وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ
١
قَبْلَ أَنْ يَقْتَادَ الضَّابِطَانِ إِلْيَاسَ النَّابُلُسِيَّ خَارِجَ الْقَاعَةِ، تَوَقَّفَ فَجْأَةً، مُسْتَأْذِنًا بِحَرَكَةِ يَدِهِ الْمُقَيَّدَةِ أَنْ يَتَحَدَّثَ مَرَّةً أَخِيرَةً، بِصَوْتٍ فَقَدَ كُلَّ ثِقَتِهِ الْمَعْهُودَةِ. كَانَتْ يَدَاهُ مُقَيَّدَتَيْنِ بِأَصْفَادٍ خَفِيفَةٍ، وَقَدْ تَلَاشَتْ عَنْهُ تِلْكَ الْهَيْئَةُ الْأَنِيقَةُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا الْقَاعَةَ صَبَاحًا، فَبَدَا رَجُلًا آخَرَ، أَصْغَرَ سِنًّا، أَشَدَّ هَشَاشَةً.
“انْتَظِرُوا… أَرْجُوكُمْ، انْتَظِرُوا لَحْظَةً.” نَظَرَ نَحْوَ رَئِيسِ اللَّجْنَةِ بِعَيْنَيْنِ تَحْمِلَانِ يَأْسًا عَمِيقًا. “أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا، قَبْلَ أَنْ تَأْخُذُونِي. لَنْ يُغَيِّرَ هَذَا شَيْئًا مِنْ قَرَارِكُمْ، أَعْرِفُ ذَلِكَ، لَكِنِّي أَحْتَاجُ أَنْ أَقُولَهُ، لِنَفْسِي أَكْثَرَ مِمَّا أَقُولهُ لَكُمْ.”
وَافَقَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ، بَعْدَ أَنْ اسْتَشَارَ الضَّابِطَيْنِ بِنَظْرَةٍ، عَلَى مَنْحِهِ دَقَائِقَ، فَسَادَ الْقَاعَةَ صَمْتٌ مُتَوَتِّرٌ، حَتَّى الصُّحُفِيُّونَ فِي الصُّفُوفِ الْخَلْفِيَّةِ تَوَقَّفُوا عَنِ الْحَرَكَةِ، مُدْرِكِينَ أَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ لَحْظَةَ صِدْقٍ نَادِرَةً.
٢
جَلَسَ إِلْيَاسُ مِنْ جَدِيدٍ، ثَقِيلًا، وَنَظَرَ إِلَى يَدَيْهِ الْمُرْتَجِفَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَ عَيْنَيْهِ، لَا نَحْوَ اللَّجْنَةِ، بَلْ نَحْوَ عَدْنَانَ مُبَاشَرَةً.
“أَنْتَ لَا تَعْرِفُ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، كَيْفَ نَشَأْتُ. لَا تَعْرِفُ كَيْفَ كَانَ الْأَمْرُ أَنْ تَكْبُرَ فِي بَيْتٍ يَتَحَدَّثُ فِيهِ جَدِّي، حَتَّى آخِرِ أَيَّامِهِ، عَنِ ‘الْحَقِّ الْمَسْلُوبِ’، عَنِ ‘الْخِيَانَةِ’ الَّتِي ارْتَكَبَهَا أَخُوهُ الْأَكْبَرُ، تَوْفِيقٌ، ضِدَّهُ.” ارْتَجَفَ صَوْتُهُ أَكْثَرَ. “كَبِرْتُ فِي فَقْرٍ حَقِيقِيٍّ، لَمْ تَعْرِفْهُ أَنْتَ يَوْمًا فِي حَيَاتِكَ الْأُورُوبِّيَّةِ الْمُرِيحَةِ. رَأَيْتُ أَبِي يَعْمَلُ سَاعَاتٍ طَوِيلَةً فِي وَظَائِفَ مُتَوَاضِعَةٍ، يَحْلُمُ دَائِمًا بِذَلِكَ ‘الْإِرْثِ الضَّائِعِ’ الَّذِي سَيُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ يَوْمًا، حُلْمًا وَرِثَهُ هُوَ الْآخَرُ عَنْ أَبِيهِ سَمِيرٍ، حُلْمًا صَارَ، مَعَ كُلِّ جِيلٍ، أَثْقَلَ وَأَمَرَّ.”
٣
“دَرَسْتُ الْقَانُونَ بِصُعُوبَةٍ بَالِغَةٍ، بِمِنْحَةٍ جُزْئِيَّةٍ وَعَمَلٍ إِضَافِيٍّ مُرْهِقٍ فِي مَطْعَمٍ صَغِيرٍ، مُقْتَنِعًا طَوَالَ الْوَقْتِ أَنِّي حِينَ أُصْبِحُ مُحَامِيًا سَأَسْتَرِدُّ ذَلِكَ ‘الْحَقَّ’ الَّذِي حُرِمَتْ مِنْهُ عَائِلَتِي، كَمَا رُبِّيتُ عَلَى الِاعْتِقَادِ بِهِ مُنْذُ طُفُولَتِي.” أَطْرَقَ رَأْسَهُ، وَدُمُوعٌ تَتَجَمَّعُ فِي عَيْنَيْهِ. “حِينَ سَمِعْتُ، قَبْلَ أَشْهُرٍ، عَنِ اكْتِشَافِ تِلْكَ الْوَصِيَّةِ الْقَدِيمَةِ فِي أَرْشِيفِ الْمَحْكَمَةِ، شَعَرْتُ وَكَأَنَّ حُلْمَ عَائِلَتِنَا، حُلْمَ ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ مِنَ الْفَقْرِ وَالْمَرَارَةِ، صَارَ أَخِيرًا فِي مُتَنَاوَلِ يَدِي. لَمْ أُفَكِّرْ لَحْظَةً، أُقْسِمُ لَكُمْ، أَنِّي أُطَارِدُ وَهْمًا مَبْنِيًّا عَلَى كَذِبَةٍ، لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ عَنْ جَدِّي سَمِيرٍ الَّتِي كَشَفَهَا كَمَالٌ لِلتَّوِّ.”
نَظَرَ نَحْوَ كَمَالٍ بِخَجَلٍ وَحَيْرَةٍ. “لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ، أُقْسِمُ لَكُمْ، أَنَّ جَدِّي هُوَ مَنِ ابْتَزَّ وَهَدَّدَ، لَا الْعَكْسَ. نَشَأْتُ عَلَى قِصَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، تُصَوِّرُ جَدِّي ضَحِيَّةً، وَتَوْفِيقًا خَائِنًا. لَا أَعْرِفُ الْآنَ كَيْفَ أَتَصَالَحُ مَعَ حَقِيقَةِ أَنَّ حَيَاتِي كُلَّهَا بُنِيَتْ عَلَى كَذِبَةٍ تَوَارَثَتْهَا عَائِلَتِي دُونَ أَنْ تَعْرِفَ، أَوْ رُبَّمَا دُونَ أَنْ تُرِيدَ أَنْ تَعْرِفَ.”
٤
قَالَ رَئِيسُ اللَّجْنَةِ بِحَزْمٍ لَمْ يَخْلُ مِنْ تَفَهُّمٍ إِنْسَانِيٍّ: “هَذَا لَا يُبَرِّرُ أَفْعَالَكَ، سَيِّدَ إِلْيَاسَ. تَزْوِيرُ الْوَثَائِقِ، وَمُحَاوَلَاتُ التَّهْدِيدِ، جَرَائِمُ يَتَحَمَّلُهَا فَاعِلُهَا بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ الْأَسْبَابِ.”
“أَعْرِفُ ذَلِكَ جَيِّدًا، سِيَادَةَ الرَّئِيسِ.” أَجَابَ إِلْيَاسُ، مُسْتَسْلِمًا تَمَامًا. “لَا أَطْلُبُ عَفْوًا، وَلَا حَتَّى تَفَهُّمًا. أَطْلُبُ فَقَطْ أَنْ يُسَجَّلَ، فِي مَكَانٍ مَا، أَنَّ هَذَا كُلَّهُ بَدَأَ بِكَذِبَةٍ صَغِيرَةٍ قَالَهَا رَجُلٌ يَائِسٌ لِحَفِيدٍ صَغِيرٍ يُحِبُّهُ، كَذِبَةٍ نَمَتْ عَبْرَ الْأَجْيَالِ حَتَّى صَارَتْ هَذَا الْكَابُوسَ.” ثُمَّ نَظَرَ نَحْوَ عَدْنَانَ مَرَّةً أَخِيرَةً: “سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، أَنَا آسِفٌ، بِصِدْقٍ، عَلَى كُلِّ مَا سَبَّبْتُهُ لَكَ، وَلِرِيمَ، وَلِلِينَا. كُنْتُ فَقَطْ… غَارِقًا فِي وَهْمٍ وَرِثْتُهُ، غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى رُؤْيَةِ الْحَقِيقَةِ حَتَّى فَاتَ الْأَوَانُ.”
٥
اقْتِيدَ إِلْيَاسُ أَخِيرًا خَارِجَ الْقَاعَةِ، مُنْهَارًا، بَيْنَمَا بَدَأَ الْحَاضِرُونَ يَتَهَامَسُونَ حَوْلَ هَذِهِ الدَّرَامَا الْإِنْسَانِيَّةِ. اقْتَرَبَ عَدْنَانُ مِنْ كَمَالٍ وَرِيمَ، يَتَبَادَلُونَ كَلِمَاتِ شُكْرٍ صَامِتَةٍ. لَكِنَّ لِينَا، بِحِسِّهَا الصَّحَفِيِّ الَّذِي لَا يَهْدَأُ، لَاحَظَتْ أَنَّ أَحَدَ مُسَاعِدِي إِلْيَاسَ الْقَانُونِيِّينَ الشُّبَّانِ قَدِ اخْتَفَى بِهُدُوءٍ مِنَ الْقَاعَةِ قَبْلَ انْتِهَاءِ الْجَلْسَةِ، بِطَرِيقَةٍ بَدَتْ لَهَا مُرِيبَةً.
٦
بَعْدَ سَاعَةٍ، جَلَسَ عَدْنَانُ وَزِيَادُ وَلِينَا وَكَمَالٌ وَرِيمُ فِي مَكْتَبِ زِيَادٍ، يُنَاقِشُونَ الْخُطُوَاتِ الْقَانُونِيَّةَ لِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ، وَالشَّمْسُ تَمِيلُ نَحْوَ الْغُرُوبِ، حِينَ رَنَّ هَاتِفُ عَدْنَانَ بِرَقْمٍ غَيْرِ مَحْفُوظٍ.
“أَلُو؟”
“سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ؟” جَاءَ صَوْتٌ مُتَوَتِّرٌ، يَكَادُ يَصْرُخُ وَسَطَ ضَجِيجٍ خَلْفِيٍّ. “أَنَا فَارِسٌ، مِنْ سُوقِ الْحَرِيقَةِ. يَجِبُ أَنْ تَأْتِيَ فَوْرًا. هُنَاكَ حَرِيقٌ، سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ، حَرِيقٌ كَبِيرٌ، اندَلَعَ مُنْذُ دَقَائِقَ فِي الْجُزْءِ الْقَدِيمِ مِنَ السُّوقِ، قَرِيبًا جِدًّا مِنْ مَحَلِّي وَمَحَلِّ حَسَنٍ.”
جَمَدَ قَلْبُ عَدْنَانَ لَحْظَةً، وَكَادَ الْهَاتِفُ يَنْزَلِقُ مِنْ يَدِهِ، بَيْنَمَا تَوَقَّفَ الْجَمِيعُ عَنِ الْحَدِيثِ فَوْرًا. “حَرِيقٌ؟ كَيْفَ؟”
“لَا أَعْرِفُ التَّفَاصِيلَ بَعْدُ، لَكِنَّ أَحَدَ الْجِيرَانِ رَأَى رَجُلًا غَرِيبًا يَخْرُجُ مُسْرِعًا مِنَ الْمِنْطَقَةِ قَبْلَ اندِلَاعِ النَّارِ بِدَقَائِقَ، يَحْمِلُ حَقِيبَةً صَغِيرَةً، وَاخْتَفَى بَيْنَ الْأَزِقَّةِ.” وَسَمِعَ عَدْنَانُ صَفَّارَاتِ إِنْذَارٍ فِي الْخَلْفِيَّةِ. “أَخْشَى، بِصَرَاحَةٍ، أَنَّ هَذَا لَيْسَ حَادِثًا عَرَضِيًّا.”
٧
شَعَرَ عَدْنَانُ بِذُعْرٍ مُتَصَاعِدٍ. “الدَّفْتَرُ! الدَّفْتَرُ الْأَصْلِيُّ الَّذِي أَعْطَيْتُهُ لِلِينَا لِتُصَوِّرَهُ، أَمَا يَزَالُ فِي مَحَلِّكَ؟”
“جُزْءٌ مِنْهُ، نَعَمْ، إِلَى جَانِبِ أَوْرَاقٍ قَدِيمَةٍ تَخُصُّ أَبِي وَعَلَاقَتَهُ بِالْحَاجِّ تَوْفِيقٍ، رُبَّمَا الدَّلِيلُ الْوَحِيدُ الْمُتَبَقِّي عَلَى أَمَانَاتٍ أُخْرَى.” ارْتَجَفَ صَوْتُ فَارِسٍ. “النِّيرَانُ تَنْتَشِرُ بِسُرْعَةٍ مُقْلِقَةٍ بَيْنَ الْمَحَلَّاتِ الْقَدِيمَةِ الْمُتَلَاصِقَةِ، وَفِرَقُ الْإِطْفَاءِ فِي طَرِيقِهَا، لَكِنَّ أَزِقَّةَ السُّوقِ ضَيِّقَةٌ جِدًّا عَلَى سَيَّارَاتِهَا.”
٨
سَأَلَتْ لِينَا: “أَتَظُنُّ أَنَّ إِلْيَاسَ، أَوْ مَنْ يَعْمَلُ لِصَالِحِهِ، هُوَ مَنْ فَعَلَ هَذَا؟”
أَجَابَ زِيَادُ، وَاقِفًا يَجْمَعُ مَفَاتِيحَ سَيَّارَتِهِ: “لَا أَعْرِفُ يَقِينًا، لَكِنَّ التَّوْقِيتَ مُرِيبٌ جِدًّا لِيَكُونَ مُصَادَفَةً. لَعَلَّهُ كَانَ ‘الشَّيْءَ الْأَخِيرَ’ الَّذِي أَرَادَ إِلْيَاسُ فِعْلَهُ قَبْلَ اعْتِقَالِهِ، مُحَاوَلَةً لِتَدْمِيرِ مَا تَبَقَّى مِنْ دَلِيلٍ.”
نَهَضَ عَدْنَانُ بِسُرْعَةٍ: “يَجِبُ أَنْ نَذْهَبَ فَوْرًا. حَسَنٌ وَفَارِسٌ قَدْ يَكُونَانِ فِي خَطَرٍ، وَتِلْكَ الْوَثَائِقُ آخِرُ مَا تَبَقَّى مِنْ إِرْثِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ.”
حَاوَلَتْ لِينَا أَنْ تُعَقْلِنَهُ: “عَدْنَانُ، الْأَمْرُ خَطِيرٌ، رُبَّمَا مِنَ الْأَفْضَلِ أَنْ نَنْتَظِرَ.” نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ: “لَا، لِينَا. الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ لَمْ يَهْرُبْ يَوْمًا مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ تُجَاهَ مَنْ يُحِبُّهُمْ، وَلَنْ أَهْرُبَ أَنَا الْيَوْمَ. فَاتَنِي أَنْ أَكُونَ حَاضِرًا لَهُ يَوْمَ اخْتَفَى مِنَ الْمُسْتَشْفَى قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا؛ لَنْ أُفَوِّتَ حُضُورِي الْيَوْمَ.”
٩
خَرَجَ الْجَمِيعُ مُسْرِعِينَ، وَبَدَأَتْ أَخْبَارُ الْحَرِيقِ تَنْتَشِرُ، صُوَرٌ لِأَعْمِدَةِ دُخَانٍ تَرْتَفِعُ فَوْقَ سُوقِ الْحَرِيقَةِ التَّارِيخِيِّ. اسْتَقَلَّ عَدْنَانُ وَلِينَا سَيَّارَةَ زِيَادٍ، وَتَبِعَهُمَا كَمَالٌ وَرِيمُ فِي سَيَّارَةِ أُجْرَةٍ، يَتَّجِهُونَ جَمِيعًا نَحْوَ الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَتْ فِيهِ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا.
جَلَسَ عَدْنَانُ فِي السَّيَّارَةِ، قَلْبُهُ يَخْفِقُ بِعُنْفٍ، يُفَكِّرُ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي قَطَعَهُ: مِنْ فَتًى فَقِيرٍ وَقَفَ أَمَامَ بَابِ مَتْجَرٍ صَغِيرٍ، إِلَى رَجُلٍ فِي الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ يُسْرِعُ نَحْوَ الْمَكَانِ نَفْسِهِ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَخْسَرَ آخِرَ خَيْطٍ يَرْبِطُهُ بِمَنْ شَكَّلَ حَيَاتَهُ. فَكَّرَ، بِمَرَارَةٍ غَرِيبَةٍ، فِي مُفَارَقَةِ هَذَا الْيَوْمِ: بَدَأَ بِانْتِصَارٍ قَانُونِيٍّ، وَيَنْتَهِي بِسِبَاقٍ ضِدَّ النِّيرَانِ. لَا شَيْءَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ كَانَ بِلَا ثَمَنٍ.
نَظَرَ إِلَى لِينَا بِجَانِبِهِ، وَجْهُهَا شَاحِبٌ مِنَ الْقَلَقِ، لَكِنَّ عَيْنَيْهَا مَا تَزَالَانِ تَحْمِلَانِ الْعَزِيمَةَ نَفْسَهَا الَّتِي عَرَفَهَا فِيهَا مُنْذُ أَوَّلِ مُكَالَمَةٍ جَمَعَتْهُمَا، فَشَعَرَ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِوُجُودِهَا مَعَهُ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
لَمْ يَكُنْ عَدْنَانُ يَعْلَمُ، وَهُوَ يَقْتَرِبُ مِنْ سُوقِ الْحَرِيقَةِ، مُحَاطًا بِأَضْوَاءِ سَيَّارَاتِ الْإِطْفَاءِ الْحَمْرَاءِ وَصَفَّارَاتِ الْإِنْذَارِ، أَنَّ الْمَعْرَكَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَنْ تُخَاضَ فِي قَاعَةِ مَحْكَمَةٍ هَادِئَةٍ، بَلْ وَسَطَ أَلْسِنَةِ نَارٍ حَقِيقِيَّةٍ تَلْتَهِمُ، حَرْفًا بِحَرْفٍ وَذِكْرَى بِذِكْرَى، آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنْ مَاضٍ ظَنَّ الْجَمِيعُ أَنَّهُ اسْتَقَرَّ أَخِيرًا.
