Numan Albarbari نعمان البربري

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 13

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ

الْفَصْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ

١
لَمْ يَنَمْ عَدْنَانُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ إِلَّا نَوْبَاتٍ قَصِيرَةً مُتَقَطِّعَةً، إِذْ كَانَتْ عِبَارَةُ رِيمَ تَتَرَدَّدُ فِي دَاخِلِهِ كَشَرِيطٍ لَا يَتَوَقَّفُ: “أُخْتُكَ، رُبَّمَا، مِنْ نَاحِيَةِ الْأَبِ.” نَهَضَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِوَقْتٍ طَوِيلٍ، وَجَلَسَ عِنْدَ نَافِذَةِ الْفُنْدُقِ يُرَاقِبُ دِمَشْقَ وَهِيَ تَنْفُضُ عَنْهَا نُعَاسَ اللَّيْلِ بِبُطْءٍ، وَقَدْ اسْتَقَرَّ فِي دَاخِلِهِ قَرَارٌ لَا رَجْعَةَ عَنْهُ: لَنْ يَحْتَمِلَ هَذَا السُّؤَالَ يَوْمًا وَاحِدًا آخَرَ مُعَلَّقًا فِي صَدْرِهِ دُونَ أَنْ يُوَاجِهَ بِهِ الشَّخْصَ الْوَحِيدَ الَّذِي قَدْ يَمْلِكُ جَوَابًا حَقِيقِيًّا، لَا مُجَرَّدَ اسْتِنْتَاجَاتٍ تَتَكِئُ عَلَى رَسَائِلَ بَالِيَةٍ وَتَشَابُهِ مَلَامِحَ.
أُمُّهُ، فَاطِمَةُ الرَّافِعِيُّ، كَانَتْ لَا تَزَالُ عَلَى قَيْدِ الْحَيَاةِ، فِي الثَّامِنَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهَا، تُقِيمُ مُنْذُ خَمْسِ سَنَوَاتٍ فِي دَارِ رِعَايَةٍ هَادِئَةٍ بِضَاحِيَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ دِمَشْقَ، بَعْدَمَا غَدَتْ رِعَايَتُهَا فِي الْقَرْيَةِ عِبْئًا ثَقِيلًا عَلَى إِخْوَتِهِ الْمُقِيمِينَ هُنَاكَ. كَانَ عَدْنَانُ يَزُورُهَا كُلَّ عَامٍ تَقْرِيبًا، مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا مُكَالَمَاتٌ هَاتِفِيَّةٌ مُنْتَظِمَةٌ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِهِ يَوْمًا، طَوَالَ تِلْكَ الزِّيَارَاتِ كُلِّهَا، أَنْ يَطْرَحَ عَلَيْهَا سُؤَالًا كَهَذَا.
اتَّصَلَ بِكَرِيمَ أَوَّلًا، قَبْلَ أَنْ يَتَّجِهَ إِلَى دَارِ الرِّعَايَةِ، لَا لِيُخْبِرَهُ بِشَيْءٍ، بَلْ لِيَسْمَعَ صَوْتَهُ، وَلِيَتَذَكَّرَ لِمَاذَا شَرَعَ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ أَصْلًا، وَلِمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يَجِدَ إِجَابَاتٍ حَقِيقِيَّةً.
“أَبِي، صَوْتُكَ مُتْعَبٌ جِدًّا. هَلْ أَنْتَ مُتَأَكِّدٌ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا يُرَامُ؟”
“سَأُخْبِرُكَ بِكُلِّ شَيْءٍ قَرِيبًا، يَا كَرِيمُ، أَعِدُكَ. فَقَطْ امْنَحْنِي بِضْعَةَ أَيَّامٍ أُخْرَى.”
٢
اسْتَقَلَّ عَدْنَانُ سَيَّارَةَ أُجْرَةٍ نَحْوَ دَارِ الرِّعَايَةِ، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ طَوَالَ الطَّرِيقِ بِإِيقَاعٍ لَا يُشْبِهُ إِيقَاعَهُ الْمُعْتَادَ. رَاجَعَ فِي ذِهْنِهِ، مِرَارًا وَتَكْرَارًا، الصِّيَاغَةَ الَّتِي سَيَطْرَحُ بِهَا سُؤَالَهُ، بَاحِثًا عَنْ عِبَارَةٍ لَا تَجْرَحُ أُمَّهُ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ مُسْبَقًا أَنَّهُ لَا وُجُودَ لِعِبَارَةٍ تُخَفِّفُ حَقًّا وَقْعَ سُؤَالٍ كَهَذَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي الثَّامِنَةِ وَالثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهَا.
كَانَ الْمَكَانُ هَادِئًا، حَدِيقَةً صَغِيرَةً مُزْهِرَةً تُحِيطُ بِمَبْنًى بَسِيطٍ نَظِيفٍ، وَمُمَرِّضَاتٍ وَدُودَاتٍ يَعْرِفْنَ عَدْنَانَ مِنْ زِيَارَاتِهِ السَّابِقَةِ الْقَلِيلَةِ. حَيَّا الْمُمَرِّضَةَ الْمَسْؤُولَةَ عَنْ جَنَاحِ أُمِّهِ، امْرَأَةً شَابَّةً لَطِيفَةً تُدْعَى هَالَةَ، سَأَلَتْهُ عَنْ رِحْلَتِهِ وَعَنْ أَحْوَالِ أَلْمَانْيَا بِلُطْفٍ مُعْتَادٍ، دُونَ أَنْ تَلْحَظَ التَّوَتُّرَ الشَّدِيدَ الَّذِي يُحَاوِلُ إِخْفَاءَهُ خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ مُهَذَّبَةٍ.
وَجَدَ أُمَّهُ جَالِسَةً فِي حَدِيقَةِ الدَّارِ، تَحْتَ شَجَرَةِ زَيْتُونٍ عَتِيقَةٍ، تَلُفُّ حَوْلَ كَتِفَيْهَا شَالًا صُوفِيًّا رَغْمَ دِفْءِ الطَّقْسِ، وَوَجْهُهَا الَّذِي حَمَلَ دَائِمًا ذَلِكَ الطِّيبَ الْهَادِئَ الَّذِي عَرَفَهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ، أَشْرَقَ فَرَحًا حِينَ رَأَتْهُ يَقْتَرِبُ.
“عَدْنَانُ! يَا حَبِيبِي، لَمْ تُخْبِرْنِي أَنَّكَ قَادِمٌ! لَوْ أَخْبَرْتَنِي، لَطَلَبْتُ مِنَ الْمُمَرِّضَةِ أَنْ تُجَهِّزَ لَكَ الْقَهْوَةَ الَّتِي تُحِبُّهَا.”
احْتَضَنَهَا بِحَرَارَةٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يُخْفِيَ الِاضْطِرَابَ الَّذِي يَعْتَصِرُهُ. “أَرَدْتُ أَنْ أُفَاجِئَكِ يَا أُمِّي. كَيْفَ حَالُكِ؟”
“الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَا بُنَيَّ، أَفْضَلُ مِمَّا تَسْتَحِقُّهُ امْرَأَةٌ فِي عُمْرِي.” ضَحِكَتْ ضَحْكَتَهَا الْمَعْهُودَةَ، ثُمَّ رَمَقَتْهُ بِنَظْرَةٍ فَاحِصَةٍ، بِحَدْسِ الْأُمَّهَاتِ الَّذِي لَا يُخْطِئُ أَبَدًا مَهْمَا تَقَدَّمَ بِهِنَّ الْعُمْرُ. “لَكِنَّ وَجْهَكَ، يَا عَدْنَانُ، لَا يَحْمِلُ بَهْجَةَ زِيَارَةٍ عَابِرَةٍ. ثَمَّةَ شَيْءٌ يُثْقِلُ عَلَيْكَ. أَخْبِرْنِي.”
٣
جَلَسَ عَدْنَانُ عَلَى الْمَقْعَدِ الْحَجَرِيِّ بِجِوَارِهَا، صَامِتًا لِلَحَظَاتٍ طَوِيلَةٍ، يَبْحَثُ عَنِ الطَّرِيقَةِ الْأَقَلِّ قَسْوَةً لِسُؤَالٍ لَا وُجُودَ لَهُ حَقًّا فِي طَرِيقَةٍ لَطِيفَةٍ.
“أُمِّي، أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْمَاضِي، مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا، وَأَرْجُو أَنْ تُسَامِحِينِي إِنْ كَانَ السُّؤَالُ مُؤْلِمًا.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَاطِمَةُ بِقَلَقٍ مُتَزَايِدٍ، لَكِنَّهَا أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، مُشَجِّعَةً إِيَّاهُ عَلَى الْمُضِيِّ قُدُمًا.
“هَلْ تَتَذَكَّرِينَ، مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، قَبْلَ أَنْ أُولَدَ، أَيَّ عَلَاقَةٍ، أَيَّ مَعْرِفَةٍ، جَمَعَتْكِ بِرَجُلٍ يُدْعَى كَمَالَ الْحَورَانِيَّ؟ تَاجِرٍ مِنْ بَيْرُوتَ؟”
شَحُبَ وَجْهُ فَاطِمَةَ فَجْأَةً، عَلَى نَحْوٍ لَمْ يَرَهُ عَلَيْهَا مِنْ قَبْلُ، حَتَّى فِي أَقْسَى لَحَظَاتِ مَرَضِهَا الْقَدِيمِ. حَوَّلَتْ نَظَرَهَا بَعِيدًا، نَحْوَ أَشْجَارِ الْحَدِيقَةِ، صَامِتَةً طَوِيلًا، بَيْنَمَا أَخَذَتْ يَدَاهَا تَرْتَجِفَانِ بِوُضُوحٍ فَوْقَ حِجْرِهَا.
“مَنْ أَخْبَرَكَ بِهَذَا الِاسْمِ؟” سَأَلَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ لَمْ يَعُدْ يُشْبِهُ مَرَحَهَا الْمُعْتَادَ.
٤
“سَيِّدَةٌ تُدْعَى رِيمَ، ابْنَةُ كَمَالَ الْحَورَانِيِّ، أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا عَثَرَتْ عَلَى رَسَائِلَ قَدِيمَةٍ كَتَبَهَا وَالِدُهَا لِامْرَأَةٍ تُدْعَى فَاطِمَةَ، مِنْ قَرْيَةِ الْحُسَيْنِيَّةِ، تَعُودُ إِلَى مُنْتَصَفِ الْخَمْسِينِيَّاتِ.” حَاوَلَ عَدْنَانُ أَنْ يُبْقِيَ صَوْتَهُ هَادِئًا، رَغْمَ أَنَّ قَلْبَهُ كَانَ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ. “أُمِّي، أَرْجُوكِ، أَخْبِرِينِي بِالْحَقِيقَةِ. هَلْ كَانَ كَمَالٌ الْحَورَانِيُّ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ هُوَ وَالِدِيَ الْبِيُولُوجِيَّ؟”
بَقِيَتْ فَاطِمَةُ صَامِتَةً دَقَائِقَ طَوِيلَةً، وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بِدُمُوعٍ لَمْ تَنْزِلْ بَعْدُ، وَيَدَاهَا تَتَشَابَكَانِ بِقُوَّةٍ فَوْقَ حِجْرِهَا، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ فِيهِمَا عَنْ ثَبَاتٍ تَفْتَقِدُهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ حَوْلَهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
“عَدْنَانُ” بَدَأَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ يُثْقِلُهُ صَمْتُ عُقُودٍ. “لَقَدْ حَانَ الْوَقْتُ، أَظُنُّ، لِأُخْبِرَكَ بِحَقِيقَةٍ حَمَلْتُهَا وَحْدِي طَوَالَ حَيَاتِي، حَقِيقَةٍ ظَنَنْتُ أَنِّي سَأَدْفِنُهَا مَعِي حِينَ أَمُوتُ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَهَا أَحَدٌ.”
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا، مُنْتَظِرًا، وَقَلْبُهُ يَكَادُ يَتَوَقَّفُ.
“نَعَمْ، عَرَفْتُ كَمَالَ الْحَورَانِيَّ، مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا، حِينَ كُنْتُ لَا أَزَالُ فَتَاةً صَغِيرَةً فِي السَّابِعَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِي، قَبْلَ زَوَاجِي مِنْ وَالِدِكَ مَحْمُودٍ بِثَلَاثِ سِنِينَ كَامِلَةٍ. كَانَ تَاجِرًا وَسِيمًا، يَمُرُّ أَحْيَانًا عَبْرَ قَرْيَتِنَا فِي طَرِيقِهِ بَيْنَ دِمَشْقَ وَبَيْرُوتَ، مُحَمَّلًا بِأَقْمِشَةٍ فَاخِرَةٍ يَبِيعُهَا لِتُجَّارِ الْمِنْطَقَةِ، وَكَانَ يَتَوَقَّفُ أَحْيَانًا عِنْدَ بِئْرِ الْقَرْيَةِ لِيَسْتَرِيحَ، حَيْثُ كُنْتُ أَذْهَبُ مَعَ صَدِيقَاتِي لِجَلْبِ الْمَاءِ.” تَوَقَّفَتْ فَاطِمَةُ، وَرَسَمَتِ ابْتِسَامَةٌ حَزِينَةٌ بَعِيدَةٌ نَفْسَهَا عَلَى شَفَتَيْهَا، ذِكْرَى امْرَأَةٍ تَسْتَحْضِرُ بَعْدَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ حَمَاقَاتِ شَبَابِهَا الْبَعِيدِ. “كَانَ مُخْتَلِفًا عَنْ كُلِّ شَابٍّ عَرَفْتُهُ فِي الْقَرْيَةِ، أَنِيقًا، بَارِعَ الْحَدِيثِ، يَحْكِي لِي عَنْ مُدُنٍ لَمْ أَرَهَا قَطُّ. أَقَامَ عَلَاقَةً مَعِي، عَلَاقَةً سِرِّيَّةً بِالطَّبْعِ، لَا تَلِيقُ بِفَتَاةٍ فِي عُمْرِي فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ، عَلَاقَةً اسْتَمَرَّتْ أَشْهُرًا قَلِيلَةً قَبْلَ أَنْ يَخْتَفِيَ فَجْأَةً، دُونَ تَفْسِيرٍ، لِيَتَزَوَّجَ، كَمَا أَخبَرَنِي لَاحِقًا تَاجِرٌ آخَرُ مَرَّ بِالْقَرْيَةِ، مِنِ امْرَأَةٍ بَيْرُوتِيَّةٍ مِنْ طَبَقَتِهِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.”
“أَلَمْ تُحَاوِلِي أَنْ تَعرِفِي أخْبَارَهُ؟”
هَزَّتْ فَاطِمَةُ رَأْسَهَا بِأَسًى. “حَاوَلْتُ، يَا بُنَيَّ، أَرْسَلْتُ لَهُ رِسَالَةً وَاحِدَةً، عَبْرَ عُنْوَانٍ تِجَارِيٍّ كَانَ قَدْ أَعْطَانِي إِيَّاهُ ذَاتَ مَرَّةٍ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ عَاطِفِيٍّ، لَكِنِّي لَمْ أَتَلَقَّ رَدًّا أَبَدًا. لَا أَعْرِفُ حَتَّى الْيَوْمَ إِنْ كَانَتِ الرِّسَالَةُ قَدْ وَصَلَتْهُ أَصْلًا، أَمْ إِنْ كَانَ قَدْ تَجَاهَلَهَا عَمْدًا، خَوْفًا مِنَ الْفَضِيحَةِ الَّتِي قَدْ تُلْحِقُ الضَّرَرَ بِزَوَاجِهِ الْجَدِيدِ.”
٥
“إِذَنْ هُوَ وَالِدِي فِعْلًا؟” سَأَلَ عَدْنَانُ بِصَوْتٍ يَكَادُ لَا يُسْمَعُ.
هَزَّتْ فَاطِمَةُ رَأْسَهَا بِبُطْءٍ، بِحَزْمٍ مُفَاجِئٍ وَسْطَ كُلِّ ذَلِكَ الِاضْطِرَابِ الْعَاطِفِيِّ. “لَا، يَا عَدْنَانُ. لَيْسَ هُوَ. وَهُنَا تَبْدَأُ الْحَقِيقَةُ الْأَصْعَبُ الَّتِي حَمَلْتُهَا طَوَالَ حَيَاتِي.”
نَظَرَ إِلَيْهَا عَدْنَانُ بِارْتِبَاكٍ مُتَزَايِدٍ. “لَا أَفْهَمُ، أُمِّي.”
تَنَهَّدَتْ فَاطِمَةُ بِعُمْقٍ، وَأَخَذَتْ وَقْتَهَا قَبْلَ أَنْ تُكْمِلَ، كَأَنَّهَا تَجْمَعُ آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنْ شَجَاعَتِهَا لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ. “بَعْدَ اخْتِفَاءِ كَمَالٍ، وَجَدْتُ نَفْسِي فِي وَضْعٍ بَالِغِ الصُّعُوبَةِ، يَا بُنَيَّ، فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَا تَرْحَمُ فَتَاةً فِي وَضْعِي. كُنْتُ خَائِفَةً، وَحِيدَةً، وَيَائِسَةً عَلَى نَحْوٍ لَا يَسَعُ أَحَدًا الْيَوْمَ أَنْ يَتَخَيَّلَهُ.”
تَوَقَّفَتْ، وَمَسَحَتْ دَمْعَةً تَسَلَّلَتْ أَخِيرًا مِنْ طَرَفِ عَيْنِهَا. “فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ بِالذَّاتِ، سَافَرْتُ إِلَى دِمَشْقَ، بِحُجَّةِ زِيَارَةِ عَمَّةٍ بَعِيدَةٍ، لَكِنِّي فِي الْحَقِيقَةِ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ طَرِيقَةٍ لِلتَّعَامُلِ مَعْ وَضْعِي، بِأَيِّ شَكْلٍ مُمْكِنٍ. فَكَّرْتُ فِي أُمُورٍ لَا أَجْرُؤُ حَتَّى الْيَوْمَ عَلَى تَسْمِيَتِهَا بِصَوْتٍ عَالٍ، يَا عَدْنَانُ، مِنْ فَرْطِ الْيَأْسِ الَّذِي اجْتَاحَنِي فِي تِلْكَ الْأَسَابِيعِ، فِي زَمَنٍ كَانَتْ فِيهِ فَتَاةٌ فِي وَضْعِي تُعَدُّ عَارًا يَسْتَحِقُّ النَّبْذَ، أَوْ مَا هُوَ أَسْوَأُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ.”
“كَيْفَ الْتَقَيْتِ بِالْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِالضَّبْطِ؟”
“فِي السُّوقِ، بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ، أَوْ هَكَذَا ظَنَنْتُ حِينَهَا.” ابْتَسَمَتْ فَاطِمَةُ ابْتِسَامَةً بَعِيدَةً، كَأَنَّهَا تَسْتَحْضِرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِتَفَاصِيلِهِ كَامِلَةً. “كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْ طَرِيقِ يُوْصِلُنِي إِلَيْهِ، تَائِهَةً بَيْنَ أَزِقَّةِ السُّوقِ الْقَدِيمِ الضَّيِّقَةِ، حِينَ أُغْمِيَ عَلَيَّ فَجْأَةً، مِنَ التَّعَبِ وَالْقَلَقِ وَالْجُوعِ، أَمَامَ أَحَدِ الْمَتَاجِرِ مُبَاشَرَةً. كَانَ هَذَا مَتْجَرَ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، وَكَانَ هُوَ أَوَّلَ مَنْ هَرَعَ لِمُسَاعَدَتِي، حَمَلَ مَاءً بَارِدًا، وَأَجْلَسَنِي فِي ظِلِّ مَتْجَرِهِ حَتَّى اسْتَعَدْتُ وَعْيِي بِالْكَامِلِ.”
“وَمَاذَا حَدَثَ بَعْدَ ذَلِكَ؟”
“لَاحَظَ، بِحِكْمَةِ رَجُلٍ عَاشَ وَجَرَّبَ كَثِيرًا، أَنَّ حَالَتِي لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِعْيَاءٍ عَابِرٍ، وَأَنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا أَعْمَقَ يُثْقِلُ عَلَيَّ. لَمْ يَسْأَلْنِي مُبَاشَرَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ نَفْسَهُ، بَلْ تَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا بِلُطْفٍ، بِجُمَلٍ بَسِيطَةٍ مِنْ قَبِيلِ: ‘إِنِ احْتَجْتِ مُسَاعَدَةً، يَا ابْنَتِي، فَهَذَا الْمَتْجَرُ مَفْتُوحٌ لَكِ دَائِمًا.’ وَحِينَ عُدْتُ إِلَيْهِ، بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنَ التَّرَدُّدِ الشَّدِيدِ، وَأَخْبَرْتُهُ بِجُزْءٍ مِنَ الْحَقِيقَةِ، لَمْ يَحْكُمْ عَلَيَّ، وَلَمْ يُوَبِّخْنِي، بَلْ تَعَامَلَ مَعِي بِكَرَامَةٍ وَاحْتِرَامٍ لَمْ أَعْرِفْ مِثْلَهُمَا مِنْ أَحَدٍ فِي حَيَاتِي كُلِّهَا حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ.”
٦
تَوَقَّفَ قَلْبُ عَدْنَانَ تَمَامًا لِلَحْظَةٍ، وَشَعَرَ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ يَتَوَقَّفُ مَعَهُ.
“تَوْفِيقٌ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ النَّابُلُسِيُّ؟”
أَوْمَأَتْ فَاطِمَةُ بِرَأْسِهَا، وَدُمُوعُهَا تَسِيلُ الْآنَ بِحُرِّيَّةٍ عَلَى وَجْنَتَيْهَا الْمُتَجَعِّدَتَيْنِ. “نَعَمْ، يَا بُنَيَّ. الرَّجُلُ الَّذِي عَمِلْتَ عِنْدَهُ لَاحِقًا، دُونَ أَنْ تَعْرِفَ، وَدُونَ أَنْ يُخْبِرَكَ هُوَ نَفْسُهُ، الصِّلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ الَّتِي جَمَعَتْنَا قَبْلَ سَنَوَاتٍ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي دَخَلْتَ فِيهِ مَتْجَرَهُ طَالِبًا عَمَلًا.”
“مَاذَا حَدَثَ بَيْنَكُمَا، أُمِّي؟”
“لَمْ يَحْدُثْ بَيْنَنَا مَا تَتَخَيَّلُهُ، يَاعَدْنَانُ. كَانَ تَوْفِيقٌ حِينَهَا رَجُلًا مُتَزَوِّجًا، مُخْلِصًا لِزَوْجَتِهِ تَمَامًا، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَبَدًا رَجُلًا يَسْتَغِلُّ ضَعْفَ امْرَأَةٍ يَائِسَةٍ، تَزَوَجَنِي بِالسِّرِّ، بَعدَ أَنْ عَلِمَ بِوَضْعِي، مِنْ خِلَالِ مُحَادَثَةٍ عَابِرَةٍ صَادَفَ أَنْ كَشَفَت لَهُ جُزْءًا مِنَ حَقِيقَةِ شَرِيكِهِ، دُونَ أَنْ أَقْصِدَ، وَأَظْهَرَ لِي طِيبَةً لَمْ أَنْسَهَا أَبَدًا طَوَالَ حَيَاتِي: سَاعَدَنِي مَالِيًّا دُونَ أَنْ يَطْلُبَ شَيْئًا فِي الْمُقَابِلِ، وَرَتَّبَ لِي إِقَامَةً آمِنَةً فِي بَيْتٍ قَرِيبٍ مِنْ مَتْجَرِهِ فِي دِمَشْقَ، ثُمَّ سَاعَدَنِي عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الْقَرْيَةِ بِهَذِهِ القِصَّةِ المَقْبُولَةِ اجْتِمَاعِيًّا الَّتِي غَطَّتْ غِيَابِي الطَّوِيلَ.”
٧
“لَكِنَّ هَذَا لَا يُفَسِّرُ، أُمِّي، لِمَاذَا كَتَبَ لِي رِسَالَةً يَصِفُنِي فِيهَا بِـ’الِابْنِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ أَبَاهُ’، وَلِمَاذَا اخْتَارَنِي أَنَا بِالذَّاتِ، مِنْ بَيْنِ كُلِّ النَّاسِ، لِيَأْتَمِنَنِي عَلَى أَسْرَارِ عَائِلَتِهِ الْخَاصَّةِ.”
رَمَقَتْ فَاطِمَةُ ابْنَهَا بِنَظْرَةٍ طَوِيلَةٍ، مُثْقَلَةٍ بِأَلَمٍ قَدِيمٍ لَمْ يَنْدَمِلْ تَمَامًا رَغْمَ مُرُورِ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ. “لِأَنَّ ثَمَّةَ جُزْءًا آخَرَ مِنَ الْحَقِيقَةِ، يَا عَدْنَانُ، جُزْءًا لَمْ أُخْبِرْ بِهِ أَحَدًا عَلَى الْإِطْلَاقِ، حَتَّى وَالِدُكَ مَحْمُودٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، لَمْ يَعْرِفْهُ كَامِلًا.” أَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا مُرْتَجِفًا. “لَمْ يَكْتَفِ تَوْفِيقٌ بِمُسَاعَدَتِي مَالِيًّا فَقَطْ. فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ الَّتِي قَضَيْتُهَا فِي دِمَشْقَ، وَحِيدَةً، خَائِفَةً، وَجَدْتُ فِي هَذَا الرَّجُلِ الطَّيِّبِ أُذُنًا صَاغِيَةً، وَكَتِفًا أَبْكِي عَلَيْهِ، وَدَعْمًا عَاطِفِيًّا لَمْ أَجِدْهُ مِنْ أَيِّ إِنْسَانٍ آخَرَ فِي حَيَاتِي حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ. تَقَارَبْنَا، يَا بُنَيَّ، عَلَى نَحْوٍ لَمْ أُخَطِّطْ لَهُ، وَلَمْ يُخَطِّطْ لَهُ هُوَ أَيْضًا عَلَى الْأَرْجَحِ، تَقَارُبٌ إِنْسَانِيٌّ عَمِيقٌ تَجَاوَزَ حُدُودَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَ رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ مِنْ امْرَأَةٍ فِي وَضْعِي.”
جَلَسَ عَدْنَانُ مُسَمَّرًا فِي مَكَانِهِ، عَاجِزًا عَنِ الْكَلَامِ، بَيْنَمَا تَابَعَتْ أُمُّهُ، بِصَوْتٍ صَارَ الْآنَ أَكْثَرَ ثَبَاتًا، كَأَنَّ التَّحَرُّرَ مِنْ هَذَا السِّرِّ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ مَنَحَهَا قُوَّةً لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُهَا قَبْلَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ.
“لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْزِمَ لَكَ، يَا عَدْنَانُ، بِيَقِينٍ تَامٍّ، مَنْ هُوَ وَالِدُكَ الْبِيُولُوجِيُّ الْحَقِيقِيُّ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، كَمَالٍ أَوْ تَوْفِيقٍ، لِأَنَّ التَّوْقِيتَ، لِلْأَسَفِ الشَّدِيدِ، كَانَ مُتَقَارِبًا بِمَا يَكْفِي لِيَجْعَلَ الْأَمْرَ غَامِضًا حَتَّى بِالنِّسْبَةِ لِي أَنَا نَفْسِي. لَكِنِّي أُخْبِرُكَ بِصِدْقٍ، مِنْ كُلِّ قَلْبِي: شُعُورِي، حَدْسِي كَامْرَأَةٍ وَأُمٍّ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينِ، كَانَ دَائِمًا يَمِيلُ نَحْوَ تَوْفِيقٍ. رَأَيْتُ مَلَامِحَكَ تَكْبُرُ مَعَكَ، يَا بُنَيَّ، وَرَأَيْتُ فِيهَا، مَعَ كُلِّ عَامٍ يَمُرُّ، أَشْيَاءَ تُذَكِّرُنِي بِهِ أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تُذَكِّرُنِي بِالصُّورَةِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي رَأَيْتُهَا يَوْمًا لِكَمَالٍ.”
٨
“وَكَيْفَ عَرَفْتِ وَالِدِي مَحْمُودًا، إِذَنْ؟ كَيْفَ تَزَوَّجْتِهِ بَعْدَ كُلِّ ذَلِكَ؟”
ابْتَسَمَتْ فَاطِمَةُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً مَشُوبَةً بِالِامْتِنَانِ. “كَانَ مَحْمُودٌ حِينَهَا يَعْمَلُ فِي أَرْضِ جَارِنَا، شَابًّا فَقِيرًا مِثْلِي، طَيِّبًا هَادِئًا، وَكَانَ قَدْ أَحَبَّنِي مُنْذُ سِنِينَ، حَتَّى قَبْلَ رِحْلَتِي إِلَى دِمَشْقَ، حُبًّا صَامِتًا لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِوُضُوحٍ. حِينَ عُدْتُ مِنْ دِمَشْقَ، حَامِلًا، اخْتَلَقْتُ قِصَّةَ زَوَاجٍ سَرِيعٍ مِنْ رَجُلٍ بَعِيدٍ تُوُفِّيَ فِي حَادِثٍ، لِأُبَرِّرَ حَمْلِي أَمَامَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ، وَحِينَ سَمِعَ مَحْمُودٌ بِوَضْعِي، جَاءَنِي بِنَفْسِهِ، وَطَلَبَ يَدِي لِلزَّوَاجِ، عَارِفًا كُلَّ شَيْءٍ، أَوْ مُعْظَمَهُ عَلَى الْأَقَلِّ.”
“هَلْ أَخْبَرْتِهِ بِكُلِّ التَّفَاصِيلِ؟”
“أَخْبَرْتُهُ بِمَا اسْتَطَعْتُ أَنْ أَتَحَمَّلَ قَوْلَهُ حِينَهَا: أَنِّي كُنْتُ فِي عَلَاقَةٍ مَعَ رَجُلٍ تَخَلَّى عَنِّي، وَأَنِّي حَامِلٌ بِطِفْلِهِ. لَمْ أَذْكُرِ اسْمَ كَمَالٍ، وَلَمْ أَذْكُرْ تَفَاصِيلَ مَا حَدَثَ مَعَ تَوْفِيقٍ، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدَةً مِنْ شَيْءٍ بِمَا يَكْفِي لِأُثْقِلَ عَلَيْهِ بِمَعْلُومَاتٍ لَنْ تُغَيِّرَ شَيْئًا فِي قَرَارِهِ عَلَى أَيَّةِ حَالٍ. نَظَرَ إِلَيَّ مَحْمُودٌ، رَحِمَهُ اللَّهُ، بِعَيْنَيْنِ لَا تَحْمِلَانِ حُكْمًا وَلَا شَفَقَةً، بَلْ حُبًّا صَادِقًا خَالِصًا، وَقَالَ لِي جُمْلَةً لَمْ أَنْسَهَا أَبَدًا طَوَالَ حَيَاتِي: ‘الطِّفْلُ الَّذِي تَحْمِلِينَهُ سَيَكُونُ ابْنِي، بِكُلِّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ، مُنْذُ اللَّحْظَةِ الَّتِي يُولَدُ فِيهَا. لَا يُهِمُّنِي مَنْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ.’ وَكَانَ صَادِقًا فِي كُلِّ كَلِمَةٍ قَالَهَا، يَا عَدْنَانُ، حَتَّى آخِرِ يَوْمٍ فِي حَيَاتِهِ. أَحَبَّكَ كَأَنَّكَ دَمُهُ وَلَحْمُهُ، بَلْ أَظُنُّ أَحْيَانًا أَنَّهُ أَحَبَّكَ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ سَيُحِبُّ أَيَّ طِفْلٍ بِيُولُوجِيٍّ لَهُ، كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُثْبِتَ لِنَفْسِهِ، وَلِي، وَلَكَ، أَنَّ الْحُبَّ الْحَقِيقِيَّ لَا يَحْتَاجُ إِلَى رَابِطَةِ دَمٍ لِيَكُونَ كَامِلًا.”
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا، وَدُمُوعٌ جَدِيدَةٌ تَنْهَمِرُ بِصَمْتٍ وَهُوَ يَسْتَوْعِبُ حَجْمَ التَّضْحِيَةِ وَالْحُبِّ اللَّذَيْنِ أَحَاطَا بِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ دُونَ أَنْ يُدْرِكَ كَامِلَ أَبْعَادِهِمَا.
نَظَرَتْ فَاطِمَةُ إِلَى ابْنِهَا بِأَسًى عَمِيقٍ يَمْزُجُ النَّدَمَ بِالْحُبِّ. “خِفْتُ، يَا عَدْنَانُ. خِفْتُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ يُمْكِنُ أَنْ يُخَافَ مِنْهُ فِي وَضْعٍ كَهَذَا: خِفْتُ مِنْ أَنْ يَرْفُضَكَ مَحْمُودٌ إِنْ عَرَفَ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً، رَغْمَ أَنِّي أَعْرِفُ الْآنَ، بَعْدَ أَنْ رَحَلَ رَحِمَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، رَجُلًا أَحَبَّكَ بِصِدْقٍ تَامٍّ لَا يَقْبَلُ الشَّكَّ مَهْمَا كَانَتِ الْحَقِيقَةُ. خِفْتُ مِنْ نَظْرَةِ الْمُجْتَمَعِ، مِنْ فَضِيحَةٍ كَانَتْ سَتُدَمِّرُ حَيَاتِي وَحَيَاتَكَ فِي قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ لَا تَرْحَمُ. وَخِفْتُ، أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ رُبَّمَا، مِنْ أَنْ أُثْقِلَ عَلَيْكَ بِسُؤَالٍ لَا إِجَابَةَ قَاطِعَةَ لَهُ، سُؤَالٍ قَدْ يَجْعَلُكَ تَعِيشُ حَيَاتَكَ كُلَّهَا وَأَنْتَ تَحْمِلُ شَكًّا لَا يُمْكِنُ حَسْمُهُ أَبَدًا.”
مَسَحَتْ فَاطِمَةُ دُمُوعَهَا بِطَرَفِ شَالِهَا، وَنَظَرَتْ إِلَى ابْنِهَا نَظْرَةَ تَحَدٍّ هَادِئَةً، كَأَنَّهَا تَسْتَجْمِعُ آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنْ شَجَاعَتِهَا. “لَكِنْ يَبْدُو أَنَّ الْحَقِيقَةَ، مَهْمَا دَفَنَّاهَا بِعُمْقٍ، تَجِدُ دَائِمًا طَرِيقَهَا لِلْخُرُوجِ، عَاجِلًا أَمْ آجِلًا، يَا بُنَيَّ. وَأَظُنُّ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ أَخِيرًا لِتَعْرِفَهَا، مَهْمَا كَانَ ثِقَلُهَا.”
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا وَقْتًا طَوِيلًا، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَوْعِبَ حَجْمَ مَا سَمِعَهُ لِلتَّوِّ: أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي عَلَّمَهُ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ تَقْرِيبًا عَنِ الْحَيَاةِ وَالْأَمَانَةِ وَالصِّدْقِ، الرَّجُلَ الَّذِي اخْتَارَهُ لِيَكُونَ أَمِينًا عَلَى أَثْقَلِ أَسْرَارِ عَائِلَتِهِ، قَدْ يَكُونُ، طَوَالَ كُلِّ تِلْكَ السِّنِينِ، وَالِدَهُ الْحَقِيقِيَّ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ أَيٌّ مِنْهُمَا ذَلِكَ بِيَقِينٍ تَامٍّ، وَدُونَ أَنْ يَجْرُؤَ أَيٌّ مِنْهُمَا عَلَى طَرْحِ السُّؤَالِ بِصَوْتٍ عَالٍ.
٩
“أُمِّي، هَلْ حَاوَلْتِ يَوْمًا أَنْ تُخْبِرِي الْحَاجَّ تَوْفِيقًا بِهَذَا الِاحْتِمَالِ؟ أَنْ تَسْأَلِيهِ بِنَفْسِكِ؟”
هَزَّتْ فَاطِمَةُ رَأْسَهَا بِحُزْنٍ عَمِيقٍ. “لَا، يَا عَدْنَانُ، لَمْ أَجْرُؤْ يَوْمًا. بَعْدَ عَوْدَتِي إِلَى الْقَرْيَةِ وَزَوَاجِي مِنْ مَحْمُودٍ، قَطَعْتُ كُلَّ صِلَةٍ بِتَوْفِيقٍ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَكْتَشِفَ أَحَدٌ الْحَقِيقَةَ، وَخَوْفًا أَيْضًا، بِصَرَاحَةٍ، مِنْ مُوَاجَهَةِ ذَلِكَ السُّؤَالِ بِنَفْسِي. لَكِنِّي تَابَعْتُ أَخْبَارَهُ مِنْ بَعِيدٍ، عَبْرَ مَعَارِفَ مُشْتَرَكِينَ بَيْنَنَا، وَسَمِعْتُ حِينَ بَدَأْتَ تَعْمَلُ عِنْدَهُ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ، بِمَحْضِ الصُّدْفَةِ كَمَا ظَنَنْتُ حِينَهَا.” تَوَقَّفَتْ، وَنَظَرَتْ إِلَى عَدْنَانَ بِحُزْنٍ يَمْزُجُ الِاعْتِرَافَ بِالْخَجَلِ. “لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدَةً، يَا بُنَيَّ، إِنْ كَانَتْ تِلْكَ مُصَادَفَةً حَقِيقِيَّةً، أَمْ أَنَّ تَوْفِيقًا نَفْسَهُ، بِطَرِيقَةٍ مَا، دَبَّرَ لَكَ تِلْكَ الْفُرْصَةَ، وَهُوَ يَعْرِفُ، أَوْ يَشُكُّ عَلَى الْأَقَلِّ، فِيمَا بَدَأْتُ أَشُكُّ فِيهِ أَنَا.”
اسْتَرْجَعَ عَدْنَانُ فِي ذِهْنِهِ كُلَّ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي بَدَتْ لَهُ غَرِيبَةً عَبْرَ السِّنِينِ، وَلَمْ يَفْهَمْ مَعْنَاهَا الْكَامِلَ إِلَّا الْآنَ: كَيْفَ قَبِلَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ شَابًّا غَرِيبًا مِنْ قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ دُونَ أَيِّ تَوْصِيَةٍ حَقِيقِيَّةٍ سِوَى مَعْرِفَةٍ عَابِرَةٍ مِنْ عَمِّهِ؛ كَيْفَ عَامَلَهُ مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ بِدِفْءٍ لَمْ يُعَامِلْ بِهِ أَيَّ عَامِلٍ آخَرَ عَرَفَهُ السُّوقُ مِنْ قَبْلُ؛ تِلْكَ الْجُمْلَةُ الَّتِي قَالَهَا لَهُ ذَاتَ مَرَّةٍ، وَلَمْ يَفْهَمْ ثِقَلَهَا الْحَقِيقِيَّ حِينَهَا: “طَرِيقَةُ نَظَرِكَ حِينَ تُفَكِّرُ بِعُمْقٍ، بَعْضُ مَلَامِحِ وَجْهِكَ حِينَ تَغْضَبُ أَوْ تَتَأَثَّرُ، ذَكَّرَتْنِي بِشَخْصٍ عَرَفْتُهُ مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا.”
١٠
جَلَسَ عَدْنَانُ وَأُمُّهُ صَامِتَيْنِ وَقْتًا طَوِيلًا، تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ، كُلٌّ مِنْهُمَا غَارِقٌ فِي أَفْكَارِهِ، بَيْنَمَا كَانَتِ الشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الْغُرُوبِ، تَرْسُمُ ظِلَالًا طَوِيلَةً عَبْرَ حَدِيقَةِ دَارِ الرِّعَايَةِ الْهَادِئَةِ. مَرَّتْ مُمَرِّضَةٌ قَرِيبَةٌ، لَحَظَتِ الْجَوَّ الْمَشْحُونَ بِالْعَاطِفَةِ بَيْنَهُمَا، فَتَرَاجَعَتْ بِلَبَاقَةٍ دُونَ أَنْ تُقَاطِعَهُمَا، تَارِكَةً إِيَّاهُمَا وَحْدَهُمَا مَعَ ثِقَلِ هَذَا الِاعْتِرَافِ الَّذِي غَيَّرَ، فِي نِصْفِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، كُلَّ مَا ظَنَّهُ عَدْنَانُ يَقِينًا ثَابِتًا عَنْ نَفْسِهِ طَوَالَ ثَلَاثَةٍ وَسِتِّينَ عَامًا كَامِلَةً.
“أُمِّي، هَلْ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ ثَمَّةَ طَرِيقَةً لِمَعْرِفَةِ الْحَقِيقَةِ بِيَقِينٍ تَامٍّ؟ فَحْصٌ طِبِّيٌّ، رُبَّمَا، إِنْ أَمْكَنَ الْوُصُولُ إِلَى أَيِّ أَثَرٍ لِلْحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ؟”
فَكَّرَتْ فَاطِمَةُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِحَذَرٍ. “لَا أَعْرِفُ، يَا بُنَيَّ. تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ اخْتَفَى مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، كَمَا تُخْبِرُنِي، وَلَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا، أَوْ إِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ خَلْفَهُ أَيَّ أَثَرٍ جَسَدِيٍّ يُمْكِنُ مُقَارَنَتُهُ بِكَ الْيَوْمَ. لَكِنْ حَتَّى لَوْ لَمْ تَجِدْ يَقِينًا عِلْمِيًّا قَاطِعًا، يَا عَدْنَانُ، أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ شَيْئًا وَاحِدًا بِكُلِّ تَأْكِيدٍ: أَيًّا كَانَ وَالِدُكَ الْبِيُولُوجِيُّ، كَمَالٌ أَوْ تَوْفِيقٌ، فَإِنَّ مَحْمُودًا الرَّافِعِيَّ، الرَّجُلَ الَّذِي رَبَّاكَ، وَأَحَبَّكَ بِلَا قَيْدٍ وَلَا شَرْطٍ طَوَالَ حَيَاتِهِ كُلِّهَا، هُوَ وَالِدُكَ الْحَقِيقِيُّ بِكُلِّ مَعْنًى تَسْتَحِقُّهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ. لَا تَدَعْ أَيَّةَ حَقِيقَةٍ بِيُولُوجِيَّةٍ تَسْلُبُكَ هَذَا الْيَقِينَ، مَهْمَا كَشَفَتِ الْأَيَّامُ الْقَادِمَةُ.”
احْتَضَنَ عَدْنَانُ أُمَّهُ بِقُوَّةٍ، وَدُمُوعُهُ تَنْهَمِرُ الْآنَ بِحُرِّيَّةٍ لَمْ يَسْمَحْ لِنَفْسِهِ بِهَا مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، بَيْنَمَا رَبَّتَتْ هِيَ عَلَى ظَهْرِهِ بِيَدِهَا الْمُرْتَجِفَةِ، كَمَا فَعَلَتْ آلَافَ الْمَرَّاتِ حِينَ كَانَ طِفْلًا صَغِيرًا فِي قَرْيَةٍ بَعِيدَةٍ، لَا يَعْرِفُ بَعْدُ أَنَّ حَيَاتَهُ سَتَحْمِلُهُ يَوْمًا، عَبْرَ عُقُودٍ وَقَارَّاتٍ، إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، تَحْتَ شَجَرَةِ زَيْتُونٍ فِي ضَاحِيَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ هَادِئَةٍ، حَامِلًا أَخِيرًا جُزْءًا مِنْ حَقِيقَةٍ ظَلَّ يَبْحَثُ عَنْهَا، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ، طَوَالَ حَيَاتِهِ كُلِّهَا.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ بَعْدُ، وَهُوَ يُوَدِّعُ أُمَّهُ ذَلِكَ الْمَسَاءَ بِقَلْبٍ مُثْقَلٍ بِمَزِيجٍ مِنَ الْحُزْنِ وَالِارْتِيَاحِ الْغَرِيبِ، أَنَّ هَذَا الِاعْتِرَافَ، رَغْمَ كُلِّ ثِقَلِهِ، لَمْ يَكُنْ سِوَى الْخُطْوَةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ، أَخِيرًا، إِلَى الْحَقِيقَةِ الْكَامِلَةِ الَّتِي طَالَمَا هَرَبَتْ مِنْهُ، حَقِيقَةٍ كَانَتْ تَنْتَظِرُهُ، بِصَبْرٍ لَا يَعْرِفُ الْمَلَلَ، فِي مَكَانٍ لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ أَبَدًا أَنَّهُ سَيَجِدُهَا فِيهِ.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ إِلَى الْفُنْدُقِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، جَالِسًا فِي الْمَقْعَدِ الْخَلْفِيِّ لِسَيَّارَةِ الْأُجْرَةِ، يَنْظُرُ إِلَى أَضْوَاءِ دِمَشْقَ الْمُتَنَاثِرَةِ عَبْرَ النَّافِذَةِ، أَعَادَ عَدْنَانُ تَرْتِيبَ كُلِّ مَا سَمِعَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فِي ذِهْنِهِ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَقِرَّ عَلَى مَا يَنْبَغِي أَنْ يَفْعَلَهُ تَالِيًا. لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ يَقْتَصِرُ عَلَى مَنْ هُوَ وَالِدُهُ الْبِيُولُوجِيُّ، كَمَالٌ أَمْ تَوْفِيقٌ؛ بَلْ تَطَوَّرَ إِلَى سُؤَالٍ أَعْمَقَ بِكَثِيرٍ: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَجِدَ يَقِينًا حَقِيقِيًّا، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ، فِي غِيَابِ كُلِّ مَنْ قَدْ يَمْلِكُ إِجَابَةً قَاطِعَةً؟ وَإِنْ كَانَ تَوْفِيقٌ هُوَ وَالِدَهُ فِعْلًا، كَمَا رَجَّحَ حَدْسُ أُمِّهِ، فَمَاذَا يَعْنِي هَذَا لِكُلِّ مَا بَنَاهُ مِنْ عَلَاقَةٍ مَعَهُ طَوَالَ ذَلِكَ الصَّيْفِ الْبَعِيدِ مِنْ عَامِ 1976، وَلِكُلِّ مَا تَرَكَهُ لَهُ مِنْ أَمَانَاتٍ وَأَسْرَارٍ وَوَصَايَا؟
اتَّصَلَ بِلِينَا فَوْرَ وُصُولِهِ إِلَى غُرْفَتِهِ، وَصَوْتُهُ لَا يَزَالُ مُثْقَلًا بِعَاطِفَةِ الْأُمْسِيَّةِ. “لِينَا، أَحْتَاجُ مُسَاعَدَتَكِ فِي أَمْرٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا الْآنَ. أَحْتَاجُ أَنْ أَعْرِفَ كُلَّ مَا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُهُ عَنِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ نَفْسِهِ، لَا عَنْ أَمَانَتِهِ فَحَسْبُ، بَلْ عَنْ حَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ، عَنْ أَيِّ أَقَارِبَ لَهُ، عَنْ أَيِّ أَثَرٍ جَسَدِيٍّ أَوْ وَثَائِقِيٍّ قَدْ يَبْقَى مِنْهُ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينِ.”
سَمِعَ تَرَدُّدًا قَصِيرًا عَلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ، ثُمَّ سُؤَالَ لِينَا الْفُضُولِيَّ الْحَذِرَ: “هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ جَدِيدٌ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ؟”
“حَدَثَ كُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا، لِينَا. سَأَشْرَحُ لَكِ كُلَّ التَّفَاصِيلِ غَدًا، حِينَ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْتَوْعِبَهَا بِنَفْسِي أَوَّلًا بِشَكْلٍ كَافٍ لِأَشْرَحَهَا لِأَحَدٍ آخَرَ.”


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 14


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 12