وَصِيَّةُ الْحَرِيقَةِ
الْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ
١
جَلَسَ عَدْنَانُ عَلَى حَافَّةِ الرَّصِيفِ الْقَرِيبِ مِنْ سُوقِ الْحَرِيقَةِ الْمُحْتَرِقِ جُزْئِيًّا، مُحَاطًا بِأَصْدِقَائِهِ: لِينَا، وَزِيَادُ، وَحَسَنُ، وَفَارِسُ الَّذِي كَانَ لَا يَزَالُ يَتَنَفَّسُ عَبْرَ قِنَاعِ الْأُكْسِجِينِ، وَكَمَالٌ وَرِيمُ اللَّذَانِ وَصَلَا لِلتَّوِّ. كَانَتْ أَضْوَاءُ سَيَّارَاتِ الْإِطْفَاءِ لَا تَزَالُ تَوْمِضُ حَمْرَاءَ حَوْلَهُمْ، لَكِنَّ الْخَطَرَ الْمُبَاشِرَ قَدْ زَالَ. نَظَرَ عَدْنَانُ إِلَى الظَّرْفِ الْمَخْتُومِ بِالشَّمْعِ الْأَحْمَرِ، مُتَرَدِّدًا لَحْظَةً طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ يَكْسِرَ الْخَتْمَ، بِحَذَرٍ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يَكْسِرَ شَيْئًا أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ شَمْعٍ قَدِيمٍ.
“أَتُرِيدُنَا أَنْ نَمْنَحَكَ بَعْضَ الْخُصُوصِيَّةِ؟” سَأَلَتْ لِينَا. هَزَّ عَدْنَانُ رَأْسَهُ: “لَا، لِينَا. أُرِيدُكُمْ جَمِيعًا هُنَا. لَوْلَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ، مَا كُنْتُ لِأَصِلَ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ.” فَتَحَ الظَّرْفَ، وَأَخْرَجَ وَرَقَتَيْنِ مَطْوِيَّتَيْنِ، بِخَطِّ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ الْمُرْتَجِفِ، وَبَدَأَ الْقِرَاءَةَ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ لَكِنَّهُ وَاضِحٌ.
٢
“عَدْنَانُ،
إِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الرِّسَالَةَ، فَهَذَا يَعْنِي أَنِّي رَحَلْتُ أَخِيرًا، وَأَنَّ كَمَالًا قَدْ أَوْصَلَ إِلَيْكَ مَا وَعَدْتُهُ. أَعْرِفُ أَنَّكَ تَحْمِلُ، مُنْذُ اعْتِرَافِ أُمِّكَ الشُّجَاعِ، سُؤَالًا ثَقِيلًا: هَلْ أَنَا وَالِدُكَ الْحَقِيقِيُّ؟ سَأَكُونُ صَادِقًا مَعَكَ: لَا أَعْرِفُ الْيَقِينَ الْكَامِلَ، يَا عَدْنَانُ، وَلَنْ أَعْرِفَهُ أَبَدًا. لَكِنَّنِي سَأُخْبِرُكَ بِمَا أَعْرِفُهُ بِيَقِينٍ تَامٍّ، أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ فَحْصِ دَمٍ: مِنَ اللَّحْظَةِ الْأُولَى الَّتِي وَقَفْتَ فِيهَا أَمَامَ بَابِ مَتْجَرِي، خَائِفًا، فَقِيرًا، لَكِنَّ عَيْنَيْكَ تَحْمِلَانِ أَمَانَةً نَادِرَةً، عَرَفْتُ، بِيَقِينِ الْقَلْبِ لَا يَقِينِ الْعَقْلِ، أَنَّكَ ابْنِي، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّا يَقُولُهُ الدَّمُ أَوْ لَا يَقُولُهُ.”
٣
تَوَقَّفَ عَدْنَانُ عَنِ الْقِرَاءَةِ لَحْظَةً، دُمُوعُهُ تَنْهَمِرُ بِحُرِّيَّةٍ لَمْ يَسْمَحْ لِنَفْسِهِ بِهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، بَيْنَمَا وَضَعَتْ لِينَا يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ بِلُطْفٍ صَامِتٍ. أَكْمَلَ الْقِرَاءَةَ: “لَمْ أَتَوَاصَلْ مَعَكَ طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ لِأَنَّنِي نَسِيتُكَ، بَلْ لِأَنَّنِي كُنْتُ أَحْمِيكَ بِالطَّرِيقَةِ الْوَحِيدَةِ الَّتِي عَرَفْتُهَا: بِالْمَسَافَةِ وَالصَّمْتِ. سَمِيرٌ، وَبَعْدَهُ أَبْنَاؤُهُ وَأَحْفَادُهُ، لَمْ يَكُفُّوا يَوْمًا عَنِ الْبَحْثِ عَنْ أَيِّ خَيْطٍ يَقُودُهُمْ إِلَى الْأَمَانَاتِ الَّتِي أَحْرُسُهَا. رَاقَبْتُكَ مِنْ بَعِيدٍ، يَا عَدْنَانُ، بِقَدْرِ مَا اسْتَطَعْتُ. عَلِمْتُ بِزَوَاجِكَ، وَبِمَوْلِدِ ابْنِكَ كَرِيمٍ، وَبِنَجَاحِكَ التِّجَارِيِّ، وَكُنْتُ أَفْخَرُ بِكَ فِي صَمْتٍ.”
٤
قَرَأَ عَدْنَانُ الْفَقَرَةَ التَّالِيَةَ بِصَوْتٍ يَكَادُ يَخْتَنِقُ: “لَمْ أَخْتَرْكَ لِأَنَّنِي ظَنَنْتُ أَنَّكَ ابْنِي بِالدَّمِ. اخْتَرْتُكَ فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي أَعَدْتَ فِيهَا لِي ذَلِكَ الْمَالَ الزَّائِدَ عَنْ طِيبِ خَاطِرٍ، وَحِينَ رَفَضْتَ رَشْوَةَ أَبِي عِصَامٍ السَّخِيَّةَ، مُفَضِّلًا أَمَانَتَكَ عَلَى رَاحَتِكَ الْمَادِّيَّةِ. اخْتَرْتُكَ لِأَنَّكَ أَثْبَتَّ لِي أَنَّكَ تَحْمِلُ الصِّفَةَ الَّتِي عَلَّمَنِي إِبْرَاهِيمُ أَفَنْدِي أَنْ أَبْحَثَ عَنْهَا فِي أَيِّ إِنْسَانٍ: الْأَمَانَةَ الَّتِي لَا تَحْتَاجُ إِلَى مُرَاقِبٍ لِتَكُونَ حَقِيقِيَّةً. الدَّمُ، يَا بُنَيَّ، صُدْفَةٌ نُولَدُ بِهَا. لَكِنَّ الْأَمَانَةَ اخْتِيَارٌ يَتَجَدَّدُ كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنْتَ اخْتَرْتَهُ مِرَارًا، حَتَّى حِينَ كَانَ الثَّمَنُ بَاهِظًا. هَذَا، لَا الدَّمُ، هُوَ مَا يَجْعَلُنِي أَفْخَرُ بِأَنْ أَدْعُوَكَ ابْنِي.”
٥
نَظَرَ عَدْنَانُ حَوْلَهُ، إِلَى الْوُجُوهِ الْمُحِيطَةِ بِهِ، كَمَالٌ الَّذِي كَانَ يَسْتَمِعُ بِعَيْنَيْنِ دَامِعَتَيْنِ هُوَ الْآخَرُ، وَرِيمُ الَّتِي أَمْسَكَتْ بِيَدِ وَالِدِهَا. أَكْمَلَ الْقِرَاءَةَ: “أَطْلُبُ مِنْكَ أَمْرًا أَخِيرًا، يَا عَدْنَانُ، كَرَجَاءٍ لَا كَوَصِيَّةٍ مُلْزِمَةٍ: وَاصِلْ مَا بَدَأَهُ إِبْرَاهِيمُ أَفَنْدِي، وَوَاصَلْتُهُ أَنَا بَعْدَهُ. ابْحَثْ، كُلَّ جِيلٍ، عَنْ شَابٍّ أَوْ فَتَاةٍ يَحْمِلَانِ الْأَمَانَةَ نَفْسَهَا، وَامْنَحْهُمَا الْفُرْصَةَ نَفْسَهَا الَّتِي مُنِحْتَهَا. لَا تَجْعَلْ هَذَا التَّقْلِيدَ يَمُوتُ، بَلِ اجْعَلْهُ يَمْتَدُّ، جِيلًا بَعْدَ جِيلٍ، شُعْلَةً صَغِيرَةً مِنَ الثِّقَةِ تَنْتَقِلُ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ عَبْرَ الزَّمَنِ.
أُحِبُّكَ، يَا عَدْنَانُ، وَأُوَدِّعُكَ الْآنَ بِقَلْبٍ مُطْمَئِنٍّ، عَارِفًا أَنِّي تَرَكْتُ الْأَمَانَةَ فِي الْيَدِ الصَّحِيحَةِ.
وَالِدُكَ، بِالِاخْتِيَارِ إِنْ لَمْ يَكُنْ بِالْيَقِينِ، تَوْفِيقُ.”
٦
سَادَ صَمْتٌ طَوِيلٌ بَعْدَ أَنِ انْتَهَى عَدْنَانُ مِنَ الْقِرَاءَةِ. مَسَحَ دُمُوعَهُ، وَطَوَى الرِّسَالَةَ بِعِنَايَةٍ، وَاضِعًا إِيَّاهَا فِي جَيْبِهِ الدَّاخِلِيِّ. قَالَ: “لَنْ أَعْرِفَ أَبَدًا، بِيَقِينٍ كَامِلٍ، مَنْ وَالِدِي الْبِيُولُوجِيُّ. وَأُدْرِكُ الْآنَ أَنَّ هَذَا لَمْ يَعُدْ يُهِمُّ بِالْقَدْرِ الَّذِي ظَنَنْتُهُ يَوْمًا.” نَظَرَتْ إِلَيْهِ رِيمُ بِابْتِسَامَةٍ حَزِينَةٍ دَافِئَةٍ: “رُبَّمَا، عَدْنَانُ، نَحْنُ إِخْوَةٌ بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى. الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَلَّمَنَا جَمِيعًا أَنَّ الْعَائِلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تُبْنَى بِالِاخْتِيَارِ وَالْأَمَانَةِ، لَا بِالصُّدْفَةِ الْبِيُولُوجِيَّةِ.”
٧
مَرَّتِ الْأَسَابِيعُ التَّالِيَةُ بِسُرْعَةٍ نِسْبِيَّةٍ. أُعِيدَ بِنَاءُ جُزْءٍ مِنَ السُّوقِ الْمُتَضَرِّرِ بِمُسَاهَمَةٍ مِنْ صُنْدُوقِ التُّرَاثِ، وَمُسَاهَمَةٍ إِضَافِيَّةٍ أَصَرَّ عَدْنَانُ عَلَى تَقْدِيمِهَا شَخْصِيًّا. تَأَسَّسَتْ “مُؤَسَّسَةُ الْأَمَانَةِ” رَسْمِيًّا بَعْدَ شَهْرَيْنِ، بِإِدَارَةِ عَدْنَانَ، فِي مَبْنًى صَغِيرٍ قُرْبَ مَوْقِعِ مَتْجَرِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ. عَمِلَ زِيَادُ سَلُّومُ مُسْتَشَارًا قَانُونِيًّا لِلْمُؤَسَّسَةِ، وَوَافَقَتْ لِينَا أَنْ تُصْبِحَ مُدِيرَةَ التَّوْثِيقِ فِيهَا، كَاتِبَةً كِتَابًا عَنْ إِرْثِ الْحَاجِّ تَوْفِيقٍ بِعُنْوَانِ “حَارِسُ الْأَمَانَاتِ”.
تَبَرَّعَ كَمَالٌ وَرِيمُ بِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ أَرْضِ الْغُوطَةِ الْمُسْتَعَادَةِ لِصَالِحِ الْمُؤَسَّسَةِ، “تَكْرِيمًا لِصَدَاقَةٍ اسْتَمَرَّتْ أَكْثَرَ مِنْ نِصْفِ قَرْنٍ.” أَمَّا إِلْيَاسُ النَّابُلُسِيُّ، فَقَدْ حُكِمَ عَلَيْهِ بِعُقُوبَةٍ مُخَفَّفَةٍ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ الْكَامِلِ، وَاخْتَارَ عَدْنَانُ أَلَّا يُطَالِبَ بِتَعْوِيضَاتٍ إِضَافِيَّةٍ، مُرْسِلًا إِلَيْهِ رِسَالَةً: “الْحَاجُّ تَوْفِيقٌ عَلَّمَنِي أَنَّ الْأَمَانَةَ تُبْنَى بِالِاخْتِيَارِ لَا بِالْإِرْثِ. إِنْ أَرَدْتَ يَوْمًا، حِينَ تَخْرُجُ، أَنْ تَعْمَلَ لِصَالِحِ مُؤَسَّسَةٍ تَحْمِلُ اسْمَ الرَّجُلِ الَّذِي أَسَاءَتْ عَائِلَتُكَ فَهْمَهُ طَوِيلًا، فَالْبَابُ سَيَبْقَى مَفْتُوحًا.”
٨
عَادَ عَدْنَانُ إِلَى فَرَانْكْفُورْتَ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَسَابِيعَ، رَجُلًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا. جَلَسَ مَعَ كَرِيمٍ، وَرَوَى لَهُ الْقِصَّةَ كَامِلَةً. سَأَلَهُ كَرِيمٌ: “لِمَاذَا لَمْ تُخْبِرْنِي بِأَيِّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا مِنْ قَبْلُ، أَبِي؟” ابْتَسَمَ عَدْنَانُ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً دَافِئَةً: “لِأَنَّنِي نَفْسِي لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ مُعْظَمَهُ، يَا بُنَيَّ. لَكِنِّي أَعِدُكَ، مِنَ الْآنَ فَصَاعِدًا، لَنْ يَكُونَ هُنَاكَ سِرٌّ آخَرُ بَيْنَنَا.” مَدَّ كَرِيمٌ يَدَهُ، وَأَمْسَكَ بِيَدِ وَالِدِهِ بِقُوَّةٍ.
٩
بَعْدَ عَامٍ كَامِلٍ، وَقَفَ عَدْنَانُ مَرَّةً أُخْرَى فِي سُوقِ الْحَرِيقَةِ، أَمَامَ الْمَبْنَى الصَّغِيرِ الْمُرَمَّمِ، تَحْتَ لَافِتَةٍ نُحَاسِيَّةٍ تَحْمِلُ اسْمَيْنِ: “مُؤَسَّسَةُ الْأَمَانَةِ – تَكْرِيمًا لِإِبْرَاهِيمَ أَفَنْدِي وَتَوْفِيقٍ النَّابُلُسِيِّ”. رَاقَبَ فَتًى نَحِيلًا فِي الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، قَادِمًا مِنْ رِيفِ حَلَبَ، يَقِفُ مُتَرَدِّدًا أَمَامَ الْبَابِ، يَمْسَحُ كَفَّيْهِ الْمُتَعَرِّقَتَيْنِ، بِالضَّبْطِ كَمَا فَعَلَ هُوَ نَفْسُهُ قَبْلَ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ عَامًا.
اقْتَرَبَ مِنْهُ عَدْنَانُ بِابْتِسَامَةٍ دَافِئَةٍ، وَمَدَّ يَدَهُ: “أَهْلًا بِكَ. أَنَا عَدْنَانُ الرَّافِعِيُّ. سَمِعْتُ أَنَّكَ تَبْحَثُ عَنْ فُرْصَةٍ.” أَجَابَ الْفَتَى: “نَعَمْ، سَيِّدِي. اسْمِي مَحْمُودٌ. مَحْمُودُ الْأَحْمَدُ.” ابْتَسَمَ عَدْنَانُ ابْتِسَامَةً أَعْمَقَ، مُتَأَثِّرًا بِصُدْفَةِ الِاسْمِ، وَقَالَ: “تَعَالَ، إِذَنْ، يَا مَحْمُودُ. لَدَيَّ الْكَثِيرُ لِأُعَلِّمَكَ إِيَّاهُ، وَلَدَيْكَ الْكَثِيرُ لِتُثْبِتَهُ، لَيْسَ لِي، بَلْ لِنَفْسِكَ. لَكِنْ أَوَّلًا، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكَ بِقِصَّةِ رَجُلٍ عَظِيمٍ اسْمُهُ إِبْرَاهِيمُ أَفَنْدِي، وَرَجُلٍ آخَرَ أَحَبَّهُ اسْمُهُ تَوْفِيقُ، وَشَابٍّ فَقِيرٍ كَانَ يَوْمًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا سِوَى أَمَانَةِ قَلْبِهِ…”
أَغْلَقَ الْبَابَ خَلْفَهُمَا بِهُدُوءٍ، تَارِكًا سُوقَ الْحَرِيقَةِ يُوَاصِلُ ضَجِيجَهُ الْمُعْتَادَ فِي الْخَارِجِ، بَيْنَمَا بَدَأَتْ، فِي الدَّاخِلِ، حَلْقَةٌ جَدِيدَةٌ مِنْ سِلْسِلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الثِّقَةِ، تَمْتَدُّ عَبْرَ الْأَجْيَالِ، لَا تَنْكَسِرُ وَلَا تَنْتَهِي، مَهْمَا حَاوَلَتِ النِّيرَانُ أَوِ الْخِيَانَاتُ أَوْ عُقُودُ الصَّمْتِ أَنْ تُطْفِئَهَا.
وَهٰكَذا تَنْطَفِئُ آخِرُ جَذْوَةٍ مِنْ نارِ سُوقِ الحَرِيقَةِ، لا لِتَخْمُدَ، بَلْ لِتَنْتَقِلَ، كَما تَنْتَقِلُ الأَمانَةُ نَفْسُها، إِلَى قِنْدِيلٍ جَدِيدٍ يَنْتَظِرُ مَنْ يُوقِظُهُ.
لَمْ تَكُنْ هٰذِهِ حِكايَةً عَنْ مِيراثِ مالٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ ذَهَبٍ، بَلْ عَنْ مِيراثٍ أَعْمَقَ: قُدْرَةِ الإِنْسانِ عَلَى أَنْ يَثِقَ بِإِنْسانٍ آخَرَ، رَغْمَ كُلِّ ما عَلَّمَتْنا إِيّاهُ الحُرُوبُ وَالخِياناتُ مِنْ حَذَرٍ لا يَنْتَهِي.
عَدْنانُ الَّذِي دَخَلَ الرِّوايَةَ فَتىً خائِفاً يَقِفُ أَمامَ بابٍ مَجْهُولٍ، خَرَجَ مِنْها رَجُلاً يَفْتَحُ هُوَ نَفْسُهُ باباً لِفَتىً آخَرَ، خائِفٍ كَما كانَ هُوَ يَوْماً. وَفِي هٰذا التَّكْرارِ، لا رَتابَةَ، بَلِ اسْتِمْرارِيَّةٌ: كُلُّ جِيلٍ يَسْتَلِمُ الشُّعْلَةَ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ، وَيُقَرِّرُ، بِحُرِّيَّتِهِ الكامِلَةِ، هَلْ يُطْفِئُها أَمْ يَحْمِلُها خُطْوَةً أُخْرَى إِلَى الأَمامِ.
وَما كانَ سُؤالُ الدَّمِ، الَّذِي طارَدَ عَدْنانَ طَوالَ حَياتِهِ، إِلَّا سُؤالاً صَغِيراً أَمامَ سُؤالٍ أَكْبَرَ مِنْهُ بِكَثِيرٍ: مَنِ الَّذِي وَقَفَ إِلَى جانِبِكَ حِينَ لَمْ يَكُنْ مُضْطَرّاً؟ وَمَنِ الَّذِي مَنَحَكَ ثِقَتَهُ حِينَ لَمْ تَكُنْ قَدْ أَثْبَتَّ بَعْدُ أَنَّكَ تَسْتَحِقُّها؟ فِي هٰذا السُّؤالِ وَحْدَهُ تَكْمُنُ كُلُّ عائِلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
فَإِنْ كُنْتَ، أَيُّها القارِئُ، تَحْمِلُ اليَوْمَ أَمانَةً صَغِيرَةً، مَهْما بَدَتْ هَيِّنَةً، فَاعْلَمْ أَنَّها لَيْسَتْ مِلْكَكَ وَحْدَكَ لِتَفْعَلَ بِها ما تَشاءُ، بَلْ وَدِيعَةٌ تَنْتَظِرُ مِنْكَ أَنْ تَكُونَ جَدِيراً بِها، كَما كانَ عَدْنانُ، وَكَما كانَ تَوْفِيقُ مِنْ قَبْلِهِ، وَكَما كانَ إِبْراهِيمُ أَفَنْدِي مِنْ قَبْلِهِما جَمِيعاً.
هُنا تَنْتَهِي الحِكايَةُ المَكْتُوبَةُ، وَتَبْدَأُ حِكايَتُكَ أَنْتَ.
– تَمَّتِ بعون الله وفضله-
فايسخ إم تال – بادن فورتمبيرغ – ألمانيا
نهاية عام 2019 مـ
وانتهيت من إعادة كتابتها من جديد في باكنانغ
اليوم الخميس
23 صفر 1448 هـ
2026/08/06 مـ
