وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الْعِشْرُونَ
١
وَصَلَتِ السَّيَّارَتَانِ إِلَى أَطْرَافِ سُوقِ الْحَرِيقَةِ وَسَطَ فَوْضَى عَارِمَةٍ: سَيَّارَاتُ إِطْفَاءٍ مُصْطَفَّةٌ بِقَدْرِ مَا تَسْمَحُ بِهِ الْأَزِقَّةُ الضَّيِّقَةُ، رِجَالٌ يَجُرُّونَ خَرَاطِيمَ ثَقِيلَةً عَبْرَ الْحُشُودِ، وَسُحُبٌ مِنَ الدُّخَانِ الْأَسْوَدِ تَرْتَفِعُ فَوْقَ أَسْقُفِ الْمَبَانِي الْقَدِيمَةِ، تَحْجُبُ جُزْءًا مِنْ سَمَاءِ الْمَسَاءِ الدِّمَشْقِيِّ. تَصَاعَدَتْ رَائِحَةُ الِاحْتِرَاقِ، مَزِيجٌ مِنَ الْخَشَبِ وَالْأَقْمِشَةِ وَالتَّوَابِلِ، لِتَمْلَأَ الْهَوَاءَ عَلَى مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ، وَتَرَدَّدَتْ صَفَّارَاتُ الْإِنْذَارِ مِنْ كُلِّ اتِّجَاهٍ، وَبَكَى بَعْضُ التُّجَّارِ صَمْتًا وَهُمْ يَرَوْنَ تَارِيخًا عَرِيقًا يَتَصَاعَدُ دُخَانًا أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ.
نَزَلَ عَدْنَانُ مِنَ السَّيَّارَةِ رَاكِضًا نَحْوَ الْحَاجِزِ الْأَمْنِيِّ. “لَا يُمْكِنُكَ الدُّخُولُ، سَيِّدِي!” صَاحَ شُرْطِيٌّ شَابٌّ، مَادًّا ذِرَاعَهُ. “أَصْدِقَائِي هُنَاكَ! حَسَنٌ وَفَارِسٌ!” صَاحَ عَدْنَانُ بِذُعْرٍ مُتَصَاعِدٍ.
٢
رَأَى عَدْنَانُ حَسَنًا وَاقِفًا وَسْطَ أَصْحَابِ الْمَحَلَّاتِ الْمَذْعُورِينَ، سَالِمًا لَكِنَّ وَجْهَهُ مُغَطًّى بِالسُّخَامِ. اندَفَعَ نَحْوَهُ. “حَسَنُ! أَأَنْتَ بِخَيْرٍ؟” “عَدْنَانُ! الْحَمْدُ لِلَّهِ. نَعَمْ، لَكِنَّ فَارِسًا لَا يَزَالُ فِي الدَّاخِلِ! أَصَرَّ عَلَى الْعَوْدَةِ لِإِحْضَارِ صُنْدُوقٍ، وَمَرَّتْ دَقَائِقُ طَوِيلَةٌ مُنْذُ أَنْ رَأَيْنَاهُ آخِرَ مَرَّةٍ!”
٣
أَشَارَ حَسَنٌ، بِيَدٍ مُرْتَجِفَةٍ، نَحْوَ زُقَاقٍ يَتَصَاعَدُ مِنْهُ دُخَانٌ كَثِيفٌ. “لَا يُمْكِنُكَ الدُّخُولُ، النِّيرَانُ تَنْتَشِرُ بِسُرْعَةٍ!” لَكِنَّ عَدْنَانَ، دُونَ أَنْ يُفَكِّرَ مَرَّتَيْنِ، اندَفَعَ نَحْوَ الزُّقَاقِ، مُتَجَاوِزًا الْحَاجِزَ، بَيْنَمَا صَرَخَتْ لِينَا خَلْفَهُ: “سَيِّدَ الرَّافِعِيِّ!” فَضَاعَ صَوْتُهَا وَسْطَ الضَّجِيجِ.
٤
اندَفَعَ عَدْنَانُ عَبْرَ الدُّخَانِ، يُغَطِّي أَنْفَهُ بِطَرَفِ قَمِيصِهِ، عَيْنَاهُ تَدْمَعَانِ، بِالْكَادِ يَرَى أَمَامَهُ. تَذَكَّرَ، بِذَاكِرَةٍ جَسَدِيَّةٍ اسْتَيْقَظَتْ فَجْأَةً، تَفَاصِيلَ هَذِهِ الْأَزِقَّةِ مِنْ شَبَابِهِ، فَاسْتَخْدَمَهَا لِيَجِدَ طَرِيقَهُ. وَصَلَ إِلَى مَحَلِّ فَارِسٍ، سَقْفُهُ الْخَشَبِيُّ بَدَأَ يَشْتَعِلُ مِنْ طَرَفِهِ الْبَعِيدِ. “فَارِسُ!” صَاحَ، مُقْتَحِمًا الْبَابَ الْمَفْتُوحَ جُزْئِيًّا.
سَمِعَ سُعَالًا ضَعِيفًا، فَتَلَمَّسَ طَرِيقَهُ بَيْنَ الرُّفُوفِ الْمُتَسَاقِطَةِ، فَوَجَدَ فَارِسَ مُلْقًى قُرْبَ الزَّاوِيَةِ، فَاقِدًا جُزْئِيًّا لِلْوَعْيِ، يَدَاهُ تُحِيطَانِ بِصُنْدُوقٍ مَعْدِنِيٍّ صَغِيرٍ يُمْسِكُهُ بِقُوَّةٍ حَتَّى فِي شِبْهِ غَيْبُوبَتِهِ.
٥
“فَارِسُ! يَجِبُ أَنْ نَخْرُجَ الْآنَ!” فَتَحَ فَارِسٌ عَيْنَيْهِ بِصُعُوبَةٍ. “الْوَثَائِقُ… وَثَائِقُ أَبِي… رِسَالَةٌ أَخِيرَةٌ تَرَكَهَا الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ، لَمْ أُخْبِرْكَ بِهَا مِنْ قَبْلُ…” “سَنَتَحَدَّثُ عَنْ ذَلِكَ لَاحِقًا، الْآنَ يَجِبُ أَنْ نَخْرُجَ!” سَاعَدَهُ عَدْنَانُ عَلَى النُّهُوضِ، حَامِلًا الصُّنْدُوقَ بِيَدِهِ الْأُخْرَى، بَيْنَمَا بَدَأَ السَّقْفُ يَئِنُّ فَوْقَهُمَا. اندَفَعَا نَحْوَ الْبَابِ، وَوَصَلَا أَخِيرًا إِلَى الزُّقَاقِ الْخَارِجِيِّ.
٦
بِالْكَادِ ابْتَعَدَا عِشْرِينَ مِتْرًا حِينَ سَمِعَا صَوْتَ انْهِيَارٍ مُدَوٍّ خَلْفَهُمَا؛ جُزْءٌ مِنَ السَّقْفِ ينهار بِالْكَامِلِ. أَسْرَعَ رِجَالُ الْإِطْفَاءِ نَحْوَهُمَا، مُتَفَاجِئِينَ بِخُرُوجِهِمَا مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمَا، وَنَقَلُوهُمَا نَحْوَ سَيَّارَةِ إِسْعَافٍ. اندَفَعَتْ لِينَا نَحْوَهُمَا، دُمُوعُهَا تَنْهَمِرُ، وَاحْتَضَنَتْ عَدْنَانَ بِقُوَّةٍ. “كُنْتَ شِبْهَ فَاقِدٍ لِلْوَعْيِ، مَا الذِي كُنْتَ تُفَكِّرُ بِهِ؟!”
٧
“لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أَتْرُكَهُ هُنَاكَ، لِينَا.” أَجَابَ عَدْنَانُ، صَوْتُهُ أَجَشُّ مِنَ الدُّخَانِ. جَلَسَ فَارِسٌ عَلَى حَافَّةِ سَيَّارَةِ الْإِسْعَافِ، يَتَنَفَّسُ عَبْرَ قِنَاعِ الْأُكْسِجِينِ، ثُمَّ مَدَّ الصُّنْدُوقَ نَحْوَ عَدْنَانَ. “خُذْهُ، سَيِّدَ عَدْنَانَ. أَبِي احْتَفَظَ بِهَذَا مُنْفَصِلًا عَنِ الصُّنْدُوقِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ الْحَاجَّ تَوْفِيقَ أَوْصَاهُ أَنَّ هَذَا، كَمَا قَالَ، ‘آخِرُ كَلِمَةِ صِدْقٍ سَأَقُولُهَا لِعَدْنَانَ، وَلَنْ تَكُونَ هُنَاكَ كَلِمَةٌ بَعْدَهَا.'”
٨
فَتَحَهُ عَدْنَانُ بِأَصَابِعَ مُرْتَجِفَةٍ، فَوَجَدَ ظَرْفًا وَاحِدًا، مَخْتُومًا بِشَمْعٍ أَحْمَرَ لَمْ يُكْسَرْ، بِخَطِّ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْمُرْتَجِفِ. كُتِبَ عَلَى الظَّرْفِ: “لِعَدْنَانَ، وَلِعَدْنَانَ وَحْدَهُ، حِينَ يَكُونُ قَدْ فَهِمَ أَخِيرًا كُلَّ شَيْءٍ آخَرَ، وَحِينَ يَكُونُ مُسْتَعِدًّا لِآخِرِ حَقِيقَةٍ تَبَقَّتْ.”
٩
جَلَسَتْ فِرَقُ الْإِطْفَاءِ عَلَى النِّيرَانِ لِسَاعَةٍ إِضَافِيَّةٍ حَتَّى سَيْطَرَتْ عَلَيْهَا، مَعَ أَضْرَارٍ جَسِيمَةٍ لَحِقَتْ بِمَحَلِّ فَارِسٍ، وَأَضْرَارٍ جُزْئِيَّةٍ بِمَحَلِّ حَسَنٍ. جَلَسَ عَدْنَانُ عَلَى حَافَّةِ الرَّصِيفِ، الظَّرْفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، يُفَكِّرُ فِي كُلِّ مَا قَطَعَهُ مِنْ طَرِيقٍ لِيَصِلَ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ: رِسَالَةٌ غَامِضَةٌ فِي فَرَانْكْفُورْتَ، رِحْلَةٌ عَبْرَ بَيْرُوتَ وَدِمَشْقَ، اعْتِرَافُ أُمِّهِ، مُحَاكَمَةٌ كَشَفَتْ خُيُوطًا ظَنَّهَا مَطْمُورَةً، وَأَخِيرًا هَذَا الْحَرِيقُ الَّذِي كَادَ يَبْتَلِعُ آخِرَ ذِكْرَى مَادِّيَّةٍ لِمُعَلِّمِهِ. لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الْمَحْبُوسَةَ خَلْفَ ذَلِكَ الشَّمْعِ الْأَحْمَرِ سَتَمْنَحُهُ إِجَابَةً بَحَثَ عَنْهَا أَرْبَعِينَ عَامًا، إِجَابَةً أَثْقَلَ وَأَعْمَقَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَوَقَّعَهُ.
