02 مجلس الغائبين

الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ»
الْمُلْحَقُ الْحَادِي عَشَرَ — مَجْلِسُ الْغَائِبِينَ — الْقِسْمُ الثَّانِي
الْفَصْلُ السَّادِسُ: ابْنُ رُشْدٍ وَالْكُتُبُ الْمُحْتَرِقَةُ
مَرَّاكُشُ، سَنَةَ ١١٩٥م
لَمْ يَكُنِ الْبَرْدُ شَدِيدًا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، لَكِنَّ ابْنَ رُشْدٍ كَانَ يَرْتَجِفُ.
لَيْسَ مِنَ الْبَرْدِ.
كَانَ الرَّجُلُ فِي الْحَادِيَةِ وَالسَّبْعِينَ مِنْ عُمْرِهِ، وَهُوَ عُمْرٌ يَكُونُ فِيهِ الْجَسَدُ قَدْ تَعَلَّمَ كَيْفَ يَحْتَمِلُ.
لَكِنَّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي تَعَلَّمَهُ الْجَسَدُ لَمْ يَكُنْ يَشْمَلُ هَذَا: أَنْ تَقِفَ وَتَنْظُرَ إِلَى كُتُبِكَ تَحْتَرِقُ، وَأَنْتَ عَاجِزٌ حَتَّى عَنِ الصُّرَاخِ.
لِأَنَّ الصُّرَاخَ كَانَ سَيُؤْذِيهِ.
وَكَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ.
فَبَقِيَ وَاقِفًا يَرْتَجِفُ.
أَمَرَ الْخَلِيفَةُ الْمَنْصُورُ بِحَرْقِ بَعْضِ كُتُبِ الْفَلْسَفَةِ قَبْلَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
وَعَزَلَ ابْنَ رُشْدٍ مِنْ مَنْصِبِهِ، وَأَرْسَلَهُ إِلَى مَنْفًى دَاخِلِيٍّ فِي بَلْدَةِ أَلِيسَانَةَ قُرْبَ قُرْطُبَةَ.
وَالْغَرِيبُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ لَمْ يَتَفَاجَأْ تَمَامًا.
لَيْسَ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَوَقَّعُ هَذَا بِالضَّبْطِ.
بَلْ لِأَنَّهُ كَانَ يَرَى مُنْذُ سَنَوَاتٍ الْإِشَارَاتِ تَتَرَاكَمُ.
الْعُلَمَاءُ الَّذِينَ يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ فِي الْمَجَالِسِ.
وَالطُّلَّابُ الَّذِينَ يَتَوَقَّفُونَ عَنِ الْحُضُورِ.
وَالْأَسْئِلَةُ الَّتِي تَصِيرُ أَقَلَّ جُرْأَةً.
وَالْهَوَاءُ نَفْسُهُ يَصِيرُ أَثْقَلَ.
حِينَ يَتَغَيَّرُ الْهَوَاءُ قَبْلَ أَنْ تَتَغَيَّرَ الْقَرَارَاتُ، تِلْكَ أَوَّلُ الْعَلَامَاتِ.
مَا أَوْجَعَهُ، الْوَجَعُ الْحَقِيقِيُّ تَحْتَ الرَّجْفَةِ، لَمْ يَكُنِ الْكُتُبَ.
فَالْكُتُبُ، بِمَعْنَى الْوَرَقِ وَالْحِبْرِ، يُمْكِنُ إِعَادَةُ كِتَابَتِهَا.
وَهُوَ يَحْفَظُ أَكْثَرَهَا.
وَقَدْ نُسِخَ بَعْضُهَا، وَسَيَصِلُ إِلَى أَيْدٍ أُخْرَى.
وَالْأَفْكَارُ لَا تَحْتَرِقُ بِسُهُولَةٍ.
مَا أَوْجَعَهُ كَانَ الْفِكْرَةَ التَّالِيَةَ:
إِنَّهُ أَمْضَى خَمْسِينَ سَنَةً يَعْمَلُ فِي ظِلِّ نِظَامٍ آمَنَ بِهِ.
نِظَامٍ يَقُولُ إِنَّ الْفِكْرَ وَالشَّرِيعَةَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَايَشَا.
بَلْ إِنَّ الْفَلْسَفَةَ تُقَوِّي الْإِيمَانَ وَلَا تُضْعِفُهُ.
ثُمَّ جَاءَ يَوْمٌ أَثْبَتَ لَهُ فِيهِ النِّظَامُ نَفْسُهُ أَنَّ هَذَا لَمْ يَكُنْ صَحِيحًا.
أَوْ رُبَّمَا كَانَ صَحِيحًا، ثُمَّ تَغَيَّرَ الْأَمْرُ.
وَهَذَا أَسْوَأُ.
فِي صَبَاحِ الْيَوْمِ التَّالِي، أُعِيدَ ابْنُ رُشْدٍ إِلَى مَرَّاكُشَ لِسَبَبٍ لَا يَعْرِفُهُ.
رُبَّمَا نَدِمَ الْخَلِيفَةُ.
وَرُبَّمَا احْتَاجَ إِلَيْهِ.
وَرُبَّمَا أَرَادَ أَنْ يُظْهِرَ رَحْمَتَهُ أَمَامَ الْعُلَمَاءِ.
فِي الْمَجْلِسِ، وَبِحُضُورِ الْخَلِيفَةِ وَكِبَارِ الْفُقَهَاءِ، قَالَ لَهُ الْمَنْصُورُ:
— سَمِعْنَا مَا يُقَالُ فِي كُتُبِكَ عَنِ الْعَقْلِ وَالْإِيمَانِ، وَقَدْ رَأَيْنَا أَنَّ بَعْضَهَا يَتَعَارَضُ مَعَ الْحَقِّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ، وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ سَتُحْفَظُ وَتُرْوَى:
— سَيِّدِي، الْحَقُّ لَا يَتَعَارَضُ مَعَ الْحَقِّ.
وَإِذَا بَدَا الْإِشْكَالُ، فَالْإِشْكَالُ فِي الْفَهْمِ، لَا فِي الْحَقِيقَةِ.
تَوَقَّفَ.
ثُمَّ أَضَافَ، وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ يُخَاطِرُ:
— وَأَتَمَنَّى أَنْ أَعْرِفَ تَحْدِيدًا أَيَّ مَوْضِعٍ فِي كُتُبِي بَدَا خَطَأً؛ لِأُصَحِّحَهُ إِنْ كَانَ خَطَأً، أَوْ أَشْرَحَهُ إِنْ كَانَ لَبْسًا.
لَمْ يُجِبِ الْخَلِيفَةُ عَنْ ذَلِكَ.
بَلْ تَحَوَّلَ إِلَى مَوْضُوعٍ آخَرَ.
مَا لَمْ يَقُلْهُ ابْنُ رُشْدٍ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، قَالَهُ لِنَفْسِهِ فِي اللَّيْلَةِ التَّالِيَةِ، وَهُوَ يَكْتُبُ بِخَطٍّ صَغِيرٍ فِي دَفْتَرٍ يُخْفِيهِ:
«الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي الْأَخْطَاءِ الَّتِي ارْتَكَبْتُهَا.
الْمُشْكِلَةُ فِي أَنَّهُ لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ تَحْدِيدَ الْخَطَأِ.
لِأَنَّ الْخَطَأَ الْحَقِيقِيَّ لَمْ يَكُنْ فِي الْفِكْرَةِ.
كَانَ فِي الْجُرْأَةِ عَلَى التَّفْكِيرِ عَلَنًا فِي حَضْرَةِ سُلْطَةٍ لَا تُحَاسَبُ.»
«السُّلْطَةُ الَّتِي لَا تُحَاسَبُ لَا تَخْشَى الْأَفْكَارَ.
إِنَّهَا تَخْشَى الْأَسْئِلَةَ.
لِأَنَّ الْأَسْئِلَةَ تَعْنِي أَنَّ هُنَاكَ مَنْ يَرَى احْتِمَالَاتٍ أُخْرَى.»
«وَأَنَا طَوَالَ حَيَاتِي كُنْتُ أَبْحَثُ عَنِ الِاحْتِمَالَاتِ الْأُخْرَى.
وَتِلْكَ هِيَ جَرِيمَتِي الْوَحِيدَةُ.»
أُعِيدَ ابْنُ رُشْدٍ إِلَى قُرْطُبَةَ بَعْدَ فَتْرَةٍ.
ثُمَّ تُوُفِّيَ سَنَةَ ١١٩٨م.
وَقَدْ رُفِعَ عَنْهُ النَّفْيُ قُبَيْلَ وَفَاتِهِ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ.
وَكُتُبُهُ الَّتِي أُحْرِقَ بَعْضُهَا انْتَقَلَتْ نُسَخٌ مِنْهَا إِلَى أُورُوبَّا.
وَفِي أُورُوبَّا أَصْبَحَ «الشَّارِحَ»، الرَّجُلَ الَّذِي فَتَحَ لَهُمْ بَابَ أَرِسْطُو.
وَبَدَأَ حِوَارٌ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْعَقْلِ اسْتَمَرَّ قُرُونًا.
حِوَارٌ كَانَتِ الْحَضَارَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ قَادِرَةً عَلَيْهِ، ثُمَّ ضَاقَتْ بِبَعْضِ مَسَاحَاتِهِ فِي مَرَاحِلَ مِنْ تَارِيخِهَا.
وَالسُّؤَالُ الَّذِي بَقِيَ مُعَلَّقًا فِي الْهَوَاءِ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حِينَ تَحَوَّلَ الْخَلِيفَةُ إِلَى مَوْضُوعٍ آخَرَ، لَمْ يُجَبْ عَنْهُ قَطُّ.
________________________________________
الْفَصْلُ السَّابِعُ: يَاسْمِينُ وَالْمِرْآةُ الْمُزْدَوِجَةُ
لَنْدَنُ، فِبْرَايِرُ ٢٠١٩م
كَانَتِ الْمُحَاكَمَةُ بَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ.
فِي مَكْتَبِهَا طَاوِلَةٌ مُغَطَّاةٌ بِالْأَوْرَاقِ.
وَكُوبُ شَايٍ نِصْفُهُ بَارِدٌ.
وَنَافِذَةٌ تُطِلُّ عَلَى شَارِعٍ رَمَادِيٍّ تَمْشِي فِيهِ أُنَاسٌ لَا يَعْرِفُونَ اسْمَهَا.
قَرَأَتْ يَاسْمِينُ مَقْطَعَ ابْنِ رُشْدٍ مَرَّتَيْنِ.
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى مِلَفِّ عُمَرَ.
عُمَرُ، الَّذِي كَانَ اسْمُهُ فِي الصُّحُفِ «الْمُتَّهَمَ».
وَفِي مِلَفِّهَا لَمْ يَكُنْ سِوَى رَقْمٍ، وَمَعْلُومَاتِ مِيلَادٍ، وَسِجِلٍّ تَعْلِيمِيٍّ، وَصُورَةٍ الْتَقَطَتْهَا الشُّرْطَةُ، يَبْدُو فِيهَا خَائِفًا وَهُوَ يُحَاوِلُ أَلَّا يَبْدُو كَذَلِكَ.
الْتَقَتْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي مَرْكَزِ الِاحْتِجَازِ.
وَكَانَتْ تَتَوَقَّعُ ـ وَهُوَ مَا أَخْجَلَهَا لَاحِقًا ـ رَجُلًا مُخْتَلِفًا.
لَمْ تَعْرِفْ مَاذَا تَتَوَقَّعُ بِالضَّبْطِ.
لَكِنَّهَا لَمْ تَتَوَقَّعْ رَجُلًا يَسْأَلُهَا فِي أَوَّلِ خَمْسِ دَقَائِقَ:
— هَلْ تَعْرِفُ أُمِّي أَنَّنِي هُنَا؟
الْأَدِلَّةُ ضَعِيفَةٌ.
هَذَا مَا يَقُولُهُ عَقْلُهَا الْقَانُونِيُّ بِوُضُوحٍ لَا يَحْتَمِلُ الْجَدَلَ.
مُحَادَثَةٌ فِي تَطْبِيقٍ مُشَفَّرٍ مَعَ شَخْصٍ اسْتُخْدِمَ اسْمُهُ فِي خُطَّةٍ لَمْ تَتَجَاوَزْ مَرْحَلَةَ التَّخْطِيطِ.
وَحُضُورٌ فِي اجْتِمَاعٍ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ طَبِيعَتَهُ.
وَبَحْثٌ عَلَى الْإِنْتَرْنِتِ عَنْ مَوْضُوعَاتٍ يَبْحَثُ عَنْهَا كَثِيرُونَ.
الْأَدِلَّةُ ضَعِيفَةٌ.
لَكِنَّ الِادِّعَاءَ قَوِيٌّ.
وَقُوَّتُهُ تَنْبَعُ مِنَ الْجَوِّ الْعَامِّ، لَا مِنَ الْأَدِلَّةِ.
وَمُحَامِي الِادِّعَاءِ يَعْرِفُ كَيْفَ يَصْنَعُ ذَلِكَ الْجَوَّ.
مَا يُؤَرِّقُهَا لَيْسَ الشَّكَّ فِي بَرَاءَةِ عُمَرَ.
مَا يُؤَرِّقُهَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي يُلَاحِقُهَا مُنْذُ بَدَأَتْ تَعْمَلُ فِي هَذَا الْمَجَالِ:
حِينَ تُدَافِعِينَ عَنْ مُتَّهَمٍ مُسْلِمٍ أَمَامَ مَحْكَمَةٍ بَرِيطَانِيَّةٍ، هَلْ تُدَافِعِينَ عَنِ الشَّخْصِ؟
أَمْ عَنْ مَبْدَإِ الْمُحَاكَمَةِ الْعَادِلَةِ؟
أَمْ عَنْ صُورَةِ الْإِسْلَامِ فِي الْإِعْلَامِ؟
أَمْ عَنْ هُوِيَّةٍ لَا تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تَتَبَرَّئِي مِنْهَا حَتَّى حِينَ تُرِيدِينَ؟
وَهَلْ تَجْعَلُ هَذِهِ الْأَسْبَابُ الْمُتَشَابِكَةُ مِنْهَا مُحَامِيَةً أَفْضَلَ أَمْ أَسْوَأَ؟
قَرَأَتْ مَا كَتَبَهُ ابْنُ رُشْدٍ مَرَّةً ثَالِثَةً:
«السُّلْطَةُ الَّتِي لَا تُحَاسَبُ لَا تَخْشَى الْأَفْكَارَ.
إِنَّهَا تَخْشَى الْأَسْئِلَةَ.»
فَكَّرَتْ:
هَذَا يَنْطَبِقُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ نَوْعٍ مِنَ السُّلْطَةِ.
يَنْطَبِقُ عَلَى سُلْطَةِ الْخَلِيفَةِ فِي الْقَرْنِ الثَّانِي عَشَرَ.
وَيَنْطَبِقُ عَلَى سُلْطَةِ الْإِعْلَامِ الَّذِي يَبْنِي صُورَةً.
وَيَنْطَبِقُ عَلَى السُّلْطَةِ الصَّامِتَةِ الَّتِي تَسْكُنُ فِي رَأْسِ يَاسْمِينِ خَانَ نَفْسِهَا.
ذَلِكَ الصَّوْتُ الَّذِي يَقُولُ لَهَا:
إِنَّهَا إِذَا خَسِرَتِ الْقَضِيَّةَ، فَلَمْ تَكُنْ جَيِّدَةً بِمَا يَكْفِي.
وَإِذَا رَبِحَتْهَا، فَهِيَ «مُثِيرَةٌ لِلْجَدَلِ».
وَإِذَا تَكَلَّمَتْ عَنِ الْإِسْلَامِ، سُمِعَتْ كَمُدَافِعَةٍ عَنْهُ.
وَإِذَا لَمْ تَتَكَلَّمْ، رُئِيَتْ كَمُتَنَازِلَةٍ.
الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ الْمُحَامِيَةُ فِي لَنْدَنَ سَنَةَ ٢٠١٩م، أَمَامَ أَيِّ مِرْآةٍ تَقِفُ، تَجِدُ انْعِكَاسَيْنِ عَلَى الْأَقَلِّ.
فَتَحَتْ بَرِيدَهَا الْإِلِكْتُرُونِيَّ.
وَأَرْسَلَتْ رِسَالَةً إِلَى الْعُنْوَانِ الْمَجْهُولِ الَّذِي بَعَثَ لَهَا الْمَخْطُوطَةَ.
كَتَبَتْ:
«مَنْ أَنْتَ؟
وَلِمَاذَا أَرْسَلْتَ هَذَا إِلَيَّ تَحْدِيدًا؟»
ثُمَّ أَضَافَتْ ـ وَهِيَ لَا تَعْرِفُ لِمَاذَا أَضَافَتْ ـ:
«وَهَلْ كَانَ ابْنُ رُشْدٍ يَعْرِفُ، فِي لَحْظَةِ حَرْقِ الْكُتُبِ، أَنَّ أَفْكَارَهُ سَتَعِيشُ بَعْدَهُ؟
أَمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ، وَلَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يَحْتَمِلُ عَدَمَ الْمَعْرِفَةِ؟»
أَرْسَلَتِ الرِّسَالَةَ.
ثُمَّ فَتَحَتْ مِلَفَّ عُمَرَ.
وَبَدَأَتْ تَكْتُبُ مُرَافَعَتَهَا.
________________________________________
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: الشُّورَى وَالسَّيْفُ
الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ، سَنَةَ ١١هـ / ٦٣٢م
[تَأَمُّلٌ تَارِيخِيٌّ بِنَاءً عَلَى مَا وَثَّقَهُ الْمُؤَرِّخُونَ مِنْ رِوَايَاتِ مَا جَرَى فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَمَا تَلَاهَا، فِي الْمَصَادِرِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ.]
تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَنَةِ ١١هـ.
وَفِي السَّاعَاتِ الْأُولَى الَّتِي تَلَتِ الْوَفَاةَ، وَقَبْلَ أَنْ يُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ، وَبَيْنَمَا كَانَ الْحُزْنُ لَا يَكَادُ يُصَدَّقُ، كَانَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ فِي مَكَانٍ آخَرَ يَتَدَاوَلُونَ أَمْرَ الْقِيَادَةِ وَالْخِلَافَةِ.
فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، كَانَ الْأَنْصَارُ يَعْقِدُونَ مَجْلِسَهُمْ.
وَبَلَغَ الْخَبَرُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَأَسْرَعَا إِلَيْهِمْ.
لَمْ يَكُنِ الْمَجْلِسُ نِظَامًا مُؤَسَّسِيًّا بِالْمَعْنَى الْحَدِيثِ.
وَلَمْ يَكُنِ انْتِخَابًا بِمَعْنَاهُ الْمُعَاصِرِ.
وَلَمْ تَكُنْ هُنَاكَ قَوَاعِدُ مَكْتُوبَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا.
بَلْ كَانَ تَجَمُّعًا بَشَرِيًّا فِي لَحْظَةِ فَرَاغٍ هَائِلٍ.
اللَّحْظَةِ الَّتِي غَابَ فِيهَا الصَّوْتُ الَّذِي كَانَ يُوَجِّهُ الْجَمَاعَةَ، وَلَمْ يَتْرُكْ تَعْلِيمَاتٍ تَفْصِيلِيَّةً مُجْمَعًا عَلَيْهَا لِآلِيَّةِ الِاخْتِيَارِ بَعْدَهُ.
وَمَا جَرَى فِي السَّقِيفَةِ ـ كَمَا تَرْوِيهِ مَصَادِرُ التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ ـ لَمْ يَكُنْ مَشْهَدًا مِثَالِيًّا.
كَانَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ يَرَى أَحَقِّيَّةَ الْأَنْصَارِ.
وَكَانَ الْمُهَاجِرُونَ يَرَوْنَ أَحَقِّيَّتَهُمْ.
وَكَانَ عُمَرُ ـ بِحَسَبِ بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ـ شَدِيدًا فِي طَرِيقَةِ حَسْمِ الْأَمْرِ.
وَمَضَتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَقَالَ عُمَرُ لَاحِقًا، فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ:
«إِنَّهَا كَانَتْ فَلْتَةً، وَقَى اللَّهُ شَرَّهَا.»
وَ«فَلْتَةٌ» كَلِمَةٌ قَالَهَا عُمَرُ.
وَهِيَ مِنَ الْعِبَارَاتِ الَّتِي كَثُرَ تَأْوِيلُهَا وَتَفْسِيرُهَا بَيْنَ الْمُؤَرِّخِينَ وَالْفُقَهَاءِ.
هَذِهِ اللَّحْظَةُ تَحْمِلُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً.
تَحْمِلُ الْحَاجَةَ الْبَشَرِيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ إِلَى نِظَامٍ؛ لِأَنَّ الْفَرَاغَ يَمْلَؤُهُ الْأَقْوَى قَبْلَ الْأَحَقِّ أَحْيَانًا.
وَتَحْمِلُ غِيَابَ نَصٍّ قُرْآنِيٍّ مُفَصَّلٍ فِي آلِيَّةِ اخْتِيَارِ الْخَلِيفَةِ.
وَتَحْمِلُ الِاجْتِهَادَ الْبَشَرِيَّ الْأَوَّلَ فِي بِنَاءِ نِظَامٍ سِيَاسِيٍّ جَدِيدٍ.
وَتَحْمِلُ أَيْضًا بُذُورَ الْخِلَافِ الَّذِي اسْتَمَرَّ فِي التَّارِيخِ الْإِسْلَامِيِّ.
وَمَسْأَلَةُ الْإِمَامَةِ، أَوِ الْخِلَافَةِ، وَمَنْ يَحْكُمُ وَكَيْفَ يُخْتَارُ، هِيَ مِنْ أَعْمَقِ الْمَسَائِلِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ.
وَكُلُّ مَنْ يَتَحَدَّثُ الْيَوْمَ عَنِ «الْحُكْمِ الْإِسْلَامِيِّ الصَّحِيحِ»، سَوَاءٌ أَكَانَ يَدْعُو إِلَى الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ أَمْ يَرْفُضُهَا، أَمْ كَانَ يُؤَيِّدُ الْخِلَافَةَ أَوِ الْجُمْهُورِيَّةَ، فَهُوَ يَتَحَدَّثُ فِي ظِلِّ ذَلِكَ السُّؤَالِ الْقَدِيمِ.
وَيَتَحَدَّثُ فِي ظِلِّ حَقِيقَةٍ تَارِيخِيَّةٍ مُهِمَّةٍ:
أَنَّ الْوَحْيَ لَمْ يَضَعْ تَفْصِيلًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ لِنِظَامِ الْحُكْمِ.
وَأَنَّ الْبَشَرَ، مُنْذُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ، اجْتَهَدُوا فِي التَّعَامُلِ مَعَ هَذَا السُّؤَالِ.
وَلَمْ يَكُنْ هَذَا خَطَأً بِالضَّرُورَةِ.
وَلَا نَقْصًا.
وَلَعَلَّ الْأَقْرَبَ إِلَى هَذَا التَّأَمُّلِ أَنَّهُ كَانَ ـ وَمَا زَالَ ـ اخْتِبَارًا.
لَيْسَ الِاخْتِبَارُ:
هَلْ تَعْرِفُ الْجَوَابَ الصَّحِيحَ؟
بَلِ الِاخْتِبَارُ:
هَلْ تَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ لِأَنْ تَقُولَ: «لَا أَعْرِفُ»؟
وَهَلْ تَسْتَطِيعُ بِنَاءَ نِظَامٍ يَتَّسِعُ لِهَذِهِ الِاحْتِمَالِيَّةِ ضِمْنَ تَصْمِيمِهِ؟
الْفَصْلُ التَّاسِعُ: يُونُسُ وَطُلَّابٌ لَا يَعْرِفُونَ مَا يَسْأَلُونَ
بِرْلِينُ، فِبْرَايِرُ ٢٠١٩م
كَانَتِ الْمُحَاضَرَةُ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ.
كَانَ يُونُسُ أُوزْتُورْك يُدَرِّسُ فِي مَعْهَدِ الدِّرَاسَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِـ«الْجَامِعَةِ الْحُرَّةِ فِي بِرْلِين».
وَكَانَ عُنْوَانُ الْمَادَّةِ: «تَارِيخُ الْفِكْرِ السِّيَاسِيِّ الْإِسْلَامِيِّ مِنَ الْخِلَافَةِ إِلَى الْحَدَاثَةِ».
أَمَّا الطُّلَّابُ، فَكَانُوا ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ شَخْصًا.
بَعْضُهُمْ مُسْلِمُونَ أَرَادُوا أَنْ يَفْهَمُوا هُوِيَّتَهُمْ.
وَبَعْضُهُمْ غَيْرُ مُسْلِمِينَ أَرَادُوا أَنْ يَفْهَمُوا جِيرَانَهُمْ.
وَبَعْضُهُمْ سِيَاسِيُّونَ مُسْتَقْبَلِيُّونَ يَأْخُذُونَ كُلَّ مُقَرَّرٍ يُفِيدُهُمْ فِي سِيَرِهِمُ الذَّاتِيَّةِ.
وَالْفَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ كَانَ يُونُسُ يَعْرِفُهُ مِنَ النَّظْرَةِ الْأُولَى.
فِي ذَلِكَ الثُّلَاثَاءِ، بَدَأَ الْمُحَاضَرَةَ كَعَادَتِهِ:
بِسُؤَالٍ لَا جَوَابَ نِهَائِيًّا لَهُ.
وَقَفَ أَمَامَهُمْ وَقَالَ:
— سَأَطْرَحُ سُؤَالًا.
لَا تُجِيبُوا بِسُرْعَةٍ.
فَكِّرُوا.
كَانَ يَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِهِمْ.
وَكَانَ الطُّلَّابُ الْمُسْلِمُونَ يَجْلِسُونَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ حِينَ يَسْمَعُونَ «سُؤَالًا عَنِ الْإِسْلَامِ».
فَبَعْضُهُمْ يَتَوَتَّرُ.
وَبَعْضُهُمْ يَسْتَرْخِي اسْتِرْخَاءَ الْوَاثِقِ.
أَمَّا بَقِيَّةُ الطُّلَّابِ فَكَانُوا يُمْسِكُونَ أَقْلَامَهُمْ مُسْتَعِدِّينَ.
ثُمَّ قَالَ:
— السُّؤَالُ هُوَ: هَلْ تُوجَدُ حُكُومَةٌ «إِسْلَامِيَّةٌ»؟
وَأَعْنِي بِـ«إِسْلَامِيَّةٍ» حُكُومَةً يُمْكِنُ أَنْ تَقُولَ بِيَقِينٍ إِنَّهَا تُطَبِّقُ الْإِسْلَامَ نَفْسَهُ، لَا رَأْيًا مِنَ الْآرَاءِ فِي فَهْمِ الْإِسْلَامِ.
إِنَّ الصَّمْتَ الْأَوَّلَ فِي الْمُحَاضَرَةِ، قَبْلَ الْكَلَامِ، يَقُولُ أَكْثَرَ مِمَّا يَقُولُهُ الْكَلَامُ.
ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَهَا فَرَحٌ، وَهِيَ طَالِبَةٌ مَغْرِبِيَّةٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا، مُحَجَّبَةٌ وَوَاثِقَةٌ مِنْ نَفْسِهَا بِطَرِيقَةٍ أَعْجَبَتْ يُونُسَ دَائِمًا.
فَقَالَتْ:
— فِي إِيرَانَ يَقُولُونَ إِنَّهُمْ طَبَّقُوا الْإِسْلَامَ.
فَقَالَ:
— وَهَلْ وَافَقَ جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ؟
قَالَتْ:
— لَا.
وَيَخْتَلِفُ الشِّيعَةُ وَالسُّنَّةُ فِي أُسُسِ نَظَرِيَّةِ الْوِلَايَةِ وَالْإِمَامَةِ.
فَقَالَ:
— إِذَنْ فَمَا تُطَبِّقُهُ إِيرَانُ هُوَ رَأْيٌ فِي الْإِسْلَامِ.
صَحِيحٌ؟
قَالَتْ:
— نَعَمْ.
لَكِنَّهُ رَأْيٌ مَبْنِيٌّ عَلَى نُصُوصٍ.
فَقَالَ:
— وَهَلْ هُنَاكَ رَأْيٌ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى نُصُوصٍ؟
تَوَقَّفَتْ.
ثُمَّ ابْتَسَمَتْ.
وَقَالَتْ:
— هَذَا سُؤَالٌ ذَكِيٌّ.
فَقَالَ يُونُسُ:
— لَا.
هَذَا هُوَ السُّؤَالُ.
بَعْدَ الْمُحَاضَرَةِ، جَلَسَ فِي مَكْتَبِهِ الصَّغِيرِ وَفَتَحَ الْمَخْطُوطَةَ.
وَقَرَأَ مَقْطَعَ اجْتِمَاعِ السَّقِيفَةِ.
وَمَا لَفَتَ انْتِبَاهَهُ لَمْ يَكُنِ التَّارِيخَ؛ فَهُوَ يَعْرِفُ التَّارِيخَ.
إِنَّمَا لَفَتَ انْتِبَاهَهُ الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ:
«الِاخْتِبَارُ: هَلْ تَمْلِكُ الشَّجَاعَةَ لِأَنْ تَقُولَ: “لَا أَعْرِفُ”، وَأَنْ تَبْنِيَ نِظَامًا يَحْمِلُ هَذِهِ الِاحْتِمَالِيَّةَ ضِمْنَ تَصْمِيمِهِ؟»
كَانَ يُونُسُ قَدْ غَادَرَ تُرْكِيَا سَنَةَ ٢٠١٧م.
لَمْ يَكُنْ مِنْ رِجَالِ الْمُعَارَضَةِ.
وَلَمْ يَكُنْ مُنْخَرِطًا فِي السِّيَاسَةِ.
بَلْ كَانَ أَكَادِيمِيًّا يُدَرِّسُ تَارِيخَ الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ فِي إِسْطَنْبُولَ.
لَكِنَّ بَعْضَ الْكُتُبِ الَّتِي كَانَ يُوصِي بِهَا طُلَّابَهُ أَصْبَحَتْ مُثِيرَةً لِلْمَشَاكِلِ.
وَبَعْضَ الْمُحَاضَرَاتِ سُجِّلَتْ مِنْ قِبَلِ طَالِبٍ لَمْ يَعْرِفِ اسْمَهُ.
وَبَعْضَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي كَانَ يَطْرَحُهَا فِي الصَّفِّ أَصْبَحَتْ تَصِلُ إِلَى أَمَاكِنَ لَا يُرِيدُ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهَا.
فَلَمْ يَنْتَظِرْ.
أَخَذَ دَعْوَةً مِنْ بِرْلِين، كَانَ يُؤَجِّلُ قَبُولَهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ.
وَجَاءَ.
فِي بِرْلِين، كَانَ يُشْرَحُ الْإِسْلَامُ لِكَثِيرٍ مِنَ الْأُورُوبِّيِّينَ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ عَنْهُ إِلَّا مَا قَرَؤُوهُ فِي سِيَاقَاتٍ مُشَوَّهَةٍ أَوْ نَاقِصَةٍ.
وَكَانَ هَذَا عَمَلًا يَسْتَنْزِفُهُ وَيَمْلَؤُهُ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
لِأَنَّ شَرْحَ الْإِسْلَامِ لِمَنْ يَعْرِفُونَهُ مِنْ مَدْخَلِ الْخَوْفِ يَعْنِي أَنَّكَ تَبْدَأُ مِنَ الصِّفْرِ.
لَا بِالْمَعْنَى الْفِكْرِيِّ.
بَلْ بِالْمَعْنَى الْإِنْسَانِيِّ.
تَبْدَأُ مِنْ فِكْرَةٍ بَسِيطَةٍ:
هَؤُلَاءِ بَشَرٌ.
وَهَذَا الدِّينُ يَحْمِلُ أَسْئِلَةَ الْبَشَرِ وَاجْتِهَادَاتِهِمْ، لَا أَجْوِبَةً آليَّةً جَاهِزَةً لِكُلِّ شَيْءٍ.
وَحِينَ تَبْدَأُ مِنْ هُنَا، أَحْيَانًا يَفْهَمُونَ.
وَأَحْيَانًا لَا يَفْهَمُونَ.
وَأَحْيَانًا يَفْهَمُونَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ مَقْصُودًا.
وَجَدَ رَدًّا فِي بَرِيدِهِ الْإِلِكْتُرُونِيِّ.
كَانَ مِنَ الْعُنْوَانِ نَفْسِهِ الَّذِي أَرْسَلَ إِلَيْهِ الْمَخْطُوطَةَ.
فَتَحَهُ.
كَانَ رَدًّا عَلَى رِسَالَةٍ لَمْ يُرْسِلْهَا.
فَيُونُسُ لَمْ يُرْسِلْ أَيَّ رِسَالَةٍ.
وَلَكِنَّ الرَّدَّ كَانَ مَوْجُودًا.
وَكَانَ فِيهِ سَطْرٌ وَاحِدٌ:
«فِي بِرْلِين، وَفِي الشَّارِعِ الْمُقَابِلِ لِمَكْتَبِكَ، يَجْلِسُ الْآنَ رَجُلٌ يُدَرِّسُ شَيْئًا تَعْرِفُهُ أَنْتَ أَيْضًا.
اسْمُهُ لَيْسَ مُهِمًّا.
الْمُهِمُّ أَنَّكَ لَسْتَ وَحْدَكَ.
أَنْتُمْ أَرْبَعَةٌ.»
قَرَأَ يُونُسُ الرِّسَالَةَ.
ثُمَّ نَظَرَ مِنْ نَافِذَةِ مَكْتَبِهِ إِلَى الشَّارِعِ.
لَا أَحَدَ.
أَوْ رُبَّمَا كُلُّ شَخْصٍ.
أَغْلَقَ الْحَاسُوبَ.
ثُمَّ فَتَحَهُ.
ثُمَّ أَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى الْعُنْوَانِ الْمَجْهُولِ.
كَتَبَ:
«مَنِ الْأَرْبَعَةُ الْآخَرُونَ؟»
________________________________________
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: إِقْبَالُ يَكْتُبُ لِجِنَاحٍ
لَاهُورُ، سَنَةَ ١٩٣٧م
] مُسْتَوْحًى مِنَ الْمُرَاسَلَاتِ الْحَقِيقِيَّةِ بَيْنَ مُحَمَّدِ إِقْبَالٍ وَمُحَمَّدِ عَلِيٍّ جِنَاحٍ، وَمِنْ خُطَبِ إِقْبَالٍ وَكِتَابَاتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي سَنَوَاتِهِ الْأَخِيرَةِ. وَأَمَّا النَّصُّ الْآتِي فَهُوَ تَخَيُّلٌ أَدَبِيٌّ، وَلَيْسَ وَثِيقَةً تَارِيخِيَّةً مُثْبَتَةً[.
كَانَ إِقْبَالُ يَمْضِي نَحْوَ الْمَوْتِ بِبُطْءٍ.
وَكَانَ يَعْرِفُ ذَلِكَ.
لَمْ يَكُنِ الْأَطِبَّاءُ يَقُولُونَ ذَلِكَ بِهَذَا الْوُضُوحِ.
لَكِنَّ الطَّبِيبَ الْحَقِيقِيَّ ـ وَكُلُّ إِنْسَانٍ طَبِيبُ نَفْسِهِ فِي نِهَايَةِ الْمَطَافِ ـ كَانَ يَعْرِفُ مَا تَعْنِيهِ الْآلَامُ الَّتِي تَشْتَدُّ كُلَّ شَهْرٍ.
وَمَا يَعْنِيهِ صَوْتُ الصَّدْرِ الَّذِي أَصْبَحَ يَخْشْخِشُ بِطَرِيقَةٍ لَمْ يَكُنْ يَخْشْخِشُ بِهَا قَبْلَ عَامَيْنِ.
كَتَبَ رِسَالَتَهُ إِلَى جِنَاحٍ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ مَايُو ١٩٣٧م.
وَسَيَتُوَفَّى بَعْدَ ذَلِكَ بِنَحْوِ أَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا، فِي أَبْرِيلَ ١٩٣٨م.
وَسَتُولَدُ بَاكِسْتَانُ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِتِسْعِ سَنَوَاتٍ، سَنَةَ ١٩٤٧م.
دَوْلَةٌ حَلِمَ بِهَا، وَمَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرَاهَا.
وَكَانَتِ الرِّسَالَةُ فِي نُسْخَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ رِسَالَةً سِيَاسِيَّةً.
تَحَدَّثَتْ عَنِ الرَّابِطَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَضَرُورَةِ الْوَحْدَةِ، وَتَحَدِّيَاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْهِنْدِ.
لَكِنَّ النَّصَّ الْآتِي يَتَخَيَّلُ مَسَوَّدَةً أُولَى لَمْ تُرْسَلْ، وَحُفِظَتْ فِي أَوْرَاقِهِ الْخَاصَّةِ:
«مُحَمَّدُ عَلِيٍّ الْعَزِيزُ،
إِنِّي أَكْتُبُ إِلَيْكَ مَا لَا أَسْتَطِيعُ كِتَابَتَهُ فِي الرَّسَائِلِ الرَّسْمِيَّةِ.
نَحْنُ نُطَالِبُ بِدَوْلَةٍ.
وَهَذَا الطَّلَبُ عَادِلٌ فِي نَظَرِ أَصْحَابِهِ.
فَالْمُسْلِمُونَ فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ مِنَ الْأَرْضِ يَحْتَاجُونَ إِلَى مَكَانٍ يَكُونُونَ فِيهِ أَنْفُسَهُمْ، لَا أَقَلِّيَّةً تُعَرَّفُ دَائِمًا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخَرِ.
لَكِنَّنِي، وَأَنَا أَكْتُبُ هَذَا وَيَدِي تُؤْلِمُنِي، أَسْأَلُ سُؤَالًا لَا أَتَشَجَّعُ عَلَى طَرْحِهِ عَلَنًا:
مَا الَّذِي سَيَكُونُ عَلَيْهِ هَذَا الْمَكَانُ؟
دَوْلَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ؛ هَذَا وَاضِحٌ.
لَكِنْ كَيْفَ سَتُحْكَمُ؟
بِالشَّرِيعَةِ؟
وَأَيِّ شَرِيعَةٍ؟
وَتَفْسِيرُ مَنْ؟
وَحِينَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ ـ وَهُمْ يَخْتَلِفُونَ دَائِمًا ـ مَنْ يَحْسِمُ؟
إِنِّي أَخْشَى ـ وَهَذَا الْخَوْفُ يُوقِظُنِي فِي اللَّيْلِ ـ أَنَّ مَا نُطَالِبُ بِبِنَائِهِ يُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ جَنَّةً، وَيُمْكِنُ أَنْ يَصِيرَ سِجْنًا.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لَيْسَ فِي النِّيَّةِ.
فَالنِّيَّةُ عِنْدَنَا حَسَنَةٌ.
إِنَّمَا الْفَرْقُ فِي الْبِنْيَةِ.
فِي الْأُسُسِ الَّتِي نَبْنِي عَلَيْهَا.
إِنِّي كَتَبْتُ شِعْرًا عَنِ الْإِنْسَانِ الْكَامِلِ، وَعَنِ الرُّوحِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْعَالِيَةِ.
لَكِنَّ الشِّعْرَ لَا يَحْكُمُ.
وَالرُّوحُ تَحْتَاجُ إِلَى مُؤَسَّسَاتٍ.
وَالْمُؤَسَّسَاتُ ـ وَأَنْتَ أَعْرَفُ مِنِّي بِذَلِكَ ـ لَا تُبْنَى بِالشِّعْرِ.
فَمَنْ يَبْنِيهَا؟
وَعَلَى مَاذَا؟»
تَوَقَّفَ إِقْبَالُ عَنِ الْكِتَابَةِ.
وَنَظَرَ إِلَى الصَّفْحَةِ.
ثُمَّ طَوَى الرِّسَالَةَ، وَوَضَعَهَا فِي دُرْجٍ لَمْ يَفْتَحْهُ أَحَدٌ فِي حَيَاتِهِ.
وَفِي الرِّسَالَةِ الرَّسْمِيَّةِ الَّتِي أَرْسَلَهَا، لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ هَذَا.
لِأَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ لَا تُرْسَلُ.
بَلْ تُحْفَظُ.
وَتَبْقَى.
وَوُلِدَتْ بَاكِسْتَانُ سَنَةَ ١٩٤٧م، وَمَعَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي يَتَخَيَّلُ هَذَا النَّصُّ أَنَّ إِقْبَالًا كَانَ يُفَكِّرُ فِيهَا.
وَتِلْكَ الْأَسْئِلَةُ، بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَا تَزَالُ حَاضِرَةً فِي نِقَاشَاتٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى الْيَوْمِ.

03 مجلس الغائبين