وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ
١
بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنْ حَادِثَةِ الِاقْتِحَامِ فِي بَرْلِينَ، اسْتَقَرَّ رَأْيُ لِينَا عَلَى أَنَّ السَّفَرَ بِنَفْسِهَا إِلَى دِمَشْقَ لَمْ يَعُدْ تَرَفًا يُمْكِنُ تَأْجِيلُهُ، بَلْ ضَرُورَةً لَا تَحْتَمِلُ الِانْتِظَارَ؛ فَقَدْ أَحَسَّتْ أَنَّ التَّوَاصُلَ عَنْ بُعْدٍ، عَبْرَ مُكَالَمَاتٍ وَرَسَائِلَ رُبَّمَا تَكُونُ مُرَاقَبَةً فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِالذَّاتِ، صَارَ ثُقْبًا يَتَسَلَّلُ مِنْهُ الْخَطَرُ، لَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ تَكَشَّفَ لَهَا أَنَّ الشَّبَكَةَ الَّتِي تُطَارِدُهُمَا تَمْتَلِكُ مِنَ الْأَدَوَاتِ التِّقْنِيَّةِ وَالْمِيدَانِيَّةِ مَا يَصْعُبُ تَحْدِيدُ حُدُودِهِ.
اسْتَقْبَلَهَا عَدْنَانُ فِي مَطَارِ دِمَشْقَ الدُّوَلِيِّ، وَفِي عَيْنَيْهِ قَلَقٌ يُخَالِطُهُ ارْتِيَاحٌ صَادِقٌ لِرُؤْيَتِهَا سَالِمَةً بَعْدَ كُلِّ مَا مَرَّتْ بِهِ. بَدَتْ لِينَا مُنْهَكَةً، تَحْمِلُ عَلَى وَجْهِهَا أَثَرَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ وَأَيَّامٍ مِنْ تَوَتُّرٍ لَمْ يَهْدَأْ، غَيْرَ أَنَّ عَيْنَيْهَا احْتَفَظَتَا بِذَلِكَ الْبَرِيقِ الْعَنِيدِ الَّذِي عَرَفَهُ فِيهَا مُنْذُ أَوَّلِ مُكَالَمَةٍ جَمَعَتْهُمَا.
قَالَتْ وَهِيَ تُخْرِجُ مِنْ حَقِيبَتِهَا الْيَدَوِيَّةِ مُجَلَّدًا سَمِيكًا مِنَ الْأَوْرَاقِ الْمُرَتَّبَةِ بِعِنَايَةٍ: «أَحْضَرْتُ مَعِي كُلَّ شَيْءٍ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، مَطْبُوعًا هَذِهِ الْمَرَّةَ عَلَى الْوَرَقِ وَحْدَهُ، بِلَا أَيَّةِ نُسْخَةٍ رَقْمِيَّةٍ يُمْكِنُ اخْتِرَاقُهَا. أَظُنُّنَا بَلَغْنَا نُقْطَةً تَسْتَوْجِبُ أَنْ نُرَاجِعَ فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ مَعًا، وَجْهًا لِوَجْهٍ، بَعِيدًا عَنْ أَيِّ وَسِيلَةِ اتِّصَالٍ يُمْكِنُ اعْتِرَاضُهَا.»
٢
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، جَلَسَا فِي مَقْهًى هَادِئٍ نِسْبِيًّا قُرْبَ فُنْدُقِ عَدْنَانَ، عَلَى طَاوِلَةٍ فِي زَاوِيَةٍ نَائِيَةٍ عَنِ النَّوَافِذِ حِرْصًا مِنْهُمَا عَلَى تَقْلِيلِ فُرْصَةِ أَنْ يَرَاهُمَا أَحَدٌ مِنَ الْخَارِجِ، وَأَخَذَا يُرَاجِعَانِ مَعًا كُلَّ الْخُيُوطِ الْمُتَرَاكِمَةِ: أَمَانَةَ عَامِ ١٩٥٨، وَأَمَانَةَ عَامِ ١٩٧٦، وَاخْتِفَاءَ كَمَالٍ الْمُرِيبَ سَنَةَ ١٩٧٨ بِتَزَامُنٍ يَكَادُ يَكُونُ تَامًّا مَعَ اخْتِفَاءِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ، وَاعْتِرَافَ فَاطِمَةَ الصَّادِمَ، وَنَظَرِيَّةَ لِينَا الْحَدِيثَةَ الَّتِي تَرَى فِي الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ حَارِسًا لِأَسْرَارِ عَائِلَاتٍ عَدِيدَةٍ عَبْرَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
نَشَرَتْ لِينَا أَوْرَاقَهَا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ، وَخَطًّا زَمَنِيًّا رَسَمَتْهُ بِيَدِهَا يَمْتَدُّ مِنْ عَامِ ١٩٤٨ حَتَّى اللَّحْظَةِ الرَّاهِنَةِ، تَتَقَاطَعُ فِيهِ خُيُوطٌ مُتَعَدِّدَةُ الْأَلْوَانِ، كُلُّ لَوْنٍ يُمَثِّلُ شَخْصِيَّةً أَوْ حَدَثًا رَئِيسًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ الْمُتَشَعِّبَةِ.
قَالَتْ لِينَا، وَهِيَ تُقَلِّبُ صَفَحَاتِ مُلَاحَظَاتِهَا: «ثَمَّةَ أَمْرٌ وَاحِدٌ مَا زِلْتُ عَاجِزَةً عَنْ فَهْمِهِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. لِمَ اخْتَفَى كَمَالٌ وَالْحَاجُّ تَوْفِيقٍ فِي وَقْتٍ مُتَقَارِبٍ إِلَى هَذَا الْحَدِّ عَامَيْ ١٩٧٧ وَ١٩٧٨؟ أَهُوَ مُجَرَّدُ تَزَامُنٍ، أَمْ ثَمَّةَ خَيْطٌ مُبَاشِرٌ يَرْبِطُ بَيْنَ اخْتِفَائَيْهِمَا؟»
أَطَالَ عَدْنَانُ التَّفْكِيرَ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ: «لَعَلَّهُمَا، يَا لِينَا، اكْتَشَفَا مَعًا، فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ تَقْرِيبًا، أَمْرًا خَطِيرًا يَتَّصِلُ بِمَنْ كَانَ يُهَدِّدُ أَمَانَتَهُمَا، فَاضْطُرَّا إِلَى الِاخْتِفَاءِ كُلٌّ عَلَى حِدَةٍ، كُلٌّ بِطَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ، هَرَبًا مِنَ الْخَطَرِ نَفْسِهِ.»
أَضَافَتْ لِينَا بِحَذَرٍ: «أَوْ لَعَلَّ أَحَدَهُمَا كَانَ ضَالِعًا بِطَرِيقَةٍ مَا فِي اخْتِفَاءِ الْآخَرِ.»
تَجَمَّدَتْ حَرَكَةُ عَدْنَانَ تَمَامًا؛ فَقَدْ وَقَعَ هَذَا الِاحْتِمَالُ عَلَيْهِ بِثِقَلٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ. «أَتَقْصِدِينَ أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ رُبَّمَا كَانَ مَسْؤُولًا عَنِ اخْتِفَاءِ كَمَالٍ؟ أَمِ الْعَكْسُ؟»
«لَا أَسْتَبْعِدُ أَيَّ احْتِمَالٍ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، مَهْمَا بَدَا مُؤْلِمًا. فَالْقِصَصُ الْإِنْسَانِيَّةُ الْمُعَقَّدَةُ كَهَذِهِ نَادِرًا مَا تَكُونُ بَيْضَاءَ أَوْ سَوْدَاءَ خَالِصَةً، وَالرِّجَالُ الطَّيِّبُونَ أَنْفُسُهُمْ، تَحْتَ ضَغْطٍ كَافٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْيَأْسِ، قَادِرُونَ أَحْيَانًا عَلَى أَفْعَالٍ لَمْ يَكُونُوا لِيَتَخَيَّلُوهَا يَوْمًا فِي ظُرُوفٍ عَادِيَّةٍ.»
٣
اقْتَرَحَ عَدْنَانُ أَنْ يَزُورَا مَعًا مَوْقِعَ سُوقِ الْحَرِيقَةِ الْقَدِيمِ فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، لَا لِأَسْبَابٍ عَاطِفِيَّةٍ وَحْسْبُ، بَلْ لِأَنَّهُ تَذَكَّرَ فَجْأَةً، خِلَالَ مُرَاجَعَتِهِمَا مُلَاحَظَاتِ لِينَا، تَفْصِيلًا صَغِيرًا كَادَ يَنْدَثِرُ مِنْ ذَاكِرَتِهِ: أَنَّ حَسَنَ، رَفِيقَ صِبَاهُ الْقَدِيمَ فِي السُّوقِ، لَا يَزَالُ، بِحَسَبِ آخِرِ مَا سَمِعَهُ مِنْ أُمِّ سُلَيْمَانَ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، يَمْتَلِكُ مَحَلًّا صَغِيرًا فِي السُّوقِ نَفْسِهِ، وَرِثَهُ عَنْ أَبِيهِ، الَّذِي وَرِثَهُ بِدَوْرِهِ عَنْ جِيلٍ أَقْدَمَ مِنَ الْعَائِلَةِ ذَاتِهَا.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، تَوَجَّهَا مَعًا إِلَى سُوقِ الْحَرِيقَةِ، وَقَادَ عَدْنَانُ لِينَا عَبْرَ الْأَزِقَّةِ الضَّيِّقَةِ الَّتِي عَرَفَهَا يَوْمًا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ، شَارِحًا لَهَا، بِحَمَاسَةٍ يُخَالِطُهَا حُزْنٌ، تَفَاصِيلَ كُلِّ زَاوِيَةٍ يَمُرَّانِ بِهَا: هُنَا كَانَ مَحَلُّ أَبِي سَلِيمٍ لِبَيْعِ الْبُهَارَاتِ، وَهُنَا كَانَتْ زَاوِيَةُ اسْتِرَاحَتِهِ مَعَ حَسَنَ يَتَقَاسَمَانِ رَغِيفَ خُبْزٍ بَسِيطًا، وَهُنَا كَانَ الْبَابُ الَّذِي وَقَفَ أَمَامَهُ خَائِفًا فِي يَوْمِهِ الْأَوَّلِ.
وَجَدَا مَحَلَّ حَسَنٍ أَخِيرًا، أَصْغَرَ وَأَبْسَطَ مِمَّا تَوَقَّعَهُ عَدْنَانُ، غَيْرَ أَنَّهُ يَحْمِلُ اللَّافِتَةَ ذَاتَهَا تَقْرِيبًا، بِخَطٍّ مُتَجَدِّدٍ: «حَسَنٌ وَأَوْلَادُهُ – أَزْرَارٌ وَإِكْسَسْوَارَاتُ خِيَاطَةٍ». دَخَلَا، فَوَجَدَا رَجُلًا فِي سِتِّينِيَّاتِ عُمْرِهِ، يَحْمِلُ وَجْهُهُ التَّعِبُ الْمَأْلُوفُ مَلَامِحَ لَمْ يُخْطِئْهَا عَدْنَانُ لَحْظَةً وَاحِدَةً رَغْمَ مُرُورِ كُلِّ تِلْكَ الْعُقُودِ: الْعَيْنَانِ الدَّافِئَتَانِ أَنْفُسُهُمَا، وَالِابْتِسَامَةُ ذَاتُهَا الَّتِي كَانَتْ تَعْلُو وَجْهَهُ بِسُرْعَةٍ حَتَّى فِي أَقْسَى أَيَّامِ الْفَقْرِ وَالتَّعَبِ فِي شَبَابِهِمَا الْمُشْتَرَكِ.
٤
«حَسَنُ؟»
رَفَعَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ فَاحِصًا وَجْهَ الزَّائِرِ الْغَرِيبِ بِتَرَدُّدٍ، قَبْلَ أَنْ تَتَّسِعَ عَيْنَاهُ فَجْأَةً بِذُهُولٍ تَامٍّ: «لَا يُمْكِنُ عَدْنَانُ؟ عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ؟»
احْتَضَنَ الرَّجُلَانِ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِحَرَارَةٍ صَادِقَةٍ أَذْهَلَتْ لِينَا الْوَاقِفَةَ عَلَى مَقْرُبَةٍ، وَهِيَ تُشَاهِدُ لَحْظَةَ لِقَاءٍ نَادِرَةً بَيْنَ صَدِيقَيْنِ افْتَرَقَا قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً. بَكَى حَسَنٌ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، غَيْرَ مُكْتَرِثٍ بِنَظَرَاتِ الزَّبَائِنِ الْعَابِرِينَ، مُمْسِكًا بِكَتِفَيْ عَدْنَانَ وَكَأَنَّهُ يَتَأَكَّدُ أَنَّهُ لَيْسَ شَبَحًا وَلَا وَهْمًا تَخَيَّلَهُ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ مِنَ الْغِيَابِ.
قَالَ حَسَنٌ، وَهُوَ يَمْسَحُ دُمُوعَهُ بِكُمِّ قَمِيصِهِ، نَاظِرًا إِلَى عَدْنَانَ بِلَوْمٍ مَحْبُوبٍ: «ظَنَنْتُكَ ظَنَنَّا جَمِيعًا أَنَّكَ اخْتَفَيْتَ تَمَامًا كَالْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، بَعْدَ أَنْ غَادَرْتَ الْبِلَادَ فَجْأَةً فِي أَوَاخِرِ السَّبْعِينِيَّاتِ دُونَ أَنْ تُوَدِّعَ أَحَدًا! بَحَثْنَا عَنْكَ، أَنَا وَأَبُو سَلِيمٍ، رَحِمَهُ اللَّهُ، سِنِينَ طَوِيلَةً، سَأَلْنَا كُلَّ مَنْ عَرَفْنَاهُ، فَلَمْ يَصِلْنَا عَنْكَ خَبَرٌ قَطُّ، وَكَأَنَّ الْأَرْضَ ابْتَلَعَتْكَ. أَيْنَ كُنْتَ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ؟ وَلِمَ لَمْ تَتَوَاصَلْ مَعَنَا أَبَدًا؟»
قَالَ عَدْنَانُ: «قِصَّةٌ طَوِيلَةٌ، يَا صَدِيقِي، سَأَرْوِيهَا لَكَ كَامِلَةً إِنْ سَمَحَ الْوَقْتُ. لَكِنِّي الْآنَ فِي حَاجَةٍ إِلَى مُسَاعَدَتِكَ فِي أَمْرٍ عَاجِلٍ.» ثُمَّ شَرَحَ بِإِيجَازٍ حَذِرٍ جُزْءًا مِنَ الْقِصَّةِ، مُرَكِّزًا عَلَى مَا يَظُنُّ أَنَّ حَسَنَ رُبَّمَا يَعْرِفُهُ عَنِ الْأَيَّامِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ اخْتِفَاءِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ.
أَطَالَ حَسَنٌ التَّفْكِيرَ، مُحَاوِلًا أَنْ يَسْتَحْضِرَ ذِكْرَيَاتٍ دَفِينَةً مُنْذُ عُقُودٍ: «أَتَذَكَّرُ أَنَّ أَبِي أَخْبَرَنِي مَرَّةً، بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنِ اخْتِفَاءِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، أَنَّهُ سَمِعَ إِشَاعَةً فِي السُّوقِ عَنْ رَجُلٍ غَرِيبٍ كَانَ يَزُورُ الْمَتْجَرَ لَيْلًا فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ اخْتِفَائِهِ، وَأَنَّ بَعْضَ كِبَارِ السُّوقِ كَانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ عَنْ ‘دَفْتَرٍ ثَانٍ’ لَمْ يُعْثَرْ عَلَيْهِ قَطُّ بَعْدَ اخْتِفَائِهِ.»
٥
سَأَلَ عَدْنَانُ بِدَهْشَةٍ مُتَزَايِدَةٍ: «دَفْتَرٌ ثَانٍ؟ أَتَعْرِفُ أَيْنَ رُبَّمَا يَكُونُ؟»
هَزَّ حَسَنٌ رَأْسَهُ بِتَرَدُّدٍ: «لَا أَعْرِفُ يَقِينًا، لَكِنَّ أَبِي ذَكَرَ أَنَّ لِلْحَاجِّ تَوْفِيقٍ صَدِيقًا قَدِيمًا آخَرَ، لَيْسَ مَعْرُوفًا كَثِيرًا فِي السُّوقِ، صَائِغًا مُسِنًّا اسْمُهُ أَبُو نَبِيلٍ، تُوُفِّيَ هُوَ الْآخَرُ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ، لَكِنَّ أَبْنَاءَهُ مَا زَالُوا يُدِيرُونَ مَحَلَّهُ فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ السُّوقِ. رُبَّمَا يَعْرِفُونَ شَيْئًا.»
وَقَبْلَ أَنْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ مُنَاقَشَةِ الْأَمْرِ أَكْثَرَ، لَاحَظَتْ لِينَا، بِحِسِّهَا الصُّحُفِيِّ الْمُدَرَّبِ عَلَى الْتِقَاطِ التَّفَاصِيلِ، رَجُلَيْنِ يَقِفَانِ عِنْدَ مَدْخَلِ الزُّقَاقِ الْبَعِيدِ، يُرَاقِبَانِ مَحَلَّ حَسَنٍ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ طَبِيعِيَّةٍ، يَتَظَاهَرَانِ بِفَحْصِ بِضَاعَةِ مَتْجَرٍ مُجَاوِرٍ دُونَ أَنْ يَنْظُرَا إِلَيْهَا فِعْلًا.
هَمَسَتْ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ: «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَظُنُّنَا لَسْنَا وَحْدَنَا هُنَا.»
٦
نَظَرَ عَدْنَانُ خُلْسَةً نَحْوَ الِاتِّجَاهِ الَّذِي أَشَارَتْ إِلَيْهِ لِينَا، فَرَأَى الرَّجُلَيْنِ، وَتَعَرَّفَ فَوْرًا، بِقُشَعْرِيرَةٍ بَارِدَةٍ، عَلَى أَحَدِهِمَا: الرَّجُلَ نَفْسَهُ الَّذِي رَآهُ يُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ أَثْنَاءَ لِقَائِهِ بِإِلْيَاسَ فِي مَكْتَبِ زِيَادٍ سَلُّومٍ، وَالَّذِي ظَهَرَ مَرَّةً أُخْرَى، بِمَلَابِسَ مُخْتَلِفَةٍ، قُرْبَ فُنْدُقِهِ فِي الْيَوْمِ التَّالِي.
«حَسَنُ، أَحْتَاجُ أَنْ تُخْرِجَنَا مِنْ هُنَا بِطَرِيقَةٍ آمِنَةٍ، مِنْ بَابٍ خَلْفِيٍّ إِنْ وُجِدَ.»
فَهِمَ حَسَنٌ الْخُطُورَةَ فَوْرًا مِنْ نَبْرَةِ صَوْتِ عَدْنَانَ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ بِسُرْعَةٍ، مُشِيرًا نَحْوَ بَابٍ صَغِيرٍ فِي الْخَلْفِ يُفْضِي إِلَى مَخْزَنٍ ضَيِّقٍ: «مِنْ هُنَا، عَبْرَ الْمَخْزَنِ، يُوصِلُ إِلَى زُقَاقٍ جَانِبِيٍّ أَقَلَّ ازْدِحَامًا.»
غَيْرَ أَنَّهُمَا مَا إِنْ بَدَآ التَّحَرُّكَ نَحْوَ الْبَابِ الْخَلْفِيِّ، حَتَّى سَمِعُوا صَوْتَ خُطُواتٍ سَرِيعَةٍ تَقْتَرِبُ مِنَ الْمَدْخَلِ الْأَمَامِيِّ، وَكَشَفَتْ نَظْرَةٌ عَابِرَةٌ لِعَدْنَانَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ قَدْ لَاحَظَا حَرَكَتَهُمْ، وَبَدَآ يَتَحَرَّكَانِ بِسُرْعَةٍ أَكْبَرَ نَحْوَ الْمَحَلِّ.
٧
انْدَفَعَ عَدْنَانُ وَلِينَا عَبْرَ الْمَخْزَنِ الضَّيِّقِ الْمُظْلِمِ، مُتَجَاوِزَيْنِ أَكْوَامَ صَنَادِيقِ الْأَزْرَارِ وَالْخُيُوطِ، حَتَّى بَلَغَا الْبَابَ الْخَلْفِيَّ، وَخَرَجَا إِلَى زُقَاقٍ ضَيِّقٍ مُتَعَرِّجٍ، مُعْتِمٍ نِسْبِيًّا بِفِعْلِ الْأَسْقُفِ الْمُقَوَّسَةِ الَّتِي تَحْجُبُ ضَوْءَ الشَّمْسِ فِي هَذَا الْجُزْءِ الْقَدِيمِ مِنَ السُّوقِ. كَانَتْ رَائِحَةُ التَّوَابِلِ وَالْغُبَارِ الْعَتِيقِ تَمْلَأُ الْهَوَاءَ، وَرَائِحَةٌ أُخْرَى، رَائِحَةُ الْخَوْفِ الْحَقِيقِيِّ، بَدَأَتْ تَتَسَلَّلُ إِلَى حَوَاسِّ عَدْنَانَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ بَدْءِ هَذِهِ الرِّحْلَةِ بِأَسْرِهَا.
صَاحَ عَدْنَانُ: «مِنْ هُنَا!»، مُتَذَكِّرًا فَجْأَةً، بِذَاكِرَةٍ جَسَدِيَّةٍ لَمْ يَظُنَّ أَنَّهَا مَا زَالَتْ حَيَّةً بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ، تَفَاصِيلَ هَذِهِ الْأَزِقَّةِ الَّتِي مَشَى فِيهَا آلَافَ الْمَرَّاتِ فِي شَبَابِهِ. جَرَى، وَلِينَا خَلْفَهُ مُبَاشَرَةً، عَبْرَ مُنْعَطَفَاتٍ ضَيِّقَةٍ مُتَتَالِيَةٍ، بَيْنَمَا ازْدَادَ صَوْتُ خُطُوَاتِ الْمُطَارِدَيْنِ وُضُوحًا خَلْفَهُمَا، خُطُوَاتٌ ثَقِيلَةٌ سَرِيعَةٌ تَصْطَدِمُ بِحِجَارَةِ الْأَرْضِيَّةِ الْقَدِيمَةِ بِإِيقَاعٍ يُنْذِرُ بِالسُّوءِ.
انْعَطَفَا يَمِينًا، ثُمَّ يَسَارًا، عَبْرَ مَمَرٍّ ضَيِّقٍ بِالْكَادِ يَتَّسِعُ لِشَخْصٍ وَاحِدٍ، فَاصْطَدَمَ عَدْنَانُ بِكَتِفِهِ بِحَافَّةِ رَفٍّ خَشَبِيٍّ بَارِزٍ مِنْ أَحَدِ الْمَحَالِّ، فَشَعَرَ بِأَلَمٍ حَادٍّ لَكِنَّهُ لَمْ يَتَوَقَّفْ، وَخَرَجَا إِلَى رِوَاقٍ أَوْسَعَ يَغُصُّ بِالْمُتَسَوِّقِينَ، مِمَّا أَتَاحَ لَهُمَا فُرْصَةَ الِاخْتِبَاءِ لَحَظَاتٍ قَصِيرَةً بَيْنَ الْحُشُودِ قَبْلَ أَنْ يُوَاصِلَا الْجَرْيَ نَحْوَ الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ السُّوقِ. سَمِعَ عَدْنَانُ صَرْخَةَ اسْتِيَاءٍ مِنْ بَائِعٍ اصْطَدَمَ بِهِ عَرَضًا، وَاعْتِذَارًا سَرِيعًا لَمْ يَتَوَقَّفْ لِيُكْمِلَهُ.
سَأَلَتْ لِينَا، لَاهِثَةً وَهِيَ تُحَاوِلُ مُجَارَاةَ سُرْعَةِ عَدْنَانَ رَغْمَ إِرْهَاقِهَا الْبَادِي مِنْ رِحْلَةِ الطَّيَرَانِ الطَّوِيلَةِ قَبْلَ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ: «إِلَى أَيْنَ نَتَّجِهُ بِالضَّبْطِ؟»
«لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ، فَقَطْ بَعِيدًا!»
وَاصَلَا الْجَرْيَ عَبْرَ أَزِقَّةٍ مُتَشَابِكَةٍ، بَعْضُهَا بَدَا مَأْلُوفًا لِعَدْنَانَ بِغُمُوضٍ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ تَغَيَّرَ تَمَامًا عَمَّا يَتَذَكَّرُهُ، مَحَالُّ جَدِيدَةٌ حَلَّتْ مَحَلَّ أُخْرَى قَدِيمَةٍ عَرَفَهَا يَوْمًا، حَتَّى بَدَأَ يَشُكُّ أَنَّهُ فَقَدَ اتِّجَاهَهُ تَمَامًا وَسْطَ هَذِهِ الْمَتَاهَةِ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ الْقَدِيمَةِ وَالتَّغَيُّرَاتِ الْحَدِيثَةِ الْمُتَدَاخِلَةِ.
٨
بَلَغَا أَخِيرًا زَاوِيَةً ضَيِّقَةً مَسْدُودَةً، جِدَارًا حَجَرِيًّا قَدِيمًا يُغْلِقُ الْمَمَرَّ الَّذِي ظَنَّهُ عَدْنَانُ طَرِيقًا مُخْتَصَرًا نَحْوَ الطَّرَفِ الْآخَرِ مِنَ السُّوقِ، لَكِنَّهُ تَبَيَّنَ، لِلْأَسَفِ، طَرِيقًا مَسْدُودًا تَمَامًا، خَطَأً ارْتَكَبَهُ فِي خِضَمِّ اِنْدِفَاعِهِ الْمَحْمُومِ، إِذْ خَانَتْهُ أَخِيرًا ذَاكِرَةُ السُّوقِ الْقَدِيمَةُ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ الْعُقُودِ مِنَ الْغِيَابِ. نَظَرَ حَوْلَهُ بِذُعْرٍ مُتَزَايِدٍ: جُدْرَانٌ حَجَرِيَّةٌ عَالِيَةٌ مِنْ كُلِّ الْجِهَاتِ، وَلَا نَافِذَةَ وَلَا بَابَ ظَاهِرًا يُمْكِنُ الْهُرُوبُ مِنْ خِلَالِهِ.
هَمَسَتْ لِينَا بِذُعْرٍ: «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ!»، وَهِيَ تَسْمَعُ خُطُوَاتِ الْمُطَارِدَيْنِ تَقْتَرِبُ بِسُرْعَةٍ مِنَ الزُّقَاقِ الَّذِي دَخَلَاهُ لِتَوِّهِمَا، أَصْوَاتًا تَزْدَادُ وُضُوحًا مَعَ كُلِّ ثَانِيَةٍ تَمُرُّ، وَأَنْفَاسًا مُتَسَارِعَةً تَخْتَلِطُ بِرُعْبٍ مُتَصَاعِدٍ لَمْ يَعُدْ بِوُسْعِهِمَا إِخْفَاؤُهُ.
نَظَرَ عَدْنَانُ حَوْلَهُ بِيَأْسٍ مُتَزَايِدٍ، لَا مَخْرَجَ آخَرَ ظَاهِرًا، وَقَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، وَفَكَّرَ لَحْظَةً فِي مُوَاجَهَةِ الْمُطَارِدَيْنِ مُبَاشَرَةً، رَغْمَ عِلْمِهِ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ فُرْصَةً حَقِيقِيَّةً أَمَامَ رَجُلَيْنِ يَبْدُوَانِ مُدَرَّبَيْنِ بِوُضُوحٍ، حِينَ انْفَتَحَ فَجْأَةً بَابٌ خَشَبِيٌّ صَغِيرٌ كَانَ يَظُنُّهُ مُجَرَّدَ جُزْءٍ مِنَ الْجِدَارِ، مُمَوَّهًا بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ بِلَوْنِ الْحَجَرِ الْمُحِيطِ بِهِ، وَامْتَدَّتْ نَحْوَهُمَا يَدٌ عَجُوزٌ بِإِشَارَةٍ عَاجِلَةٍ.
«مِنْ هُنَا، بِسُرْعَةٍ، لَا وَقْتَ لِلْأَسْئِلَةِ!»
٩
انْدَفَعَا دَاخِلَ الْبَابِ الصَّغِيرِ دُونَ تَرَدُّدٍ، لِيَجِدَا نَفْسَيْهِمَا فِي مَخْزَنٍ قَدِيمٍ ضَيِّقٍ يَفُوحُ بِرَوَائِحِ التَّوَابِلِ وَالْقَهْوَةِ الْمُحَمَّصَةِ، وَأَمَامَهُمَا رَجُلٌ مُسِنٌّ جِدًّا، رُبَّمَا فِي التِّسْعِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، عَيْنَاهُ حَادَّتَانِ رَغْمَ تَجَاعِيدِ وَجْهِهِ الْعَمِيقَةِ، أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُمَا بِسُرْعَةٍ وَحَذَرٍ، ثُمَّ وَضَعَ إِصْبَعَهُ عَلَى شَفَتَيْهِ طَالِبًا الصَّمْتَ التَّامَّ. كَانَ جَسَدُهُ النَّحِيلُ يَقِفُ بِثَبَاتٍ مُدْهِشٍ لِرَجُلٍ فِي عُمْرِهِ، وَيَدَاهُ، رَغْمَ ارْتِعَاشِهِمَا الطَّفِيفِ، تَحَرَّكَتَا بِدِقَّةٍ وَسُرْعَةٍ وَهُوَ يُقْفِلُ مِزْلَاجًا خَفِيًّا عَلَى الْبَابِ الْمُمَوَّهِ.
سَمِعَا، عَبْرَ الْجِدَارِ الرَّقِيقِ، أَصْوَاتَ خُطُوَاتِ الْمُطَارِدَيْنِ تَمُرُّ بِالْقُرْبِ مِنْهُمَا، تَتَوَقَّفُ لَحْظَةً عِنْدَ الْبَابِ الْخَشَبِيِّ الْمُمَوَّهِ بِعِنَايَةٍ لِيَبْدُوَ جُزْءًا مِنَ الْجِدَارِ الْحَجَرِيِّ، ثُمَّ أَصْوَاتَ نِقَاشٍ خَافِتٍ بِلُغَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ عَدْنَانُ تَمْيِيزَهَا بِوُضُوحٍ، فَمُتَابَعَةَ طَرِيقِهِمَا بَعِيدًا، بَعْدَ أَنْ لَمْ يَجِدَا مَا يَبْحَثَانِ عَنْهُ فِي ذَلِكَ الطَّرِيقِ الَّذِي بَدَا مَسْدُودًا. شَعَرَ عَدْنَانُ بِلِينَا تَرْتَجِفُ إِلَى جَانِبِهِ، فَأَمْسَكَ بِيَدِهَا بِلُطْفٍ، مُحَاوِلًا أَنْ يَمْنَحَهَا بَعْضَ الطُّمَأْنِينَةِ رَغْمَ أَنَّهُ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ مُتَأَكِّدًا تَمَامًا أَنَّهُمَا فِي أَمَانٍ بَعْدُ.
انْتَظَرَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ دَقَائِقَ إِضَافِيَّةً طَوِيلَةً، لِلتَّأَكُّدِ التَّامِّ مِنِ ابْتِعَادِ الْخَطَرِ، مُصْغِيًا بِتَرَكُّزٍ شَدِيدٍ لِكُلِّ صَوْتٍ خَارِجِيٍّ، قَبْلَ أَنْ يَتَحَدَّثَ أَخِيرًا بِصَوْتٍ أَجَشَّ تَحْمِلُ عَيْنَاهُ فُضُولًا حَادًّا وَاضِحًا وَهُوَ يَتَفَحَّصُ وَجْهَ عَدْنَانَ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ، كَأَنَّهُ يُقَارِنُهُ بِصُورَةٍ مَحْفُوظَةٍ فِي ذَاكِرَتِهِ مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
«أَعْرِفُكَ أَعْرِفُ وَجْهَكَ مِنْ مَكَانٍ مَا، رَغْمَ أَنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحَدِّدَ أَيْنَ بِالضَّبْطِ بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ.» تَوَقَّفَ، وَضَاقَتْ عَيْنَاهُ أَكْثَرَ وَهُوَ يُمْعِنُ النَّظَرَ، مُتَحَرِّكًا خُطْوَةً أَقْرَبَ، فَاحِصًا مَلَامِحَ عَدْنَانَ بِدِقَّةِ رَجُلٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْتَحَ بَابًا صَدِئًا فِي ذَاكِرَتِهِ. «هَلْ أَنْتَ هَلْ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ ذَلِكَ الْفَتَى الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ عِنْدَ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، مُنْذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ جِدًّا؟»
١٠
شَعَرَ عَدْنَانُ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ: «كَيْفَ تَعْرِفُنِي؟ مَنْ أَنْتَ؟»
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ الْعَجُوزُ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً، أَوَّلَ ابْتِسَامَةٍ يَرْسُمُهَا مُنْذُ أَنْ أَنْقَذَهُمَا قَبْلَ دَقَائِقَ قَلِيلَةٍ: «اسْمِي فَارِسٌ، ابْنُ أَبِي نَبِيلٍ الصَّائِغِ، صَدِيقِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْقَدِيمِ. كُنْتُ شَابًّا صَغِيرًا حِينَ كُنْتَ تَعْمَلُ فِي مَتْجَرِهِ، غَيْرَ أَنِّي أَتَذَكَّرُكَ جَيِّدًا؛ كُنْتَ تَمُرُّ أَحْيَانًا مِنْ أَمَامِ مَحَلِّنَا، وَكَانَ أَبِي يَتَحَدَّثُ عَنْكَ بِإِعْجَابٍ، يَصِفُكَ بِـ’الْفَتَى الْأَمِينِ الَّذِي وَجَدَهُ تَوْفِيقٌ أَخِيرًا بَعْدَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الْبَحْثِ’.»
جَلَسَ عَدْنَانُ، مَصْدُومًا مِنْ هَذَا التَّقَاطُعِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ: «أَبُوكَ أَبُو نَبِيلٍ؟ حَسَنٌ، صَدِيقِي الْقَدِيمُ فِي السُّوقِ، ذَكَرَ اسْمَهُ لِتَوِّهِ، قَبْلَ أَنْ نُضْطَرَّ لِلْهَرَبِ!»
«حَسَنٌ ابْنُ حَسَنٍ الْكَبِيرِ؟ مَا زَالَ حَيًّا؟ يَا لَلْعَجَبِ، الدُّنْيَا صَغِيرَةٌ حَقًّا.» ضَحِكَ فَارِسٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً حَزِينَةً، قَبْلَ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْجِدِّيَّةِ. «لَكِنْ دَعْنِي أُخَمِّنْ سَبَبَ مُطَارَدَتِكَ الْيَوْمَ: أَظُنُّ أَنَّ الْأَمْرَ يَتَّصِلُ بِشَيْءٍ تَرَكَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ خَلْفَهُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ شَيْءٌ ظَلَّ السُّوقُ بِأَسْرِهِ يَتَهَامَسُ عَنْهُ عُقُودًا دُونَ أَنْ يَجْرُؤَ أَحَدٌ عَلَى الْبَحْثِ عَنْهُ عَلَنًا.»
١١
سَأَلَ عَدْنَانُ بِلَهْفَةٍ مُتَزَايِدَةٍ، مُقْتَرِبًا خُطْوَةً مِنَ الرَّجُلِ الْعَجُوزِ: «تَعْرِفُ عَنِ الدَّفْتَرِ الثَّانِي؟»
أَوْمَأَ فَارِسٌ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، تَحْمِلُ عَيْنَاهُ ثِقْلَ سِرٍّ حَمَلَهُ هُوَ الْآخَرُ عُقُودًا طَوِيلَةً: «اجْلِسَا، مِنْ فَضْلِكُمَا، هَذِهِ قِصَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى بَعْضِ الْوَقْتِ لِأَرْوِيَهَا كَمَا يَنْبَغِي.» أَشَارَ إِلَى مَقْعَدَيْنِ خَشَبِيَّيْنِ بَسِيطَيْنِ فِي زَاوِيَةِ الْمَخْزَنِ، وَجَلَسَ هُوَ نَفْسُهُ عَلَى صُنْدُوقٍ قَدِيمٍ مَقْلُوبٍ، بِحَرَكَةِ رَجُلٍ اعْتَادَ هَذَا الْمَكَانَ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ مُنْذُ عُقُودٍ.
«كَانَ أَبِي الرَّجُلَ الْوَحِيدَ الَّذِي أَعْرِفُ، عَلَى وَجْهِ الْيَقِينِ، أَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقٍ وَثِقَ بِهِ ثِقَةً كَامِلَةً، إِلَى جَانِبِ صَدَاقَةٍ عَمِيقَةٍ جَمَعَتْهُمَا، صَدَاقَةٍ امْتَدَّتْ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ عَامًا، مُنْذُ أَنْ كَانَا شَابَّيْنِ يَبْدَآنِ حَيَاتَهُمَا الْمِهَنِيَّةَ فِي هَذَا السُّوقِ نَفْسِهِ. كَانَا يَلْتَقِيَانِ كُلَّ يَوْمِ جُمُعَةٍ تَقْرِيبًا، بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ، يَشْرَبَانِ الشَّايَ مَعًا فِي هَذَا الْمَخْزَنِ بِالذَّاتِ، يَتَحَدَّثَانِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ وَعَنْ لَا شَيْءٍ، كَمَا يَفْعَلُ الْأَصْدِقَاءُ الْحَقِيقِيُّونَ.» ابْتَسَمَ فَارِسٌ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً بَعِيدَةً. «كُنْتُ طِفْلًا صَغِيرًا حِينَئِذٍ، أَلْعَبُ بَيْنَ أَكْيَاسِ التَّوَابِلِ بَيْنَمَا يَتَحَدَّثَانِ، لَا أَفْهَمُ أَغْلَبَ مَا يَقُولَانِهِ، لَكِنِّي أَتَذَكَّرُ جَوَّ الثِّقَةِ الْعَمِيقَةِ الَّذِي كَانَ يَمْلَأُ هَذَا الْمَكَانَ كُلَّمَا الْتَقَيَا.»
«وَمَاذَا جَرَى فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ اخْتِفَاءِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ؟»
تَنَهَّدَ فَارِسٌ بِعُمْقٍ: «فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ بِالذَّاتِ، لَاحَظَ أَبِي تَغَيُّرًا وَاضِحًا عَلَى صَدِيقِهِ الْقَدِيمِ: قَلَقٌ مُتَزَايِدٌ، حَذَرٌ مُضَاعَفٌ، زِيَارَاتٌ لَيْلِيَّةٌ مُتَكَرِّرَةٌ لَمْ تَكُنْ مُعْتَادَةً مِنْ قَبْلُ. وَفِي إِحْدَى تِلْكَ الزِّيَارَاتِ، الْأَخِيرَةِ قَبْلَ اخْتِفَائِهِ بِأَيَّامٍ قَلِيلَةٍ، تَرَكَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ عِنْدَ أَبِي صُنْدُوقًا صَغِيرًا، طَالِبًا مِنْهُ أَنْ يَحْتَفِظَ بِهِ بِسِرِّيَّةٍ تَامَّةٍ، وَأَلَّا يُسَلِّمَهُ لِأَحَدٍ إِلَّا لِشَخْصٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ، وَصَفَهُ لَهُ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ لَمْ يَنْسَهَا أَبِي طَوَالَ حَيَاتِهِ الْمُتَبَقِّيَةِ: ‘شَابٌّ نَحِيلٌ، أَسْمَرُ، يَعْمَلُ عِنْدِي، اسْمُهُ عَدْنَانُ، سَيَأْتِي يَوْمًا يَسْأَلُ عَنْهُ، وَحِينَ يَأْتِي سَيَعْرِفُ أَنَّهُ هُوَ، لِأَنَّهُ سَيَحْمِلُ مَعَهُ مِفْتَاحًا نُحَاسِيًّا صَغِيرًا عَلَّقْتُهُ حَوْلَ رَقَبَتِهِ بِنَفْسِي.’»
مَدَّ عَدْنَانُ يَدَهُ تِلْقَائِيًّا نَحْوَ رَقَبَتِهِ، حَيْثُ لَا يَزَالُ الْمِفْتَاحُ النُّحَاسِيُّ الْقَدِيمُ مُعَلَّقًا، إِلَى جَانِبِ الْمِفْتَاحِ الْفِضِّيِّ الْأَحْدَثِ، كِلَاهُمَا لَمْ يُفَارِقَاهُ مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ رَغْمَ كُلِّ تَقَلُّبَاتِ حَيَاتِهِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ قَمِيصِهِ لِيَرَاهُمَا فَارِسٌ بِوُضُوحٍ.
نَظَرَ فَارِسٌ إِلَى الْمِفْتَاحِ النُّحَاسِيِّ بِعَيْنَيْنِ تَلْمَعَانِ بِدُمُوعِ عُمْرٍ طَوِيلٍ مِنْ حِرَاسَةِ أَمَانَةٍ لَمْ يَفْهَمْ كَامِلَ مَعْنَاهَا يَوْمًا: «هَذَا هُوَ، إِذَنْ. الْمِفْتَاحُ نَفْسُهُ الَّذِي وَصَفَهُ أَبِي بِالضَّبْطِ، مَحْفُوظًا فِي ذَاكِرَتِهِ حَتَّى وَفَاتِهِ.» نَهَضَ بِبُطْءٍ، مُتَّجِهًا نَحْوَ زَاوِيَةٍ مُظْلِمَةٍ مِنَ الْمَخْزَنِ، حَيْثُ أَزَاحَ كَوْمَةً مِنْ أَكْيَاسِ الْقَهْوَةِ الْفَارِغَةِ الْقَدِيمَةِ، كَاشِفًا عَنْ لَوْحٍ خَشَبِيٍّ فِي الْأَرْضِيَّةِ، رَفَعَهُ بِحَذَرٍ لِيَكْشِفَ عَنْ تَجْوِيفٍ صَغِيرٍ مَحْفُورٍ فِي الْأَرْضِ تَحْتَهُ.
أَخْرَجَ مِنْهُ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا صَغِيرًا، أَصْغَرَ حَتَّى مِنَ الصُّنْدُوقِ الْأَوَّلِ الَّذِي رَآهُ عَدْنَانُ قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا، لَكِنَّهُ يَحْمِلُ الطَّابَعَ نَفْسَهُ: الْخَشَبَ الْقَدِيمَ الْمَتِينَ ذَاتَهُ، وَقُفْلًا نُحَاسِيًّا صَغِيرًا يُطَابِقُ تَمَامًا الْمِفْتَاحَ الْمُعَلَّقَ حَوْلَ رَقَبَةِ عَدْنَانَ.
«احْتَفَظْتُ بِهَذَا الصُّنْدُوقِ طَوَالَ هَذِهِ السِّنِينَ، مُنْذُ وَفَاةِ أَبِي، مُنْتَظِرًا، دُونَ أَنْ أُصَدِّقَ حَقًّا أَنَّ الْيَوْمَ سَيَأْتِي، اللَّحْظَةَ الَّتِي سَيَظْهَرُ فِيهَا ذَلِكَ الشَّابُّ الَّذِي وَصَفَهُ أَبِي، لِيُطَالِبَ أَخِيرًا بِمَا تَرَكَهُ لَهُ الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيُّ، قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً مِنَ الصَّمْتِ وَالِانْتِظَارِ.» مَدَّ فَارِسٌ الصُّنْدُوقَ نَحْوَ عَدْنَانَ بِيَدَيْنِ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا مِنْ فَرْطِ التَّأَثُّرِ.
تَلَقَّى عَدْنَانُ الصُّنْدُوقَ بِيَدَيْنِ تَرْتَجِفَانِ هُمَا الْأُخْرَيَانِ، وَشَعَرَ بِثِقَلٍ رَمْزِيٍّ يَفُوقُ بِكَثِيرٍ الثِّقَلَ الْفِعْلِيَّ لِهَذِهِ الْقِطْعَةِ الْخَشَبِيَّةِ الصَّغِيرَةِ. نَظَرَ إِلَى لِينَا، الَّتِي كَانَتْ تُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِأَكْمَلِهِ بِدُمُوعٍ صَامِتَةٍ تَنْهَمِرُ عَلَى وَجْهِهَا، مُتَأَثِّرَةً بِعُمْقٍ بِلَحْظَةٍ كَهَذِهِ رَغْمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ طَرَفًا مُبَاشِرًا فِيهَا.
سَأَلَتْ لِينَا بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، مُحْتَرِمَةً ثِقَلَ اللَّحْظَةِ: «هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَفْتَحَهُ الْآنَ؟»
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى الصُّنْدُوقِ طَوِيلًا، ثُمَّ إِلَى فَارِسٍ، ثُمَّ إِلَى الْبَابِ الْمُمَوَّهِ الَّذِي مَا زَالَ يَفْصِلُهُمَا عَنْ خَطَرٍ حَقِيقِيٍّ رُبَّمَا لَا يَزَالُ يَبْحَثُ عَنْهُمَا فِي مَكَانٍ مَا قَرِيبٍ مِنْ هَذَا السُّوقِ: «لَيْسَ هُنَا، وَلَيْسَ الْآنَ. أَخْشَى أَنْ نَكُونَ لَا نَزَالُ فِي خَطَرٍ، وَأَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الصُّنْدُوقَ يَسْتَحِقُّ لَحْظَةً أَكْثَرَ أَمَانًا وَهُدُوءً مِمَّا تَسْمَحُ بِهِ هَذِهِ الظُّرُوفُ.»
هَزَّ فَارِسٌ رَأْسَهُ مُوَافِقًا بِحِكْمَةٍ: «قَرَارٌ حَكِيمٌ. لَدَيَّ طَرِيقٌ آمِنٌ آخَرُ يُخْرِجُكُمَا مِنَ السُّوقِ دُونَ الْمُرُورِ بِالْأَزِقَّةِ الرَّئِيسَةِ، عَبْرَ سُطُوحِ بَعْضِ الْمَبَانِي الْمُتَّصِلَةِ، طَرِيقَةٍ كَانَ يَسْتَخْدِمُهَا أَبِي أَحْيَانًا لِتَفَادِي أَعْيُنٍ فُضُولِيَّةٍ غَيْرِ مَرْغُوبٍ فِيهَا. سَتُوصِلُكُمَا إِلَى شَارِعٍ جَانِبِيٍّ هَادِئٍ يُمْكِنُكُمَا مِنْهُ اسْتِقْلَالُ سَيَّارَةِ أُجْرَةٍ بِأَمَانٍ.»
١٢
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَا، أَمْسَكَ عَدْنَانُ بِيَدِ فَارِسٍ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لَا تَكْفِيهِ الْكَلِمَاتُ: «لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَشْكُرُكَ، يَا فَارِسُ. أَنْتَ وَوَالِدُكَ، رَحِمَهُ اللَّهُ، حَفِظْتُمَا أَمَانَةً لَمْ تَكُونَا مُلْزَمَيْنِ بِهَا، عُقُودًا طَوِيلَةً، دُونَ أَيِّ مُقَابِلٍ حَقِيقِيٍّ سِوَى وَعْدٍ قَدِيمٍ لِصَدِيقٍ.»
ابْتَسَمَ فَارِسٌ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً عَمِيقَةً: «هَذَا مَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ أَبِي، يَا عَدْنَانُ: أَنَّ الْوَعْدَ، حِينَ يُقْطَعُ بِصِدْقٍ حَقِيقِيٍّ، يَبْقَى مُلْزِمًا وَلَوْ مَرَّتْ عَلَيْهِ أَجْيَالٌ كَامِلَةٌ. وَرُبَّمَا، بِطَرِيقَةٍ مَا، كُنْتُ أَنَا أَيْضًا أَنْتَظِرُ هَذِهِ اللَّحْظَةَ لِأَسْبَابٍ خَاصَّةٍ بِي، لِأُثْبِتَ لِنَفْسِي أَنَّ ثِقَةَ أَبِي فِي وَعْدِهِ لَمْ تَذْهَبْ هَبَاءً.»
خَرَجَ عَدْنَانُ وَلِينَا مِنَ الْمَخْزَنِ عَبْرَ الطَّرِيقِ الْبَدِيلِ الَّذِي أَرْشَدَهُمَا إِلَيْهِ فَارِسٌ، يَحْمِلَانِ مَعَهُمَا ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ الصَّغِيرَ الثَّقِيلَ بِمَعْنَاهُ الرَّمْزِيِّ أَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهِ الْفِعْلِيِّ، مُتَسَلِّلَيْنِ عَبْرَ سُطُوحٍ مُتَّصِلَةٍ قَدِيمَةٍ تُطِلُّ عَلَى مَشْهَدٍ بَانُورَامِيٍّ لِسُوقِ الْحَرِيقَةِ بِأَكْمَلِهِ، حَيْثُ تَلْمَعُ قِبَابُ دِمَشْقَ الْقَدِيمَةِ وَمَآذِنُهَا تَحْتَ شَمْسِ مَا بَعْدَ الظُّهْرِ، مَشْهَدٌ لَمْ يَرَهُ عَدْنَانُ مِنْ هَذِهِ الزَّاوِيَةِ بِالذَّاتِ مُنْذُ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً، وَهُوَ يَقِفُ عَلَى ذَلِكَ السَّطْحِ الْقَدِيمِ، يَنْظُرُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُمْتَدَّةِ أَمَامَهُ، وَيُفَكِّرُ فِي كُلِّ الْمَسَافَةِ الَّتِي قَطَعَهَا، لَا جُغْرَافِيًّا بَيْنَ فْرَانْكْفُورْتَ وَدِمَشْقَ فَحَسْبُ، بَلْ زَمَنِيًّا وَنَفْسِيًّا أَيْضًا، مِنْ فَتًى فَقِيرٍ خَائِفٍ يَقِفُ أَمَامَ بَابِ مَتْجَرٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، إِلَى رَجُلٍ فِي الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ يَحْمِلُ الْآنَ، بَيْنَ يَدَيْهِ، آخِرَ سِرٍّ تَرَكَهُ لَهُ مُعَلِّمُهُ الْقَدِيمُ، بَعْدَ رِحْلَةٍ مَحْفُوفَةٍ بِالْخَطَرِ لَمْ يَكُنْ يَتَخَيَّلُ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَخُوضُهَا فِي هَذَا الْعُمْرِ الْمُتَقَدِّمِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ لِينَا، لَاحِظَةً الشُّرُودَ الْعَمِيقَ فِي عَيْنَيْهِ: «سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟»
هَزَّ عَدْنَانُ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ، وَابْتِسَامَةٌ مُتْعَبَةٌ لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ تَرْتَسِمُ عَلَى وَجْهِهِ: «أَنَا بِخَيْرٍ، يَا لِينَا، بَلْ أَفْضَلُ مِمَّا كُنْتُ طَوَالَ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ فِي الْحَقِيقَةِ. أَشْعُرُ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ بَدَأْتُ هَذِهِ الرِّحْلَةَ، أَنَّنَا نَقْتَرِبُ أَخِيرًا مِنْ نِهَايَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، مَهْمَا كَانَتْ طَبِيعَتُهَا.»
لَمْ يَكُونَا يَعْرِفَانِ بَعْدُ، وَهُمَا يُوَاصِلَانِ طَرِيقَهُمَا الْحَذِرَ بَعِيدًا عَنْ سُوقِ الْحَرِيقَةِ، أَنَّ ذَلِكَ الصُّنْدُوقَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَدْنَانُ الْآنَ بَيْنَ يَدَيْهِ سَيَحْمِلُ، حِينَ يُفْتَحُ أَخِيرًا فِي مَكَانٍ آمِنٍ، وَثِيقَةً سَتُغَيِّرُ مَجْرَى هَذِهِ الْقِصَّةِ بِأَكْمَلِهَا مِنْ جَدِيدٍ، وَتَكْشِفُ أَخِيرًا، بَعْدَ كُلِّ هَذَا الِانْتِظَارِ الطَّوِيلِ، الْوَصِيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ الَّتِي تَرَكَهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيُّ، مُخْتَلِفَةً تَمَامًا عَمَّا تَوَقَّعَهُ أَيُّ طَرَفٍ مِنَ الْأَطْرَافِ الْمُتَصَارِعَةِ عَلَى إِرْثِهِ الْغَامِضِ.
