وَصِيَّةُ الحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الْسَّادِسَ عَشَرَ
١
قَرَّرَ عَدْنَانُ أَنَّ المَكَانَ الأَنْسَبَ لِفَتْحِ الصُّنْدُوقِ الجَدِيدِ لَيْسَ فُنْدُقَهُ، الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَثِقُ بِخُصُوصِيَّتِهِ بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ، بَلْ مَكْتَبُ زِيَادٍ سَلُّومٍ نَفْسُهُ، حَيْثُ يُمْكِنُ لِمُحَامٍ مُخْتَصٍّ أَنْ يُوَثِّقَ أَيَّ مُحْتَوًى فَوْرَ اكْتِشَافِهِ، وَيَمْنَحَهُ ثِقَلًا قَانُونِيًّا يَصْعُبُ الطَّعْنُ فِيهِ لَاحِقًا. اتَّصَلَ بِزِيَادٍ فَوْرَ خُرُوجِهِ مِنْ سُوقِ الحَرِيقَةِ، طَالِبًا مَوْعِدًا عَاجِلًا رَغْمَ تَأَخُّرِ الوَقْتِ، فَوَافَقَ المُحَامِي فَوْرًا حِينَ سَمِعَ نَبْرَةَ الإِلْحَاحِ فِي صَوْتِهِ.
اسْتَقْبَلَهُمَا زِيَادٌ فِي مَكْتَبِهِ مَسَاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ، بَعْدَ أَنْ أَخْبَرَهُ عَدْنَانُ بِإِيجَازٍ عَبْرَ الهَاتِفِ بِأَحْدَاثِ المُطَارَدَةِ فِي السُّوقِ. “الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى سَلَامَتِكُمَا. هَذَا يَتَجَاوَزُ كُلَّ مَا تَوَقَّعْتُهُ مِنْ خُطُورَةٍ حِينَ بَدَأْنَا هَذَا المَلَفَّ.” نَظَرَ إِلَى الصُّنْدُوقِ الَّذِي يَحْمِلُهُ عَدْنَانُ بِفُضُولٍ يَمْتَزِجُ بِحَذَرٍ مِهْنِيٍّ. “وَهَذَا هُوَ الصُّنْدُوقُ الَّذِي وَجَدْتُمَاهُ؟”
“نَعَمْ، تَرَكَهُ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ عِنْدَ صَدِيقٍ قَدِيمٍ، قُبَيْلَ اخْتِفَائِهِ مِنَ المُسْتَشْفَى تَقْرِيبًا،” أَجَابَ عَدْنَانُ، يَجْلِسُ أَمَامَ مَكْتَبِ زِيَادٍ، وَلِينَا إِلَى جَانِبِهِ، وَكِلَاهُمَا يَشْعُرُ بِثِقَلِ لَحْظَةٍ طَالَ انْتِظَارُهَا.
وَضَعَ عَدْنَانُ الصُّنْدُوقَ الخَشَبِيَّ الصَّغِيرَ عَلَى مَكْتَبِ زِيَادٍ بِحَذَرٍ، وَيَدَاهُ لَا تَزَالَانِ تَرْتَجِفَانِ قَلِيلًا مِنْ مَزِيجِ الإِرْهَاقِ وَالتَّرَقُّبِ. أَخْرَجَ المِفْتَاحَ النُّحَاسِيَّ مِنْ حَوْلِ رَقَبَتِهِ، أَدْخَلَهُ فِي القُفْلِ الصَّغِيرِ، وَأَدَارَهُ بِبُطْءٍ، بِحَرَكَةٍ كَادَتْ تُشْبِهُ طَقْسًا دِينِيًّا مِنْ فَرْطِ الجِدِّيَّةِ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهَا.
انْفَتَحَ الصُّنْدُوقُ بِصَوْتِ طَقْطَقَةٍ خَفِيفٍ.
٢
وَجَدَ بِدَاخِلِهِ ظَرْفًا كَبِيرًا يَحْمِلُ خَتْمًا رَسْمِيًّا مُوَثَّقًا مِنْ كَاتِبِ عَدْلٍ، مُخْتَلِفًا عَنِ الخَتْمِ الَّذِي رَآهُ عَلَى الوَصِيَّةِ الأُولَى الَّتِي عَرَضَهَا عَلَيْهِ زِيَادٌ فِي لِقَائِهِمَا الأَوَّلِ، إِلَى جَانِبِ وَثَائِقَ إِضَافِيَّةٍ، وَصُورَةٍ فُوتُوغْرَافِيَّةٍ صَغِيرَةٍ قَدِيمَةٍ.
فَتَحَ عَدْنَانُ الظَّرْفَ بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، وَأَخْرَجَ مِنْهُ وَثِيقَةً رَسْمِيَّةً مَطْبُوعَةً بِعِنَايَةٍ، تَحْمِلُ تَارِيخًا صَادِمًا: ١٢ آذَارَ ١٩٧٩.
“١٩٧٩؟” هَمَسَ عَدْنَانُ بِذُهُولٍ تَامٍّ. “لَكِنَّ هَذَا بَعْدَ اخْتِفَاءِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ مِنَ المُسْتَشْفَى بِعَامَيْنِ كَامِلَيْنِ!”
تَنَاوَلَ زِيَادٌ الوَثِيقَةَ بِيَدَيْنِ حَذِرَتَيْنِ، يَقْرَأُ بِعَيْنَيْنِ تَتَّسِعَانِ تَدْرِيجِيًّا بِذُهُولٍ مِهْنِيٍّ. “سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ هَذِهِ وَثِيقَةٌ مُوَثَّقَةٌ رَسْمِيًّا أَمَامَ كَاتِبِ عَدْلٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنِ الأَوَّلِ، فِي مَكْتَبٍ آخَرَ بِمِنْطَقَةِ المِيدَانِ، بِتَارِيخٍ لَاحِقٍ لِلْوَصِيَّةِ الأُولَى الَّتِي عَثَرْنَا عَلَيْهَا فِي أَرْشِيفِ المَحْكَمَةِ. هَذَا يَعْنِي، بِمُوجِبِ القَانُونِ السُّورِيِّ، أَنَّ هَذِهِ الوَثِيقَةَ، إِنْ ثَبَتَتْ صِحَّتُهَا، تُلْغِي وَتَحِلُّ مَحَلَّ كُلِّ وَصِيَّةٍ سَابِقَةٍ لَهَا بِشَكْلٍ كَامِلٍ.”
٣
“هَلْ يَعْنِي هَذَا أَنَّ الحَاجَّ تَوْفِيقًا كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا عَامَ ١٩٧٩؟” سَأَلَتْ لِينَا، مَذْهُولَةً هِيَ الأُخْرَى، تَتَقَدَّمُ لِتَنْظُرَ إِلَى الوَثِيقَةِ عَبْرَ كَتِفِ زِيَادٍ.
“يَبْدُو الأَمْرُ كَذَلِكَ، أَوْ عَلَى الأَقَلِّ أَنَّ شَخْصًا يَحْمِلُ هُوِيَّتَهُ وَتَوْقِيعَهُ المُطَابِقَ قَدْ مَثَلَ أَمَامَ كَاتِبِ العَدْلِ فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ،” أَجَابَ زِيَادٌ بِحَذَرِهِ المِهْنِيِّ المُعْتَادِ، يَتَفَحَّصُ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِي الوَثِيقَةِ بِعَيْنٍ خَبِيرَةٍ. “سَأَحْتَاجُ لِمُقَارَنَةِ التَّوْقِيعِ بِعَيِّنَةٍ رَسْمِيَّةٍ أُخْرَى لِلتَّأَكُّدِ الكَامِلِ، لَكِنْ فِي ظَاهِرِ الأَمْرِ، هَذَا يَبْدُو أَصِيلًا تَمَامًا؛ الخَتْمُ الرَّسْمِيُّ لِكَاتِبِ العَدْلِ مَوْجُودٌ وَصَحِيحٌ، وَرَقْمُ التَّسْجِيلِ يُطَابِقُ نِظَامَ التَّرْقِيمِ المُعْتَمَدَ فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ بِالذَّاتِ، وَهُوَ تَفْصِيلٌ يَصْعُبُ تَزْوِيرُهُ بِدِقَّةٍ كَهَذِهِ.”
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا، يُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ هَذِهِ المَعْلُومَةِ الصَّادِمَةِ: أَنَّ مُعَلِّمَهُ، الَّذِي ظَنَّهُ مَيِّتًا أَوْ مَفْقُودًا مُنْذُ عَامِ ١٩٧٧، كَانَ لَا يَزَالُ حَيًّا بَعْدَ عَامَيْنِ كَامِلَيْنِ مِنْ ذَلِكَ، يَتَحَرَّكُ بِحُرِّيَّةٍ كَافِيَةٍ لِيَزُورَ كَاتِبَ عَدْلٍ وَيُوَثِّقَ وَصِيَّةً جَدِيدَةً، دُونَ أَنْ يُحَاوِلَ يَوْمًا التَّوَاصُلَ مَعَ تِلْمِيذِهِ الَّذِي تَرَكَهُ يُدِيرُ مَتْجَرَهُ وَحِيدًا طَوَالَ تِلْكَ الفَتْرَةِ.
“لِمَاذَا لَمْ يَتَوَاصَلْ مَعِي؟ إِنْ كَانَ حَيًّا عَامَ ١٩٧٩، لِمَاذَا تَرَكَنِي أَعْتَقِدُ أَنَّهُ اخْتَفَى أَوْ مَاتَ؟”
نَظَرَ زِيَادٌ إِلَى عَدْنَانَ بِتَعَاطُفٍ صَادِقٍ. “رُبَّمَا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، كَانَ يَحْمِيكَ بِصَمْتِهِ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَحْمِي نَفْسَهُ. رَجُلٌ يَحْمِلُ أَسْرَارًا بِحَجْمِ مَا يَحْمِلُهُ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ، مُطَارَدًا مِنْ أَطْرَافٍ مَجْهُولَةٍ كَمَا تُشِيرُ كُلُّ الأَدِلَّةِ الَّتِي جَمَعْنَاهَا، قَدْ يَرَى أَنَّ أَفْضَلَ حِمَايَةٍ يَمْنَحُهَا لِمَنْ يُحِبُّ هِيَ المَسَافَةُ وَالصَّمْتُ التَّامُّ، مَهْمَا بَلَغَ ثَمَنُ ذَلِكَ مِنْ أَلَمٍ.”
قَرَأَ زِيَادٌ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ، مُتَرْجِمًا اللُّغَةَ القَانُونِيَّةَ الجَافَّةَ إِلَى مَا يُمْكِنُ لِعَدْنَانَ وَلِينَا أَنْ يَفْهَمَاهُ بِوُضُوحٍ:
“أَنَا المُوَقِّعُ أَدْنَاهُ، تَوْفِيقٌ مَحْمُودٌ النَّابُلْسِيُّ، بِكَامِلِ قِوَايَ العَقْلِيَّةِ، أُلْغِي بِمُوجِبِ هَذِهِ الوَثِيقَةِ كُلَّ وَصِيَّةٍ سَابِقَةٍ كَتَبْتُهَا، وَأَضَعُ هَذِهِ الوَصِيَّةَ الجَدِيدَةَ النِّهَائِيَّةَ، لِتَحِلَّ مَحَلَّهَا بِالكَامِلِ: تَوْصِيَةٌ بِأَنْ تُنْشَأَ، مِنْ كُلِّ مَا تَبَقَّى تَحْتَ رِعَايَتِي مِنْ أَمَانَاتٍ وَمُمْتَلَكَاتٍ لَمْ يُطَالِبْ بِهَا أَصْحَابُهَا الأَصْلِيُّونَ أَوْ وَرَثَتُهُمُ الشَّرْعِيُّونَ خِلَالَ مُدَّةٍ مَعْقُولَةٍ، مُؤَسَّسَةٌ خَيْرِيَّةٌ تَحْمِلُ اسْمَ ‘مُؤَسَّسَةِ الأَمَانَةِ’، مُخَصَّصَةٌ لِدَعْمِ أَيْتَامِ الحُرُوبِ وَالنَّازِحِينَ الشَّبَابِ، لِتَعْلِيمِهِمْ حِرْفَةً أَوْ تِجَارَةً تُمَكِّنُهُمْ مِنْ بِنَاءِ مُسْتَقْبَلٍ كَرِيمٍ لِأَنْفُسِهِمْ، تَمَامًا كَمَا مُنِحْتُ أَنَا نَفْسِي فُرْصَةً مُمَاثِلَةً فِي شَبَابِي البَعِيدِ مِنْ رَجُلٍ لَمْ أَنْسَ فَضْلَهُ يَوْمًا.”
٤
تَوَقَّفَ زِيَادٌ عَنِ القِرَاءَةِ لَحْظَةً، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ بِجِدِّيَّةٍ عَمِيقَةٍ، قَبْلَ أَنْ يَتَابِعَ.
“أُعَيِّنُ عَدْنَانَ مَحْمُودَ الرَّافِعِيَّ، الَّذِي أَثِقُ بِهِ ثِقَةً كَامِلَةً لَا حُدُودَ لَهَا، مُدِيرًا مُؤَسِّسًا لِهَذِهِ المُؤَسَّسَةِ، بِصَلَاحِيَّاتٍ كَامِلَةٍ لِإِدَارَتِهَا وَتَوْجِيهِ مَوَارِدِهَا نَحْوَ الغَايَةِ الَّتِي وَصَفْتُهَا، عَلَى أَنْ يَحْصُلَ هُوَ شَخْصِيًّا عَلَى نِسْبَةٍ مَعْقُولَةٍ مِنَ العَائِدِ السَّنَوِيِّ لِلْمُؤَسَّسَةِ تَعْوِيضًا عَنْ جُهْدِهِ وَإِدَارَتِهِ، لَا تَتَجَاوَزُ عَشَرَةً بِالمِئَةِ مِنْ صَافِي الدَّخْلِ، وَالبَاقِي كُلُّهُ يَذْهَبُ لِغَايَتِهِ الخَيْرِيَّةِ المَقْصُودَةِ.
أَمَّا بِخُصُوصِ الأَمَانَاتِ المُحَدَّدَةِ المِلْكِيَّةِ، وَالَّتِي يُعْرَفُ أَصْحَابُهَا الشَّرْعِيُّونَ بِوُضُوحٍ، وَعَلَى رَأْسِهَا أَمَانَةُ عَائِلَةِ الحَورَانِيِّ المَوْصُوفَةُ بِالتَّفْصِيلِ فِي وَثَائِقَ مُنْفَصِلَةٍ مَحْفُوظَةٍ فِي هَذَا الصُّنْدُوقِ نَفْسِهِ، فَإِنَّنِي أُوصِي بِأَنْ تُنْقَلَ مِلْكِيَّتُهَا كَامِلَةً، دُونَ أَيِّ اقْتِطَاعٍ أَوْ نِسْبَةٍ إِدَارِيَّةٍ، إِلَى كَمَالٍ الحَورَانِيِّ، أَوْ إِلَى وَرَثَتِهِ الشَّرْعِيِّينَ المُبَاشِرِينَ إِنْ لَمْ يَعُدْ هُوَ نَفْسُهُ عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، وَدُونَ أَيِّ تَدَخُّلٍ مِنْ أَيِّ طَرَفٍ آخَرَ يَدَّعِي صِلَةَ قَرَابَةٍ بِي، بِمَنْ فِي ذَلِكَ أَيُّ فَرْدٍ مِنْ عَائِلَةِ النَّابُلْسِيِّ الَّذِينَ لَمْ يَعُدْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ أَيُّ رَابِطٍ حَقِيقِيٍّ مُنْذُ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.”
٥
جَلَسَ عَدْنَانُ صَامِتًا، يُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ حَجْمِ مَا سَمِعَهُ لِتَوِّهِ. لَمْ تَكُنِ الوَصِيَّةُ، كَمَا اتَّضَحَ أَخِيرًا، مُحَاوَلَةً لِتَرْكِ ثَرْوَةٍ شَخْصِيَّةٍ لَهُ، بَلْ مَشْرُوعًا إِنْسَانِيًّا كَامِلًا، امْتِدَادًا لِفَلْسَفَةِ حَيَاةِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ، وَتَكْرِيمًا لِذِكْرَى شَخْصٍ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ بَعْدُ، ذَلِكَ الَّذِي “مَنَحَهُ فُرْصَةً مُمَاثِلَةً فِي شَبَابِهِ البَعِيدِ”. شَعَرَ بِمَزِيجٍ مِنَ الفَخْرِ وَالمَسْؤُولِيَّةِ الثَّقِيلَةِ يَغْمُرُهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ؛ فَخْرٌ لِأَنَّ رَجُلًا بِحَجْمِ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ رَآهُ جَدِيرًا بِحَمْلِ هَذَا الإِرْثِ الإِنْسَانِيِّ، وَمَسْؤُولِيَّةٌ لِأَنَّ هَذَا الإِرْثَ لَمْ يَعُدْ يَخُصُّهُ وَحْدَهُ، بَلْ يَخُصُّ كُلَّ يَتِيمٍ أَوْ نَازِحٍ شَابٍّ قَدْ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ فِي المُسْتَقْبَلِ.
“مَنْ هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي يَقْصِدُهُ الحَاجُّ تَوْفِيقٌ، الَّذِي مَنَحَهُ فُرْصَةً فِي شَبَابِهِ؟” سَأَلَ عَدْنَانُ بِفُضُولٍ مُتَزَايِدٍ.
رَاجَعَ زِيَادٌ بَقِيَّةَ الوَثَائِقِ فِي الصُّنْدُوقِ، حَتَّى وَجَدَ رِسَالَةً أَقْصَرَ، مُرْفَقَةً بِالصُّورَةِ الفُوتُوغْرَافِيَّةِ القَدِيمَةِ. تَنَاوَلَهَا عَدْنَانُ بِيَدَيْهِ أَوَّلًا، يَتَفَحَّصُ الصُّورَةَ المُصْفَرَّةَ بِعِنَايَةٍ قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ زِيَادٍ قِرَاءَةَ الرِّسَالَةِ المُرْفَقَةِ بِصَوْتٍ مَسْمُوعٍ:
“لِعَدْنَانَ، إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذَا يَوْمًا: الرَّجُلُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هُوَ أُسْتَاذِي الأَوَّلُ، إِبْرَاهِيمُ أَفَنْدِي، تَاجِرُ أَقْمِشَةٍ يُونَانِيُّ الأَصْلِ اسْتَقَرَّ فِي دِمَشْقَ أَوَاخِرَ القَرْنِ التَّاسِعِ عَشَرَ، فَتَحَ لِي بَابَ مَتْجَرِهِ حِينَ كُنْتُ يَتِيمًا فَقِيرًا فِي الرَّابِعَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِي، بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَأْوًى حَقِيقِيٍّ، بَعْدَ أَنْ فَقَدْتُ عَائِلَتِي بِأَكْمَلِهَا فِي وَبَاءٍ اجْتَاحَ قَرْيَتَنَا الصَّغِيرَةَ قُرْبَ حِمْصَ، لَمْ يَبْقَ لِي مِنْهَا أَحَدٌ، لَا أَبٌ وَلَا أُمٌّ وَلَا إِخْوَةٌ، فَقَطْ أَنَا وَحِيدًا فِي عَالَمٍ قَاسٍ لَا يَرْحَمُ يَتِيمًا مُعْدَمًا.
مَشَيْتُ مِنْ قَرْيَتِي إِلَى دِمَشْقَ سَيْرًا عَلَى قَدَمَيْنِ حَافِيَتَيْنِ تَقْرِيبًا، ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَامِلَةٍ، لَا أَمْلِكُ سِوَى ثِيَابٍ مُمَزَّقَةٍ وَجُوعًا لَا يَنْتَهِي، حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى سُوقِ الحَرِيقَةِ، حَيْثُ وَجَدَنِي إِبْرَاهِيمُ أَفَنْدِي نَائِمًا عِنْدَ عَتَبَةِ مَتْجَرِهِ فِي صَبَاحٍ بَارِدٍ، شِبْهَ مَيِّتٍ مِنَ الجُوعِ وَالإِرْهَاقِ. لَمْ يَطْرُدْنِي كَمَا فَعَلَ كَثِيرُونَ قَبْلَهُ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ القَاسِيَةِ، بَلْ أَدْخَلَنِي، أَطْعَمَنِي، وَسَأَلَنِي عَنِ اسْمِي وَأَصْلِي، ثُمَّ قَالَ لِي جُمْلَةً لَمْ أَنْسَهَا أَبَدًا طَوَالَ حَيَاتِي: ‘كُلُّ يَتِيمٍ يَسْتَحِقُّ فُرْصَةً وَاحِدَةً عَلَى الأَقَلِّ، يَا بُنَيَّ. سَأَمْنَحُكَ فُرْصَتَكَ، وَمَا تَفْعَلُهُ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ يَعُودُ لَكَ وَحْدَكَ.’
عَلَّمَنِي كُلَّ مَا أَعْرِفُهُ، وَمَنَحَنِي، دُونَ أَنْ يَطْلُبَ مُقَابِلًا، فُرْصَةً لَمْ أَكُنْ لِأَحْصُلَ عَلَيْهَا مِنْ أَيِّ مَكَانٍ آخَرَ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ القَاسِيَةِ. حِينَ تُوُفِّيَ، دُونَ وَرِيثٍ مُبَاشِرٍ يُذْكَرُ، تَرَكَنِي وَارِثًا لِمَتْجَرِهِ وَلِاسْمِهِ التِّجَارِيِّ، عَلَى أَنْ أُوَاصِلَ تَقْلِيدًا بَدَأَهُ هُوَ نَفْسُهُ سِرًّا، كَمَا أَخْبَرَنِي عَلَى فِرَاشِ مَوْتِهِ: مُسَاعَدَةُ يَتِيمٍ وَاحِدٍ عَلَى الأَقَلِّ كُلَّ جِيلٍ، بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي سَاعَدَنِي بِهَا، دُونَ أَنْ يُشْهَرَ هَذَا الفِعْلُ أَوْ يُتَبَاهَى بِهِ، لِأَنَّ الصَّدَقَةَ الحَقِيقِيَّةَ، كَمَا قَالَ لِي، هِيَ تِلْكَ الَّتِي لَا تَعْرِفُ اليَدُ اليُمْنَى فِيهَا مَاذَا تَفْعَلُ اليُسْرَى.”
تَوَقَّفَ زِيَادٌ عَنِ القِرَاءَةِ، مُتَأَثِّرًا هُوَ نَفْسُهُ بِعُمْقِ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، قَبْلَ أَنْ يَتَابِعَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا.
“أَنْتَ، يَا عَدْنَانُ، لَمْ تَكُنِ اخْتِيَارِي الأَوَّلَ لِهَذَا التَّقْلِيدِ، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ أَعْتَرِفُ بِهَا الآنَ. حَاوَلْتُ، عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ قَبْلَ أَنْ أَلْتَقِيَ بِكَ، أَنْ أَجِدَ يَتِيمًا أَوْ شَابًّا فَقِيرًا يَسْتَحِقُّ هَذِهِ الفُرْصَةَ، لَكِنَّنِي كُنْتُ دَائِمًا أَتَرَدَّدُ فِي اللَّحْظَةِ الأَخِيرَةِ، خَائِفًا رُبَّمَا مِنْ أَنْ أُكَرِّرَ خَطَأً مَا، أَوْ مِنْ ثِقَلِ المَسْؤُولِيَّةِ نَفْسِهَا. حِينَ جِئْتَنِي فِي ذَلِكَ الصَّيْفِ، رَأَيْتُ فِي عَيْنَيْكَ الجُوعَ نَفْسَهُ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي مِرْآتِي يَوْمًا، لَيْسَ جُوعًا لِلطَّعَامِ فَقَطْ، بَلْ جُوعًا لِفُرْصَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، وَلِإِنْسَانٍ يَثِقُ بِكَ دُونَ أَنْ يَطْلُبَ شَيْئًا فِي المُقَابِلِ. عَرَفْتُ، مِنَ اللَّحْظَةِ الأُولَى تَقْرِيبًا، أَنَّكَ أَنْتَ، أَخِيرًا، مَنْ كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ طَوَالَ كُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.”
٦
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى الصُّورَةِ الفُوتُوغْرَافِيَّةِ القَدِيمَةِ المُصْفَرَّةِ: رَجُلٌ مُسِنٌّ بِمَلَامِحَ مُتَوَسِّطِيَّةٍ وَاضِحَةٍ، يَقِفُ أَمَامَ وَاجِهَةِ مَتْجَرِ أَقْمِشَةٍ قَدِيمٍ، بِابْتِسَامَةٍ أَبَوِيَّةٍ دَافِئَةٍ، وَفَتًى صَغِيرٌ نَحِيلٌ يَقِفُ إِلَى جَانِبِهِ، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سِوَى الحَاجِّ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ فِي شَبَابِهِ البَعِيدِ.
فَهِمَ عَدْنَانُ، بِعُمْقٍ مُتَزَايِدٍ، أَنَّ اخْتِيَارَهُ هُوَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ مُصَادَفَةً عَابِرَةً، وَلَا حَتَّى مُرْتَبِطًا بِالضَّرُورَةِ بِأَيِّ رَابِطِ دَمٍ مُحْتَمَلٍ مَعَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ، بَلْ كَانَ اسْتِمْرَارًا وَاعِيًا لِتَقْلِيدٍ إِنْسَانِيٍّ بَدَأَهُ رَجُلٌ يُونَانِيٌّ طَيِّبٌ قَبْلَ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ، تَقْلِيدٍ يَقُومُ عَلَى مَبْدَإٍ بَسِيطٍ لَكِنَّهُ عَمِيقٌ: أَنْ يُمْنَحَ كُلُّ جِيلٍ فُرْصَةً لِمُسَاعَدَةِ مَنْ يَلِيهِ، تَكْرِيمًا لِفُرْصَةٍ مُنِحَ هُوَ نَفْسُهُ يَوْمًا دُونَ أَنْ يَسْتَحِقَّهَا بِالضَّرُورَةِ سِوَى بِأَمَانَتِهِ وَصِدْقِ نِيَّتِهِ.
“هَذَا يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ،” قَالَ زِيَادٌ أَخِيرًا، بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ اسْتَوْعَبَ فِيهِ هُوَ الآخَرُ ثِقَلَ مَا قَرَأَهُ. “قَانُونِيًّا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، هَذِهِ الوَثِيقَةُ، إِنْ ثَبَتَتْ صِحَّتُهَا بِشَكْلٍ قَاطِعٍ، تُقَوِّضُ تَمَامًا أَيَّ ادِّعَاءٍ يُحَاوِلُ إِلْيَاسُ النَّابُلْسِيُّ أَوْ أَيُّ طَرَفٍ آخَرَ طَرْحَهُ بِخُصُوصِ إِرْثٍ شَخْصِيٍّ مِنَ الحَاجِّ تَوْفِيقٍ. لَا يُوجَدُ إِرْثٌ شَخْصِيٌّ هُنَا بِالمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ؛ هُنَاكَ مُؤَسَّسَةٌ خَيْرِيَّةٌ، وَأَمَانَةٌ مُحَدَّدَةُ المِلْكِيَّةِ تَعُودُ لِعَائِلَةٍ أُخْرَى تَمَامًا، لَا صِلَةَ لِعَائِلَةِ النَّابُلْسِيِّ بِأَيٍّ مِنْهُمَا.”
٧
لَكِنَّ فَرْحَةَ الاكْتِشَافِ لَمْ تَدُمْ طَوِيلًا. فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، اسْتَيْقَظَ عَدْنَانُ عَلَى مُكَالَمَةٍ هَاتِفِيَّةٍ عَاجِلَةٍ مِنْ زِيَادٍ سَلُّومٍ، صَوْتُهُ يَحْمِلُ تَوَتُّرًا حَادًّا غَيْرَ مُعْتَادٍ لِرَجُلٍ عَرَفَهُ طَوَالَ هَذِهِ الأَيَّامِ هَادِئًا مُحْتَرِفًا فِي كُلِّ تَعَامُلَاتِهِ.
“سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَحْتَاجُ أَنْ تُشَاهِدَ شَيْئًا فَوْرًا. افْتَحْ أَيَّ مَحَطَّةٍ إِخْبَارِيَّةٍ مَحَلِّيَّةٍ، أَوِ ابْحَثْ عَنِ اسْمِكَ عَلَى الإِنْتَرْنِتْ.”
بِقَلْبٍ يَخْفِقُ بِقَلَقٍ، فَتَحَ عَدْنَانُ هَاتِفَهُ، لِيَجِدَ مَقَالًا إِخْبَارِيًّا نُشِرَ مُنْذُ سَاعَاتٍ قَلِيلَةٍ فَقَطْ عَلَى مَوْقِعٍ إِخْبَارِيٍّ مَحَلِّيٍّ مَعْرُوفٍ نِسْبِيًّا، بِعُنْوَانٍ صَادِمٍ بِالخَطِّ العَرِيضِ: “رَجُلُ أَعْمَالٍ أَلْمَانِيٌّ-سُورِيٌّ مُتَّهَمٌ بِمُحَاوَلَةِ الاسْتِيلَاءِ عَلَى إِرْثٍ عَائِلِيٍّ مُزَوَّرٍ بِوَثَائِقَ مَشْكُوكٍ فِي صِحَّتِهَا”.
قَرَأَ عَدْنَانُ المَقَالَ بِذُهُولٍ مُتَزَايِدٍ، مَقَالًا يَسْتَشْهِدُ بِـ”مَصْدَرٍ قَانُونِيٍّ مُطَّلِعٍ” لَمْ يُذْكَرِ اسْمُهُ صَرَاحَةً، لَكِنَّ أُسْلُوبَهُ وَلُغَتَهُ القَانُونِيَّةَ الدَّقِيقَةَ أَوْحَيَا بِوُضُوحٍ بِأَنَّهُ إِلْيَاسُ النَّابُلْسِيُّ نَفْسُهُ، يَزْعُمُ فِيهِ أَنَّ عَدْنَانَ الرَّافِعِيَّ، “رَجُلَ أَعْمَالٍ مُقِيمًا فِي أَلْمَانِيَا وَصَلَ مُؤَخَّرًا إِلَى دِمَشْقَ”، يُحَاوِلُ اسْتِغْلَالَ عَلَاقَةِ عَمَلٍ قَدِيمَةٍ مَعَ تَاجِرٍ مُتَوَفٍّ لِانْتِحَالِ صِفَةِ وَارِثٍ شَرْعِيٍّ لِثَرْوَةٍ عَائِلِيَّةٍ، مُسْتَنِدًا إِلَى وَثَائِقَ “يُشَكِّكُ خُبَرَاءُ مُسْتَقِلُّونَ فِي مِصْدَاقِيَّتِهَا التَّارِيخِيَّةِ”، بَلْ ذَهَبَ المَقَالُ إِلَى حَدِّ التَّلْمِيحِ، دُونَ اتِّهَامٍ مُبَاشِرٍ صَرِيحٍ يُعَرِّضُ كَاتِبَهُ لِلْمُسَاءَلَةِ القَانُونِيَّةِ، إِلَى أَنَّ عَدْنَانَ قَدْ يَكُونُ لَهُ “دَوَافِعُ مَالِيَّةٌ مَشْبُوهَةٌ” مُرْتَبِطَةٌ بِأَعْمَالِهِ التِّجَارِيَّةِ فِي أُورُوبَّا.
شَعَرَ عَدْنَانُ بِمَوْجَةٍ مِنَ الغَضَبِ وَالقَلَقِ المُتَصَاعِدَيْنِ مَعًا؛ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُجَرَّدَ اتِّهَامٍ شَخْصِيٍّ بَلْ مُحَاوَلَةً مُمَنْهَجَةً لِتَشْوِيهِ سُمْعَتِهِ المِهْنِيَّةِ الَّتِي بَنَاهَا بِجُهْدِ أَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً.
٨
“هَذَا كَذِبٌ صَرِيحٌ!” قَالَ عَدْنَانُ بِغَضَبٍ مُتَصَاعِدٍ، بَعْدَ أَنِ انْتَهَى مِنْ قِرَاءَةِ المَقَالِ. “كَيْفَ يَجْرُؤُ عَلَى نَشْرِ شَيْءٍ كَهَذَا؟”
“لِأَنَّهُ يَائِسٌ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، وَيَائِسٌ بِشَكْلٍ مُتَزَايِدٍ،” أَجَابَ زِيَادٌ بِهُدُوءٍ مِهْنِيٍّ، رَغْمَ أَنَّ نَبْرَتَهُ حَمَلَتْ قَلَقًا حَقِيقِيًّا هُوَ الآخَرُ. “وُجُودُ وَصِيَّةٍ ثَانِيَةٍ، لَاحِقَةٍ وَأَكْثَرَ تَحْدِيدًا، يُقَوِّضُ تَمَامًا أَيَّ أَمَلٍ كَانَ لَدَيْهِ فِي المُطَالَبَةِ بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْ هَذَا الإِرْثِ، سَوَاءٌ كَانَ يَدَّعِي قَرَابَةً حَقِيقِيَّةً أَوْ زَائِفَةً. نَشْرُ هَذَا المَقَالِ، بِمَصَادِرَ مَجْهُولَةِ الهُوِيَّةِ وَلُغَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ مُثِيرَةٍ، هُوَ مُحَاوَلَةٌ يَائِسَةٌ لِكَسْبِ الرَّأْيِ العَامِّ إِلَى جَانِبِهِ قَبْلَ أَنْ تُحْسَمَ المَسْأَلَةُ قَانُونِيًّا بِشَكْلٍ نِهَائِيٍّ، وَرُبَّمَا مُحَاوَلَةٌ لِلضَّغْطِ عَلَيْكَ نَفْسِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا لِتَتَنَازَلَ أَوْ تَتَرَاجَعَ خَوْفًا مِنْ فَضِيحَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ لَا تَحْتَاجُهَا فِي وَضْعِكَ وَمَكَانَتِكَ التِّجَارِيَّةِ فِي أُورُوبَّا.”
شَعَرَ عَدْنَانُ بِقَلَقٍ حَقِيقِيٍّ يَتَصَاعَدُ؛ فَهُوَ رَجُلُ أَعْمَالٍ مَعْرُوفٌ نِسْبِيًّا فِي الأَوْسَاطِ الأُورُوبِّيَّةِ، وَأَيُّ فَضِيحَةٍ كَهَذِهِ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ كَاذِبَةً تَمَامًا، قَدْ تُلْحِقُ ضَرَرًا حَقِيقِيًّا بِسُمْعَتِهِ وَبِشَرِكَتِهِ الَّتِي بَنَاهَا بِجُهْدِ عُقُودٍ طَوِيلَةٍ.
٩
“مَاذَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَفْعَلَ؟” سَأَلَ عَدْنَانُ، مُحَاوِلًا السَّيْطَرَةَ عَلَى غَضَبِهِ لِيُفَكِّرَ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ، يَمْشِي جَيْئَةً وَذَهَابًا فِي مَكْتَبِ زِيَادٍ الصَّغِيرِ.
فَكَّرَ زِيَادٌ لَحْظَةً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِحَزْمٍ. “أَوَّلًا، سَأُرْسِلُ إِنْذَارًا قَانُونِيًّا رَسْمِيًّا فَوْرِيًّا إِلَى المَوْقِعِ الإِخْبَارِيِّ وَإِلَى إِلْيَاسَ شَخْصِيًّا، مُطَالِبًا بِحَذْفِ المَقَالِ أَوْ تَصْحِيحِهِ بِشَكْلٍ كَامِلٍ، تَحْتَ طَائِلَةِ دَعْوَى قَضَائِيَّةٍ بِتُهْمَةِ القَذْفِ وَالتَّشْهِيرِ الكَاذِبِ. القَانُونُ وَاضِحٌ فِي هَذَا الجَانِبِ، وَأَيُّ مَحْكَمَةٍ نَزِيهَةٍ سَتَنْظُرُ بِجِدِّيَّةٍ إِلَى مَقَالٍ كَهَذَا، خَاصَّةً إِنِ اسْتَطَعْنَا إِثْبَاتَ أَنَّهُ مَصْدَرُهُ فَرْدٌ لَهُ مَصْلَحَةٌ مُبَاشِرَةٌ فِي الإِضْرَارِ بِسُمْعَتِكَ.”
“وَثَانِيًا؟”
“ثَانِيًا، سَنَعْمَلُ عَلَى تَوْثِيقِ أَصَالَةِ الوَصِيَّةِ الجَدِيدَةِ بِأَسْرَعِ وَقْتٍ مُمْكِنٍ عَبْرَ خَبِيرِ خُطُوطٍ رَسْمِيٍّ مُعْتَمَدٍ مِنَ المَحْكَمَةِ، لِنَمْلِكَ دَلِيلًا قَاطِعًا يُفَنِّدُ أَيَّ شُكُوكٍ يُحَاوِلُ إِلْيَاسُ زَرْعَهَا فِي الرَّأْيِ العَامِّ أَوْ حَتَّى لَاحِقًا أَمَامَ أَيَّةِ هَيْئَةٍ قَضَائِيَّةٍ. أَعْرِفُ خَبِيرًا مَوْثُوقًا، عَمِلَ مَعَ مَكْتَبِنَا فِي قَضَايَا سَابِقَةٍ، وَيُمْكِنُهُ أَنْ يَبْدَأَ العَمَلَ خِلَالَ يَوْمَيْنِ عَلَى الأَكْثَرِ.” تَوَقَّفَ زِيَادٌ، وَنَظَرَ إِلَى عَدْنَانَ نَظْرَةً جَادَّةً. “وَثَالِثًا، وَهَذَا الأَهَمُّ رُبَّمَا، أَظُنُّ أَنَّ الوَقْتَ قَدْ حَانَ لِمُوَاجَهَةِ إِلْيَاسَ مُبَاشَرَةً، وَجْهًا لِوَجْهٍ، بَدَلَ الاسْتِمْرَارِ فِي هَذِهِ اللُّعْبَةِ مِنَ الظِّلَالِ وَالاتِّهَامَاتِ غَيْرِ المُبَاشِرَةِ الَّتِي تُنَاسِبُهُ هُوَ أَكْثَرَ مِمَّا تُنَاسِبُنَا.”
نَظَرَتْ لِينَا، الَّتِي كَانَتْ تَسْتَمِعُ لِلْمُكَالَمَةِ عَلَى مُكَبِّرِ الصَّوْتِ وَقَدْ وَصَلَتْ لِتَوِّهَا إِلَى المَكْتَبِ، إِلَى عَدْنَانَ بِقَلَقٍ ظَاهِرٍ. “سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَخْشَى أَنَّ مُوَاجَهَةً مُبَاشَرَةً كَهَذِهِ قَدْ تَكُونُ بِالضَّبْطِ مَا يُرِيدُهُ إِلْيَاسُ، فُرْصَةً لِيَسْتَدْرِجَكَ إِلَى مَوْقِفٍ يُمْكِنُهُ اسْتِغْلَالُهُ إِعْلَامِيًّا أَوْ حَتَّى قَانُونِيًّا بِطَرِيقَةٍ لَمْ نَتَوَقَّعْهَا بَعْدُ. رَجُلٌ يُخَطِّطُ بِهَذَا المُسْتَوَى مِنَ التَّعْقِيدِ لَا يَضَعُ نَفْسَهُ فِي مَوْقِفِ ضَعْفٍ دُونَ حِسَابٍ مُسْبَقٍ لِكُلِّ احْتِمَالٍ.”
“مَا البَدِيلُ، إِذَنْ؟” سَأَلَ عَدْنَانُ بِإِحْبَاطٍ مُتَزَايِدٍ. “أَنْ أَبْقَى صَامِتًا بَيْنَمَا يُشَوِّهُ اسْمِي عَلَنًا؟”
١٠
فَكَّرَ عَدْنَانُ طَوِيلًا فِي كَلِمَاتِ لِينَا، مُدْرِكًا حِكْمَتَهَا، لَكِنَّهُ شَعَرَ أَيْضًا بِشَيْءٍ آخَرَ يَتَصَاعَدُ فِي دَاخِلِهِ، شَيْءٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ: عَزِيمَةٌ صَلْبَةٌ، شَبِيهَةٌ بِتِلْكَ الَّتِي دَفَعَتْهُ يَوْمًا، فَتًى فَقِيرًا فِي الحَادِيَةِ وَالعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ، لِيَطْرُقَ بَابَ مَتْجَرٍ لَا يَعْرِفُ عَنْهُ شَيْئًا، بَاحِثًا عَنْ فُرْصَةٍ يَسْتَحِقُّهَا.
“لِينَا، زِيَادُ، أُقَدِّرُ قَلَقَكُمَا، وَأَعْرِفُ أَنَّ الحَذَرَ ضَرُورِيٌّ فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ الحَسَّاسَةِ. لَكِنَّنِي لَمْ أَعُدْ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي يَهْرُبُ مِنَ المُوَاجَهَةِ حِينَ يَكُونُ الحَقُّ إِلَى جَانِبِهِ. الحَاجُّ تَوْفِيقٌ لَمْ يَهْرُبْ مِنْ مَسْؤُولِيَّاتِهِ يَوْمًا، رَغْمَ كُلِّ الأَخْطَارِ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهِ طَوَالَ حَيَاتِهِ، وَلَنْ أَهْرُبَ أَنَا مِنْ مَسْؤُولِيَّةٍ أَوْكَلَهَا لِي بِثِقَةٍ كَامِلَةٍ، وَلَا مِنْ رَجُلٍ يُحَاوِلُ أَنْ يُلَطِّخَ اسْمِي بِأَكَاذِيبَ مَكْشُوفَةٍ.” نَظَرَ إِلَى كِلَيْهِمَا بِحَزْمٍ لَمْ يَعْتَادَا رُؤْيَتَهُ بِهَذَا الوُضُوحِ مِنْ قَبْلُ. “لَكِنَّنِي سَأَسْتَمِعُ لِنَصِيحَتِكُمَا بِخُصُوصِ كَيْفِيَّةِ المُوَاجَهَةِ، لَا إِنْ كَانَتْ سَتَحْدُثُ أَمْ لَا. أَثِقُ بِحِكْمَتِكُمَا فِي التَّخْطِيطِ لِهَذِهِ الخُطْوَةِ بِأَكْبَرِ قَدْرٍ مُمْكِنٍ مِنَ الحَذَرِ وَالذَّكَاءِ.”
ارْتَاحَ زِيَادٌ قَلِيلًا لِهَذَا التَّوَازُنِ بَيْنَ العَزِيمَةِ وَالحِكْمَةِ. “حَسَنًا، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ. سَأُرَتِّبُ طَلَبًا رَسْمِيًّا لِجَلْسَةِ اسْتِمَاعٍ أَمَامَ لَجْنَةِ تَحْكِيمٍ قَانُونِيَّةٍ مُخْتَصَّةٍ بِمُنَازَعَاتِ الإِرْثِ، جَلْسَةٍ تُتِيحُ لَنَا عَرْضَ الوَصِيَّةِ الجَدِيدَةِ وَكُلِّ أَدِلَّتِنَا بِشَكْلٍ رَسْمِيٍّ مُوَثَّقٍ، تَحْتَ إِشْرَافٍ قَضَائِيٍّ مُحَايِدٍ، بَدَلَ مُوَاجَهَةٍ غَيْرِ رَسْمِيَّةٍ قَدْ يَسْتَغِلُّهَا إِلْيَاسُ لِصَالِحِهِ إِعْلَامِيًّا. هَذَا سَيَمْنَحُنَا حِمَايَةً قَانُونِيَّةً أَكْبَرَ، وَيُجْبِرُ إِلْيَاسَ عَلَى مُوَاجَهَةِ الأَدِلَّةِ الحَقِيقِيَّةِ أَمَامَ سُلْطَةٍ رَسْمِيَّةٍ، لَا أَمَامَ كَامِيرَاتِ الصَّحَافَةِ الَّتِي يُجِيدُ التَّلَاعُبَ بِهَا.”
“مَتَى يُمْكِنُ أَنْ تُعْقَدَ هَذِهِ الجَلْسَةُ؟”
“سَأُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَعْجِلَهَا قَدْرَ الإِمْكَانِ، نَظَرًا لِظُرُوفِ التَّهْدِيدِ وَالخَطَرِ المُحِيطَةِ بِالقَضِيَّةِ. رُبَّمَا خِلَالَ أُسْبُوعٍ، أُسْبُوعَيْنِ عَلَى الأَكْثَرِ، إِنْ تَعَاوَنَتِ الجِهَاتُ القَضَائِيَّةُ كَمَا آمُلُ.”
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى الوَثِيقَةِ المَوْضُوعَةِ أَمَامَهُ عَلَى المَكْتَبِ، تِلْكَ الوَصِيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ الَّتِي غَيَّرَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وَشَعَرَ بِيَقِينٍ مُتَزَايِدٍ أَنَّ المَعْرَكَةَ الحَقِيقِيَّةَ، تِلْكَ الَّتِي سَتُحَدِّدُ مَصِيرَ كُلِّ هَذِهِ القِصَّةِ المُعَقَّدَةِ، أَوْشَكَتْ أَخِيرًا أَنْ تَبْدَأَ فَصْلَهَا الأَخِيرَ وَالأَكْثَرَ حَسْمًا.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْرِفُ بَعْدُ، وَهُوَ يَسْتَعِدُّ نَفْسِيًّا لِمُوَاجَهَةٍ لَمْ يَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَخُوضُهَا فِي هَذَا العُمْرِ المُتَقَدِّمِ مِنْ حَيَاتِهِ، أَنَّ تِلْكَ المُوَاجَهَةَ، حِينَ تَأْتِي، سَتَحْمِلُ مُفَاجَآتٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَوَقَّعَهُ هُوَ نَفْسُهُ أَوْ أَيٌّ مِنْ حُلَفَائِهِ القَلَائِلِ، مُفَاجَآتٍ سَتَقْلِبُ مَوَازِينَ هَذِهِ القِصَّةِ بِأَكْمَلِهَا رَأْسًا عَلَى عَقِبٍ، فِي قَاعَةِ مَحْكَمَةٍ دِمَشْقِيَّةٍ لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ يَوْمًا أَنَّهُ سَيَقِفُ فِيهَا، بَعْدَ رِحْلَةٍ اسْتَغْرَقَتْ خَمْسَةً وَأَرْبَعِينَ عَامًا كَامِلَةً لِتَصِلَ أَخِيرًا إِلَى ذُرْوَتِهَا الحَاسِمَةِ.
