُظْهِرُ، وَقَدْ يَفْعَلُ أُمُورًا لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَهَا فِي السَّابِقِ. لَا تَثِقْ بِكُلِّ مَا يَقُولُهُ لَكَ أَوْ لِلْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِسُهُولَةٍ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَعُودَ لِأَتَحَدَّثَ مَعَكَ وَحْدَكَ إِنِ اسْتَطَعْتُ، فَهُنَاكَ أَشْيَاءُ يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ، لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهَا أَمَامَ أَبِي. رِيمُ.»
قَرَأَ عَدْنَانُ الْوَرَقَةَ مَرَّةً، ثُمَّ مَرَّةً أُخْرَى، مُحَاوِلًا أَنْ يَفْهَمَ أَبْعَادَهَا الْكَامِلَةَ. لِمَاذَا تُحَذِّرُهُ مِنْ وَالِدِهَا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ السِّرِّيَّةِ؟ وَمَا الَّذِي تَعْرِفُهُ وَلَا تَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ أَمَامَهُ؟ وَهَلْ كَانَتْ تَقْصِدُ أَنَّ كَمَالَ الْحَوْرَانِيَّ قَدْ يُشَكِّلُ خَطَرًا حَقِيقِيًّا عَلَى الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، أَمْ أَنَّ الْأَمْرَ أَعْقَدُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ؟
طَوَى عَدْنَانُ الْوَرَقَةَ بِعِنَايَةٍ، وَخَبَّأَهَا فِي جَيْبِهِ الدَّاخِلِيِّ، بِجَانِبِ الْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ الصَّغِيرِ الَّذِي مَا زَالَ مُعَلَّقًا حَوْلَ رَقَبَتِهِ تَحْتَ قَمِيصِهِ. جَلَسَ عَلَى حَافَّةِ سَرِيرِهِ طَوِيلًا، يُعِيدُ قِرَاءَةَ الْجُمْلَةِ الْأَخِيرَةِ فِي الرِّسَالَةِ مِرَارًا: «فَهُنَاكَ أَشْيَاءُ يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ، لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهَا أَمَامَ أَبِي.» مَا الَّذِي تَعْرِفُهُ رِيمُ، بِالضَّبْطِ، وَلَا تَسْتَطِيعُ الْبَوْحَ بِهِ أَمَامَ وَالِدِهَا؟ أَكَانَ الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِخُطَّةٍ يُدَبِّرُهَا كَمَالٌ، شَيْءٍ أَبْعَدَ مِنْ مُجَرَّدِ طَلَبِ الْأَمَانَةِ بِالطُّرُقِ الطَّبِيعِيَّةِ؟ أَمْ أَنَّ الْأَمْرَ يَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ آخَرَ تَمَامًا، شَيْءٍ شَخْصِيٍّ لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالصُّنْدُوقِ وَلَا بِالْمَالِ؟
حَاوَلَ عَدْنَانُ أَنْ يَتَذَكَّرَ كُلَّ تَفْصِيلٍ مِنْ تِلْكَ الظَّهِيرَةِ الْقَصِيرَةِ: نَظْرَةَ كَمَالٍ الْحَادَّةَ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ «الرَّجُلَ الَّذِي كَانَ يَزُورُ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ سِرًّا»، وَارْتِبَاكَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْوَاضِحَ حِينَ أَنْكَرَ مَعْرِفَتَهُ بِأَيِّ أَحَدٍ كَهَذَا، وَحُزْنَ رِيمَ الْغَرِيبَ حِينَ تَحَدَّثَتْ عَنْ أُمِّهَا دُونَ أَنْ تَشْرَحَ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ التَّحْذِيرَ الْهَامِسَ الَّذِي لَمْ يَفْهَمْ بَعْدُ كَامِلَ أَبْعَادِهِ: «احْذَرْ مِنْهُ.» كُلُّ هَذِهِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ بَدَتْ لَهُ الْآنَ وَكَأَنَّهَا قِطَعٌ مِنْ لُغْزٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَهُ فِي الْبِدَايَةِ، لُغْزٍ يَتَشَابَكُ فِيهِ الْمَاضِي بِالْحَاضِرِ، وَالصَّدَاقَةُ بِالْخِيَانَةِ الْمُحْتَمَلَةِ، وَالْحُبُّ الْأَبَوِيُّ بِشَيْءٍ آخَرَ أَكْثَرَ قَتَامَةً لَمْ يَسْتَطِعْ عَدْنَانُ تَسْمِيَتَهُ بَعْدُ.
شَعَرَ، وَهُوَ يَسْتَلْقِي عَلَى فِرَاشِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مُحَاوِلًا النَّوْمَ دُونَ جَدْوَى كَبِيرَةٍ، أَنَّهُ أَصْبَحَ الْآنَ، رَغْمًا عَنْهُ تَمَامًا، حَامِلًا لِسِرَّيْنِ لَا لِسِرٍّ وَاحِدٍ: سِرَّ الصُّنْدُوقِ الْخَشَبِيِّ الْغَامِضِ الَّذِي مَا زَالَ مُخَبَّأً فِي مَكَانٍ مَا لَا يَعْرِفُهُ، وَسِرَّ تِلْكَ الرِّسَالَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي كَتَبَتْهَا فَتَاةٌ غَرِيبَةٌ الْتَقَاهَا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي حَيَاتِهِ، لَكِنَّهَا بَدَتْ، رَغْمَ قِصَرِ اللِّقَاءِ، وَكَأَنَّهَا تَحْمِلُ قَلَقًا صَادِقًا حَقِيقِيًّا، لَا عَلَى مَصْلَحَتِهَا الشَّخْصِيَّةِ، بَلْ عَلَى رَجُلٍ عَجُوزٍ طَيِّبِ الْقَلْبِ لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ خِلَالِ حِكَايَاتِ وَالِدِهَا الْقَدِيمَةِ.
فَكَّرَ عَدْنَانُ أَيْضًا، بِشَيْءٍ مِنَ الدَّهْشَةِ الذَّاتِيَّةِ، فِي الْمَشَاعِرِ الْغَرِيبَةِ الَّتِي أَثَارَتْهَا فِيهِ تِلْكَ الْفَتَاةُ خِلَالَ اللِّقَاءِ الْقَصِيرِ: إِعْجَابٌ بِذَكَائِهَا الْحَادِّ، وَفُضُولٌ عَمِيقٌ تُجَاهَ الْقِصَّةِ الَّتِي تَحْمِلُهَا عَيْنَاهَا الْحَزِينَتَانِ، وَشَيْءٌ آخَرُ، أَخَفُّ وَأَكْثَرُ دِفْئًا، لَمْ يَجْرُؤْ بَعْدُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بِوُضُوحٍ كَامِلٍ فِي نَفْسِهِ، شَيْءٌ أَشْبَهُ بِأَمَلٍ صَغِيرٍ فِي أَنْ تَفِيَ بِوَعْدِهَا وَتَعُودَ لِتَتَحَدَّثَ مَعَهُ مَرَّةً أُخْرَى، رَغْمَ كُلِّ الْخَطَرِ وَالْغُمُوضِ الَّذِي يُحِيطُ بِتِلْكَ الْعَوْدَةِ الْمُحْتَمَلَةِ.
قَبْلَ أَنْ يَغْرَقَ أَخِيرًا فِي النَّوْمِ، اسْتَعَادَ عَدْنَانُ فِي ذِهْنِهِ صُورَةَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ وَاقِفًا عِنْدَ ذَلِكَ الرُّكْنِ الْمُظْلِمِ خَلْفَ لَفَّاتِ الْقُمَاشِ الثَّقِيلَةِ، يَنْحَنِي بِحَذَرٍ لِيَتَفَقَّدَ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُ عَدْنَانُ رُؤْيَتَهُ بِوُضُوحٍ، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ، بِيَقِينٍ لَا يُخْطِئُهُ الْقَلْبُ، أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَمْ يَكُنْ سِوَى الصُّنْدُوقِ الْخَشَبِيِّ نَفْسِهِ، لَا يَزَالُ هُنَاكَ، حَيًّا فِي مَكَانِهِ، يَنْتَظِرُ بِصَبْرٍ لَا يَعْرِفُ حُدُودَهُ، بَيْنَمَا تَتَقَاطَرُ حَوْلَهُ، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، خُيُوطُ قِصَّةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا فَتًى فِي الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، مَهْمَا بَلَغَتْ يَقَظَتُهُ وَذَكَاؤُهُ.
تَسَاءَلَ عَدْنَانُ، وَهُوَ عَلَى أَعْتَابِ النَّوْمِ أَخِيرًا، عَمَّا كَانَ سَيَحْدُثُ لَوْ أَنَّ كَمَالَ الْحَوْرَانِيَّ عَرَفَ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً، عَمَّا إِذَا كَانَ سَيَبْقَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الطَّيِّبَ الَّذِي وَصَفَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِحَنِينٍ صَادِقٍ، أَمْ أَنَّ الْيَأْسَ، كَمَا حَذَّرَ أَبُو سُلَيْمٍ، قَدْ يَدْفَعُهُ إِلَى فِعْلِ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ لِيُفَكِّرَ فِيهِ يَوْمًا فِي ظُرُوفٍ أُخْرَى. وَتَسَاءَلَ أَيْضًا، بِقَلَقٍ أَعْمَقَ، عَمَّا كَانَتْ رِيمُ تَعْرِفُهُ بِالضَّبْطِ عَنْ نَوَايَا وَالِدِهَا الْحَقِيقِيَّةِ، وَمَا الَّذِي دَفَعَهَا لِتُحَذِّرَ غَرِيبًا الْتَقَتْهُ لِلتَّوِّ، بَدَلَ أَنْ تَثِقَ بِصَمْتِهَا كَمَا فَعَلَ كُلُّ مَنْ حَوْلَهَا.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ، وَهُوَ يَغْرَقُ أَخِيرًا فِي نَوْمٍ مُضْطَرِبٍ مَلِيءٍ بِوُجُوهٍ مُتَدَاخِلَةٍ بَيْنَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ وَكَمَالٍ الْحَوْرَانِيِّ وَرِيمَ وَذَلِكَ الصُّنْدُوقِ الْخَشَبِيِّ اللَّعِينِ، أَنَّ الْأُسْبُوعَيْنِ الْقَادِمَيْنِ سَيَحْمِلَانِ لَهُ مُفَاجَآتٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَ، وَأَنَّ تِلْكَ الْفَتَاةَ الَّتِي هَمَسَتْ لَهُ بِكَلِمَتَيْنِ فَقَطْ عِنْدَ بَابِ الْمَتْجَرِ، سَتُصْبِحُ، دُونَ أَنْ يَدْرِيَ بَعْدُ، خَيْطًا لَنْ يَنْقَطِعَ أَبَدًا مِنْ نَسِيجِ حَيَاتِهِ، خَيْطًا سَيَمْتَدُّ عَبْرَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ وَقَارَّاتٍ بَعِيدَةٍ، لِيَعُودَ وَيَتَشَابَكَ مِنْ جَدِيدٍ فِي يَوْمٍ لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ الْفَتَى قَادِرًا حَتَّى عَلَى تَخَيُّلِ مَلَامِحِهِ، بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً مِنْ تِلْكَ الظَّهِيرَةِ الْخَرِيفِيَّةِ الَّتِي الْتَقَى فِيهَا لِلْمَرَّةِ الْأُولَى بِالْغُرَبَاءِ الْقَادِمِينَ مِنْ بَيْرُوتَ الْمُحْتَرِقَةِ.


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 05


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 03