وَصِيَّةُ الحَرِيقَةِ
الفَصْلُ الثَّامِنُ
١
قَرَّرَ عَدْنَانُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَى دِمَشْقَ بَرًّا، رَغْمَ كُلِّ النَّصَائِحِ الَّتِي قُدِّمَتْ لَهُ بِالطَّيَرَانِ عَبْرَ مَطَارِ دِمَشْقَ الدُّوَلِيِّ مُبَاشَرَةً مِنْ فَرَانْكْفُورْتَ، أَوْ حَتَّى بِاسْتِئْجَارِ سَيَّارَةٍ خَاصَّةٍ مَعَ سَائِقٍ مَوْثُوقٍ مِنْ بَيْرُوتَ. لَكِنَّهُ شَعَرَ أَنَّ هَذِهِ الرِّحْلَةَ، بِالذَّاتِ، يَجِبُ أَنْ يَخُوضَهَا كَمَا خَاضَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا: بِطَرِيقَةٍ بَطِيئَةٍ، تَسْمَحُ لَهُ أَنْ يَرَى الأَرْضَ تَتَغَيَّرُ تَحْتَ عَجَلَاتِ السَّيَّارَةِ، أَنْ يَسْتَشْعِرَ المَسَافَةَ الحَقِيقِيَّةَ بَيْنَ حَيَاتِهِ الرَّاهِنَةِ وَذَلِكَ المَاضِي البَعِيدِ الَّذِي بَدَأَ يَسْتَيْقِظُ فِيهِ مِنْ جَدِيدٍ.
اسْتَأْجَرَ سَيَّارَةً مَعَ سَائِقٍ يُدْعَى أَبَا خَالِدٍ، رَجُلٌ خَمْسِينِيٌّ هَادِئٌ، عَبْرَ خِدْمَةٍ مَوْثُوقَةٍ أَوْصَى بِهَا لَهُ مُدِيرُ أَمْنِ الفُنْدُقِ نَفْسُهُ، بَعْدَ أَنْ شَرَحَ لَهُ عَدْنَانُ، بِإِيجَازٍ حَذِرٍ، أَنَّهُ يَحْتَاجُ سَائِقًا يَعْرِفُ الطُّرُقَ البَدِيلَةَ، وَلَا يَمِيلُ إِلَى الكَلَامِ الزَّائِدِ.
فِي الطَّرِيقِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ السَّيَّارَةُ تَصْعَدُ الطُّرُقَ الجَبَلِيَّةَ الفَاصِلَةَ بَيْنَ لُبْنَانَ وَسُورِيَا، نَظَرَ عَدْنَانُ مِنَ النَّافِذَةِ إِلَى المُدَرَّجَاتِ الخَضْرَاءِ المَأْلُوفَةِ، وَشَعَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ الغَرِيبَةِ وَسْطَ كُلِّ التَّوَتُّرِ الَّذِي يَحْمِلُهُ؛ فَبَعْضُ الأَشْيَاءِ، عَلَى الأَقَلِّ، لَمْ تَتَغَيَّرْ: الجِبَالُ نَفْسُهَا، الاِنْحِنَاءَاتُ نَفْسُهَا فِي الطَّرِيقِ، حَتَّى بَعْضُ بُيُوتِ القُرَى الحَجَرِيَّةِ القَدِيمَةِ الَّتِي تُصَادِفُهَا السَّيَّارَةُ بَيْنَ الحِينِ وَالآخَرِ.
لَكِنْ حِينَ اقْتَرَبَ مِنَ الحُدُودِ السُّورِيَّةِ، بَدَأَتْ مَلَامِحُ مُخْتَلِفَةٌ تَمَامًا تَتَسَلَّلُ إِلَى المَشْهَدِ: نِقَاطُ تَفْتِيشٍ مُتَعَدِّدَةٌ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي ذَاكِرَتِهِ القَدِيمَةِ، جُدْرَانٌ خَرَسَانِيَّةٌ مُرْتَفِعَةٌ فِي بَعْضِ المَنَاطِقِ، وَلَافِتَاتُ طُرُقٍ مَثْقُوبَةٌ بِآثَارِ رَصَاصٍ مُتَآكِلَةِ الحَوَافِّ. مَرَّتِ السَّيَّارَةُ عَبْرَ عِدَّةِ حَوَاجِزَ أَمْنِيَّةٍ، فَحَصَ أَبُو خَالِدٍ الأَوْرَاقَ بِهُدُوءِ رَجُلٍ اعْتَادَ هَذَا الرُّوتِينَ، بَيْنَمَا جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا فِي المَقْعَدِ الخَلْفِيِّ، جَوَازُ سَفَرِهِ الأَلْمَانِيُّ بَيْنَ يَدَيْهِ، مُحَاوِلًا أَلَّا يُظْهِرَ أَيَّ تَوَتُّرٍ ظَاهِرٍ، رَغْمَ أَنَّ قَلْبَهُ كَانَ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقْتَرِبُ فِيهَا جُنْدِيٌّ مِنْ نَافِذَتِهِ.
سَأَلَهُ أَبُو خَالِدٍ، بَيْنَمَا كَانَا يَنْتَظِرَانِ عِنْدَ أَحَدِ الحَوَاجِزِ، بِفُضُولٍ وَدُودٍ لَا يَخْلُو مِنْ حَذَرٍ: “أَوَّلُ مَرَّةٍ تَعُودُ فِيهَا إِلَى سُورِيَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، سَيِّدِي؟”
“مُنْذُ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا تَقْرِيبًا.” أَجَابَ عَدْنَانُ بِصِدْقٍ، مُنْدَهِشًا هُوَ نَفْسُهُ مِنْ ثِقَلِ هَذَا الرَّقْمِ حِينَ نَطَقَهُ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ.
هَزَّ أَبُو خَالِدٍ رَأْسَهُ بِتَعَاطُفٍ صَامِتٍ. “سَتَجِدُ الكَثِيرَ قَدْ تَغَيَّرَ، سَيِّدِي، لِلأَسَفِ. لَكِنَّ رُوحَ البَلَدِ، إِنْ شَاءَ اللهُ، مَا زَالَتْ هِيَ نَفْسَهَا تَحْتَ كُلِّ هَذَا الرُّكَامِ. النَّاسُ هُنَا أَقْوَى مِمَّا يَتَخَيَّلُ أَيُّ أَحَدٍ مِنَ الخَارِجِ.” لَمْ يُعَلِّقْ عَدْنَانُ بِشَيْءٍ، لَكِنَّهُ شَعَرَ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ لِهَذِهِ الكَلِمَاتِ البَسِيطَةِ، الَّتِي حَمَلَتْ دِفْئًا إِنْسَانِيًّا افْتَقَدَهُ كَثِيرًا خِلَالَ الأَيَّامِ المُتَوَتِّرَةِ الأَخِيرَةِ.
٢
حِينَ دَخَلَتِ السَّيَّارَةُ أَخِيرًا إِلَى أَطْرَافِ دِمَشْقَ، شَعَرَ عَدْنَانُ بِغُصَّةٍ عَمِيقَةٍ تَعْتَصِرُ صَدْرَهُ. كَانَتِ المَدِينَةُ الَّتِي يَعْرِفُهَا، أَوِ الَّتِي يَظُنُّ أَنَّهُ يَعْرِفُهَا مِنْ ذَاكِرَةِ شَابٍّ فِي الحَادِيَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، قَدْ تَغَيَّرَتْ بِشَكْلٍ يَصْعُبُ اسْتِيعَابُهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً: أَحْيَاءٌ كَامِلَةٌ تَحْمِلُ آثَارَ دَمَارٍ لَمْ يُرَمَّمْ بَعْدُ، مَبَانٍ مَثْقُوبَةٌ بِفَوَهَاتٍ كَبِيرَةٍ تَرَكَتْهَا قَذَائِفُ مُخْتَلِفَةٌ عَبْرَ سِنِينَ الحَرْبِ الطَّوِيلَةِ، وَفِي المُقَابِلِ، أَحْيَاءٌ أُخْرَى بَدَتْ وَكَأَنَّ الزَّمَنَ لَمْ يَمَسَّهَا إِطْلَاقًا: أَسْوَاقٌ مُزْدَحِمَةٌ، مَقَاهٍ مَفْتُوحَةٌ، أَطْفَالٌ يَلْعَبُونَ فِي الأَزِقَّةِ كَمَا كَانَ يَلْعَبُ هُوَ نَفْسُهُ يَوْمًا بَعِيدًا. رَأَى مَآذِنَ قَدِيمَةً مَا زَالَتْ شَامِخَةً رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَقِبَابَ جَوَامِعَ تَلْمَعُ تَحْتَ شَمْسِ الأَصِيلِ بِالذَّهَبِ نَفْسِهِ الَّذِي يَتَذَكَّرُهُ مِنْ طُفُولَتِهِ، وَشَعَرَ أَنَّ هَذَا التَّنَاقُضَ الصَّارِخَ بَيْنَ الدَّمَارِ وَالصُّمُودِ هُوَ، رُبَّمَا، الوَصْفُ الأَدَقُّ لِرُوحِ هَذِهِ المَدِينَةِ الَّتِي لَمْ تَسْتَسْلِمْ يَوْمًا بِالكَامِلِ، مَهْمَا بَلَغَتْ قَسْوَةُ مَا مَرَّ بِهَا.
طَلَبَ عَدْنَانُ مِنْ أَبِي خَالِدٍ أَنْ يَمُرَّ، قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، بِجَانِبِ سُوقِ الحَرِيقَةِ، رَغْمَ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّ مَوْعِدَهُ مَعَ المُحَامِي زِيَادَ سَلُّومَ بَعْدَ سَاعَةٍ فَقَطْ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَقْتٌ كَافٍ لِلتَّوَقُّفِ الطَّوِيلِ. وَافَقَ أَبُو خَالِدٍ دُونَ أَسْئِلَةٍ، وَقَادَ السَّيَّارَةَ عَبْرَ شَوَارِعَ ضَيِّقَةٍ مُتَعَرِّجَةٍ حَتَّى وَصَلَا إِلَى مَدْخَلِ السُّوقِ القَدِيمِ.
نَزَلَ عَدْنَانُ مِنَ السَّيَّارَةِ، وَسَارَ خُطُوَاتٍ قَلِيلَةً دَاخِلَ السُّوقِ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِقُوَّةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ. كَانَ المَكَانُ قَدْ تَغَيَّرَ كَثِيرًا: بَعْضُ المَحَلَّاتِ أُغْلِقَتْ نِهَائِيًّا، وَاجِهَاتُهَا مُغَطَّاةٌ بِالغُبَارِ وَالإِهْمَالِ، بَيْنَمَا فَتَحَتْ مَحَلَّاتٌ أُخْرَى جَدِيدَةٌ، تَبِيعُ بَضَائِعَ مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَمَّا كَانَ يُبَاعُ فِي زَمَنِهِ. سَارَ حَتَّى وَصَلَ إِلَى المَوْقِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ مَتْجَرُ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ يَوْمًا، فَوَجَدَ مَكَانَهُ الآنَ مَحَلًّا لِبَيْعِ الهَوَاتِفِ المَحْمُولَةِ وَإِكْسِسْوَارَاتِهَا، أَضْوَاءَ نِيُونٍ زَرْقَاءَ تَوْمِضُ فَوْقَ وَاجِهَتِهِ الزُّجَاجِيَّةِ الحَدِيثَةِ، وَكَأَنَّ التَّارِيخَ نَفْسَهُ قَدْ مُحِيَ مِنْ هَذَا المَكَانِ بِالذَّاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ سِوَى ذِكْرَى حَيَّةٍ فِي قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ يَقِفُ الآنَ أَمَامَهُ، غَرِيبًا فِي مَدِينَتِهِ القَدِيمَةِ.
وَقَفَ عَدْنَانُ طَوِيلًا أَمَامَ ذَلِكَ المَحَلِّ الجَدِيدِ، غَيْرَ مُبَالٍ بِنَظَرَاتِ المَارَّةِ الفُضُولِيَّةِ نَحْوَ رَجُلٍ أَنِيقِ المَلْبَسِ بِمَلَابِسَ أُورُوبِّيَّةٍ وَاضِحَةٍ، يَقِفُ سَاكِنًا أَمَامَ مَحَلِّ هَوَاتِفَ عَادِيٍّ وَكَأَنَّهُ يَرَى فِيهِ شَيْئًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ آخَرُ. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ لَحْظَةً، وَحَاوَلَ أَنْ يَسْتَحْضِرَ المَكَانَ كَمَا كَانَ: رَائِحَةَ الأَقْمِشَةِ الجَدِيدَةِ، صَوْتَ مِقَصِّ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ وَهُوَ يَقُصُّ القُمَاشَ بِدِقَّةٍ، ضَوْءَ الشَّمْسِ المُتَسَلِّلَ مِنَ البَابِ الأَمَامِيِّ فِي الصَّبَاحِ. حِينَ فَتَحَ عَيْنَيْهِ مِنْ جَدِيدٍ، لَمْ يَجِدْ سِوَى إِضَاءَةِ نِيُونٍ بَارِدَةٍ وَوَاجِهَةِ عَرْضٍ لِهَوَاتِفَ ذَكِيَّةٍ لَامِعَةٍ، وَشَعَرَ بِفَجْوَةٍ زَمَنِيَّةٍ هَائِلَةٍ تَفْصِلُهُ عَنْ ذَلِكَ الفَتَى الَّذِي وَقَفَ هُنَا يَوْمًا، خَائِفًا، يَمْسَحُ كَفَّيْهِ المُتَعَرِّقَتَيْنِ بِطَرَفِ قَمِيصِهِ.
اقْتَرَبَ مِنْهُ شَابٌّ يَعْمَلُ فِي المَحَلِّ، لَاحَظَ وَقْفَتَهُ الطَّوِيلَةَ الغَرِيبَةَ. “تَفَضَّلْ، سَيِّدِي، هَلْ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ؟”
ابْتَسَمَ عَدْنَانُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً. “لَا، شُكْرًا. كُنْتُ فَقَطْ… أَتَذَكَّرُ مَكَانًا قَدِيمًا كَانَ هُنَا مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا.”
نَظَرَ إِلَيْهِ الشَّابُّ بِفُضُولٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ أَكْثَرَ، رُبَّمَا لِأَنَّهُ رَأَى فِي عَيْنَيْ عَدْنَانَ شَيْئًا جَعَلَهُ يَحْتَرِمُ صَمْتَهُ. شَعَرَ عَدْنَانُ بِدَمْعَةٍ وَحِيدَةٍ تَتَسَلَّلُ مِنْ طَرَفِ عَيْنِهِ، مَسَحَهَا بِسُرْعَةٍ قَبْلَ أَنْ يُلَاحِظَهَا أَحَدٌ، ثُمَّ اسْتَدَارَ أَخِيرًا وَعَادَ إِلَى السَّيَّارَةِ، قَلْبُهُ أَثْقَلُ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ حِينَ وَصَلَ.
٣
كَانَ مَكْتَبُ المُحَامِي زِيَادَ سَلُّومَ يَقَعُ فِي مَبْنًى حَدِيثٍ نِسْبِيًّا بِحَيِّ المَزَّةِ، بَعِيدًا عَنْ صَخَبِ المَدِينَةِ القَدِيمَةِ وَضَجِيجِهَا. اسْتَقْبَلَهُ المُحَامِي شَخْصِيًّا عِنْدَ البَابِ، رَجُلٌ فِي الخَمْسِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، أَنِيقُ المَلْبَسِ بِبَذْلَةٍ رَسْمِيَّةٍ دَاكِنَةٍ، نَظَّارَاتٌ طِبِّيَّةٌ رَفِيعَةٌ، وَابْتِسَامَةٌ مِهَنِيَّةٌ حَذِرَةٌ تُوحِي بِخِبْرَةٍ طَوِيلَةٍ فِي التَّعَامُلِ مَعَ قَضَايَا حَسَّاسَةٍ.
“سَيِّدُ الرَّافِعِيِّ! تَشَرَّفْتُ أَخِيرًا بِلِقَائِكَ شَخْصِيًّا، بَعْدَ كُلِّ تِلْكَ المُكَالَمَاتِ.” صَافَحَهُ بِحَرَارَةٍ مُعْتَدِلَةٍ، وَقَادَهُ إِلَى مَكْتَبِهِ الدَّاخِلِيِّ، غُرْفَةٍ أَنِيقَةٍ بَسِيطَةٍ، رُفُوفُ كُتُبٍ قَانُونِيَّةٍ مَصْفُوفَةٍ بِعِنَايَةٍ، وَلَوْحَاتٌ فَنِّيَّةٌ تَقْلِيدِيَّةٌ عَلَى الجُدْرَانِ.
“شُكْرًا لِاسْتِقْبَالِكَ السَّرِيعِ، سَيِّدَ سَلُّومَ. أَعْتَذِرُ إِنْ بَدَوْتُ مُتَوَتِّرًا بَعْضَ الشَّيْءِ، الأَيَّامُ الأَخِيرَةُ كَانَتْ… مَلِيئَةً بِالأَحْدَاثِ غَيْرِ المُتَوَقَّعَةِ.”
جَلَسَ المُحَامِي خَلْفَ مَكْتَبِهِ، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ نَظْرَةً فَاحِصَةً قَصِيرَةً، قَبْلَ أَنْ يَقُولَ: “سَمِعْتُ، بِالفِعْلِ، عَنْ حَادِثَةِ الفُنْدُقِ فِي بَيْرُوتَ. صَدِيقٌ لِي يَعْمَلُ هُنَاكَ أَخْبَرَنِي بِهَا. هَذَا مُقْلِقٌ حَقًّا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، وَيُؤَكِّدُ كُلَّ مَا حَاوَلْتُ تَحْذِيرَكَ مِنْهُ بِخُصُوصِ حَسَّاسِيَّةِ هَذَا المِلَفِّ.”
أَخْرَجَ المُحَامِي مِنْ دُرْجِ مَكْتَبِهِ مِلَفًّا سَمِيكًا، وَوَضَعَهُ أَمَامَ عَدْنَانَ بِعِنَايَةٍ. “هَذِهِ نُسْخَةٌ كَامِلَةٌ مِنَ الوَثِيقَةِ الأَصْلِيَّةِ، مُوَثَّقَةٌ وَمُصَدَّقَةٌ حَسَبَ الأُصُولِ. أَرْغَبُ أَنْ تُرَاجِعَهَا بِنَفْسِكَ، بِعَيْنَيْكَ، قَبْلَ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ أَيِّ خُطْوَةٍ تَالِيَةٍ.”
٤
فَتَحَ عَدْنَانُ المِلَفَّ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ قَلِيلًا، وَقَرَأَ الوَثِيقَةَ المَطْبُوعَةَ بِعِنَايَةٍ، نُسْخَةً رَسْمِيَّةً مِنْ وَرَقَةٍ كَتَبَهَا الحَاجُّ تَوْفِيقٌ النَّابُلْسِيُّ بِخَطِّ يَدِهِ قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، مُؤَرَّخَةً بِدِقَّةٍ، مُوَقَّعَةً أَمَامَ كَاتِبِ عَدْلٍ اسْمُهُ مَحْفُوظٌ فِي الوَثِيقَةِ نَفْسِهَا. كَانَتِ اللُّغَةُ القَانُونِيَّةُ جَافَّةً نِسْبِيًّا، لَكِنَّ بَعْضَ الجُمَلِ، وَسْطَ كُلِّ تِلْكَ المُصْطَلَحَاتِ الرَّسْمِيَّةِ، حَمَلَتْ وَقْعًا شَخْصِيًّا عَمِيقًا عَلَى قَلْبِ عَدْنَانَ:
*”…وَإِذْ أَضَعُ هَذِهِ الوَصِيَّةَ وَأَنَا فِي كَامِلِ قُوَايَ العَقْلِيَّةِ، أُوصِي بِأَنْ تُحْفَظَ الأَمَانَةُ الْمَوْصُوفَةُ أَدْنَاهُ لَدَى الشَّخْصِ الْمُسَمَّى عَدْنَانَ مَحْمُودٍ الرَّافِعِيِّ، مَوَالِيدِ قَرْيَةِ الحُصَيْنِيَّةِ عَامَ 1955، وَالَّذِي عَمِلَ مَعِي فِي مَتْجَرِي بِسُوقِ الحَرِيقَةِ مُنْذُ صَيْفِ عَامِ 1976، وَأَثْبَتَ لِي فِي أَكْثَرَ مِنْ مُنَاسَبَةٍ أَمَانَةً نَادِرَةً تَسْتَحِقُّ أَنْ تُكَافَأَ بِثِقَةٍ كَامِلَةٍ، وَذَلِكَ بِانْتِظَارِ الشُّرُوطِ الزَّمَنِيَّةِ وَالظَّرْفِيَّةِ الْمَوْصُوفَةِ فِي مُلْحَقٍ مُنْفَصِلٍ، مَحْفُوظٍ فِي صُنْدُوقِ الأَمَانَاتِ رَقْمِ 47 فِي بَنْكِ الشَّرْقِ العَرَبِيِّ، فَرْعِ الحَرِيقَةِ، وَالَّذِي يَحْمِلُ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ الْمَذْكُورُ تَوْكِيلًا رَسْمِيًّا لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ…”*
تَوَقَّفَ عَدْنَانُ عَنِ القِرَاءَةِ لِلَحْظَةٍ، شَعَرَ بِغُصَّةٍ تَخْنُقُ حَلْقَهُ؛ فَحَتَّى بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ العُقُودِ، وَبَعْدَ اخْتِفَائِهِ الغَامِضِ، كَانَ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ قَدْ فَكَّرَ فِيهِ، وَثَبَّتَ اسْمَهُ بِخَطٍّ وَاضِحٍ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ، أَوْ يَأْمَلُ، أَنْ يَعُودَ عَدْنَانُ يَوْمًا لِيُطَالِبَ بِحَقِّهِ فِي هَذِهِ الأَمَانَةِ.
“صُنْدُوقُ الأَمَانَاتِ رَقْمُ 47…” هَمَسَ عَدْنَانُ لِنَفْسِهِ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ قَلِيلًا، مُتَذَكِّرًا ذَلِكَ المِفْتَاحَ الفِضِّيَّ الصَّغِيرَ الَّذِي حَمَلَهُ حَوْلَ رَقَبَتِهِ طَوَالَ أَشْهُرِ عَامِ 1976 الأَخِيرَةِ، قَبْلَ أَنْ يَفْقِدَهُ، مَعَ كُلِّ مَا تَبَقَّى مِنْ مُمْتَلَكَاتِهِ البَسِيطَةِ، فِي فَوْضَى مُغَادَرَتِهِ الطَّارِئَةِ لِدِمَشْقَ قَبْلَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
“هَلْ مَا زَالَ هَذَا البَنْكُ مَوْجُودًا، سَيِّدَ سَلُّومَ؟ بَنْكُ الشَّرْقِ العَرَبِيِّ؟”
هَزَّ المُحَامِي رَأْسَهُ بِأَسَفٍ. “لِلأَسَفِ لَا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. أُغْلِقَ هَذَا البَنْكُ بِالذَّاتِ، مَعَ عِدَّةِ بُنُوكٍ أَهْلِيَّةٍ أُخْرَى، فِي مَطْلَعِ الثَّمَانِينِيَّاتِ، ضِمْنَ سِلْسِلَةِ إِصْلَاحَاتٍ مَصْرِفِيَّةٍ شَمَلَتْ تَأْمِيمَ بَعْضِ المُؤَسَّسَاتِ المَالِيَّةِ الخَاصَّةِ فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ. لَسْتُ مُتَأَكِّدًا بَعْدُ مَاذَا حَدَثَ بِالضَّبْطِ لِمُحْتَوَيَاتِ صَنَادِيقِ الأَمَانَاتِ فِي ذَلِكَ البَنْكِ تَحْدِيدًا، وَهَذَا أَحَدُ الأُمُورِ الَّتِي أَحْتَاجُ لِوَقْتٍ إِضَافِيٍّ لِلتَّحَقُّقِ مِنْهَا عَبْرَ قَنَوَاتٍ رَسْمِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ بَعْضَ الشَّيْءِ.”
٥
شَعَرَ عَدْنَانُ بِخَيْبَةِ أَمَلٍ ثَقِيلَةٍ تُضَافُ إِلَى كُلِّ التَّوَتُّرِ المُتَرَاكِمِ. “إِذَنْ، حَتَّى لَوْ وَجَدْتُ هَذَا المِفْتَاحَ، فَلَا فَائِدَةَ مِنْهُ الآنَ؟”
“لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. القَانُونُ السُّورِيُّ، فِي حَالَاتٍ كَهَذِهِ، عَادَةً مَا يَنُصُّ عَلَى نَقْلِ مُحْتَوَيَاتِ الصَّنَادِيقِ غَيْرِ المُطَالَبِ بِهَا إِلَى عُهْدَةِ المَصْرِفِ المَرْكَزِيِّ، مَعَ سِجِلَّاتٍ مَحْفُوظَةٍ يُمْكِنُ، نَظَرِيًّا عَلَى الأَقَلِّ، الوُصُولُ إِلَيْهَا عَبْرَ إِجْرَاءَاتٍ قَانُونِيَّةٍ مُطَوَّلَةٍ، خَاصَّةً إِنْ كَانَ هُنَاكَ وَثِيقَةٌ رَسْمِيَّةٌ تُثْبِتُ المِلْكِيَّةَ وَالأَحَقِّيَّةَ كَهَذِهِ الوَصِيَّةِ بِالذَّاتِ.” تَوَقَّفَ المُحَامِي، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ بِجِدِّيَّةٍ أَكْبَرَ. “لَكِنَّ هَذَا سَيَسْتَغْرِقُ وَقْتًا، وَصَبْرًا، وَرُبَّمَا بَعْضَ العَلَاقَاتِ الَّتِي لَا أَمْلِكُهَا أَنَا وَحْدِي.”
طَرَقَ أَحَدُهُمْ بَابَ المَكْتَبِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، طَرْقًا وَاثِقًا، قَبْلَ أَنْ يَفْتَحَ البَابَ دُونَ انْتِظَارِ إِذْنٍ رَسْمِيٍّ كَامِلٍ، رَجُلٌ فِي الأَرْبَعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، أَنِيقُ المَلْبَسِ بِبَذْلَةٍ زَرْقَاءَ دَاكِنَةٍ عَصْرِيَّةِ القَصِّ، شَعْرُهُ مُصَفَّفٌ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، وَابْتِسَامَةٌ وَاسِعَةٌ مُعَدَّةٌ سَلَفًا عَلَى وَجْهِهِ.
“زِيَادُ! أَعْتَذِرُ عَنِ الدُّخُولِ دُونَ مَوْعِدٍ، لَكِنَّنِي سَمِعْتُ أَنَّ ضَيْفَنَا الكَرِيمَ قَدْ وَصَلَ أَخِيرًا.” نَظَرَ الرَّجُلُ مُبَاشَرَةً إِلَى عَدْنَانَ، وَمَدَّ يَدَهُ بِحَمَاسٍ ظَاهِرٍ. “سَيِّدُ عَدْنَانَ الرَّافِعِيِّ! يَا لَهَا مِنْ لَحْظَةٍ تَارِيخِيَّةٍ حَقًّا. أَنَا إِلْيَاسُ النَّابُلْسِيُّ، حَفِيدُ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلْسِيِّ، رَحِمَهُ اللهُ، مِنْ نَاحِيَةِ أَخِيهِ الأَصْغَرِ.”
٦
صَافَحَهُ عَدْنَانُ بِحَذَرٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُخْفِيَ المُفَاجَأَةَ الَّتِي شَعَرَ بِهَا مِنْ هَذَا الدُّخُولِ غَيْرِ المُتَوَقَّعِ. “تَشَرَّفْتُ بِمَعْرِفَتِكَ، سَيِّدَ إِلْيَاسَ. لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّ لِلحَاجِّ تَوْفِيقٍ أَقَارِبَ أَحْيَاءً حَتَّى اليَوْمِ.”
جَلَسَ إِلْيَاسُ دُونَ أَنْ يُدْعَى، عَلَى الكُرْسِيِّ المُقَابِلِ مُبَاشَرَةً لِعَدْنَانَ، بِثِقَةِ رَجُلٍ مُعْتَادٍ أَنْ يَشْغَلَ المَسَاحَةَ أَيْنَمَا ذَهَبَ. “أَقَارِبُ بَعِيدُونَ جِدًّا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، صَرَاحَةً. عَائِلَتِي فَقَدَتِ التَّوَاصُلَ مَعَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، بِسَبَبِ خِلَافَاتٍ عَائِلِيَّةٍ قَدِيمَةٍ لَا دَاعِيَ لِتَفْصِيلِهَا الآنَ. لَكِنَّنِي، حِينَ سَمِعْتُ بِأَمْرِ هَذِهِ الوَصِيَّةِ الغَرِيبَةِ، شَعَرْتُ بِوَاجِبٍ أَخْلَاقِيٍّ وَعَائِلِيٍّ أَنْ أُتَابِعَ الأَمْرَ، وَلَوْ مِنْ بَابِ الفُضُولِ العَائِلِيِّ البَسِيطِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرَ.”
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى زِيَادَ سَلُّومَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَقْرَأَ رَدَّ فِعْلِهِ عَلَى هَذَا الدُّخُولِ المُفَاجِئِ، فَوَجَدَ عَلَى وَجْهِ المُحَامِي تَوَتُّرًا خَفِيفًا بِالكَادِ مَكْتُومًا، تَوَتُّرًا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ دُخُولِ إِلْيَاسَ بِلَحَظَاتٍ قَلِيلَةٍ.
“سَيِّدَ إِلْيَاسَ، كَيْفَ عَرَفْتَ بِمَوْعِدِ وُصُولِ السَّيِّدِ الرَّافِعِيِّ بِالضَّبْطِ؟” سَأَلَ زِيَادٌ بِنَبْرَةٍ حَاوَلَ أَنْ يُبْقِيَهَا مِهَنِيَّةً مُحَايِدَةً، لَكِنَّ حِدَّةً خَفِيفَةً تَسَلَّلَتْ إِلَيْهَا رَغْمًا عَنْهُ.
ابْتَسَمَ إِلْيَاسُ ابْتِسَامَةً وَاسِعَةً أُخْرَى، غَيْرَ مُكْتَرِثٍ ظَاهِرِيًّا بِحِدَّةِ السُّؤَالِ. “دِمَشْقُ مَدِينَةٌ صَغِيرَةٌ، يَا صَدِيقِي، خَاصَّةً فِي أَوْسَاطِنَا القَانُونِيَّةِ. سَمِعْتُ مِنْ مَعَارِفَ مُشْتَرَكِينَ. لَا دَاعِيَ لِلقَلَقِ، أَنَا هُنَا فَقَطْ لِلمُسَاعَدَةِ، لَا لِأَيِّ غَرَضٍ آخَرَ.”
٧
اسْتَدَارَ إِلْيَاسُ نَحْوَ عَدْنَانَ مُبَاشَرَةً، بِابْتِسَامَتِهِ الوَاسِعَةِ ثَابِتَةً عَلَى وَجْهِهِ. “سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ قَدْ يَبْدُو مُرْبِكًا بِالنِّسْبَةِ لَكَ، رَجُلٌ غَرِيبٌ يَدَّعِي قَرَابَةً بِمُعَلِّمِكَ القَدِيمِ، يَظْهَرُ فَجْأَةً فِي مَكْتَبِ مُحَامٍ لَمْ تَلْتَقِ بِهِ شَخْصِيًّا إِلَّا اليَوْمَ. لَكِنَّنِي أُؤَكِّدُ لَكَ أَنَّ نِيَّتِي صَادِقَةٌ تَمَامًا: أُرِيدُ فَقَطْ أَنْ أُسَاعِدَ فِي إِغْلَاقِ هَذَا المِلَفِّ بِطَرِيقَةٍ عَادِلَةٍ تُرْضِي الجَمِيعَ، وَتُكَرِّمُ ذِكْرَى عَمِّي الأَكْبَرِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي كَانَ يَسْتَحِقُّهَا.”
“أُقَدِّرُ ذَلِكَ، سَيِّدَ إِلْيَاسَ، لَكِنَّنِي، بِصَرَاحَةٍ، لَسْتُ مُتَأَكِّدًا بَعْدُ مَا هِيَ ‘الطَّرِيقَةُ العَادِلَةُ’ الَّتِي تَقْصِدُهَا بِالضَّبْطِ، خَاصَّةً أَنَّنِي نَفْسِي لَا أَعْرِفُ بَعْدُ التَّفَاصِيلَ الكَامِلَةَ لِهَذِهِ الأَمَانَةِ.”
“بِالضَّبْطِ! هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أَقْصِدُهُ.” اقْتَرَبَ إِلْيَاسُ قَلِيلًا، بِحَمَاسٍ ظَاهِرٍ رُبَّمَا مُبَالَغٍ فِيهِ بَعْضَ الشَّيْءِ. “أَنَا أَعْرِفُ هَذِهِ المَدِينَةَ، وَأَعْرِفُ كَيْفَ تَعْمَلُ هَذِهِ الأُمُورُ بِيرُوقْرَاطِيًّا هُنَا، أَفْضَلَ بِكَثِيرٍ مِنْ مُحَامٍ، مَعَ كَامِلِ احْتِرَامِي لِزِيَادَ، مُتَخَصِّصٌ أَسَاسًا فِي قَضَايَا تِجَارِيَّةٍ عَادِيَّةٍ.” نَظَرَ إِلَى زِيَادَ بِابْتِسَامَةٍ اعْتِذَارِيَّةٍ سَرِيعَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ بِنَظَرِهِ إِلَى عَدْنَانَ. “يُمْكِنُنِي أَنْ أُسَاعِدَكَ فِي تَسْرِيعِ كُلِّ الإِجْرَاءَاتِ، الوُصُولِ إِلَى سِجِلَّاتِ البَنْكِ القَدِيمِ، تَحْدِيدِ مَوْقِعِ الصُّنْدُوقِ أَوْ مَا آلَ إِلَيْهِ، كُلُّ هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَتِمَّ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ، إِنْ سَمَحْتَ لِي بِأَنْ أَعْمَلَ مَعَكَ، لَا بِجَانِبِكَ فَقَطْ.”
تَوَقَّفَ قَلِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ نَظْرَةً أَكْثَرَ تَرْكِيزًا، فَقَدَ فِيهَا بَعْضًا مِنْ وُدِّهِ المُصْطَنَعِ السَّابِقِ. “لَكِنْ، لِكَيْ أَسْتَطِيعَ فِعْلًا مُسَاعَدَتَكَ بِفَعَالِيَّةٍ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَحْتَاجُ أَنْ تُشَارِكَنِي كُلَّ مَا تَعْرِفُهُ أَنْتَ شَخْصِيًّا عَنْ هَذِهِ الأَمَانَةِ. كُلَّ تَفْصِيلٍ، مَهْمَا بَدَا صَغِيرًا أَوْ غَيْرَ مُهِمٍّ. خَاصَّةً أَيَّ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ ‘الصُّنْدُوقِ’ الَّذِي ذُكِرَ فِي الوَثِيقَةِ.”
“أَيَّ صُنْدُوقٍ تَقْصِدُ بِالضَّبْطِ؟ الوَثِيقَةُ تَذْكُرُ صُنْدُوقَ أَمَانَاتٍ مَصْرِفِيًّا فَقَطْ.”
ابْتَسَمَ إِلْيَاسُ ابْتِسَامَةً سَرِيعَةً، بَدَتْ لِعَدْنَانَ وَكَأَنَّهَا تُخْفِي خَطَأً صَغِيرًا ارْتَكَبَهُ لِتَوِّهِ. “هَذَا مَا أَعْنِيهِ بِالضَّبْطِ، صُنْدُوقُ الأَمَانَاتِ المَصْرِفِيُّ، نَعَمْ. أَرَدْتُ فَقَطْ أَنْ أَتَأَكَّدَ أَنَّنَا نَتَحَدَّثُ عَنِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ.” لَكِنَّ عَدْنَانَ، بِحِسِّهِ المُتَزَايِدِ لِلتَّفَاصِيلِ الدَّقِيقَةِ، لَاحَظَ أَنَّ إِلْيَاسَ بَدَا وَكَأَنَّهُ كَانَ عَلَى وَشْكِ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا آخَرَ، شَيْئًا أَكْثَرَ تَحْدِيدًا، قَبْلَ أَنْ يَسْتَدْرِكَ نَفْسَهُ بِسُرْعَةٍ.
“هَلْ تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ مُحْتَوَيَاتِ هَذِهِ الأَمَانَةِ، سَيِّدَ إِلْيَاسَ؟ أَعْنِي، هَلْ سَمِعْتَ أَيَّ تَفَاصِيلَ مِنْ عَائِلَتِكَ عَبْرَ الأَجْيَالِ؟”
هَزَّ إِلْيَاسُ رَأْسَهُ بِسُرْعَةٍ، رُبَّمَا بِسُرْعَةٍ مُبَالَغٍ فِيهَا قَلِيلًا. “لَا، إِطْلَاقًا. كَمَا قُلْتُ، عَائِلَتُنَا فَقَدَتِ التَّوَاصُلَ مَعَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ مُنْذُ عُقُودٍ. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ هُوَ مَا وَصَلَنِي عَبْرَ الإِشَاعَاتِ المُتَنَاثِرَةِ فِي الأَوْسَاطِ القَانُونِيَّةِ، أَنَّ هُنَاكَ وَصِيَّةً قَدِيمَةً غَامِضَةً، وَلَا شَيْءَ أَكْثَرَ تَحْدِيدًا مِنْ ذَلِكَ.”
لَاحَظَ عَدْنَانُ التَّنَاقُضَ الطَّفِيفَ بَيْنَ هَذَا الجَوَابِ وَحَمَاسِ إِلْيَاسَ السَّابِقِ لِلْحُصُولِ عَلَى تَفَاصِيلَ دَقِيقَةٍ، تَنَاقُضًا صَغِيرًا لَكِنَّهُ كَافٍ لِزِيَادَةِ حَذَرِهِ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ.
٨
شَعَرَ عَدْنَانُ بِجَرَسِ إِنْذَارٍ دَاخِلِيٍّ يَقْرَعُ بِقُوَّةٍ، جَرَسٍ تَعَلَّمَ أَنْ يَثِقَ بِهِ عَبْرَ عُقُودٍ مِنَ التَّفَاوُضِ عَلَى صَفَقَاتٍ تِجَارِيَّةٍ كَبِيرَةٍ، حَيْثُ الحَمَاسُ المُفْرِطُ وَالإِلْحَاحُ المُبَكِّرُ عَلَى التَّفَاصِيلِ غَالِبًا مَا يَكُونَانِ عَلَامَةً عَلَى نَوَايَا أَقَلَّ نُبْلًا مِمَّا يُعْلَنُ عَنْهُ.
“سَيِّدَ إِلْيَاسَ، بِصَرَاحَةٍ، أَنَا نَفْسِي لَا أَعْرِفُ الكَثِيرَ بَعْدُ. وَصَلَتْنِي رِسَالَةٌ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ، وَأَنَا هُنَا لِأَفْهَمَ القِصَّةَ كَامِلَةً قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ، لَا لِأُشَارِكَ تَفَاصِيلَ لَا أَمْلِكُهَا أَصْلًا.”
بَدَا عَلَى وَجْهِ إِلْيَاسَ ظِلٌّ خَفِيفٌ مِنْ خَيْبَةِ أَمَلٍ، سُرْعَانَ مَا أَخْفَاهُ خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ أُخْرَى. “بِالطَّبْعِ، أَتَفَهَّمُ تَمَامًا حَذَرَكَ الطَّبِيعِيَّ، خَاصَّةً بَعْدَ مَا حَدَثَ لَكَ فِي بَيْرُوتَ. لَكِنِّي أُؤَكِّدُ لَكَ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَنَّنِي هُنَا لِمَصْلَحَتِكَ أَنْتَ، لَا لِمَصْلَحَتِي الشَّخْصِيَّةِ. عَائِلَتُنَا، عَائِلَةُ النَّابُلْسِيِّ، لَمْ تَعُدْ تَمْلِكُ شَيْئًا يُذْكَرُ مِنْ ثَرْوَتِهَا القَدِيمَةِ، وَأَنَا شَخْصِيًّا لَا أَطْمَعُ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَمَانَةِ، أَيًّا كَانَتْ طَبِيعَتُهَا. كُلُّ مَا أُرِيدُهُ هُوَ أَنْ أَرَى العَدَالَةَ تَتَحَقَّقُ أَخِيرًا، وَأَنْ يُكَرَّمَ اسْمُ عَمِّي الأَكْبَرِ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّهَا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ مِنَ الغُمُوضِ حَوْلَ مَصِيرِهِ.”
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى زِيَادَ سَلُّومَ مَرَّةً أُخْرَى، فَوَجَدَ المُحَامِي يَتَجَنَّبُ نَظْرَةَ عَيْنَيْهِ المُبَاشِرَةَ، مُنْشَغِلًا بِتَرْتِيبِ أَوْرَاقٍ عَلَى مَكْتَبِهِ بِحَرَكَاتٍ أَكْثَرَ تَوَتُّرًا مِنَ اللَّازِمِ. شَعَرَ عَدْنَانُ بِيَقِينٍ مُتَزَايِدٍ أَنَّ هُنَاكَ شَيْئًا غَيْرَ مُعْلَنٍ يَدُورُ بَيْنَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، تَوَتُّرًا قَدِيمًا أَوْ خِلَافًا لَمْ يُفْصَحْ عَنْهُ بِالكَامِلِ أَمَامَهُ.
“سَيِّدَ إِلْيَاسَ، أُقَدِّرُ عَرْضَكَ بِصِدْقٍ، وَسَأُفَكِّرُ فِيهِ جَيِّدًا.” قَالَ عَدْنَانُ أَخِيرًا، بِنَبْرَةٍ دِبْلُومَاسِيَّةٍ حَذِرَةٍ تَعَلَّمَهَا عَبْرَ عُقُودٍ مِنَ التَّفَاوُضِ التِّجَارِيِّ. “لَكِنِ اسْمَحْ لِي أَنْ آخُذَ وَقْتِي، وَأَنْ أَتَحَدَّثَ أَوَّلًا مَعَ السَّيِّدِ سَلُّومَ عَلَى انْفِرَادٍ، بِمَا أَنَّهُ الوَكِيلُ القَانُونِيُّ الرَّسْمِيُّ المُكَلَّفُ بِهَذَا المِلَفِّ مُنْذُ البِدَايَةِ.”
٩
بَدَا عَلَى وَجْهِ إِلْيَاسَ ظِلٌّ سَرِيعٌ مِنِ انْزِعَاجٍ حَقِيقِيٍّ، بِالكَادِ أَخْفَاهُ خَلْفَ ابْتِسَامَتِهِ المُعْتَادَةِ هَذِهِ المَرَّةَ. “بِالطَّبْعِ، بِالطَّبْعِ، خُذْ وَقْتَكَ يَا سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. أَنَا فَقَطْ حَرِيصٌ عَلَى أَلَّا تُضَيِّعَ هَذِهِ الفُرْصَةَ بِسَبَبِ بُطْءِ الإِجْرَاءَاتِ الرَّسْمِيَّةِ المُعْتَادَةِ.” وَقَفَ مِنْ مَكَانِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِ سُتْرَتِهِ بِطَاقَةَ عَمَلٍ أَنِيقَةً، وَمَدَّهَا إِلَى عَدْنَانَ. “رَقْمِي الشَّخْصِيُّ عَلَى هَذِهِ البِطَاقَةِ. اتَّصِلْ بِي فِي أَيِّ وَقْتٍ، لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، إِنْ غَيَّرْتَ رَأْيَكَ، أَوْ إِنِ احْتَجْتَ أَيَّ مُسَاعَدَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ صَدِيقُنَا زِيَادٌ هُنَا تَقْدِيمَهَا بِالسُّرْعَةِ الكَافِيَةِ.”
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ المَكْتَبَ، تَوَقَّفَ إِلْيَاسُ عِنْدَ البَابِ، وَاسْتَدَارَ نَحْوَ عَدْنَانَ بِنَظْرَةٍ أَخِيرَةٍ، حَمَلَتْ هَذِهِ المَرَّةَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ وُدِّهِ المُصْطَنَعِ طَوَالَ اللِّقَاءِ، شَيْئًا أَقْرَبَ إِلَى تَحْذِيرٍ مُبَطَّنٍ.
“بِالمُنَاسَبَةِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَنْصَحُكَ بِأَلَّا تَثِقَ بِسُهُولَةٍ بِكُلِّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْكَ فِي هَذَا المِلَفِّ، بِمَنْ فِيهِمْ بَعْضُ مَنْ تَظُنُّهُمْ أَصْدِقَاءَ قُدَامَى لِعَائِلَتِكَ أَوْ لِعَائِلَةِ عَمِّي الرَّاحِلِ. الأُمُورُ فِي دِمَشْقَ، كَمَا فِي بَيْرُوتَ، لَيْسَتْ دَائِمًا كَمَا تَبْدُو عَلَى السَّطْحِ.” ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً غَامِضَةً، ثُمَّ غَادَرَ المَكْتَبَ، تَارِكًا وَرَاءَهُ صَمْتًا مَشْحُونًا بِالتَّوَتُّرِ.
انْتَظَرَ عَدْنَانُ حَتَّى تَأَكَّدَ أَنَّ خُطُوَاتِ إِلْيَاسَ قَدِ ابْتَعَدَتْ تَمَامًا عَبْرَ المَمَرِّ الخَارِجِيِّ، قَبْلَ أَنْ يَسْتَدِيرَ نَحْوَ زِيَادَ سَلُّومَ بِسُؤَالٍ مُبَاشِرٍ: “مَنْ هُوَ هَذَا الرَّجُلُ بِالضَّبْطِ، سَيِّدَ سَلُّومَ؟ وَلِمَاذَا شَعَرْتَ أَنَّكَ مُتَوَتِّرٌ طَوَالَ وُجُودِهِ هُنَا؟”
١٠
تَنَهَّدَ زِيَادُ سَلُّومَ بِعُمْقٍ، وَخَلَعَ نَظَّارَتَهُ لِلَحْظَةٍ لِيَفْرُكَ عَيْنَيْهِ المُتْعَبَتَيْنِ. “سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، سَأَكُونُ صَرِيحًا مَعَكَ تَمَامًا، لِأَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّكَ تَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَرْتَ بِهِ. إِلْيَاسُ النَّابُلْسِيُّ مُحَامٍ حَقِيقِيٌّ، نَعَمْ، وَهُوَ فِعْلًا قَرِيبٌ بَعِيدٌ لِلحَاجِّ تَوْفِيقٍ، هَذَا صَحِيحٌ مِنَ النَّاحِيَةِ الرَّسْمِيَّةِ. لَكِنَّهُ أَيْضًا رَجُلٌ مَعْرُوفٌ فِي الأَوْسَاطِ القَانُونِيَّةِ الدِّمَشْقِيَّةِ بِسُمْعَةٍ… مُعَقَّدَةٍ بَعْضَ الشَّيْءِ.”
“مَاذَا تَعْنِي بِمُعَقَّدَةٍ؟”
“أَعْنِي أَنَّهُ تَوَرَّطَ فِي أَكْثَرَ مِنْ قَضِيَّةِ إِرْثٍ مُثِيرَةٍ لِلجَدَلِ خِلَالَ السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ، قَضَايَا انْتَهَتْ غَالِبًا لِصَالِحِهِ أَوْ لِصَالِحِ مُوَكِّلِيهِ بِطُرُقٍ أَثَارَتْ تَسَاؤُلَاتٍ كَثِيرَةً، دُونَ أَنْ يُثْبَتَ عَلَيْهِ أَيُّ مُخَالَفَةٍ رَسْمِيَّةٍ قَطُّ. رَجُلٌ بَارِعٌ جِدًّا فِي عَمَلِهِ، هَذَا مُؤَكَّدٌ، لَكِنَّ بَرَاعَتَهُ تِلْكَ تَجْعَلُنِي، شَخْصِيًّا، أُفَضِّلُ الحَذَرَ الشَّدِيدَ فِي التَّعَامُلِ مَعَهُ، خَاصَّةً فِي مِلَفٍّ حَسَّاسٍ كَهَذَا.”
“هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَنْ أَرْسَلَ ذَلِكَ الرَّجُلَ الغَرِيبَ إِلَى المُسْتَشْفَى قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا؟ ذَلِكَ الَّذِي سَأَلَ الحَاجَّ تَوْفِيقٍ عَنْ ‘الوَدِيعَةِ القَدِيمَةِ’ قَبْلَ اخْتِفَائِهِ؟”
فُوجِئَ زِيَادٌ بِهَذَا السُّؤَالِ، وَفَكَّرَ فِيهِ بِجِدِّيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ. “لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْزِمَ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، فَإِلْيَاسُ كَانَ لَا يَزَالُ طِفْلًا صَغِيرًا فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ، بِحَسَبِ مَا أَعْرِفُ مِنْ عُمْرِهِ الحَالِيِّ. لَكِنْ مِنَ المُمْكِنِ جِدًّا أَنْ تَكُونَ هُنَاكَ رِوَايَةٌ عَائِلِيَّةٌ تَوَارَثَهَا جِيلٌ بَعْدَ جِيلٍ عَنْ وُجُودِ ‘شَيْءٍ مَا’ عِنْدَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ، رِوَايَةٌ رُبَّمَا وَصَلَتْ إِلَى إِلْيَاسَ عَبْرَ وَالِدِهِ أَوْ أَحَدِ أَقَارِبِهِ الأَكْبَرِ سِنًّا، وَدَفَعَتْهُ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، لِلبَحْثِ عَنِ الحَقِيقَةِ كَامِلَةً بِنَفْسِهِ، بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ.” نَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ نَظْرَةً جَادَّةً. “لَمْ أُخْبِرْهُ بِمَوْعِدِ وُصُولِكَ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، رَغْمَ أَنَّهُ ادَّعَى ذَلِكَ. لَسْتُ مُتَأَكِّدًا كَيْفَ عَرَفَ بِالضَّبْطِ، وَهَذَا بِالذَّاتِ مَا يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ قَالَهُ فِي هَذَا الاِجْتِمَاعِ.”
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا لِلَحَظَاتٍ، يَسْتَوْعِبُ ثِقَلَ هَذِهِ المَعْلُومَةِ الجَدِيدَةِ، مُدْرِكًا أَنَّ دَائِرَةَ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَثِقَ بِهِمْ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ الغَامِضَةِ أَصْبَحَتْ، مَعَ كُلِّ يَوْمٍ يَمُرُّ، أَضْيَقَ وَأَكْثَرَ غُمُوضًا مِمَّا كَانَ يَتَخَيَّلُ حِينَ اتَّخَذَ قَرَارَهُ الأَوَّلَ بِالسَّفَرِ مِنْ فَرَانْكْفُورْتَ قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ.
“سَيِّدَ سَلُّومَ، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ، هَلْ تَظُنُّ أَنَّ بِإِمْكَانِنَا الوُثُوقَ بِأَيِّ شَخْصٍ فِي هَذِهِ المَدِينَةِ بِخُصُوصِ هَذَا المِلَفِّ؟”
نَظَرَ إِلَيْهِ المُحَامِي نَظْرَةً طَوِيلَةً، مُتْعَبَةً، قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ لَمْ يُخْفِ قَلَقَهُ الحَقِيقِيَّ: “لَا أَعْرِفُ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ، لَا أَعْرِفُ بَعْدَ الآنَ.”
١١
بَعْدَ لَحَظَاتِ صَمْتٍ ثَقِيلَةٍ، أَخْرَجَ عَدْنَانُ هَاتِفَهُ، وَأَرَاهُ لِزِيَادَ سَلُّومَ رَقْمَ “المُتَّصِلَةُ – بَيْرُوتُ” الَّذِي حَفِظَهُ بَعْدَ تِلْكَ المُكَالَمَةِ الغَرِيبَةِ فِي المَطَارِ الأَلْمَانِيِّ. “سَيِّدَ سَلُّومَ، هَلْ يَعْنِي لَكَ هَذَا الرَّقْمُ شَيْئًا؟ اِمْرَأَةٌ اتَّصَلَتْ بِي مُحَذِّرَةً، دُونَ أَنْ تَكْشِفَ عَنْ هُوِيَّتِهَا.”
فَحَصَ زِيَادٌ الرَّقْمَ بِعِنَايَةٍ، ثُمَّ هَزَّ رَأْسَهُ. “لَا أَعْرِفُهُ، لِلأَسَفِ، لَكِنْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَطْلُبَ مِنْ أَحَدِ مَعَارِفِي التَّحَقُّقَ مِنْهُ إِنْ أَرَدْتَ، رَغْمَ أَنَّ هَذَا قَدْ يَسْتَغْرِقُ بَعْضَ الوَقْتِ، وَيَجِبُ أَنْ يَتِمَّ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ كَيْ لَا نُنَبِّهَ أَيَّ طَرَفٍ غَيْرِ مَرْغُوبٍ فِيهِ.”
“أَرْجُوكَ، افْعَلْ ذَلِكَ. أَشْعُرُ أَنَّنِي أَتَحَرَّكُ فِي الظَّلَامِ تَمَامًا مُنْذُ وُصُولِي إِلَى هَذِهِ المَدِينَةِ.”
“سَأَفْعَلُ مَا بِوُسْعِي.” وَعَدَهُ زِيَادٌ، بِنَبْرَةٍ صَادِقَةٍ رَغْمَ كُلِّ التَّعَبِ الظَّاهِرِ فِي صَوْتِهِ. “فِي هَذِهِ الأَثْنَاءِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، اسْمَحْ لِي أَنْ أَقْتَرِحَ عَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ شَدِيدَ الحَذَرِ فِي تَحَرُّكَاتِكَ خِلَالَ الأَيَّامِ القَادِمَةِ، وَأَنْ تَتَجَنَّبَ مُشَارَكَةَ أَيِّ تَفَاصِيلَ جَدِيدَةٍ مَعَ إِلْيَاسَ أَوْ مَعَ أَيِّ شَخْصٍ آخَرَ يَقْتَرِبُ مِنْكَ بِحُجَّةِ المُسَاعَدَةِ، إِلَى أَنْ نَتَأَكَّدَ أَكْثَرَ مِنْ نَوَايَا كُلِّ الأَطْرَافِ المَعْنِيَّةِ بِهَذَا المِلَفِّ.”
غَادَرَ عَدْنَانُ مَكْتَبَ المُحَامِي بَعْدَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ، يَحْمِلُ مَعَهُ نُسْخَةً مِنَ الوَثِيقَةِ، وَبِطَاقَةَ عَمَلِ إِلْيَاسَ النَّابُلْسِيِّ الَّتِي لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا بَعْدُ إِنْ كَانَ سَيَسْتَخْدِمُهَا يَوْمًا أَوْ سَيُمَزِّقُهَا فَوْرَ وُصُولِهِ إِلَى الفُنْدُقِ، وَشُعُورًا مُتَصَاعِدًا بِأَنَّ هَذِهِ المَدِينَةَ، رَغْمَ كُلِّ حَنِينِهِ القَدِيمِ إِلَيْهَا، أَصْبَحَتِ الآنَ سَاحَةَ لُعْبَةٍ مُعَقَّدَةٍ لَا يَعْرِفُ قَوَاعِدَهَا الحَقِيقِيَّةَ بَعْدُ، وَلَا حَتَّى عَدَدَ اللَّاعِبِينَ الفِعْلِيِّينَ المُشَارِكِينَ فِيهَا.
١٢
فِي فُنْدُقِهِ، فُنْدُقٍ صَغِيرٍ أَنِيقٍ يَقَعُ فِي حَيِّ المَالِكِيِّ الهَادِئِ، اخْتَارَهُ بِعِنَايَةٍ بَعْدَ اسْتِشَارَةِ أَبِي خَالِدٍ، جَلَسَ عَدْنَانُ عِنْدَ نَافِذَةِ غُرْفَتِهِ يَتَأَمَّلُ أَضْوَاءَ دِمَشْقَ المَسَائِيَّةَ المُتَنَاثِرَةَ تَحْتَهُ، مَدِينَةً عَرَفَ فِيهَا الفَقْرَ وَالأَمَلَ مَعًا فِي شَبَابِهِ البَعِيدِ، وَيَعْرِفُ فِيهَا الآنَ الحَيْرَةَ وَالخَطَرَ فِي شَيْخُوخَتِهِ.
اتَّصَلَ بِكَرِيمٍ كَمَا وَعَدَهُ، وَطَمْأَنَهُ بِصَوْتٍ حَاوَلَ أَنْ يَجْعَلَهُ وَاثِقًا قَدْرَ الإِمْكَانِ، رَغْمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا عَنْ حَادِثَةِ الفُنْدُقِ فِي بَيْرُوتَ، وَلَا عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ المُرِيبِ إِلْيَاسَ النَّابُلْسِيِّ، خَشْيَةَ أَنْ يُقْلِقَ ابْنَهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي، أَوْ أَنْ يُصِرَّ عَلَى القُدُومِ فَوْرًا لِمُرَافَقَتِهِ، وَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَرْغَبْ فِيهِ عَدْنَانُ بَعْدُ، مُؤْمِنًا أَنَّهُ لَا يَزَالُ قَادِرًا عَلَى مُوَاجَهَةِ هَذَا التَّحَدِّي بِمُفْرَدِهِ، عَلَى الأَقَلِّ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ المُبَكِّرَةِ.
فَكَّرَ طَوِيلًا فِي كُلِّ مَا سَمِعَهُ ذَلِكَ اليَوْمَ: صُنْدُوقُ أَمَانَاتٍ ضَاعَ مَعَ تَأْمِيمِ بَنْكٍ قَدِيمٍ، سِجِلَّاتٌ قَدْ تَكُونُ مَحْفُوظَةً فِي مَكَانٍ مَا بَعِيدٍ يَصْعُبُ الوُصُولُ إِلَيْهِ، مُحَامٍ غَامِضٌ يَدَّعِي القَرَابَةَ وَيُلِحُّ عَلَى مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلَ لَا يَمْلِكُهَا هُوَ نَفْسُهُ بَعْدُ، وَمُحَامٍ آخَرُ، يَبْدُو صَادِقًا حَتَّى الآنَ، لَكِنَّهُ أَيْضًا حَائِرٌ وَمُتَوَتِّرٌ بِقَدْرِهِ تَقْرِيبًا.
نَظَرَ إِلَى بِطَاقَةِ عَمَلِ إِلْيَاسَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، يُقَلِّبُهَا بِبُطْءٍ، مُتَرَدِّدًا بَيْنَ تَمْزِيقِهَا فَوْرًا أَوِ الاِحْتِفَاظِ بِهَا لِيَتَيَقَّنَ أَكْثَرَ مِنْ طَبِيعَةِ هَذَا الرَّجُلِ الغَامِضِ. أَخِيرًا، قَرَّرَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهَا، لَيْسَ ثِقَةً بِهِ، بَلْ حِكْمَةً قَدِيمَةً تَعَلَّمَهَا فِي عَالَمِ الأَعْمَالِ: أَبْقِ أَعْدَاءَكَ المُحْتَمَلِينَ قَرِيبِينَ بِمَا يَكْفِي لِمُرَاقَبَتِهِمْ، لَا بَعِيدِينَ إِلَى دَرَجَةِ أَنْ تُفَاجِئَكَ خُطُوَاتُهُمُ القَادِمَةُ.
قَبْلَ أَنْ يَنَامَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، أَخْرَجَ نُسْخَةَ الوَصِيَّةِ مِنْ حَقِيبَتِهِ، وَأَعَادَ قِرَاءَتَهَا لِلمَرَّةِ العَاشِرَةِ تَقْرِيبًا، مُتَوَقِّفًا عِنْدَ كُلِّ كَلِمَةٍ كَأَنَّهُ يَبْحَثُ فِيهَا عَنْ مَعْنًى خَفِيٍّ فَاتَهُ فِي المَرَّاتِ السَّابِقَةِ. فَكَّرَ فِي الحَاجِّ تَوْفِيقٍ وَهُوَ يَكْتُبُ هَذِهِ الكَلِمَاتِ قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، رُبَّمَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الأَخِيرَةِ قَبْلَ اخْتِفَائِهِ مِنَ المُسْتَشْفَى، مُتَسَائِلًا إِنْ كَانَ قَدْ تَوَقَّعَ، وَلَوْ لِلَحْظَةٍ، أَنَّ تِلْمِيذَهُ القَدِيمَ سَيَعُودُ يَوْمًا، رَجُلًا عَجُوزًا هُوَ الآخَرُ، لِيَقِفَ فِي مَدِينَةٍ تَغَيَّرَتْ كُلُّ مَلَامِحِهَا تَقْرِيبًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَفُكَّ لُغْزًا تَرَكَهُ لَهُ عَنْ قَصْدٍ أَوْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ بَعْدُ، وَهُوَ يُطْفِئُ أَخِيرًا ضَوْءَ غُرْفَتِهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الدِّمَشْقِيَّةِ الأُولَى بَعْدَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا مِنَ الغِيَابِ، أَنَّ الأَيَّامَ القَادِمَةَ سَتَحْمِلُ لَهُ مُفَاجَآتٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَ، مُفَاجَآتٍ سَتَقُودُهُ، خُطْوَةً بِخُطْوَةٍ، إِلَى حَقِيقَةٍ لَمْ يَكُنْ لِيَتَخَيَّلَهَا حَتَّى فِي أَكْثَرِ لَحَظَاتِهِ جُرْأَةً عَلَى التَّخَيُّلِ.
