وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ
١
طَلَبَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ مِنْ كَمَالٍ الْحُورَانِيِّ أَنْ يَجْلِسَ، مُرَاعَاةً لِحَالِهِ، فَأَحْضَرَ أَحَدُ الْحُرَّاسِ كُرْسِيًّا قَرِيبًا مِنْ طَاوِلَةِ الشُّهُودِ، فِيمَا بَقِيَتْ رِيمُ وَاقِفَةً إِلَى جَانِبِهِ، تَقْبِضُ عَلَى يَدِهِ كَمَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يُفَرِّطَ بِهِ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ عُقُودٍ مِنَ الْفِرَاقِ. جَلَسَ كَمَالٌ بِبُطْءٍ، مُسْتَعِينًا بِعَصَاهُ وَذِرَاعِ ابْنَتِهِ، وَتَسَلَّلَتْ مِنْهُ أَنَّةٌ خَفِيفَةٌ، أَنَّةُ جَسَدٍ أَنْهَكَتْهُ عُقُودٌ مِنَ الْحَيَاةِ فِي الظِّلِّ. لَاحَظَ عَدْنَانُ ارْتِجَافًا طَفِيفًا فِي يَدَيْهِ، لَيْسَ مِنَ الشَّيْخُوخَةِ وَحْدَهَا، بَلْ مِنْ ثِقَلِ لَحْظَةٍ انْتَظَرَهَا طَوِيلًا.
طَلَبَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ كَأْسَ مَاءٍ، بِلَمْسَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ لَمْ تَخْلُ مِنَ التَّعَاطُفِ رَغْمَ رَسْمِيَّةِ الْمَكَانِ، ثُمَّ قَالَ: “سَيِّدُ الْحُورَانِيُّ، خُذْ وَقْتَكَ، وَأَخْبِرْنَا مَا حَدَثَ مِنَ الْبِدَايَةِ.” تَجَوَّلَتْ عَيْنَا كَمَالٍ فِي الْقَاعَةِ، تَوَقَّفَتَا عِنْدَ عَدْنَانَ نَظْرَةً طَوِيلَةً مُعَقَّدَةً، مَزِيجًا مِنَ الْفُضُولِ وَالْحُزْنِ وَاعْتِذَارٍ صَامِتٍ، قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ حَدِيثَهُ.
٢
“فِي صَيْفِ عَامِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ وَثَمَانِيَةٍ وَسَبْعِينَ، بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ زِيَارَتِي الْأَخِيرَةِ لِمَتْجَرِ صَدِيقِي تَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ، زَارَنِي فِي بَيْرُوتَ رَجُلٌ لَمْ أَعْرِفْهُ، أَنِيقٌ، وَاثِقٌ كَمَنِ اعْتَادَ أَنْ يُطَاعَ. قَدَّمَ نَفْسَهُ بِوَصْفِهِ ‘صَدِيقًا لِلْعَائِلَةِ’، لَكِنَّ نَبْرَتَهُ حَمَلَتْ تَهْدِيدًا مُنْذُ الْجُمْلَةِ الْأُولَى.” تَوَقَّفَ كَمَالٌ لِيَرْتَشِفَ مِنَ الْمَاءِ. “قَالَ لِي، وَهُوَ جَالِسٌ فِي صَالَةِ بَيْتِي كَأَنَّهُ يَمْلِكُهُ: ‘أَعْرِفُ عَنِ الْأَمَانَةِ الَّتِي يَحْفَظُهَا تَوْفِيقٌ لِعَائِلَتِكَ، وَأُرِيدُ نَصِيبِي مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَنْ تَكُونَ عَائِلَتُكَ آمِنَةً، لَا أَنْتَ وَلَا ابْنَتُكَ رِيمُ.’ ذَكَرَ اسْمَهَا كَامِلًا وَعُمْرَهَا وَمَدْرَسَتَهَا، لِيُثْبِتَ أَنَّ تَهْدِيدَهُ لَيْسَ كَلَامًا فَارِغًا.”
سَرَتْ قُشَعْرِيرَةٌ بَيْنَ الْحَاضِرِينَ، وَنَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى رِيمَ فَرَأَى وَجْهَهَا يَشْحَبُ، وَيَدَهَا تَشْتَدُّ حَوْلَ يَدِ أَبِيهَا. “رَفَضَ الرَّجُلُ أَنْ يُفْصِحَ عَنْ هُوِيَّتِهِ الْكَامِلَةِ، مُكْتَفِيًا بِالْقَوْلِ إِنَّهُ ‘مِنَ الْعَائِلَةِ الْقَرِيبَةِ لِتَوْفِيقٍ نَفْسِهِ’، وَإِنَّهُ ‘يَسْتَحِقُّ حِصَّتَهُ مِنَ الْإِرْثِ كَمَا يَسْتَحِقُّهَا أَيُّ غَرِيبٍ مِثْلِي’. كَلِمَةُ ‘غَرِيبٍ’ تِلْكَ جَرَحَتْنِي، لِأَنِّي كُنْتُ أَعُدُّ تَوْفِيقَ أَخًا حَقِيقِيًّا لَا صَدِيقًا عَابِرًا.”
٣
سَأَلَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ: “مَاذَا فَعَلْتَ حِينَهَا؟”
“ذَهَبْتُ فَوْرًا إِلَى تَوْفِيقٍ، فَصَمَتَ طَوِيلًا وَقَدْ فَقَدَ وَجْهُهُ لَوْنَهُ، ثُمَّ اعْتَرَفَ أَنَّ الرَّجُلَ، عَلَى الْأَرْجَحِ، هُوَ سَمِيرٌ النَّابُلُسِيُّ، ابْنُ أَخِيهِ الْأَصْغَرِ، الَّذِي اكْتَشَفَ تَفَاصِيلَ بَعْضِ الْأَمَانَاتِ، بِمَا فِيهَا أَمَانَتِي، وَبَدَأَ يُهَدِّدُ أَصْحَابَهَا وَاحِدًا وَاحِدًا.” قَالَ لِي تَوْفِيقٌ يَوْمَهَا جُمْلَةً لَمْ أَنْسَهَا: ‘الدَّمُ لَا يَضْمَنُ الْأَمَانَةَ، يَا كَمَالُ. أَحْيَانًا يَكُونُ الْغَرِيبُ الَّذِي تَخْتَارُهُ بِعَيْنَيْكَ أَوْفَى مِنَ الْقَرِيبِ الَّذِي وُلِدْتَ مَرْبُوطًا بِهِ.’
كَانَ سَمِيرٌ، كَمَا وَصَفَهُ تَوْفِيقُ، طَمُوحًا فَاشِلًا، خَسِرَ مَعْظَمَ مَالِهِ فِي مُضَارَبَاتٍ سَيِّئَةٍ فِي أَوَاخِرِ السِّتِّينَاتِ، فَانْقَلَبَ يَأْسُهُ إِلَى مُحَاوَلَاتٍ لِلتَّجَسُّسِ عَلَى أَوْرَاقِ عَمِّهِ، حَتَّى تَمَكَّنَ مِنْ فَكِّ بَعْضِ رُمُوزِ الدَّفْتَرِ. رَفَضَ حَتَّى عَرْضًا مَالِيًّا سَخِيًّا مِنْ تَوْفِيقٍ، مُصِرًّا عَلَى أَنَّ حَقَّهُ الْعَائِلِيَّ يَفُوقُ أَيَّ مُسَاعَدَةٍ.
٤
سَأَلَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ: “وَكَيْفَ انْتَهَى بِكَ الْأَمْرُ إِلَى الِاخْتِفَاءِ؟”
“خَيَّرَنِي سَمِيرٌ بِوَحْشِيَّةٍ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَنْ أَدْفَعَ لَهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْأَمَانَةِ، وَهُوَ مَبْلَغٌ لَمْ أَكُنْ أَمْلِكُهُ، أَوْ أَنْ يَكْشِفَ لِلسُّلُطَاتِ آنَذَاكَ تَفَاصِيلَ الْأَمَانَةِ، فَيُعَرِّضَ تَوْفِيقَ وَعَائِلَتِي لِلْخَطَرِ فِي زَمَنِ حَرْبٍ وَاضْطِرَابٍ. لَمْ أَجِدْ سِوَى الِاخْتِفَاءِ، بِمُسَاعَدَةِ تَوْفِيقٍ نَفْسِهِ الَّذِي دَبَّرَ لِي هُوِيَّةً مُؤَقَّتَةً وَهِجْرَةً سِرِّيَّةً إِلَى أَمْرِيكَا الْجَنُوبِيَّةِ، حَيْثُ عِشْتُ تَحْتَ اسْمٍ مُسْتَعَارٍ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً فِي سَاوْ بَاولُو، مُنْقَطِعًا عَنِ ابْنَتِي الْوَحِيدَةِ الَّتِي تَرَكْتُهَا تَظُنُّ أَنَّ أَبَاهَا اخْتَفَى أَوْ مَاتَ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَكْثَرَ أَمَانًا لَهَا.” تَقَطَّعَ صَوْتُهُ بِالْعَاطِفَةِ. “كُلَّ يَوْمٍ فَكَّرْتُ فِي الْعَوْدَةِ، لَكِنَّ الْخَوْفَ كَانَ دَائِمًا أَقْوَى مِنَ الشَّوْقِ.”
٥
نَظَرَتْ رِيمُ إِلَى أَبِيهَا بِدُمُوعٍ غَزِيرَةٍ: “لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي، أَبِي، وَلَوْ بَعْدَ سَنَوَاتٍ؟” مَسَحَ كَمَالٌ دَمْعَةً بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ: “خِفْتُ أَنْ يَكُونَ سَمِيرٌ، أَوْ مَنْ وَرِثُوا طَمَعَهُ، لَا يَزَالُونَ يُرَاقِبُونَ. فَضَّلْتُ أَنْ تَعِيشِي فِي أَمَانٍ وَجَهْلٍ، عَلَى أَنْ تَعِيشِي فِي خَوْفٍ دَائِمٍ.”
أَضَافَ: “تَوْفِيقٌ نَفْسُهُ اضْطُرَّ لِلِاخْتِفَاءِ بَعْدَ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ، حِينَ صَعَّدَ سَمِيرٌ تَهْدِيدَهُ ضِدَّهُ مُبَاشَرَةً. اخْتَفَى سَنَوَاتٍ، ثُمَّ عَادَ سِرًّا إِلَى دِمَشْقَ عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ، لِيُوَثِّقَ تِلْكَ الْوَصِيَّةَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي وَجَدْتُمُوهَا، سَاعِيًا إِلَى أَنْ تَصِلَ الْأَمَانَاتُ يَوْمًا إِلَى أَصْحَابِهَا الْحَقِيقِيِّينَ.”
٦
سَأَلَ عَدْنَانُ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى كَبْحِ سُؤَالِهِ: “وَأَيْنَ كَانَ الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ بَعْدَ ذَلِكَ؟ أَمَّا يَزَالُ حَيًّا؟”
نَظَرَ كَمَالٌ إِلَيْهِ نَظْرَةً حَزِينَةً عَمِيقَةً. “تُوُفِّيَ تَوْفِيقُ، يَا بُنَيَّ، مُنْذُ نَحْوِ اثْنَيْ عَشَرَ عَامًا، فِي مَكَانٍ آمِنٍ بَعِيدٍ، بِسَلَامٍ، بِرِعَايَةٍ اسْتَطَعْتُ أَنْ أُوَفِّرَهَا لَهُ. أَمْضَيْنَا سَنَوَاتِنَا الْأَخِيرَةَ نَتَبَادَلُ ذِكْرَيَاتِ دِمَشْقَ وَسُوقِ الْحَرِيقَةِ، نَتَحَدَّثُ عَنْكَ، يَا عَدْنَانُ، فِي أَمَاسِيَّ طَوِيلَةٍ، وَكَأَنَّكَ حَاضِرٌ مَعَنَا. كَانَ يَسْأَلُنِي، بِابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ، إِنْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّكَ سَتَغْفِرُ لَهُ صَمْتَهُ يَوْمًا.”
“طَلَبَ مِنِّي، قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، وَهُوَ يُمْسِكُ بِيَدِي بِقُوَّةٍ رَغْمَ ضَعْفِهِ، أَنْ أُخْبِرَكَ، إِنِ الْتَقَيْتُ بِكَ يَوْمًا، بِجُمْلَةٍ وَاحِدَةٍ كَرَّرَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: ‘أَخْبِرُوهُ أَنِّي لَمْ أَنْدَمْ يَوْمًا عَلَى اخْتِيَارِي لَهُ. وَأَخْبِرُوهُ أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عِشْتُهُ بَعِيدًا عَنْهُ كُنْتُ أُفَكِّرُ فِيهِ كَأَنَّهُ ابْنِي الْحَقِيقِيُّ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَكْشِفُهُ الدَّمُ أَوْ لَا يَكْشِفُهُ.'”
انْهَمَرَتْ دُمُوعُ عَدْنَانَ صَامِتَةً، وَقَدْ وَصَلَتْهُ أَخِيرًا كَلِمَةٌ أَخِيرَةٌ مِنَ الرَّجُلِ الَّذِي شَكَّلَ حَيَاتَهُ، حَسَمَتْ، وَلَوْ جُزْئِيًّا، سُؤَالَ أُبُوَّةٍ لَمْ يَحْسِمْهُ الدَّمُ، بَلْ شَيْءٌ أَعْمَقُ مِنْهُ.
٧
اسْتَعَادَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ زِمَامَ الْجَلْسَةِ: “سَيِّدُ الْحُورَانِيُّ، هَلْ لَدَيْكَ مَا يَرْبِطُ السَّيِّدَ إِلْيَاسَ النَّابُلُسِيَّ بِسَمِيرٍ الَّذِي ذَكَرْتَهُ؟”
نَظَرَ كَمَالٌ إِلَى إِلْيَاسَ نَظْرَةً طَوِيلَةً ثَاقِبَةً. “إِلْيَاسُ، سِيَادَةَ الرَّئِيسِ، حَفِيدُ سَمِيرٍ نَفْسِهِ، ابْنُ ابْنِهِ الْمُبَاشِرِ. عَرَفْتُ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ قَبْلَ أَشْهُرٍ، حِينَ تَابَعْتُ، مِنْ مَخْبَئِي، مُحَاوَلَاتِهِ الْمُتَكَرِّرَةَ لِلْوُصُولِ إِلَى إِرْثِ تَوْفِيقٍ. حِينَ رَأَيْتُ صُورَتَهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، عَرَفْتُ مَلَامِحَ سَمِيرٍ فَوْرًا: شَكْلُ الْحَاجِبَيْنِ نَفْسُهُ، وَطَرِيقَةُ إِطْبَاقِ الْفَكِّ نَفْسُهَا حِينَ يَتَحَدَّثُ بِحَمَاسٍ.”
ارْتَفَعَتْ هَمْهَمَةُ الْحَاضِرِينَ، وَحَاوَلَ مُحَامِي إِلْيَاسَ الِاعْتِرَاضَ فَضَاعَ صَوْتُهُ، بَيْنَمَا جَلَسَ إِلْيَاسُ مُطَأْطِئَ الرَّأْسِ.
٨
أَضَافَ كَمَالٌ: “أَظُنُّ أَنَّ سَمِيرًا، عَلَى فِرَاشِ مَوْتِهِ، رَوَى لِحَفِيدِهِ نُسْخَةً مُشَوَّهَةً مِنَ الْقِصَّةِ، صَوَّرَ فِيهَا نَفْسَهُ ضَحِيَّةَ ‘خِيَانَةٍ’ لَا فَاعِلَ ابْتِزَازٍ، زَارِعًا فِيهِ حِقْدًا وَشُعُورًا زَائِفًا بِحَقٍّ مَسْلُوبٍ، حَتَّى صَارَ هَذَا الْمَسْعَى الَّذِي نَشْهَدُهُ، الْمَبْنِيَّ كُلَّهُ عَلَى أُكْذُوبَةٍ تَوَارَثَتْهَا عَائِلَةُ النَّابُلُسِيِّ جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ.”
نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى إِلْيَاسَ فَشَعَرَ، وَسَطَ غَضَبِهِ الْمُبَرَّرِ، بِشَيْءٍ مِنَ الشَّفَقَةِ: رَجُلٌ بَنَى حَيَاتَهُ عَلَى كَذِبَةٍ وَرِثَهَا عَنْ جَدٍّ لَمْ يَعْرِفْهُ حَقَّ الْمَعْرِفَةِ.
أَعْلَنَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ قَرَارَهُ: “بِنَاءً عَلَى مَا سُمِعَ، تُقِرُّ هَذِهِ اللَّجْنَةُ صِحَّةَ الْوَصِيَّةِ الثَّانِيَةِ الْمُؤَرَّخَةِ عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ وَسَبْعِينَ، وَتُعَيِّنُ عَدْنَانَ الرَّافِعِيَّ مُدِيرًا مُؤَسِّسًا لِمُؤَسَّسَةِ الْأَمَانَةِ الْخَيْرِيَّةِ، مَعَ إِحَالَةِ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّزْوِيرِ وَالتَّهْدِيدِ إِلَى النِّيَابَةِ الْعَامَّةِ.”
٩
سَقَطَ إِلْيَاسُ عَلَى مَقْعَدِهِ كَأَنَّ قُوَّتَهُ خَارَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً، فَاقْتَرَبَ مِنْهُ ضَابِطَانِ بِمَلَابِسَ مَدَنِيَّةٍ، طَالِبَيْنِ مُرَافَقَتَهُمَا. رَاقَبَ عَدْنَانُ، بِمَشَاعِرَ مُتَضَارِبَةٍ بَيْنَ الِارْتِيَاحِ وَالْحُزْنِ، عَدَالَةً وَصَلَتْ مُتَأَخِّرَةً بِعُقُودٍ، بَيْنَمَا يُقْتَادُ رَجُلٌ آخَرُ ضَحِيَّةُ إِرْثٍ مِنَ الْكَذِبِ لَمْ يَخْتَرْهُ.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْلَمُ، وَهُوَ يَحْتَضِنُ كَرِيمَ بِجَانِبِهِ، أَنَّ إِلْيَاسَ، قَبْلَ أَنْ يُقْتَادَ نِهَائِيًّا مِنَ الْقَاعَةِ، سَيَكْشِفُ خَبَرًا أَخِيرًا، صَغِيرًا، سَيُشْعِلُ بَعْدَ سَاعَاتٍ حَرِيقًا حَقِيقِيًّا، فِي قَلْبِ سُوقِ الْحَرِيقَةِ نَفْسِهِ.
