Numan Albarbari نعمان البربري

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 14

وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ

الْفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ

١
بَرْلِينُ، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا الَّذِي كَانَ فِيهِ عَدْنَانُ يَجْلِسُ مَعَ أُمِّهِ تَحْتَ شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ فِي دِمَشْقَ.
جَلَسَتْ لِينَا كَرَمٍ فِي شَقَّتِهَا الصَّغِيرَةِ بِحَيِّ كْرُويْتْسْبِرْغَ، مُحَاطَةً بِأَكْوَامٍ مِنَ الْأَوْرَاقِ الْمَطْبُوعَةِ، وَشَاشَتَيْ حَاسُوبٍ مَفْتُوحَتَيْنِ أَمَامَهَا، تَعْمَلَانِ عَلَى قَوَاعِدِ بَيَانَاتٍ أَرْشِيفِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ. كَانَتْ قَدْ قَضَتِ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ الْمَاضِيَةَ تَعْمَلُ بِلَا كَلَلٍ تَقْرِيبًا، مَدْفُوعَةً بِحَدْسٍ صَحَفِيٍّ مُتَمَرِّسٍ يُخْبِرُهَا أَنَّهَا تَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَتْهُ حِينَ بَدَأَتْ هَذَا التَّحْقِيقَ قَبْلَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ فَقَطْ. كَانَتْ شَقَّتُهَا الصَّغِيرَةُ قَدْ تَحَوَّلَتْ تَدْرِيجِيًّا إِلَى مَا يُشْبِهُ غُرْفَةَ تَحْقِيقٍ: خَرَائِطُ زَمَنِيَّةٌ مَرْسُومَةٌ بِخَطِّ يَدِهَا مُعَلَّقَةٌ عَلَى أَحَدِ الْجُدْرَانِ، تَرْبِطُ تَوَارِيخَ مُتَفَرِّقَةً بِأَحْدَاثٍ تَارِيخِيَّةٍ، وَمُلَاحَظَاتٌ لَاصِقَةٌ مُلَوَّنَةٌ تُغَطِّي مَسَاحَاتٍ وَاسِعَةً مِنْ طَاوِلَةِ الْعَمَلِ، كُلُّ لَوْنٍ يُمَثِّلُ خَيْطًا مُخْتَلِفًا مِنْ خُيُوطِ هَذَا اللُّغْزِ الْمُتَشَعِّبِ.
كَانَتْ قَدْ حَصَلَتْ، عَبْرَ عَدْنَانَ، عَلَى صُوَرٍ فُوتُوغْرَافِيَّةٍ الْتَقَطَهَا بِهَاتِفِهِ لِصَفَحَاتٍ مِنْ دَفْتَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْقَدِيمِ، تِلْكَ الصُّوَرِ الَّتِي الْتَقَطَهَا خُلْسَةً حِينَ أَرَاهُ إِيَّاهُ لِفَتْرَةٍ وَجِيزَةٍ أَحَدُ أَقَارِبِ أُمِّ سُلَيْمَانَ الَّذِينَ احْتَفَظُوا بِبَعْضِ أَغْرَاضِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بَعْدَ اخْتِفَائِهِ، قَبْلَ أَنْ يُعِيدَهُ عَدْنَانُ بِسُرْعَةٍ إِلَى مَكَانِهِ احْتِرَامًا لِخُصُوصِيَّةٍ لَا يَزَالُ يَشْعُرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِلْكَهُ وَحْدَهُ لِيَكْشِفَهَا. كَانَتِ الصُّوَرُ غَيْرَ وَاضِحَةٍ تَمَامًا، لَكِنَّهَا كَافِيَةٌ لِتُمَكِّنَ لِينَا، بِخِبْرَتِهَا الصَّحَفِيَّةِ الطَّوِيلَةِ فِي تَحْلِيلِ الْوَثَائِقِ الْمُشَفَّرَةِ، مِنَ الْبَدْءِ فِي فَكِّ بَعْضِ أَنْمَاطِ التَّرْمِيزِ الَّتِي اسْتَخْدَمَهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَبْرَ عُقُودٍ.
اسْتَعَانَتْ لِينَا أَيْضًا بِزَمِيلٍ قَدِيمٍ لَهَا، أُسْتَاذِ تَارِيخٍ مُتَخَصِّصٍ فِي تَارِيخِ الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ الْحَدِيثِ فِي إِحْدَى الْجَامِعَاتِ الْأَلْمَانِيَّةِ، عَرَضَتْ عَلَيْهِ بَعْضَ الْأَنْمَاطِ الزَّمَنِيَّةِ الَّتِي لَاحَظَتْهَا، دُونَ أَنْ تَكْشِفَ لَهُ كَامِلَ تَفَاصِيلِ الْقِصَّةِ، مُحَافِظَةً عَلَى سِرِّيَّةِ مَصَادِرِهَا كَمَا تَقْتَضِي أَخْلَاقِيَّاتُ مِهْنَتِهَا. أَعْطَاهَا الرَّجُلُ، مُتَحَمِّسًا بِفُضُولٍ أَكَادِيمِيٍّ صَادِقٍ، مَجْمُوعَةً مِنَ الْمَرَاجِعِ وَالْأَرْشِيفَاتِ الرَّقْمِيَّةِ الَّتِي لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ بِوُجُودِهَا مِنْ قَبْلُ، أَرْشِيفَاتِ لِجَانِ إِغَاثَةِ اللَّاجِئِينَ، وَسِجِلَّاتِ قُنْصُلِيَّاتٍ أُورُوبِّيَّةٍ قَدِيمَةٍ، وَحَتَّى بَعْضِ مُذَكَّرَاتِ تُجَّارٍ سُورِيِّينَ نُشِرَتْ لَاحِقًا كَوَثَائِقَ تَارِيخِيَّةٍ.
٢
اتَّصَلَتْ بِعَدْنَانَ فِي الصَّبَاحِ التَّالِي، وَصَوْتُهَا يَحْمِلُ حَمَاسًا عِلْمِيًّا وَاضِحًا رَغْمَ إِرْهَاقِ اللَّيَالِي الطَّوِيلَةِ بِلَا نَوْمٍ كَافٍ.
“سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَظُنُّ أَنِّي بَدَأْتُ أَفْهَمُ أَخِيرًا مَاهِيَّةَ هَذَا الدَّفْتَرِ بِالْكَامِلِ، وَهُوَ أَعْمَقُ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلْنَاهُ فِي الْبِدَايَةِ.”
“أَخْبِرِينِي.”
“أَتَذْكُرُ تِلْكَ الرُّمُوزَ الَّتِي وَصَفْتَهَا لِي، الْحُرُوفَ الْمُخْتَصَرَةَ الْمُتَكَرِّرَةَ، وَالتَّوَارِيخَ الْمُتَنَاثِرَةَ؟ قَارَنْتُ الْأَنْمَاطَ الَّتِي اسْتَطَعْتُ فَكَّ جُزْءٍ مِنْهَا مَعَ أَرْشِيفَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ عَامَّةٍ مُتَاحَةٍ لِلْبَاحِثِينَ، سِجِلَّاتِ هِجْرَةٍ، أَرْشِيفَاتِ لِجَانِ لَاجِئِينَ، حَتَّى بَعْضِ الْوَثَائِقِ الْبْرِيطَانِيَّةِ وَالْفَرَنْسِيَّةِ مِنْ فَتْرَةِ الِانْتِدَابِ الْمَحْفُوظَةِ رَقْمِيًّا فِي مَكْتَبَاتٍ جَامِعِيَّةٍ أُورُوبِّيَّةٍ.” تَوَقَّفَتْ لِينَا، كَأَنَّهَا تَلْتَقِطُ أَنْفَاسَهَا مِنْ فَرْطِ الْحَمَاسِ. “سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَعْتَقِدُ أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيَّ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ رَجُلٍ يَحْمِي أَمَانَةَ عَائِلَةٍ وَاحِدَةٍ، عَائِلَةِ الْحَورَانِيِّ. أَعْتَقِدُ أَنَّهُ كَانَ، طَوَالَ عُقُودٍ مِنْ حَيَاتِهِ، حَارِسًا سِرِّيًّا لِثَرَوَاتِ عَائِلَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مُعْظَمُهَا عَائِلَاتٌ تَعَرَّضَتْ لِلِاضْطِهَادِ أَوِ التَّهْجِيرِ أَوْ مُصَادَرَةِ الْمُمْتَلَكَاتِ فِي فَتَرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ تَارِيخِ الْمِنْطَقَةِ الْمُضْطَرِبِ.”
٣
جَلَسَ عَدْنَانُ، الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ فِي دِمَشْقَ يَسْتَوْعِبُ تَفَاصِيلَ اعْتِرَافِ أُمِّهِ مِنَ اللَّيْلَةِ السَّابِقَةِ، مُصْغِيًا بِانْتِبَاهٍ شَدِيدٍ، وَشُعُورٌ بِقَشْعَرِيرَةٍ يَسْرِي فِي جَسَدِهِ مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ تَقُولُهَا لِينَا.
“مَاذَا تَقْصِدِينَ بِالضَّبْطِ؟”
“وَجَدْتُ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَنَّ بَعْضَ الرُّمُوزِ فِي الدَّفْتَرِ تَتَطَابَقُ زَمَنِيًّا مَعَ أَحْدَاثٍ تَارِيخِيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ جَيِّدًا: مَوْجَةٌ مِنْ هَذِهِ الرُّمُوزِ تَعُودُ إِلَى أَوَاخِرِ الْأَرْبَعِينِيَّاتِ، تَتَزَامَنُ مَعَ نَكْبَةِ عَامِ 1948 وَتَهْجِيرِ آلَافِ الْفِلَسْطِينِيِّينَ، الَّذِينَ لَجَأَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى دِمَشْقَ حَامِلِينَ مَعَهُمْ مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ ذَهَبٍ وَمُجَوْهَرَاتٍ، بَاحِثِينَ عَنْ أَمَاكِنَ آمِنَةٍ لِإِيدَاعِهَا بَعِيدًا عَنِ الْفَوْضَى. مَوْجَةٌ أُخْرَى تَعُودُ إِلَى أَوَاخِرِ الْخَمْسِينِيَّاتِ، تَتَزَامَنُ تَمَامًا مَعَ مَا أَخْبَرَكَ بِهِ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بِنَفْسِهِ عَنْ قَوَانِينِ التَّأْمِيمِ فِي فَتْرَةِ الْوَحْدَةِ مَعَ مِصْرَ. وَمَوْجَةٌ ثَالِثَةٌ، أَحْدَثُ، تَعُودُ إِلَى مُنْتَصَفِ السَّبْعِينِيَّاتِ، تَتَزَامَنُ مَعَ بِدَايَةِ الْحَرْبِ الْأَهْلِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ وَمَوْجَاتِ النُّزُوحِ الْأُولَى مِنْ بَيْرُوتَ، وَهُوَ بِالضَّبْطِ الْوَقْتُ الَّذِي وَصَلَ فِيهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْغَامِضُ لِيُسَلِّمَ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ الَّذِي شَهِدْتَهُ بِنَفْسِكَ.”
شَعَرَ عَدْنَانُ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ. “إِذَنْ هُوَ لَمْ يَكُنْ يُخْفِي أَمْوَالًا مَسْرُوقَةً أَوْ مَشْبُوهَةً، كَمَا قَدْ يَظُنُّ الْبَعْضُ، بَلْ كَانَ يَحْمِي ثَرَوَاتِ نَاسٍ فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ؟”
٤
“بِالضَّبْطِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، وَهَذَا مَا يَجْعَلُ قِصَّتَهُ، فِي نَظَرِي، أَقْرَبَ إِلَى الْبُطُولَةِ الصَّامِتَةِ مِنْهَا إِلَى أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ. تَخَيَّلْ رَجُلًا وَاحِدًا، عَلَى مَدَى أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا، يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ مَسْؤُولِيَّةَ حِمَايَةِ ثَرَوَاتِ عَائِلَاتٍ لَا يَعْرِفُهَا الْمُجْتَمَعُ، بِلَا أَيِّ مُقَابِلٍ حَقِيقِيٍّ سِوَى سُمْعَتِهِ كَرَجُلٍ أَمِينٍ، مُعَرَّضًا فِي كُلِّ لَحْظَةٍ لِخَطَرِ أَنْ يُكْتَشَفَ أَمْرُهُ، فَيُتَّهَمَ بِالتَّهَرُّبِ مِنْ قَوَانِينِ الدَّوْلَةِ، أَوْ أَسْوَأَ مِنْ ذَلِكَ، أَنْ يُتَّهَمَ بِالسَّرِقَةِ مِنْ قِبَلِ وَرَثَةٍ لَا يَعْرِفُونَ طَبِيعَةَ الْعَلَاقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ الَّتِي جَمَعَتْهُمْ بِهَذَا الرَّجُلِ الْغَرِيبِ الَّذِي يَحْفَظُ أَسْرَارَهُمْ.”
تَوَقَّفَتْ لِينَا، وَأَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ جِدِّيَّةً: “لَكِنَّ هَذَا يَفْتَحُ أَيْضًا سُؤَالًا مُقْلِقًا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ: إِنْ كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ يَحْرُسُ ثَرَوَاتِ عَائِلَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، لَا عَائِلَةً وَاحِدَةً فَقَطْ، فَهَذَا يَعْنِي أَنَّ الْأَمَانَةَ الَّتِي قَدْ تَكُونُ بِحَوْزَتِهِ، أَوِ الَّتِي كَانَتْ بِحَوْزَتِهِ قَبْلَ اخْتِفَائِهِ، قَدْ تَكُونُ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَخَيَّلْنَا، وَقَدْ يَكُونُ عَدَدُ الْأَطْرَافِ الْمُهْتَمَّةِ بِهَا، أَوِ الطَّامِعَةِ فِيهَا، أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ أَيْضًا مِمَّا ظَنَنَّا فِي الْبِدَايَةِ.”
٥
“هَلِ اسْتَطَعْتِ أَنْ تُحَدِّدِي عَدَدَ الْعَائِلَاتِ، أَوْ هُوِيَّاتِهَا، عَلَى وَجْهِ التَّقْرِيبِ؟”
“جُزْئِيًّا فَقَطْ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. تَمَكَّنْتُ مِنْ فَكِّ رَمْزَيْنِ إِضَافِيَّيْنِ بِثِقَةٍ مَعْقُولَةٍ: أَحَدُهُمَا يُشِيرُ، عَلَى الْأَرْجَحِ، إِلَى عَائِلَةٍ أَرْمَنِيَّةٍ، رُبَّمَا مِنْ نَاجِي الْمَذَابِحِ الَّتِي سَبَقَتْ وُصُولَ أَجْدَادِهَا إِلَى سُورِيَا فِي مَطْلَعِ الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَالْآخَرُ يَبْدُو مُرْتَبِطًا بِعَائِلَةٍ مَسِيحِيَّةٍ حَلَبِيَّةٍ اضْطُرَّتْ لِبَيْعِ مُمْتَلَكَاتِهَا بِسُرْعَةٍ خِلَالَ فَتْرَةِ اضْطِرَابَاتٍ مُعَيَّنَةٍ لَمْ أَسْتَطِعْ تَحْدِيدَهَا بِدِقَّةٍ تَامَّةٍ بَعْدُ.”
“كَيْفَ تَوَصَّلْتِ إِلَى هَذِهِ الِاسْتِنْتَاجَاتِ بِالضَّبْطِ؟”
“مِنْ خِلَالِ مُطَابَقَةِ التَّوَارِيخِ التَّقْرِيبِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الدَّفْتَرِ مَعَ سِجِلَّاتِ هِجْرَةٍ مَحْفُوظَةٍ فِي أَرْشِيفِ قُنْصُلِيَّةٍ فَرَنْسِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، رَقْمَنَتْهَا إِحْدَى الْجَامِعَاتِ الْبَارِيسِيَّةِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ ضِمْنَ مَشْرُوعِ أَرْشَفَةٍ تَارِيخِيَّةٍ أَوْسَعَ. وَجَدْتُ أَسْمَاءَ عَائِلَاتٍ مُعَيَّنَةٍ سُجِّلَتْ كَمُهَاجِرَةٍ أَوْ نَازِحَةٍ فِي فَتَرَاتٍ تَتَطَابَقُ زَمَنِيًّا مَعَ الرُّمُوزِ فِي الدَّفْتَرِ، بِفَارِقِ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، وَهُوَ تَطَابُقٌ يَصْعُبُ تَفْسِيرُهُ كَمُصَادَفَةٍ بَحْتَةٍ.” تَوَقَّفَتْ لِينَا، وَأَضَافَتْ بِحَمَاسٍ أَكَادِيمِيٍّ وَاضِحٍ: “الْأَمْرُ أَشْبَهُ بِلُغْزٍ رِيَاضِيٍّ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، كُلُّ قِطْعَةٍ تَتَطَابَقُ مَعَ الْأُخْرَى بِدِقَّةٍ تَزْدَادُ وُضُوحًا كُلَّمَا بَحَثْتُ أَكْثَرَ.”
“لَكِنَّ ثَمَّةَ رَمْزًا وَاحِدًا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، يَتَكَرَّرُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ رَمْزٍ آخَرَ فِي الدَّفْتَرِ بِأَكْمَلِهِ، بِتَرَدُّدٍ يُوحِي بِأَهَمِّيَّةٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ لَهُ مُقَارَنَةً بِالرُّمُوزِ الْأُخْرَى.”
“أَيُّ رَمْزٍ؟”
“الرَّمْزُ الَّذِي يَرْتَبِطُ بِأَمَانَةِ عَائِلَةِ الْحَورَانِيِّ، ‘ح.ن’ كَمَا أَخْبَرْتَنِي. يَتَكَرَّرُ بِشَكْلٍ يَفُوقُ كُلَّ الرُّمُوزِ الْأُخْرَى مُجْتَمِعَةً تَقْرِيبًا، وَكَأَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ كَانَ يُرَاجِعُ، أَوْ يُحَدِّثُ، تَفَاصِيلَ هَذِهِ الْأَمَانَةِ بِالذَّاتِ بِشَكْلٍ أَكْثَرَ تَكْرَارًا مِنْ أَيِّ أَمَانَةٍ أُخْرَى تَحْتَ رِعَايَتِهِ، وَكَأَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ أَهَمِّيَّةً خَاصَّةً تَتَجَاوَزُ مُجَرَّدَ كَوْنِهَا أَمَانَةً مَالِيَّةً عَادِيَّةً.”
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا، يُفَكِّرُ فِيمَا قَدْ يَعْنِيهِ هَذَا التَّكْرَارُ: هَلْ كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ يُعِيدُ النَّظَرَ فِي تَفَاصِيلِ أَمَانَةِ الْحَورَانِيِّ بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ لِأَنَّهَا الْأَكْبَرُ مَالِيًّا؟ أَمْ لِأَنَّهَا، كَمَا بَدَأَ يَشْتَبِهُ بِقُوَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ، كَانَتْ مُرْتَبِطَةً بِشَكْلٍ عَمِيقٍ وَشَخْصِيٍّ بِحَيَاتِهِ الْخَاصَّةِ، بِامْرَأَةٍ أَحَبَّهَا يَوْمًا وَاسْمُهَا فَاطِمَةُ، وَبِابْنٍ لَمْ يَجْرُؤْ يَوْمًا عَلَى الِاعْتِرَافِ الْكَامِلِ بِأَنَّهُ ابْنُهُ؟
٦
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، سَمِعَتْ لِينَا صَوْتَ طَرْقٍ قَوِيٍّ عَلَى بَابِ شَقَّتِهَا، طَرْقًا حَادًّا غَيْرَ مُعْتَادٍ، لَا يُشْبِهُ طَرْقَةَ جَارٍ أَوْ سَاعِي بَرِيدٍ.
“سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، سَأُعَاوِدُ الِاتِّصَالَ بِكَ بَعْدَ قَلِيلٍ، ثَمَّةَ مَنْ يَطْرُقُ بَابِي.”
“لِينَا، انْتَظِرِي، لَا تَفْتَحِي الْبَابَ قَبْلَ أَنْ تَتَأَكَّدِي مِنْ هُوِيَّةِ”
لَكِنَّ الِاتِّصَالَ كَانَ قَدِ انْقَطَعَ بِالْفِعْلِ مِنْ جَانِبِهَا. نَظَرَتْ لِينَا عَبْرَ عَيْنِ الْبَابِ الصَّغِيرَةِ، فَرَأَتْ رَجُلَيْنِ، لَا تَعْرِفُهُمَا، يَرْتَدِيَانِ مَلَابِسَ عَادِيَّةً لَكِنْ بِهَيْئَةٍ تُوحِي بِلِيَاقَةٍ بَدَنِيَّةٍ عَالِيَةٍ وَانْضِبَاطٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ لِزَائِرَيْنِ عَادِيَّيْنِ، أَحَدُهُمَا يَحْمِلُ حَقِيبَةَ أَدَوَاتٍ صَغِيرَةً قَدْ تَحْتَوِي عَلَى أَيِّ شَيْءٍ مِنْ أَدَوَاتِ صِيَانَةٍ حَقِيقِيَّةٍ إِلَى أَدَوَاتٍ أَكْثَرَ إِثَارَةً لِلْقَلَقِ. لَمْ يَكُونَا يَرْتَدِيَانِ زِيَّ عُمَّالِ صِيَانَةٍ أَوْ أَيَّةَ هُوِيَّةٍ رَسْمِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَلَا شَارَةَ تَعْرِيفٍ مِنْ إِدَارَةِ الْمَبْنَى كَمَا تَقْتَضِي اللَّوَائِحُ الْمُعْتَادَةُ.
“مَنِ الطَّارِقُ؟” سَأَلَتْ بِصَوْتٍ حَاوَلَتْ أَنْ تَجْعَلَهُ هَادِئًا وَاثِقًا، رَغْمَ أَنَّ قَلْبَهَا بَدَأَ يَخْفِقُ بِسُرْعَةٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ.
“نَحْنُ مِنْ شَرِكَةِ الْأَمْنِ الْمَسْؤُولَةِ عَنِ الْمَبْنَى، سَيِّدَتِي. وَصَلَنَا بَلَاغٌ عَنْ تَسَرُّبِ مِيَاهٍ مُحْتَمَلٍ مِنْ شَقَّتِكِ يُؤَثِّرُ عَلَى الشَّقَّةِ السُّفْلِيَّةِ. نَحْتَاجُ لِلدُّخُولِ لِلتَّحَقُّقِ بِسُرْعَةٍ.”
شَعَرَتْ لِينَا بِحَدْسٍ قَوِيٍّ يُخْبِرُهَا أَنَّ شَيْئًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ غَيْرُ مَنْطِقِيٍّ؛ فَهِيَ لَمْ تُلَاحِظْ أَيَّةَ مُشْكِلَةٍ فِي السِّبَاكَةِ، وَلَمْ تَتَلَقَّ أَيَّ إِشْعَارٍ مُسْبَقٍ مِنْ إِدَارَةِ الْمَبْنَى كَمَا هُوَ مُعْتَادٌ قَانُونِيًّا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَاتِ فِي أَلْمَانْيَا، حَيْثُ تَتَطَلَّبُ أَيَّةُ زِيَارَةِ صِيَانَةٍ طَارِئَةٍ إِشْعَارًا مَكْتُوبًا أَوِ اتِّصَالًا هَاتِفِيًّا مُسْبَقًا مِنْ إِدَارَةِ الْمَبْنَى نَفْسِهَا، لَا مِنْ عُمَّالٍ مَجْهُولِينَ يَطْرُقُونَ الْبَابَ مُبَاشَرَةً دُونَ سَابِقِ تَنْسِيقٍ.
٧
“سَأَتَّصِلُ بِإِدَارَةِ الْمَبْنَى لِلتَّأَكُّدِ أَوَّلًا، لَحْظَةً مِنْ فَضْلِكُمْ.” قَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ عَبْرَ الْبَابِ الْمُغْلَقِ، وَهِيَ تَبْتَعِدُ بِسُرْعَةٍ وَصَمْتٍ نَحْوَ حَاسُوبِهَا الْمَحْمُولِ، تُغْلِقُهُ بِسُرْعَةٍ وَتَضَعُهُ فِي حَقِيبَةٍ صَغِيرَةٍ مُعَدَّةٍ سَلَفًا لِحَالَاتِ الطَّوَارِئِ، حَقِيبَةٍ كَانَتْ قَدْ جَهَّزَتْهَا مُنْذُ حَادِثَةِ الِاخْتِرَاقِ الرَّقْمِيِّ الْأُولَى، تَحَسُّبًا لِسَيْنَارْيُو كَهَذَا بِالذَّاتِ، تَحْتَوِي عَلَى جَوَازِ سَفَرِهَا، وَبَعْضِ النُّقُودِ الِاحْتِيَاطِيَّةِ، وَقُرْصِ تَخْزِينٍ صَغِيرٍ يَحْمِلُ نُسْخَةً إِضَافِيَّةً مِنْ أَهَمِّ مِلَفَّاتِهَا.
سَمِعَتْ مُحَاوَلَةً أُخْرَى لِلطَّرْقِ، أَقْوَى هَذِهِ الْمَرَّةَ، ثُمَّ صَوْتَ خَدْشٍ مَعْدِنِيٍّ عِنْدَ الْقُفْلِ، صَوْتًا لَمْ تُخْطِئْ فِيهِ أُذُنُهَا الْمُدَرَّبَةُ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْأَصْوَاتِ الْعَادِيَّةِ وَالْأَصْوَاتِ الْمَرِيبَةِ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الْعَمَلِ الصَّحَفِيِّ الِاسْتِقْصَائِيِّ فِي مَنَاطِقَ خَطِرَةٍ حَوْلَ الْعَالَمِ.
دُونَ تَرَدُّدٍ، تَوَجَّهَتْ لِينَا مُبَاشَرَةً نَحْوَ النَّافِذَةِ الْخَلْفِيَّةِ لِشَقَّتِهَا، الْمُطِلَّةِ عَلَى فِنَاءٍ دَاخِلِيٍّ يَتَّصِلُ بِمَبْنًى مُجَاوِرٍ عَبْرَ سُلَّمِ حَرِيقٍ مَعْدِنِيٍّ قَدِيمٍ كَانَتْ قَدْ لَاحَظَتْهُ مِنْ قَبْلُ دُونَ أَنْ تَتَخَيَّلَ يَوْمًا أَنَّهَا سَتَحْتَاجُ لِاسْتِخْدَامِهِ فِعْلِيًّا. فَتَحَتِ النَّافِذَةَ بِسُرْعَةٍ، وَتَسَلَّلَتْ خَارِجًا، حَقِيبَتُهَا عَلَى كَتِفِهَا، وَقَلْبُهَا يَخْفِقُ بِعُنْفٍ لَمْ تَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى فِي أَخْطَرِ تَحْقِيقَاتِهَا الصَّحَفِيَّةِ السَّابِقَةِ، سَوَاءٌ فِي مَنَاطِقِ النِّزَاعِ الَّتِي غَطَّتْهَا سَابِقًا أَوْ فِي تَحْقِيقَاتِ الْفَسَادِ الَّتِي عَرَّضَتْهَا لِتَهْدِيدَاتٍ مُبَطَّنَةٍ مِنْ قَبْلُ.
كَانَ السُّلَّمُ الْمَعْدِنِيُّ الْقَدِيمُ يَهْتَزُّ بِشَكْلٍ مُقْلِقٍ تَحْتَ قَدَمَيْهَا، صَدِئًا فِي بَعْضِ الْمَفَاصِلِ، لَكِنَّهَا وَاصَلَتِ النُّزُولَ بِسُرْعَةٍ مَحْسُوبَةٍ، حَرِيصَةً عَلَى أَلَّا تَتَعَثَّرَ أَوْ تُصْدِرَ ضَجِيجًا قَدْ يَلْفِتُ انْتِبَاهَ مَنْ فِي الدَّاخِلِ. شَعَرَتْ بِأَلَمٍ خَفِيفٍ فِي كَاحِلِهَا حِينَ وَطِئَتْ قَدَمُهَا إِحْدَى الدَّرَجَاتِ بِشَكْلٍ خَاطِئٍ، لَكِنَّهَا تَجَاهَلَتِ الْأَلَمَ، مُرَكِّزَةً كُلَّ طَاقَتِهَا عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْأَرْضِ بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ.
٨
سَمِعَتْ، وَهِيَ تَتَسَلَّقُ سُلَّمَ الْحَرِيقِ بِأَقْصَى سُرْعَةٍ مُمْكِنَةٍ، صَوْتَ بَابِ شَقَّتِهَا يَنْكَسِرُ أَخِيرًا خَلْفَهَا، وَأَصْوَاتَ خَطَوَاتٍ ثَقِيلَةٍ تَنْدَفِعُ إِلَى الدَّاخِلِ، وَصَوْتَ رَجُلٍ يَتَحَدَّثُ بِلُغَةٍ لَمْ تَسْتَطِعْ تَمْيِيزَهَا بِوُضُوحٍ مِنْ فَرْطِ الذُّعْرِ وَالْمَسَافَةِ. لَمْ تَتَوَقَّفْ لِتَنْظُرَ خَلْفَهَا، وَاصَلَتْ نُزُولَهَا السَّرِيعَ عَبْرَ السُّلَّمِ الْمَعْدِنِيِّ الْمُهْتَزِّ، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى الْفِنَاءِ الْخَلْفِيِّ، ثُمَّ إِلَى الشَّارِعِ الْجَانِبِيِّ، حَيْثُ اخْتَلَطَتْ بِسُرْعَةٍ بِحَرَكَةِ الْمَارَّةِ الْمَسَائِيَّةِ، تَمْشِي بِخُطًى سَرِيعَةٍ لَكِنْ غَيْرِ مُثِيرَةٍ لِلِانْتِبَاهِ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَبْدُوَ كَأَيِّ عَابِرَةِ سَبِيلٍ عَادِيَّةٍ رَغْمَ قَلْبِهَا الَّذِي كَانَ يَكَادُ يَنْفَجِرُ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالْإِرْهَاقِ.
اسْتَقَلَّتْ مِتْرُو الْأَنْفَاقِ مِنْ مَحَطَّةٍ بَعِيدَةٍ نِسْبِيًّا عَنْ شَقَّتِهَا، بَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَتْ، بِقَدْرِ مَا اسْتَطَاعَتْ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْمُرْتَبِكَةِ، أَنَّ لَا أَحَدَ يَتْبَعُهَا، مُغَيِّرَةً أَكْثَرَ مِنْ خَطِّ سَيْرٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَصَاعِدَةً مِنْ مَحَطَّةٍ وَنَازِلَةً مِنْ أُخْرَى، حَرَكَاتٌ دِفَاعِيَّةٌ تَعَلَّمَتْهَا مِنْ تَدْرِيبٍ أَمْنِيٍّ سَابِقٍ حَضَرَتْهُ كَجُزْءٍ مِنْ عَمَلِهَا الصَّحَفِيِّ فِي مَنَاطِقَ خَطِرَةٍ. جَلَسَتْ فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الْعَرَبَةِ، تُحَاوِلُ أَنْ تُهَدِّئَ أَنْفَاسَهَا الْمُتَسَارِعَةَ، وَتُفَكِّرُ بِسُرْعَةٍ فِي خُطْوَتِهَا التَّالِيَةِ.
اتَّصَلَتْ بِعَدْنَانَ بِمُجَرَّدِ أَنْ شَعَرَتْ بِأَمَانٍ نِسْبِيٍّ كَافٍ.
“سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَنَا بِخَيْرٍ، لَكِنِ اقْتَحَمَ رَجُلَانِ شَقَّتِي لِلتَّوِّ. هَرَبْتُ عَبْرَ سُلَّمِ الْحَرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَا، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّهُمَا أَخَذَا كُلَّ شَيْءٍ تَرَكْتُهُ هُنَاكَ، أَوْرَاقًا مَطْبُوعَةً، مُلَاحَظَاتٍ مَكْتُوبَةً بِخَطِّ الْيَدِ.”
٩
“يَا إِلَهِي، لِينَا، هَلْ أَنْتِ مُتَأَكِّدَةٌ أَنَّكِ بِخَيْرٍ؟ هَلْ تَحْتَاجِينَ إِلَى الشُّرْطَةِ؟”
“اتَّصَلْتُ بِالشُّرْطَةِ بِالْفِعْلِ مِنَ الطَّرِيقِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، لَكِنِّي أَشُكُّ بِصِدْقٍ أَنَّهُمْ سَيَجِدُونَ شَيْئًا مُفِيدًا؛ رِجَالٌ بِهَذَا الْمُسْتَوَى مِنَ الِاحْتِرَافِ لَا يَتْرُكُونَ أَدِلَّةً سَهْلَةً عَادَةً.” تَوَقَّفَتْ لِينَا، وَأَخَذَتْ نَفَسًا عَمِيقًا لِتَهْدِئَةِ صَوْتِهَا الْمُرْتَجِفِ. “أَرْسَلَتِ الشُّرْطَةُ الْأَلْمَانِيَّةُ دَوْرِيَّةً لِلتَّحَقُّقِ مِنَ الشَّقَّةِ، وَسَجَّلُوا بَلَاغًا رَسْمِيًّا، لَكِنَّ الضَّابِطَ الَّذِي تَحَدَّثْتُ مَعَهُ بَدَا مُتَشَكِّكًا بَعْضَ الشَّيْءِ فِي قِصَّتِي، رُبَّمَا لِأَنِّي لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَشْرَحَ لَهُ كُلَّ الْخَلْفِيَّةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلْقِصَّةِ دُونَ أَنْ أَكْشِفَ تَفَاصِيلَ حَسَّاسَةً تَخُصُّكَ أَنْتَ وَرِيمَ وَالْحَاجَّ تَوْفِيقٍ.”
“وَهَلْ خَسِرْتِ الْكَثِيرَ؟ الْأَوْرَاقَ، الْمُلَاحَظَاتِ؟”
“الْخَبَرُ الْجَيِّدُ الْوَحِيدُ هُوَ أَنِّي احْتَفَظْتُ بِنُسْخَةٍ احْتِيَاطِيَّةٍ كَامِلَةٍ مِنْ كُلِّ أَبْحَاثِي عَلَى خِدْمَةِ تَخْزِينٍ سَحَابِيٍّ مُشَفَّرَةٍ، بَعِيدًا عَنْ حَاسُوبِي الْمَحْمُولِ نَفْسِهِ، عَادَةٌ اكْتَسَبْتُهَا مِنْ سَنَوَاتِ الْعَمَلِ فِي مَنَاطِقَ خَطِرَةٍ، حَيْثُ تَعَلَّمْتُ أَلَّا أَثِقَ أَبَدًا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ لِحِفْظِ أَيَّةِ مَعْلُومَةٍ حَسَّاسَةٍ. لَمْ يَخْسَرُوا شَيْئًا حَقِيقِيًّا بِاقْتِحَامِهِمْ، سِوَى بَعْضِ الْأَوْرَاقِ الْمَطْبُوعَةِ الَّتِي يُمْكِنُنِي إِعَادَةُ طِبَاعَتِهَا بِسُهُولَةٍ، وَبَعْضِ مُلَاحَظَاتِي الْمَكْتُوبَةِ بِخَطِّ الْيَدِ الَّتِي، وَإِنْ كَانَتْ مُزْعِجَةَ الْفُقْدَانِ، لَا تَحْتَوِي عَلَى شَيْءٍ لَمْ أُوَثِّقْهُ رَقْمِيًّا أَيْضًا.”
شَعَرَ عَدْنَانُ بِارْتِيَاحٍ جُزْئِيٍّ وَسْطَ كُلِّ الْقَلَقِ الْمُتَصَاعِدِ. “لِينَا، أَيْنَ أَنْتِ الْآنَ؟ هَلْ أَنْتِ فِي مَكَانٍ آمِنٍ؟”
“انْتَقَلْتُ إِلَى شَقَّةِ صَدِيقَةٍ مَوْثُوقَةٍ، بَعِيدًا عَنْ حَيِّي الْمُعْتَادِ، وَلَنْ أَعُودَ إِلَى شَقَّتِي حَتَّى تَهْدَأَ الْأُمُورُ، أَوْ حَتَّى نَفْهَمَ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ مَنْ يَقِفُ خَلْفَ هَذَا كُلِّهِ.” أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ حَزْمًا: “لَكِنْ سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَنَا آسِفَةٌ جِدًّا لِأَنِّي وَرَّطْتُكَ فِي كُلِّ هَذَا الْخَطَرِ.”
“لَا، لِينَا، أَنَا مَنْ وَرَّطَكِ فِي هَذَا، وَأَشْعُرُ بِذَنْبٍ حَقِيقِيٍّ حِيَالَ ذَلِكَ. رُبَّمَا يَجِبُ أَنْ تَنْسَحِبِي مِنْ هَذَا التَّحْقِيقِ كُلِّيًّا الْآنَ، مِنْ أَجْلِ سَلَامَتِكِ.”
“لَا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ.” كَانَتْ إِجَابَتُهَا حَاسِمَةً، فَوْرِيَّةً، بِلَا أَيِّ تَرَدُّدٍ. “الْآنَ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى، أَشْعُرُ أَنَّنِي يَجِبُ أَنْ أَسْتَمِرَّ. مَنْ فَعَلَ هَذَا لَا يُرِيدُ فَقَطْ أَنْ يَعْرِفَ مَاذَا نَعْرِفُ، بَلْ يُرِيدُ أَنْ يُوقِفَنَا تَمَامًا، وَهَذَا بِحَدِّ ذَاتِهِ دَلِيلٌ إِضَافِيٌّ عَلَى أَنَّنَا نَقْتَرِبُ مِنْ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ وَخَطِيرٍ لِلْغَايَةِ. لَنْ أَتَرَاجَعَ الْآنَ، مَهْمَا كَلَّفَ الْأَمْرُ.” تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً، ثُمَّ أَضَافَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا لَكِنْ أَشَدَّ عَزْمًا: “أَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْمِهْنَةِ مُنْذُ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، وَتَعَلَّمْتُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ أَنَّ الْخَوْفَ، حِينَ يُوَاجَهُ بِصَمْتٍ وَانْسِحَابٍ، يَنْمُو وَيَتَضَخَّمُ، لَكِنَّهُ حِينَ يُوَاجَهُ بِعَمَلٍ دَؤُوبٍ وَمَنْهَجِيٍّ، يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا إِلَى وَقُودٍ لِمُوَاصَلَةِ الطَّرِيقِ، لَا إِلَى عَائِقٍ يُوقِفُهُ.”
١٠
جَلَسَ عَدْنَانُ فِي غُرْفَتِهِ بِالْفُنْدُقِ الدِّمَشْقِيِّ بَعْدَ إِنْهَاءِ الْمُكَالَمَةِ، يُفَكِّرُ فِي اتِّسَاعِ دَائِرَةِ الْخَطَرِ الْمُحِيطَةِ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ: لَمْ تَعُدِ الْمَسْأَلَةُ تَقْتَصِرُ عَلَى دِمَشْقَ وَبَيْرُوتَ، بَلِ امْتَدَّتِ الْآنَ إِلَى قَلْبِ أُورُوبَّا نَفْسِهَا، إِلَى بَرْلِينَ حَيْثُ تَعِيشُ امْرَأَةٌ قَرَّرَتْ، رَغْمَ كُلِّ الْخَطَرِ الْحَقِيقِيِّ الَّذِي وَاجَهَتْهُ لِلتَّوِّ، أَنْ تُوَاصِلَ مُسَاعَدَتَهُ دُونَ تَرَدُّدٍ.
نَهَضَ مِنْ مَكَانِهِ، وَسَارَ نَحْوَ النَّافِذَةِ، يَنْظُرُ إِلَى أَضْوَاءِ دِمَشْقَ اللَّيْلِيَّةِ الْمُتَنَاثِرَةِ، مُحَاوِلًا أَنْ يُرَتِّبَ فِي ذِهْنِهِ حَجْمَ مَا يُوَاجِهُهُ. فَكَّرَ فِي حَجْمِ الشَّبَكَةِ الَّتِي يُوَاجِهُهَا: مَنْ كَانَ يَمْلِكُ الْمَوَارِدَ الْكَافِيَةَ لِتَنْظِيمِ عَمَلِيَّةِ اقْتِحَامٍ مُحْتَرِفَةٍ فِي بَرْلِينَ، بِالتَّزَامُنِ التَّقْرِيبِيِّ مَعَ مُحَاوَلَةِ قَتْلٍ فِي دِمَشْقَ، وَمُرَاقَبَةٍ دَقِيقَةٍ لِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا هُوَ نَفْسُهُ مُنْذُ اللَّحْظَةِ الْأُولَى الَّتِي فَتَحَ فِيهَا تِلْكَ الرِّسَالَةَ فِي مَكْتَبِهِ بِفْرَانْكْفُورْتَ؟ لَمْ يَعُدْ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يُقْنِعَ نَفْسَهُ أَنَّ إِلْيَاسَ النَّابُلُسِيَّ وَحْدَهُ، مَهْمَا بَلَغَتْ بَرَاعَتُهُ الْقَانُونِيَّةُ وَعَلَاقَاتُهُ الْمَشْبُوهَةُ، يَمْلِكُ كُلَّ هَذِهِ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّنْسِيقِ عَبْرَ قَارَّاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، مِنْ رِجَالٍ أَمْنِيِّينَ مُحْتَرِفِينَ فِي أَلْمَانْيَا إِلَى سَائِقِي سَيَّارَاتٍ مُدَرَّبِينَ عَلَى تَنْفِيذِ حَوَادِثَ مُدَبَّرَةٍ فِي دِمَشْقَ.
بَدَأَ يَشُكُّ، بِقَلَقٍ مُتَصَاعِدٍ لَمْ يَسْتَطِعْ تَجَاهُلَهُ، أَنَّ ثَمَّةَ يَدًا أُخْرَى، أَكْبَرَ وَأَكْثَرَ تَنْظِيمًا، تُحَرِّكُ كُلَّ هَذِهِ الْخُيُوطِ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ، يَدًا قَدْ لَا تَكُونُ إِلْيَاسَ نَفْسَهُ، بَلْ شَخْصًا أَوْ جِهَةً يَسْتَخْدِمُ إِلْيَاسَ كَوَاجِهَةٍ مَرْئِيَّةٍ بَيْنَمَا يَبْقَى هُوَ نَفْسُهُ، أَوْ هِيَ نَفْسُهَا، مُخْتَبِئًا بَعِيدًا عَنِ الْأَضْوَاءِ، تَمَامًا كَمَا بَقِيَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ نَفْسُهُ، طَوَالَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، مُخْتَبِئًا خَلْفَ وَاجِهَةِ تَاجِرِ أَقْمِشَةٍ هَادِئٍ، يَحْمِي أَسْرَارًا أَعْظَمَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تُوحِي بِهِ بَسَاطَةُ مَتْجَرِهِ الصَّغِيرِ فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ.
فَكَّرَ أَيْضًا فِي الْمُفَارَقَةِ الْقَاسِيَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ: الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ، الَّذِي حَمَلَ سِرًّا ثَقِيلًا طَوَالَ حَيَاتِهِ لِيَحْمِيَ بِهِ ضُعَفَاءَ فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ، مُقَابِلَ شَبَكَةٍ مَجْهُولَةٍ الْيَوْمَ تَحْمِلُ السِّرَّ نَفْسَهُ تَقْرِيبًا، لَكِنْ بِدَافِعٍ مُضَادٍّ تَمَامًا: لَا لِتَحْمِيَ، بَلْ لِتَنْهَبَ وَتَسْتَوْلِيَ، مُسْتَغِلَّةً غِيَابَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ وَصَمْتَ الْعُقُودِ الطَّوِيلَةِ لِتَحْقِيقِ مَكَاسِبَ لَا تَخُصُّهَا بِأَيِّ حَقٍّ أَخْلَاقِيٍّ أَوْ قَانُونِيٍّ حَقِيقِيٍّ.
اتَّصَلَ بِزِيَادٍ سَلُّومٍ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، مُخْبِرًا إِيَّاهُ بِإِيجَازٍ عَمَّا حَدَثَ لِلِينَا فِي بَرْلِينَ، دُونَ الْخَوْضِ فِي تَفَاصِيلَ حَسَّاسَةٍ أُخْرَى. أَصْغَى الْمُحَامِي بِقَلَقٍ وَاضِحٍ، وَوَعَدَ بِأَنْ يَزِيدَ مِنْ حَذَرِهِ الْخَاصِّ أَيْضًا، وَأَنْ يَبْحَثَ عَنْ طُرُقٍ أَكْثَرَ أَمَانًا لِلتَّوَاصُلِ فِيمَا بَيْنَهُمْ جَمِيعًا خِلَالَ الْأَيَّامِ الْقَادِمَةِ.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ بَعْدُ، وَهُوَ يُطْفِئُ أَخِيرًا مِصْبَاحَ غُرْفَتِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، غَارِقًا فِي قَلَقٍ مُتَجَدِّدٍ عَلَى سَلَامَةِ لِينَا وَسَلَامَتِهِ الْخَاصَّةِ مَعًا، أَنَّ الْأَيَّامَ الْقَادِمَةَ سَتَحْمِلُ لَهُ مُوَاجَهَةً مُبَاشِرَةً مَعَ الْخَطَرِ الَّذِي كَانَ حَتَّى تِلْكَ اللَّحْظَةِ مُجَرَّدَ ظِلَالٍ وَتَهْدِيدَاتٍ بَعِيدَةٍ، مُوَاجَهَةً سَتَدْفَعُهُ، هُوَ وَمَنْ تَبَقَّى مِنْ حُلَفَائِهِ الْقَلَائِلِ، إِلَى قَلْبِ سُوقِ الْحَرِيقَةِ نَفْسِهِ، حَيْثُ بَدَأَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ كُلُّهَا قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا بِالتَّمَامِ وَالْكَمَالِ، وَحَيْثُ كَانَ مُقَدَّرًا لَهَا أَيْضًا أَنْ تَصِلَ إِلَى ذُرْوَتِهَا الْأَخْطَرِ، بَيْنَ الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي شَهِدَتْ خُطُوَاتِهِ الْأُولَى كَفَتًى فَقِيرٍ يَحْلُمُ بِمُسْتَقْبَلٍ أَفْضَلَ.


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 15


وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ 13