وَصِيَّةُ الحَرِيقَةِ
الفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ
١
اِنْدَفَعَ عَدْنَانُ خَارِجَ الْمَقْهَى عَلَى عَجَلٍ، دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ الْفَاتُورَةَ. وَضَعَ عَلَى الطَّاوِلَةِ وَرَقَةً نَقْدِيَّةً تَفُوقُ بِكَثِيرٍ ثَمَنَ فِنْجَانِ الْقَهْوَةِ الَّذِي لَمْ يَمْسَسْهُ، ثُمَّ اِنْدَفَعَ نَحْوَ أَوَّلِ سَيَّارَةِ أُجْرَةٍ صَادَفَتْهُ، وَكَفَّاهُ تَرْتَجِفَانِ عَلَى نَحْوٍ لَمْ يَعْهَدْهُ، وَهُوَ يُمْلِي عَلَى السَّائِقِ وَجْهَتَهُ: الْمُسْتَشْفَى الْوَطَنِيُّ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُسْعِفُ.
طَوَالَ الطَّرِيقِ، ظَلَّتْ عَيْنَاهُ تَتَنَقَّلَانِ بَيْنَ الطَّرِيقِ الْمُمْتَدِّ أَمَامَهُ وَشَاشَةِ هَاتِفِهِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا سَمِعَهُ قَبْلَ لَحَظَاتٍ، وَأَنْ يُخْمِدَ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ، مَوْجَةَ ذُعْرٍ كَانَتْ تَتَضَخَّمُ فِي صَدْرِهِ بِصُورَةٍ لَمْ يَخْتَبِرْهَا مِنْ قَبْلُ، حَتَّى فِي أَشَدِّ مَحَطَّاتِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ غُمُوضًا.
اِلْتَفَتَ إِلَى السَّائِقِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَوَتِّرٍ:
— «أَرْجُوكَ، أَسْرِعْ قَدْرَ مَا تَسْتَطِيعُ. سَأَدْفَعُ لَكَ أَجْرًا إِضَافِيًّا.»
لَمْ يُجِبِ الرَّجُلُ، وَاكْتَفَى بِإِيمَاءَةٍ قَصِيرَةٍ، ثُمَّ ضَغَطَ عَلَى دَوَّاسَةِ الْوَقُودِ، مُتَجَاوِزًا عِدَّةَ إِشَارَاتٍ صَفْرَاءَ دُونَ تَرَدُّدٍ يُذْكَرُ.
أَخْرَجَ عَدْنَانُ هَاتِفَهُ وَاتَّصَلَ بِلِينَا.
— «لِينَا… رِيمُ تَعَرَّضَتْ لِحَادِثِ سَيَّارَةٍ، وَهِيَ الْآنَ فِي الْمُسْتَشْفَى. لَكِنَّ الْمُسْعِفَ قَالَ لِي جُمْلَةً غَرِيبَةً: “أَخْبِرُوهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا.”»
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ، ثُمَّ جَاءَ صَوْتُ لِينَا مُثْقَلًا بِالْقَلَقِ.
— «يَا إِلَهِي… سَيِّدَ الرَّافِعِي، كُنْ شَدِيدَ الْحَذَرِ وَأَنْتَ فِي الطَّرِيقِ، وَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَتَعَقَّبُكَ. سَأَبْدَأُ فَوْرًا بِالْبَحْثِ عَنْ أَيِّ مَعْلُومَةٍ إِضَافِيَّةٍ حَوْلَ مَا جَرَى، وَسَأَبْقَى عَلَى تَوَاصُلٍ مَعَكَ قَدْرَ الْإِمْكَانِ.»
تَرَدَّدَ عَدْنَانُ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ:
— «لِينَا… لَمْ أُخْبِرْ بِمَوْعِدِ اللِّقَاءِ وَمَكَانِهِ سِوَاكِ. أَعْلَمُ أَنَّكِ لَسْتِ السَّبَبَ، وَلَا أَشُكُّ فِيكِ، لَكِنْ… هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَاتِفُكِ، أَوْ رَسَائِلُنَا، كَانَتْ تَحْتَ الْمُرَاقَبَةِ رَغْمَ كُلِّ مَا اتَّخَذْنَاهُ مِنِ احْتِيَاطَاتٍ؟»
تَوَقَّفَتْ لِينَا قَلِيلًا، كَأَنَّهَا تُفَكِّرُ فِي الْاِحْتِمَالِ بِكُلِّ جِدِّيَّةٍ.
— «لَا أَسْتَبْعِدُ شَيْئًا بَعْدَ الْآنِ، سَيِّدَ الرَّافِعِي. سَأُعِيدُ فَحْصَ جِهَازِي بِدِقَّةٍ مَا إِنْ تَنْتَهِي هَذِهِ الْمُكَالَمَةُ، وَسَأُغَيِّرُ طَرِيقَةَ تَوَاصُلِنَا كُلِّيًّا. مِنَ الْآنِ فَصَاعِدًا سَنَسْتَخْدِمُ قَنَاةً أَكْثَرَ أَمَانًا.»
بَعْدَ عِشْرِينَ دَقِيقَةً بَدَتْ لَهُ أَطْوَلَ مِنْ سَاعَاتٍ، وَصَلَ إِلَى الْمُسْتَشْفَى. اِنْدَفَعَ نَحْوَ قِسْمِ الطَّوَارِئِ، فَأَرْشَدَتْهُ إِحْدَى الْمُمَرِّضَاتِ، بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ اسْمَ رِيمِ الْحُورَانِي، إِلَى غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ فِي الطَّابِقِ الثَّانِي، حَيْثُ كَانَتْ تَخْضَعُ لِفُحُوصَاتٍ إِضَافِيَّةٍ بَعْدَ أَنْ اِسْتَقَرَّتْ حَالَتُهَا نِسْبِيًّا.
لَمْ يَنْتَظِرِ الْمِصْعَدَ؛ بَلِ اِنْدَفَعَ يَصْعَدُ السُّلَّمَ رَكْضًا، وَقَلْبُهُ يَقْرَعُ صَدْرَهُ بِعُنْفٍ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى أَنْ يُمَيِّزَ أَيَأْتِي ذَلِكَ مِنْ إِرْهَاقِ جَسَدِهِ، أَمْ مِنَ الْخَوْفِ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ.
٢
دَخَلَ عَدْنَانُ الْغُرْفَةَ بِخُطًى حَذِرَةٍ، فَوَجَدَ رِيمَ مُسْتَلْقِيَةً عَلَى السَّرِيرِ. كَانَتْ ذِرَاعُهَا الْيُمْنَى مُثَبَّتَةً بِجَبِيرَةٍ، وَتُغَطِّي ضِمَادَةٌ جُرْحًا صَغِيرًا فَوْقَ حَاجِبِهَا الْأَيْسَرِ، أَمَّا عَيْنَاهَا فَكَانَتَا مُتَيَقِّظَتَيْنِ، تُقَاوِمَانِ الْأَلَمَ بِهُدُوءٍ لَافِتٍ.
قَالَ وَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْهَا:
— «سَيِّدَةَ رِيم… الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِكِ. عَلَى الْأَقَلِّ أَنْتِ وَاعِيَةٌ.»
اِرْتَسَمَتْ عَلَى شَفَتَيْهَا اِبْتِسَامَةٌ مُتْعَبَةٌ، لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ.
— «عَدْنَانُ الرَّافِعِي… جِئْتَ أَخِيرًا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ. لَمْ أَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّ لِقَاءَنَا الثَّانِي سَيَكُونُ فِي غُرْفَةِ مُسْتَشْفًى، لَا فِي ذَلِكَ الْمَقْهَى الْهَادِئِ الَّذِي تَمَنَّيْتُ أَنْ يَجْمَعَنَا.»
جَلَسَ عَلَى الْكُرْسِيِّ الْمُجَاوِرِ لِسَرِيرِهَا، وَحَاوَلَ أَنْ يُخْفِيَ مَا يَعْتَمِلُ فِي صَدْرِهِ مِنْ قَلَقٍ.
— «مَاذَا حَدَثَ بِالضَّبْطِ؟ الْمُسْعِفُ قَالَ إِنَّكِ طَلَبْتِ مِنْهُ أَنْ يُخْبِرَنِي بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ حَادِثًا.»
أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا، وَحَاوَلَتْ أَنْ تَعْتَدِلَ فِي جِلْسَتِهَا، فَانْتَفَضَ وَجْهُهَا مِنَ الْأَلَمِ.
— «كُنْتُ فِي حَاجَةٍ إِلَى قَضَاءِ بَعْضِ الشُّؤُونِ قَبْلَ أَنْ يَحِينَ مَوْعِدِي مَعَكَ، فَتَوَجَّهْتُ إِلَى المَدِينَةِ، وَخُطَايَ تَتَسَابَقُ مَعَ عَقَارِبِ السَّاعَةِ الَّتِي لَمْ تَكُفَّ عَنْ تَذْكِيرِي بِمَا يَنْتَظِرُنِي. وَلَمَّا انْتَهَيْتُ مِنْ قَضَاءِ حَاجَاتِي، وَجَدْتُنِي أَمُرُّ، مِنْ غَيْرِ تَرَتِيبٍ سَابِقٍ، بِشَارِعِ بَغْدَادَ، كُنْتُ فِي طَرِيقِي إِلَى الْمَقْهَى، أَسْتَقِلُّ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ أَعْرِفُ سَائِقَهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ. رَجُلٌ حَذِرٌ وَمَوْثُوقٌ. وَعِنْدَمَا اِقْتَرَبْنَا مِنْ شَارِعِ بَغْدَادَ، خَرَجَتْ سَيَّارَةٌ أُخْرَى مِنْ زُقَاقٍ جَانِبِيٍّ بِسُرْعَةٍ هَائِلَةٍ، وَاصْطَدَمَتْ بِنَا عَمْدًا… لَا عَرَضًا. رَأَيْتُ السَّائِقَ قَبْلَ الِاصْطِدَامِ بِلَحْظَاتٍ. كَانَ يُحَدِّقُ فِينَا مُبَاشَرَةً، كَأَنَّهُ يَنْتَظِرُ اللَّحْظَةَ الْمُنَاسِبَةَ، لَا كَمَنْ يُحَاوِلُ تَفَادِيَ الْحَادِثِ.»
٣
تَسَلَّلَ إِلَى صَدْرِ عَدْنَانَ غَضَبٌ بَارِدٌ.
— «هَلْ رَأَيْتِ وَجْهَهُ؟ هَلْ تَسْتَطِيعِينَ التَّعَرُّفَ عَلَيْهِ؟»
هَزَّتْ رَأْسَهَا بِأَسًى.
— «كُلُّ شَيْءٍ وَقَعَ فِي ثَوَانٍ مَعْدُودَةٍ، وَكَانَتِ النَّظَّارَاتُ الشَّمْسِيَّةُ الدَّاكِنَةُ تُخْفِي مُعْظَمَ وَجْهِهِ. لَكِنَّنِي لَاحَظْتُ أَمْرًا وَاحِدًا: السَّيَّارَةُ كَانَتْ سَوْدَاءَ فَاخِرَةً، مِنْ طِرَازٍ حَدِيثٍ، لَا يَقْتَنِيهَا فِي الْعَادَةِ شَخْصٌ عَادِيٌّ فِي هَذَا الْحَيِّ.»
صَمَتَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ أَشَدَّ جِدِّيَّةً:
— «عَدْنَان… أَعْتَقِدُ أَنَّ أَحَدًا كَانَ يَعْرِفُ مَوْعِدَ لِقَائِنَا وَمَكَانَهُ بِالدِّقَّةِ نَفْسِهَا، رَغْمَ كُلِّ الْحَذَرِ الَّذِي اِلْتَزَمْتُ بِهِ. لَمْ أُخْبِرْ أَحَدًا، وَلَا حَتَّى أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيَّ.»
— «هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هَاتِفُكِ خَاضِعًا لِلْمُرَاقَبَةِ؟»
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا فِي بُطْءٍ.
— «أَصْبَحَ هَذَا الِاحْتِمَالُ وَارِدًا بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ. فِي الْحَقِيقَةِ، كُنْتُ أَشْعُرُ مُنْذُ سَنَوَاتٍ أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يُرَاقِبُ حَيَاتِي مِنْ بَعِيدٍ، بِطَرِيقَةٍ لَا أَمْلِكُ دَلِيلًا عَلَيْهَا. وَكُنْتُ أُقْنِعُ نَفْسِي بِأَنَّهُ مُجَرَّدُ قَلَقٍ مُزْمِنٍ، أَوْ أَثَرٌ لِصَدْمَةِ اخْتِفَاءِ وَالِدِي الَّتِي لَمْ تَبْرَأْ مِنْ دَاخِلِي قَطُّ. أَمَّا الْيَوْمَ… فَلَمْ أَعُدْ وَاثِقَةً مِنْ أَنَّهُ كَانَ وَهْمًا.»
فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ دَخَلَ الطَّبِيبُ الْمُنَاوِبُ لِيُطَمْئِنَّ عَلَى حَالَتِهَا. سَأَلَهُ عَدْنَانُ عَنْ مَوْعِدِ خُرُوجِهَا، فَأَوْضَحَ أَنَّ الْفُحُوصَاتِ الْإِضَافِيَّةَ سَتَسْتَغْرِقُ سَاعَةً أَوْ سَاعَتَيْنِ لِلْتَأَكُّدِ مِنْ عَدَمِ وُجُودِ إِصَابَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ، مُؤَكِّدًا أَنَّ حَالَتَهَا الْعَامَّةَ مُسْتَقِرَّةٌ.
مَا إِنْ غَادَرَ الطَّبِيبُ الْغُرْفَةَ حَتَّى عَادَ الصَّمْتُ يُخَيِّمُ عَلَيْهِمَا.
رَفَعَتْ رِيمُ بَصَرَهَا نَحْوَ عَدْنَانَ، وَتَأَمَّلَتْهُ طَوِيلًا، كَأَنَّهَا تُرَتِّبُ فِي دَاخِلِهَا الْكَلِمَاتِ الَّتِي أَجَّلَهَا الزَّمَنُ سَنَوَاتٍ.
ثُمَّ قَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، لَكِنَّهُ حَاسِمٌ:
— «قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ… دَعْنِي أُخْبِرْكَ بِمَا كُنْتُ أَنْوِي قَوْلَهُ لَكَ فِي الْمَقْهَى، قَبْلَ أَنْ يَقْطَعَ ذَلِكَ “الْحَادِثُ” الْمُدَبَّرُ طَرِيقَنَا. لَقَدِ اتَّضَحَ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَعُدْ رَفَاهِيَّةً نَمْلِكُهَا.»
٤
اِعْتَدَلَتْ رِيمُ فِي جِلْسَتِهَا بِقَدْرِ مَا أَسْعَفَهَا الْأَلَمُ، ثُمَّ شَرَعَتْ تَتَحَدَّثُ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ ثَبَاتًا، كَأَنَّ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ حَقَائِقَ أَثْقَلُ مِنْ جِرَاحِهَا.
— «عَدْنَان… مُنْذُ أَعْوَامٍ بَدَأْتُ أَلْحَظُ أُمُورًا غَرِيبَةً تَتَعَلَّقُ بِأَرَاضٍ كَانَتْ تَعُودُ إِلَى عَائِلَتِنَا فِي الْغُوطَةِ. كُنْتُ أَعْتَقِدُ أَنَّهَا ضَاعَتْ، أَوْ صُودِرَتْ مُنْذُ عُقُودٍ، كَمَا ضَاعَتْ مُعْظَمُ مُمْتَلَكَاتِنَا فِي دَوَّامَةِ الْحَرْبِ وَالْهِجْرَةِ. غَيْرَ أَنَّ مُحَامِيًا عَقَارِيًّا مُسْتَقِلًّا تَوَاصَلَ مَعِي قَبْلَ نَحْوِ عَامَيْنِ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ الْأَرَاضِي، الَّتِي ظَنَنْتُهَا فُقِدَتْ إِلَى الْأَبَدِ، بِيعَ حَدِيثًا مِنْ خِلَالِ سِلْسِلَةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ، لِصَالِحِ مُسْتَثْمِرِينَ عَقَارِيِّينَ، بِتَوْقِيعَاتٍ تَحْمِلُ اسْمَ وَالِدِي كَمَالِ الْحُورَانِي… مَعَ أَنَّهُ، كَمَا أَصْبَحْتَ تَعْلَمُ، اخْتَفَى مُنْذُ عَامِ ١٩٧٨.»
تَوَقَّفَ عَدْنَانُ عَنْ التَّنَفُّسِ لِحْظَةً، ثُمَّ قَالَ:
— «إِذًا… تَوْقِيعَاتٌ مُزَوَّرَةٌ؟»
أَوْمَأَتْ رِيمُ.
— «هَذَا هُوَ الِاسْتِنْتَاجُ الَّذِي وَصَلَ إِلَيْهِ الْمُحَامِي، وَالَّذِي اقْتَنَعْتُ بِهِ بَعْدَ أَنْ قَارَنَّا تِلْكَ التَّوْقِيعَاتِ بِنُسَخٍ أَصْلِيَّةٍ لِوَالِدِي، كُنْتُ أَحْتَفِظُ بِهَا ضِمْنَ وَثَائِقَ قَدِيمَةٍ. الِاخْتِلَافَاتُ دَقِيقَةٌ، لَا تَلْفِتُ انْتِبَاهَ غَيْرِ الْخَبِيرِ، لَكِنَّهَا كَافِيَةٌ لِإِثَارَةِ شُبْهَةٍ لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهَا.»
ثَبَّتَتْ نَظَرَهَا فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ أَرْدَفَتْ:
— «وَعِنْدَمَا حَاوَلْتُ تَتَبُّعَ مَنْ أَجْرَى تِلْكَ الْمُعَامَلَاتِ، وَمَنْ وَقَّعَ بِصِفَةِ وَكِيلٍ قَانُونِيٍّ عَنْ “وَرَثَةِ كَمَالِ الْحُورَانِي”، وَجَدْتُ اسْمًا وَاحِدًا يَتَكَرَّرُ فِي أَكْثَرَ مِنْ مَلَفٍّ… إِلْيَاسَ النَّابُلْسِي.»
٥
سَرَتْ فِي أَوْصَالِ عَدْنَانَ قَشْعَرِيرَةٌ لَمْ يَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهَا.
— «إِلْيَاسُ كَانَ يَبِيعُ أَرَاضِيَ عَائِلَتِكُمْ، مُنْتَحِلًا صِفَةَ وَكِيلٍ عَنْ وَرَثَةِ وَالِدِكِ، دُونَ أَنْ يَعْلَمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ؟»
— «بِالضَّبْطِ. وَلَمْ يَقْتَصِرِ الْأَمْرُ عَلَى الْأَرَاضِي الَّتِي كُنَّا نَعْرِفُ وُجُودَهَا، بَلْ بَاعَ، بِمُسَاعَدَةِ الثَّغَرَاتِ نَفْسِهَا، قِطْعَتَيْ أَرْضٍ أُخْرَيَيْنِ لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ بِوُجُودِهِمَا أَصْلًا. لَمْ أَعْرِفْ أَمْرَهُمَا إِلَّا مِنْ خِلَالِ وَثَائِقَ قَدِيمَةٍ جِدًّا، يَبْدُو أَنَّهُمَا كَانَا جُزْءًا مِنْ أَمَانَةٍ عَائِلِيَّةٍ تَعُودُ إِلَى زَمَنٍ أَبْعَدَ مِمَّا كُنْتُ أَتَصَوَّرُ.»
تَوَقَّفَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
— «وَبَعْدَ مَا أَخْبَرْتَنِي بِهِ عَنْ وَصِيَّةِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، أَصْبَحْتُ أُرَجِّحُ أَنَّ هَاتَيْنِ الْقِطْعَتَيْنِ هُمَا بِالذَّاتِ جُزْءٌ مِنْ تِلْكَ الْأَمَانَةِ الْقَدِيمَةِ… أَمَانَةِ عَامِ ١٩٥٨.»
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَكَشَّفَ لِعَدْنَانَ حَجْمُ الْمَشْهَدِ كُلِّهِ. لَمْ يَكُنْ إِلْيَاسُ يَبْحَثُ عَنْ مَكَانِ الْأَمَانَةِ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ يَمْتَلِكُ مَعْرِفَةً دَقِيقَةً بِتَفَاصِيلِهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي مَكَّنَتْهُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي أَجْزَاءٍ مِنْهَا وَبَيْعِهَا، مُتَسَلِّحًا بِصِفَةٍ قَانُونِيَّةٍ مُنْتَحَلَةٍ، وَمُسْتَغِلًّا غِيَابَ كَمَالٍ الطَّوِيلَ، وَجَهْلَ رِيمَ بِوُجُودِ تِلْكَ الْمُمْتَلَكَاتِ.
وَتَذَكَّرَ ابْتِسَامَةَ إِلْيَاسَ الْوَدُودَةَ، الَّتِي بَدَتْ لَهُ الْآنَ قِنَاعًا مُحْكَمًا، يُخْفِي وَرَاءَهُ سِنِينَ مِنَ الِاسْتِيلَاءِ الصَّامِتِ عَلَى إِرْثٍ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا.
— «مُنْذُ مَتَى يَحْدُثُ هَذَا؟»
قَالَتْ رِيمُ:
— «وِفْقًا لِلتَّوَارِيخِ الْمُسَجَّلَةِ، بَدَأَتِ الْمُعَامَلَاتُ قَبْلَ نَحْوِ خَمْسِ سَنَوَاتٍ، ثُمَّ تَسَارَعَتْ بِشَكْلٍ لَافِتٍ خِلَالَ الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ، كَأَنَّ شَيْئًا دَفَعَهُ إِلَى الِاسْتِعْجَالِ.»
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِمَعْنًى وَاضِحٍ.
— «رُبَّمَا كَانَتْ رِسَالَتُكَ، وَبَدْءُ رِحْلَتِكَ إِلَى دِمَشْقَ، هُمَا مَا أَثَارَ خَوْفَهُ مِنِ انْكِشَافِ أَمْرِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ مَا بَدَأَهُ.»
— «وَكَيْفَ لَمْ يَنْكَشِفْ كُلُّ ذَلِكَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟»
تَنَهَّدَتْ.
— «لِأَنَّ سَنَوَاتِ الْحَرْبِ وَالْفَوْضَى تَرَكَتْ ثَغَرَاتٍ كَثِيرَةً فِي الْمَنْظُومَةِ الْقَانُونِيَّةِ. وَإِلْيَاسُ، بِحُكْمِ خِبْرَتِهِ وَعَلَاقَاتِهِ، كَانَ يَعْرِفُ أَيْنَ تُفْتَحُ الْأَبْوَابُ، وَأَيُّ السِّجِلَّاتِ يُمْكِنُ الْعَبَثُ بِهَا، وَمَنْ يُمْكِنُ إِقْنَاعُهُ أَوْ شِرَاؤُهُ. وَفِي غِيَابِ وَارِثٍ يُطَالِبُ بِحَقِّهِ، مَرَّ كُلُّ شَيْءٍ بِهُدُوءٍ.»
٦
غَرِقَ عَدْنَانُ فِي صَمْتٍ طَوِيلٍ. لَمْ يَعُدِ الْأَمْرُ مُجَرَّدَ احْتِيَالٍ عَلَى أَمْلَاكٍ؛ بَلْ خِيَانَةً لِثِقَةِ عَائِلَةٍ بِأَكْمَلِهَا، وَتَدْنِيسًا لِذِكْرَى رَجُلَيْنِ، الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ وَكَمَالٍ، اللَّذَيْنِ حَاوَلَا، كُلٌّ عَلَى طَرِيقَتِهِ، أَنْ يَصُونَا إِرْثًا لَمْ يَكُنْ يَخُصُّهُمَا وَحْدَهُمَا.
قَطَعَ الصَّمْتَ بِسُؤَالٍ مُفَاجِئٍ:
— «وَمَاذَا عَنْ سَائِقِ سَيَّارَةِ الْأُجْرَةِ؟ هَلْ هُوَ بِخَيْرٍ؟»
خَفَتَ بَرِيقُ عَيْنَيْ رِيمَ.
— «إِصَابَاتُهُ أَشَدُّ مِنْ إِصَابَاتِي. كُسِرَ فَخِذُهُ، وَتَعَرَّضَ لِارْتِجَاجٍ فِي الرَّأْسِ، وَهُوَ الْآنَ فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا الطَّابِقِ. رَجُلٌ طَيِّبٌ، يَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْمِهْنَةِ مُنْذُ عِشْرِينَ عَامًا، وَلَمْ يَكُنْ ذَنْبُهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُودُ السَّيَّارَةَ فِي اللَّحْظَةِ الْخَاطِئَةِ.»
تَرَدَّدَتْ، ثُمَّ أَضَافَتْ وَصَوْتُهَا يَثْقُلُ بِالذَّنْبِ:
— «أَشْعُرُ بِأَنَّنِي مَدِينَةٌ لَهُ، عَدْنَان. دَفَعَ ثَمَنَ قِصَّةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ عَنْهَا شَيْئًا.»
رَفَعَ عَدْنَانُ رَأْسَهُ.
— «هَلْ أَخْبَرْتِ أَحَدًا آخَرَ بِهَذِهِ الْمَعْلُومَاتِ؟ وَمَاذَا عَنِ الْمُحَامِي؟»
اِنْخَفَضَ صَوْتُهَا.
— «اِنْقَطَعَ عَنِّي مُنْذُ نَحْوِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ. اِتَّصَلْتُ بِمَكْتَبِهِ مِرَارًا، فَأَخْبَرَتْنِي سِكْرِتِيرَتُهُ أَنَّهُ سَافَرَ لِظُرُوفٍ عَائِلِيَّةٍ طَارِئَةٍ… وَمُنْذُ ذَلِكَ الْحِينِ لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَعْرِفُ أَيْنَ هُوَ.»
صَمَتَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَتْ بِخَوْفٍ لَمْ تَسْتَطِعْ إِخْفَاءَهُ:
— «أَخْشَى… أَنْ يَكُونَ مَا اكْتَشَفَهُ قَدْ كَلَّفَهُ أَكْثَرَ مِمَّا كُنَّا نَتَصَوَّرُ.»
شَعَرَ عَدْنَانُ بِأَنَّ عِبْئًا جَدِيدًا أُضِيفَ إِلَى مَا يَحْمِلُهُ.
— «يَجِبُ أَنْ نُبَلِّغَ السُّلُطَاتِ، وَبِأَسْرَعِ مَا يُمْكِنُ.»
هَزَّتْ رِيمُ رَأْسَهَا.
— «لَيْسَ الْأَمْرُ بِهَذِهِ الْبَسَاطَةِ. لَا أَعْرِفُ مَنْ يُمْكِنُ الْوُثُوقُ بِهِ، خَاصَّةً إِذَا كَانَ إِلْيَاسُ، أَوْ مَنْ يَقِفُ وَرَاءَهُ، يَمْتَلِكُ نُفُوذًا يَبْلُغُ مُؤَسَّسَاتِ الدَّوْلَةِ نَفْسِهَا. جَرَّبْتُ ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، عِنْدَمَا أَبْلَغْتُ عَنْ اخْتِفَاءِ وَالِدِي. لَمْ أَحْصُلْ سِوَى عَلَى مَحْضَرٍ بَارِدٍ وَوُعُودٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ.»
— «لَكِنَّ هَذِهِ مُحَاوَلَةُ قَتْلٍ تَقْرِيبًا.»
قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
— «وَمَاذَا سَنُقَدِّمُ دَلِيلًا؟ تَوْقِيعَاتٌ مُزَوَّرَةٌ شَهِدَ عَلَيْهَا مُحَامٍ اخْتَفَى؟ وَحَادِثُ سَيَّارَةٍ لَا شُهُودَ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِمْ، وَلَا رَقْمَ لَوْحَةٍ يُمْكِنُ تَتَبُّعُهُ؟ نَحْنُ نُوَاجِهُ رَجُلًا يَعْرِفُ كَيْفَ يُمْحَى الْأَثَرُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى أَيِّ قَاضٍ.»
وَثَبَّتَتْ نَظَرَهَا فِي عَيْنَيْهِ.
— «الْخُطْوَةُ الْأَذْكَى الْآنَ هِيَ أَنْ نَجْمَعَ كُلَّ مَا نَسْتَطِيعُ مِنْ أَدِلَّةٍ مُوَثَّقَةٍ، بِهُدُوءٍ وَبِأَقْصَى دَرَجَاتِ الْحَذَرِ، قَبْلَ أَنْ نُحَرِّكَ أَيَّ إِجْرَاءٍ رَسْمِيٍّ. لَا أُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ إِلْيَاسُ أَنَّنَا أَدْرَكْنَا حَجْمَ مَا فَعَلَ، فَيُسَارِعَ إِلَى مَحْوِ مَا تَبَقَّى… أَوْ يَلْجَأَ إِلَى مَا هُوَ أَخْطَرُ مِمَّا شَهِدْنَاهُ الْيَوْمَ.»
أَطَالَ عَدْنَانُ التَّفْكِيرَ فِي كَلَامِهَا. وَأَدْرَكَ أَنَّ حَذَرَهَا، الَّذِي صَاغَتْهُ سِنُونٌ طَوِيلَةٌ مِنَ الْخَيْبَاتِ وَالِاخْتِبَارِ، لَعَلَّهُ أَرْجَحُ مِنْ انْدِفَاعِهِ الْأَوَّلِ.
ثُمَّ قَالَ بِحَزْمٍ:
— «حَسَنًا… سَنَتَحَرَّكُ بِحَذَرٍ، وَلَكِنْ بِسُرْعَةٍ أَيْضًا. لَا أُرِيدُ أَنْ نَمْنَحَ إِلْيَاسَ فُرْصَةً أُخْرَى… فَقَدْ لَا نَكُونُ مَرَّةً أُخْرَى بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الْحَظِّ.»
٧
صَمَتَتْ رِيمُ بُرْهَةً، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا لِثَوَانٍ، ثُمَّ سَحَبَتْ نَفَسًا عَمِيقًا، كَأَنَّهَا تَسْتَجْمِعُ شَجَاعَتَهَا لِمَا هُوَ أَثْقَلُ مِنْ كُلِّ مَا قَالَتْهُ حَتَّى الْآنِ.
ثُمَّ رَفَعَتْ بَصَرَهَا إِلَى عَدْنَانَ.
— «عَدْنَان… هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ. أَمْرٌ لَمْ أَعْرِفْ يَوْمًا كَيْفَ أَقُولُهُ، وَلَا مَتَى يَكُونُ الْوَقْتُ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ. لَكِنْ بَعْدَ مَا جَرَى الْيَوْمَ، أَخْشَى أَنْ أَفْقِدَ الْفُرْصَةَ إِنْ وَاصَلْتُ التَّأْجِيلَ.»
اِنْعَقَدَتْ مَلَامِحُ عَدْنَانَ، وَقَالَ بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ:
— «مَاذَا تَعْنِينَ؟»
أَجَابَتْ بَعْدَ تَرَدُّدٍ:
— «هَلْ تَتَذَكَّرُ الْوَرَقَةَ الَّتِي دَسَسْتُهَا فِي يَدِكَ يَوْمَ جِئْتَ إِلَى مَتْجَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا؟… تِلْكَ الَّتِي حَذَّرْتُكَ فِيهَا مِنْ وَالِدِي؟»
أَوْمَأَ بِرَأْسِهِ.
— «أَذْكُرُهَا جَيِّدًا. وَلَكِنَّنِي لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيَّ قَطُّ.»
اِنْخَفَضَ صَوْتُهَا.
— «لَمْ أَكُنْ أَقْصِدُ أَنَّ وَالِدِي رَجُلٌ سَيِّئٌ، يَا عَدْنَان. لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا كَانَ يُثْقِلُهُ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ. كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أُحَذِّرَكَ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ… شَيْءٍ صَادَفْتُهُ بِالْمُصَادَفَةِ قَبْلَ زِيَارَتِنَا لِدِمَشْقَ بِأَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، وَلَمْ أَجْرُؤْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ، حَتَّى فِي تِلْكَ الْوَرَقَةِ.»
سَكَتَتْ قَلِيلًا، وَبَدَأَ بَرِيقُ الدُّمُوعِ يَمْلَأُ عَيْنَيْهَا.
— «بَيْنَمَا كُنْتُ أُرَتِّبُ أَوْرَاقَ أَبِي فِي مَكْتَبِهِ بِبَيْرُوتَ، عَثَرْتُ عَلَى صُنْدُوقٍ صَغِيرٍ مُخَبَّأٍ فِي أَسْفَلِ دُرْجٍ مُقْفَلٍ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّهُ يَحْتَفِظُ بِهِ. وَجَدْتُ فِيهِ رَسَائِلَ قَدِيمَةً… رَسَائِلَ كَتَبَهَا وَالِدِي، وَلَمْ تَكُنْ مُوَجَّهَةً إِلَى وَالِدَتِي.»
٨
شَعَرَ عَدْنَانُ بِبَرْدٍ مُبَاغِتٍ يَسْرِي فِي صَدْرِهِ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ لِمَاذَا.
سَأَلَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
— «إِلَى مَنْ كَانَتْ؟»
أَطَالَتْ رِيمُ النَّظَرَ إِلَيْهِ، كَأَنَّهَا تُدْرِكُ أَنَّ الْإِجَابَةَ سَتُغَيِّرُ كَثِيرًا مِمَّا يَعْرِفُهُ عَنْ نَفْسِهِ.
— «إِلَى امْرَأَةٍ مِنْ قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ دِمَشْقَ. تَعَرَّفَ إِلَيْهَا وَالِدِي خِلَالَ رِحْلَاتِهِ التِّجَارِيَّةِ بَيْنَ بَيْرُوتَ وَدِمَشْقَ فِي مُنْتَصَفِ الْخَمْسِينِيَّاتِ، قَبْلَ زَوَاجِهِ مِنْ أُمِّي بِسَنَوَاتٍ. وَمِنْ خِلَالِ الرَّسَائِلِ بَدَا لِي أَنَّ تِلْكَ الْعَلَاقَةَ لَمْ تَنْقَطِعْ بَعْدَ الزَّوَاجِ، بَلِ اسْتَمَرَّتْ، وَإِنْ عَلَى نَحْوٍ مُتَقَطِّعٍ.»
اِرْتَجَفَ نَفَسُهَا.
— «لَمْ أَكُنْ يَوْمَهَا أَفْهَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَكِنَّ اسْمًا وَاحِدًا كَانَ يَتَكَرَّرُ فِي الرَّسَائِلِ بِوُضُوحٍ… فَاطِمَةُ.»
لِلَحْظَةٍ، شَعَرَ عَدْنَانُ أَنَّ الْوَقْتَ تَوَقَّفَ.
اِنْحَسَرَ الصَّوْتُ مِنْ حَنْجَرَتِهِ، ثُمَّ هَمَسَ:
— «فَاطِمَةُ… اسْمُ أُمِّي.»
كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُخَاطِبُهَا، بَلْ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَأَكَّدَ أَنَّهُ لَمْ يُخْطِئِ السَّمْعَ.
قَالَتْ رِيمُ بِهُدُوءٍ مُثْقَلٍ:
— «لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ اسْمَ عَائِلَتِهَا. الرَّسَائِلُ لَمْ تَذْكُرْ إِلَّا اسْمَهَا الْأَوَّلَ، وَإِشَارَاتٍ مُتَكَرِّرَةً إِلَى قَرْيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ دِمَشْقَ. لَكِنَّ إِحْدَى الرَّسَائِلِ الْأَخِيرَةِ ذَكَرَتْ، بِصَرَاحَةٍ، اسْمَ الْحُصَيْنِيَّةِ، وَكَانَ وَالِدِي يَصِفُ فِيهَا زِيَارَةً قَامَ بِهَا إِلَى هُنَاكَ.»
اِرْتَسَمَ الْأَسَى عَلَى وَجْهِهَا.
— «وَعِنْدَمَا رَأَيْتُكَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي الْمَتْجَرِ، وَسَمِعْتُ أَنَّكَ مِنَ الْحُصَيْنِيَّةِ… شَعَرْتُ وَكَأَنَّ الْأَرْضَ تَمِيدُ بِي.»
سَكَتَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ أَكْمَلَتْ:
— «لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ الْقَرْيَةَ وَحْدَهَا. كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ فِي مَلَامِحِكَ… فِي عَيْنَيْكَ، وَفِي طَرِيقَةِ وُقُوفِكَ. ذَكَّرَنِي بِصُورَةٍ قَدِيمَةٍ لِوَالِدِي فِي شَبَابِهِ، رَأَيْتُهَا مَرَّةً فِي أَلْبُومٍ عَائِلِيٍّ. أَقْنَعْتُ نَفْسِي يَوْمَهَا بِأَنَّهُ تَشَابُهٌ عَابِرٌ، لَا أَكْثَرَ. لَكِنْ بَعْدَمَا عَرَفْتُ أَنَّكَ مِنَ الْقَرْيَةِ نَفْسِهَا الَّتِي ذَكَرَتْهَا الرَّسَائِلُ… بَدَأَ شَكٌّ ثَقِيلٌ يَنْمُو فِي دَاخِلِي، شَكٌّ لَمْ أَمْلِكِ الشَّجَاعَةَ لِمُوَاجَهَتِهِ طَوَالَ هَذِهِ السِّنِينَ.»
٩
بَقِيَ عَدْنَانُ جَالِسًا فِي مَكَانِهِ، كَأَنَّ الْكَلِمَاتِ جَرَّدَتْهُ مِنَ الْحَرَكَةِ.
تَدَافَعَتِ الصُّوَرُ فِي ذِهْنِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً: رِسَالَةُ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الَّتِي أَشَارَتْ إِلَى «الِابْنِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ»، وَذَلِكَ الشَّبَهُ الَّذِي لَفَتَ انْتِبَاهَ الْحَاجِّ نَفْسِهِ، وَنَظَرَاتُ أُمِّهِ الْمُلْتَبِسَةُ كُلَّمَا سُئِلَ عَمَّنْ يُشْبِهُ.
رَفَعَ رَأْسَهُ بِصُعُوبَةٍ.
— «هَلْ… تَعْنِينَ أَنَّ كَمَالَ الْحُورَانِيَّ قَدْ يَكُونُ وَالِدِي الْبَيُولُوجِيَّ؟ وَأَنَّكِ…»
لَمْ تَدَعْهُ يُكْمِلُ.
— «أُخْتُكَ… رُبَّمَا، مِنْ جِهَةِ الْأَبِ.»
وَاِنْهَمَرَتِ الدُّمُوعُ عَلَى وَجْنَتَيْهَا.
— «لَا أَمْلِكُ يَقِينًا، عَدْنَان. كُلُّ مَا لَدَيَّ مُجَرَّدُ اِسْتِنْتَاجٍ بَنَيْتُهُ عَلَى رَسَائِلَ قَدِيمَةٍ، وَتَشَابُهِ مَلَامِحَ، وَتَقَاطُعِ تَوَارِيخَ. لَيْسَ بَيْنَ يَدَيَّ دَلِيلٌ عِلْمِيٌّ يَحْسِمُ الْأَمْرَ. وَلَكِنَّنِي حَمَلْتُ هَذَا الِاحْتِمَالَ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ عَامًا، أَخَافُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِهِ فَأَكُونَ مُخْطِئَةً، فَأُرْبِكَ حَيَاتَكَ بِغَيْرِ حَقٍّ… وَأَخَافُ، بِالْقَدْرِ نَفْسِهِ، أَنْ أَكُونَ عَلَى صَوَابٍ، فَأُجْبَرَ عَلَى مُوَاجَهَةِ حَقِيقَةٍ لَمْ أَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِحَمْلِهَا.»
مَضَتْ دَقَائِقُ، وَلَمْ يَنْطِقْ عَدْنَانُ بِكَلِمَةٍ.
كَانَ يُحَاوِلُ أَنْ يُرَتِّبَ الْفَوْضَى الَّتِي اِنْفَجَرَتْ فِي دَاخِلِهِ، بَيْنَمَا كَانَتْ رِيمُ تُرَاقِبُهُ فِي صَمْتٍ، وَقَلَقٌ خَافِتٌ يَتَسَرَّبُ مِنْ عَيْنَيْهَا، كَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ تَكُونَ قَدْ أَضَافَتْ إِلَى مَا يَحْمِلُهُ مِنْ أَثْقَالٍ مَا يَفُوقُ طَاقَتَهُ.
وَأَخِيرًا قَالَ:
— «لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرِينِي مِنْ قَبْلُ؟ كَانَ بِإِمْكَانِكِ أَنْ تَتَوَاصَلِي مَعِي فِي أَيِّ وَقْتٍ خِلَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ.»
اِنْفَرَجَتْ شَفَتَا رِيمَ عَنْ اِبْتِسَامَةٍ شَاحِبَةٍ، مَشُوبَةٍ بِالْأَسَى.
— «حَاوَلْتُ… أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ. بَحَثْتُ عَنْكَ بَعْدَ اخْتِفَاءِ وَالِدِي، وَبَعْدَمَا اِسْتَقَرَرْتُ فِي دِمَشْقَ، لَكِنَّكَ كُنْتَ قَدْ غَادَرْتَ الْبِلَادَ. وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْيَسِيرِ، يَوْمَهَا، أَنْ يَعْثُرَ أَحَدٌ عَلَى مُهَاجِرٍ سُورِيٍّ فِي أُورُوبَّا، يَحْمِلُ اسْمًا شَائِعًا كَاسْمِكَ. ثُمَّ مَرَّتِ الْأَعْوَامُ، وَبَنَى كُلٌّ مِنَّا حَيَاتَهُ، وَبَدَا ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ كَأَنَّهُ ذِكْرَى بَعِيدَةٌ، لَا حَقِيقَةٌ يُمْكِنُ مُلَاحَقَتُهَا… حَتَّى وَصَلَتْ رِسَالَتُكَ، فَأَعَادَتْ فَتْحَ كُلِّ شَيْءٍ.»
— «هَلْ أَخْبَرْتِ أَحَدًا غَيْرِي؟… وَالِدَتِي، مَثَلًا؟»
هَزَّتْ رَأْسَهَا.
— «لَا. لَمْ أَجْرُؤْ قَطُّ عَلَى التَّوَاصُلِ مَعَهَا. شَعَرْتُ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَقًّا لِي، وَأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ، إِنْ كَانَ يَخُصُّ أَحَدًا، فَهُوَ يَخُصُّكَ أَنْتَ قَبْلَ غَيْرِكَ.»
رَفَعَ عَدْنَانُ نَظَرَهُ إِلَى وَجْهِهَا، يُحَاوِلُ أَنْ يَلْتَقِطَ فِي مَلَامِحِهَا أَثَرًا مِنْ مَلَامِحِهِ، أَوْ دَلِيلًا يُقَرِّبُهُ مِنَ الْيَقِينِ. لَمْ يَرَ سِوَى امْرَأَةٍ أَثْقَلَتْهَا السِّنُونُ وَالْجِرَاحُ، وَيَسْكُنُ عَيْنَيْهَا الصِّدْقُ نَفْسُهُ الَّذِي رَآهُ فِيهِمَا قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، حِينَ كَانَتْ فَتَاةً شَابَّةً تُخْفِي فِي يَدِهِ وَرَقَةً صَغِيرَةً، لَمْ يُدْرِكْ مَعْنَاهَا إِلَّا الْآنَ، فِي غُرْفَةِ مُسْتَشْفًى دِمَشْقِيَّةٍ، بَعْدَ أَنْ قَطَعَ نِصْفَ الْعَالَمِ بَاحِثًا عَنْ حَقِيقَةٍ لَمْ يَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّهَا سَتَكُونُ بِهَذَا الْقُرْبِ… وَبِهَذَا الثِّقَلِ.
١٠
بَقِيَ عَدْنَانُ إِلَى جَانِبِ سَرِيرِ رِيمَ زَمَنًا طَوِيلًا. لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ بَيْنَهُمَا فَرَاغًا، بَلْ كَانَ مُثْقَلًا بِكُلِّ مَا عَجَزَتِ الْكَلِمَاتُ عَنْ حَمْلِهِ. وَمِنْ خِلَالِ السَّتَائِرِ نِصْفِ الْمُغْلَقَةِ، كَانَ ضَوْءُ الْمَسَاءِ يَتَسَرَّبُ إِلَى الْغُرْفَةِ فِي هُدُوءٍ، كَأَنَّهُ يُطِيلُ أَمَدَ اللَّحْظَةِ، وَلَا يُرِيدُ لَهَا أَنْ تَنْقَضِي.
تَوَجَّهَتْ أَفْكَارُهُ إِلَى أُمِّهِ، إِلَى الْقَرْيَةِ الْبَعِيدَةِ، وَإِلَى السُّؤَالِ الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ أَإِذَا كَانَ يَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ لِيَطْرَحَهُ عَلَيْهَا، أَمْ أَنَّهُ سَيُبْقِيهِ حَبِيسَ صَدْرِهِ إِلَى الْأَبَدِ.
ثُمَّ حَضَرَتْ صُورَةُ مَحْمُودِ الرَّافِعِيِّ، الرَّجُلِ الَّذِي رَبَّاهُ، وَأَحَاطَهُ بِمَحَبَّةٍ لَمْ يَنْقُصْهَا شَيْءٌ. فَغَمَرَهُ شُعُورٌ مُرِيرٌ بِالذَّنْبِ؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ التَّفْكِيرِ فِي أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْوَدُودَ قَدْ يَكُونُ حَمَلَ سِرًّا مُوجِعًا طَوَالَ عُمْرِهِ، وَآثَرَ الصَّمْتَ لِيَحْمِيَ أُسْرَةً أَحَبَّهَا بِإِخْلَاصٍ، كَانَ يُثْقِلُ قَلْبَهُ بِمَا لَا يُحْتَمَلُ.
وَشَيْئًا فَشَيْئًا، أَدْرَكَ أَنَّ الرِّحْلَةَ الَّتِي جَاءَ مِنْ أَجْلِهَا لَمْ تَعُدْ هِيَ الرِّحْلَةَ نَفْسَهَا.
فَقَدْ بَدَأَتْ سَعْيًا لِفَكِّ لُغْزِ اخْتِفَاءِ مُعَلِّمِهِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ اِنْقَلَبَتْ، دُونَ أَنْ يَشْعُرَ، إِلَى رِحْلَةٍ أُخْرَى؛ رِحْلَةٍ تَقُودُهُ نَحْوَ نَفْسِهِ، وَنَحْوَ جُذُورٍ لَمْ يَعْرِفْهَا، وَإِلَى امْرَأَةٍ تَجْلِسُ أَمَامَهُ الْآنَ، تَشَارِكُهُ دَمًا قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً، وَقَدْ يَكُونُ مُجَرَّدَ ظَنٍّ بَعِيدٍ. غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الِاحْتِمَالَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ صِحَّتِهِ، أَصْبَحَ جُزْءًا لَا يَنْفَصِلُ عَنْ حِكَايَتِهِ، وَعَنْ تِلْكَ الْخُيُوطِ الْمُتَدَاخِلَةِ الَّتِي كَانَتْ تَنْكَشِفُ أَمَامَهُ طَبَقَةً بَعْدَ طَبَقَةٍ، وَتَزْدَادُ عُمْقًا وَثِقَلًا مَعَ كُلِّ يَوْمٍ.
وَعِنْدَمَا هَمَّ بِالْمُغَادَرَةِ، أَمْسَكَ بِيَدِ رِيمَ بِرِفْقٍ. كَانَتْ يَدُهَا بَارِدَةً وَمُتْعَبَةً، لَكِنَّهَا أَحْكَمَتْ قَبْضَتَهَا عَلَى يَدِهِ لِحَظَةً، كَأَنَّهَا تُثَبِّتُ وَعْدًا صَامِتًا لَا تَحْتَاجُ الْكَلِمَاتُ إِلَى النُّطْقِ بِهِ.
قَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
— «سَأَعُودُ غَدًا صَبَاحًا.»
اِبْتَسَمَتْ لَهُ ابْتِسَامَةً وَاهِنَةً، دُونَ أَنْ تُجِيبَ.
وَهُوَ يُغَادِرُ الْغُرْفَةَ، لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَا سَمِعَهُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ لَمْ يَكُنْ سِوَى الْبَابِ الْأَوَّلِ فِي سِلْسِلَةٍ مِنَ الْحَقَائِقِ الَّتِي سَتُعِيدُ، وَاحِدَةً تِلْوَ الْأُخْرَى، تَشْكِيلَ كُلِّ مَا آمَنَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنِ الْعَائِلَةِ الَّتِي نَشَأَ بَيْنَ أَحْضَانِهَا.
وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الطَّرِيقَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ مَا قَطَعَهُ، لَمْ يَبْدَأْ بَعْدُ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ وَأَنَّ الْخُطْوَاتِ الَّتِي تَنْتَظِرُهُ سَتَكُونُ أَشَدَّ وَعُورَةً وَأَبْعَدَ مِمَّا تَخَيَّلَ يَوْمَ حَطَّتْ قَدَمَاهُ عَلَى أَرْضِ بَيْرُوتَ، قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ جَاءَ لِيَبْحَثَ عَنْ رَجُلٍ مَفْقُودٍ، لَا عَنْ نَفْسِهِ.
