03 مجلس الغائبين

الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ»
الْمُلْحَقُ الْحَادِي عَشَرَ — مَجْلِسُ الْغَائِبِينَ — الْقِسْمُ الثَّالِثُ
الْفَصْلُ الْحَادِي عَشَرَ: أَرْبَعَةٌ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ
أَثِينَا، مَارِسُ ٢٠١٩م
كَانَ الْمُؤْتَمَرُ عَنِ «الْإِسْلَامِ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةِ فِي الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ».
وَالْمُؤْتَمَرَاتُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ تُعْقَدُ كُلَّ سَنَةٍ فِي مُدُنٍ أُورُوبِّيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
يَحْضُرُهَا أَكَادِيمِيُّونَ، وَصَحَفِيُّونَ، وَنُشَطَاءُ، وَسِيَاسِيُّونَ مُتَقَاعِدُونَ يَكْتُبُونَ الْكُتُبَ.
وَيَتَحَدَّثُونَ.
وَيَسْتَمِعُونَ إِلَى بَعْضِهِمْ.
وَيَكْتُبُونَ تَوْصِيَاتٍ لَا يُطَبِّقُهَا أَحَدٌ.
ثُمَّ يَعُودُونَ إِلَى بُيُوتِهِمْ مُطْمَئِنِّينَ إِلَى أَنَّهُمْ فَعَلُوا شَيْئًا.
كَانَ يُونُسُ يَعْرِفُ هَذَا.
لَكِنَّهُ قَبِلَ الدَّعْوَةَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَرْفُضُ أَثِينَا فِي مَارِسَ.
وَجَدَ فِي وَرَقَةِ التَّسْجِيلِ اسْمَيْنِ آخَرَيْنِ:
الدُّكْتُورَةُ لَيْلَى الرَّشِيدِيُّ، أُسْتَاذَةٌ فِي الْقَاهِرَةِ.
وَيَاسْمِينُ خَان، مُحَامِيَةُ حُقُوقِ إِنْسَانٍ فِي لَنْدَنَ.
وَفِي آخِرِ الْقَائِمَةِ، مُقَيَّدًا بِصِفَةِ «صَحَفِيٍّ مُشَارِكٍ»:
طَارِقُ الْأَمِينِ، تُونِسَ.
وَصَلَتْ لَيْلَى أَوَّلًا.
وَدَخَلَتِ الْقَاعَةَ الَّتِي خُصِّصَتْ لِلْمُتَحَدِّثِينَ.
فَوَجَدَتْ يُونُسَ وَاقِفًا عِنْدَ النَّافِذَةِ يَنْظُرُ إِلَى الْأَكْرُوبُولِيسِ.
قَالَتْ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ كَلِمَةٍ تُقَالُ:
— الْإِغْرِيقُ بَنَوُا الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ أَنَّ النِّسَاءَ وَالْعَبِيدَ جُزْءٌ مِنَ الْمُجْتَمَعِ السِّيَاسِيِّ.
الْتَفَتَ إِلَيْهَا يُونُسُ.
وَنَظَرَ إِلَيْهَا لَحْظَةً.
ثُمَّ قَالَ:
— وَنَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنِ الشُّورَى، وَنَحْنُ لَا نَتَّفِقُ عَلَى مَنْ يَدْخُلُ فِي دَائِرَةِ الْمُشَاوَرَةِ.
ابْتَسَمَتْ.
وَقَالَتْ:
— يُونُسُ أُوزْتُورْك؟
قَالَ:
— نَعَمْ.
فَقَالَتْ:
— لَيْلَى الرَّشِيدِيُّ.
مَدَّتْ يَدَهَا.
فَصَافَحَهَا.
ثُمَّ قَالَتْ:
— هَلْ تَلَقَّيْتَ مَخْطُوطَةً؟
تَوَقَّفَ.
ثُمَّ قَالَ:
— مِئَةً وَثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ صَفْحَةً.
قَالَتْ:
— بِثَلَاثِ لُغَاتٍ.
قَالَ:
— وَالْجُمْلَةُ الْأُولَى…
قَالَتْ:
— «هَذَا مَا قِيلَ فِي الْمَجَالِسِ الَّتِي لَمْ يَحْضُرْهَا أَحَدٌ.»
صَمَتَا.
ثُمَّ دَخَلَتْ يَاسْمِينُ مِنَ الْبَابِ.
حَقِيبَةٌ عَلَى كَتِفِهَا.
وَمِلَفٌّ فِي يَدِهَا.
وَنَظَرَتْ إِلَيْهِمَا بِعَيْنَيْ مَنْ فَاتَهُ الْقِطَارُ.
وَقَالَتْ:
— أَنْتُمَا مِنْ أَصْحَابِ الْمَخْطُوطَةِ؟
وَصَلَ طَارِقٌ مُتَأَخِّرًا.
وَكَانَ مُعْطَفُهُ مُبْتَلًّا مِنْ مَطَرِ أَثِينَا.
وَقَدَّمَ اعْتِذَارًا قَصِيرًا.
ثُمَّ جَلَسَ.
وَنَظَرَ إِلَى الثَّلَاثَةِ.
وَقَالَ:
— إِذَنْ…
قَالَتْ لَيْلَى:
— إِذَنْ…
صَمْتٌ.
ثُمَّ قَالَ طَارِقٌ:
— هَلْ نَعْرِفُ مَنْ أَرْسَلَ الْمَخْطُوطَةَ؟
قَالَ يُونُسُ:
— لَا.
— وَهَلْ نَعْرِفُ لِمَاذَا اخْتِيرْنَا نَحْنُ بِالذَّاتِ؟
قَالَتْ يَاسْمِينُ:
— لَا.
لَكِنَّنِي فَكَّرْتُ فِي ذَلِكَ كَثِيرًا.
وَخَلَصْتُ إِلَى أَنَّنَا رُبَّمَا لَسْنَا مُخْتَارِينَ أَصْلًا.
رُبَّمَا أُرْسِلَتِ الْمَخْطُوطَةُ إِلَى مِئَةِ شَخْصٍ، وَلَمْ يَأْتِ إِلَّا أَرْبَعَةٌ.
صَمَتُوا.
ثُمَّ قَالَ طَارِقٌ:
— هَذَا احْتِمَالٌ مُحْبِطٌ.
قَالَتْ يَاسْمِينُ:
— أَوْ مُرِيحٌ.
فَهُوَ يَعْنِي أَنَّنَا لَسْنَا مُمَيَّزِينَ.
نَحْنُ فَقَطْ مَنْ فَتَحَ الْمِلَفَّ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَبَعْدَ الْجَلَسَاتِ الرَّسْمِيَّةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يُقَالُ عَادَةً فِي مُؤْتَمَرَاتٍ مِنْ هَذَا النَّوْعِ، جَلَسُوا فِي مَطْعَمٍ صَغِيرٍ قُرْبَ الْحَيِّ الْقَدِيمِ.
طَلَبَ طَارِقٌ نَبِيذًا.
وَطَلَبَ يُونُسُ مَاءً.
وَطَلَبَتْ لَيْلَى قَهْوَةً.
وَطَلَبَتْ يَاسْمِينُ شَايًا.
وَبَدَأُوا يَتَحَدَّثُونَ.
لَا كَمُتَحَدِّثِينَ فِي مُؤْتَمَرٍ.
بَلْ كَأَرْبَعَةِ أَشْخَاصٍ اكْتَشَفُوا أَنَّ بَيْنَهُمْ سِرًّا مُشْتَرَكًا.
قَالَتْ لَيْلَى:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ سُؤَالًا شَخْصِيًّا.
وَسَأَتَفَهَّمُ إِنْ لَمْ يُجَبْ عَنْهُ.
نَظَرُوا إِلَيْهَا.
فَقَالَتْ:
— أَعْتَقِدُ أَنَّ السُّؤَالَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ: «هَلِ الْإِسْلَامُ يَتَوَافَقُ مَعَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ؟»
السُّؤَالُ هُوَ:
أَيُّنَا يُؤْمِنُ بِأَنَّ هَذَا التَّوَافُقَ مُمْكِنٌ؟
وَأَيُّنَا يَشُكُّ فِي ذَلِكَ؟
كَانَ الصَّمْتُ أَوَّلًا.
ثُمَّ قَالَ يُونُسُ:
— أُؤْمِنُ بِالتَّوَافُقِ نَظَرِيًّا.
وَأَشُكُّ فِي إِمْكَانِهِ الْعَمَلِيِّ.
قَالَتْ يَاسْمِينُ:
— أَنَا أُؤْمِنُ بِالْحُقُوقِ.
وَالْحُقُوقُ تَحْتَاجُ إِلَى نِظَامٍ.
وَأَفْضَلُ نِظَامٍ رَأَيْتُهُ هُوَ النِّظَامُ الدِّيمُقْرَاطِيُّ.
وَالْإِسْلَامُ الَّذِي أَعْرِفُهُ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ.
إِذَنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَافَقَا.
لَكِنَّنِي لَا أَمْلِكُ الدَّلِيلَ التَّجْرِيبِيَّ الْكَافِيَ.
نَظَرُوا إِلَى طَارِقٍ.
فَقَالَ:
— أَنَا رَأَيْتُ ثَوْرَةً.
وَرَأَيْتُ انْتِخَابَاتٍ.
وَرَأَيْتُ نَتَائِجَ.
وَأَنَا الْآنَ فِي مَكَانٍ لَا أَعْرِفُ فِيهِ مَاذَا أَقُولُ لِمَنْ يَسْأَلُنِي:
هَلْ كَانَ الْأَمْرُ يَسْتَحِقُّ؟
صَمَتَ قَلِيلًا.
ثُمَّ أَضَافَ:
— وَعَدَمُ الْمَعْرِفَةِ لَا يَعْنِي عَدَمَ الْإِيمَانِ.
إِنَّهُ يَعْنِي أَنَّنِي مَا زِلْتُ فِي الْمُنْتَصَفِ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَأَثِينَا تُحِيطُ بِهِمْ بِضَوْضَائِهَا الْقَدِيمَةِ الْمُتَجَدِّدَةِ، كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ لَمْ يُسَمِّهِ أَحَدٌ.
لَمْ يَكُنِ اتِّفَاقًا.
وَلَا اخْتِلَافًا.
بَلْ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى اعْتِرَافٍ مُتَبَادَلٍ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ سُؤَالًا لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ وَحْدَهُ.
وَأَنَّ الْمَخْطُوطَةَ، مَهْمَا كَانَ مَصْدَرُهَا، أَوْصَلَتْ أَرْبَعَةَ أَشْخَاصٍ إِلَى طَاوِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَثِينَا، فِي مَارِسَ ٢٠١٩م.
وَهَذَا، فِي حَدِّ ذَاتِهِ، شَيْءٌ ذُو مَعْنًى.
________________________________________
الْفَصْلُ الثَّانِي عَشَرَ: عَلِيُّ عَبْدُ الرَّازِقِ فِي الْمُحَاكَمَةِ
الْقَاهِرَةُ، سَنَةَ ١٩٢٥م
فِي ذَلِكَ الْعَامِ، نَشَرَ الشَّيْخُ عَلِيُّ عَبْدُ الرَّازِقِ، وَهُوَ قَاضٍ شَرْعِيٌّ مِنْ خِرِّيجِي الْأَزْهَرِ، كِتَابَهُ:
«الْإِسْلَامُ وَأُصُولُ الْحُكْمِ».
وَقَالَ الْكِتَابُ شَيْئًا بَسِيطًا فِي صِيَاغَتِهِ، هَائِلًا فِي آثَارِهِ:
إِنَّ الْخِلَافَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ لَيْسَتْ ضَرُورَةً دِينِيَّةً بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ.
وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَأْتِ بِنِظَامٍ سِيَاسِيٍّ مُفَصَّلٍ مُلْزِمٍ لِكُلِّ الْأَزْمِنَةِ.
وَإِنَّ الْإِسْلَامَ دِينٌ، وَلَمْ يُحَدِّدْ شَكْلًا وَاحِدًا لِنِظَامِ الْحُكْمِ.
صَدَرَ الْكِتَابُ فِي عَامِ ١٩٢٥م.
وَبَعْدَ أَشْهُرٍ، كَانَ عَبْدُ الرَّازِقِ أَمَامَ هَيْئَةِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ بِالْأَزْهَرِ.
جَلَسَ أَعْضَاءُ الْمَجْلِسِ أَمَامَ رَجُلٍ فِي الثَّلَاثِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ، يُمْسِكُ يَدَيْهِ بِهُدُوءٍ مُتَكَلَّفٍ.
قَالَ رَئِيسُ الْمَجْلِسِ:
— ادَّعَيْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُؤَسِّسْ حُكُومَةً، وَهَذَا يُخَالِفُ الْإِجْمَاعَ.
قَالَ عَبْدُ الرَّازِقِ:
— لَمْ أَقُلْ هَذَا بِهَذِهِ الصِّيغَةِ.
بَلْ قُلْتُ إِنَّ النُّبُوَّةَ وَالْمُلْكَ شَيْئَانِ مُخْتَلِفَانِ.
وَإِنَّ الرَّسُولَ ﷺ جَاءَ نَبِيًّا، لَا مَلِكًا بِالْمَعْنَى السِّيَاسِيِّ الْمَعْرُوفِ.
قَالَ الرَّئِيسُ:
— وَهَلْ لَا يَقُولُ الْقُرْآنُ: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟
قَالَ:
— بَلَى.
وَلَكِنَّ «أُولِي الْأَمْرِ» لَمْ يُفَسَّرُوا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ فِي التُّرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ.
قَالَ الرَّئِيسُ:
— وَمَنْ فَسَّرَهُمْ بِغَيْرِ الْخَلِيفَةِ السِّيَاسِيِّ؟
تَوَقَّفَ.
ثُمَّ قَالَ:
— كَثِيرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُفَسِّرِينَ.
وَلَكِنِّي أَفْهَمُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ الْمَوْضُوعَ الْحَقِيقِيَّ.
نَظَرَ إِلَيْهِ رَئِيسُ الْمَجْلِسِ.
وَقَالَ:
— وَمَا الْمَوْضُوعُ الْحَقِيقِيُّ؟
قَالَ عَلِيُّ عَبْدُ الرَّازِقِ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهُ يَخْتَارُ كُلَّ كَلِمَةٍ:
— الْمَوْضُوعُ الْحَقِيقِيُّ هُوَ أَنَّ الْخِلَافَةَ الْعُثْمَانِيَّةَ سَقَطَتْ فِي الْعَامِ الْمَاضِي.
وَأَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يُرِيدُونَ إِعَادَةَ بِنَاءِ خِلَافَةٍ جَدِيدَةٍ.
وَكِتَابِي يَقُولُ إِنَّ هَذَا لَيْسَ فَرِيضَةً دِينِيَّةً.
وَهَذَا يُزْعِجُ مَنْ يُرِيدُ اسْتِخْدَامَ الدِّينِ لِأَغْرَاضٍ سِيَاسِيَّةٍ.
صَمَتَ الْمَجْلِسُ.
ثُمَّ قَالَ الرَّئِيسُ:
— هَذَا اتِّهَامٌ جَسِيمٌ.
قَالَ عَبْدُ الرَّازِقِ:
— وَكِتَابِي كَانَ جَسِيمًا.
وَأَنَا كُنْتُ أَعْرِفُ ذَلِكَ حِينَ كَتَبْتُهُ.
لَكِنَّ الْحَقِيقَةَ الْجَسِيمَةَ أَفْضَلُ مِنَ الْكَذِبَةِ الْمُرِيحَةِ.
سُحِبَ مِنْ عَلِيِّ عَبْدِ الرَّازِقِ لَقَبُهُ الْعِلْمِيُّ.
وَفُصِلَ مِنَ الْقَضَاءِ.
وَصُودِرَتْ كَمِّيَّاتٌ مِنْ نُسَخِ كِتَابِهِ.
وَبَقِيَ الْكِتَابُ.
وَلَا يَزَالُ يُقْرَأُ وَيُنَاقَشُ إِلَى الْيَوْمِ.
وَمَا لَمْ يَقُلْهُ عَبْدُ الرَّازِقِ فِي الْمَجْلِسِ، لِأَنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ لَا تُقَالُ فِي مَجَالِسَ بِعَيْنِهَا، كَتَبَهُ لَاحِقًا فِي يَوْمِيَّاتٍ يَتَخَيَّلُهَا هَذَا النَّصُّ الْأَدَبِيُّ:
«أَنَا لَا أَقُولُ إِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَهْتَمُّ بِالسِّيَاسَةِ.
بَلْ أَقُولُ إِنَّهُ لَمْ يُحَدِّدْ نِظَامًا سِيَاسِيًّا وَاحِدًا.
وَهَذَا الْفَرْقُ هَائِلٌ.
لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ: “إِنَّ الْإِسْلَامَ حَدَّدَ نِظَامًا”، يَلْتَزِمُ بِتَحْدِيدِ ذَلِكَ النِّظَامِ.
وَكُلُّ تَحْدِيدٍ هُوَ قَرَارٌ بَشَرِيٌّ، مَهْمَا ادَّعَى الْقَدَاسَةَ.
وَمَنْ يَقُولُ: “إِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يُحَدِّدْ”، يُتِيحُ لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْتَارُوا مَا يَرَوْنَهُ أَصْلَحَ لِزَمَانِهِمْ.
وَهَذَا تَحَرُّرٌ، لَا تَفْرِيطٌ.
لَكِنَّ التَّحَرُّرَ يُخِيفُ.
لِأَنَّهُ يَعْنِي الْمَسْؤُولِيَّةَ.
وَمَنْ يُرِدِ الْجَوَابَ الْجَاهِزَ لَا يُرِدِ الْمَسْؤُولِيَّةَ.»
الْفَصْلُ الثَّالِثُ عَشَرَ: الْكُرْسِيُّ وَالْمِنْبَرُ
أَثِينَا — الْيَوْمُ الثَّانِي
اِنْعَقَدَ الْمُؤْتَمَرُ، وَتَحَدَّثَ الْمُتَحَدِّثُونَ.
قَدَّمَتْ لَيْلَى وَرَقَةً بِعُنْوَانِ: «الْفِقْهُ السِّيَاسِيُّ الْإِسْلَامِيُّ وَإِشْكَالِيَّةُ الشَّرْعِيَّةِ فِي الدَّوْلَةِ الْحَدِيثَةِ».
وَهِيَ وَرَقَةٌ أَكَادِيمِيَّةٌ مُحْكَمَةُ الْبِنَاءِ، تَنْتَهِي بِخُلَاصَةٍ مُتَوَازِنَةٍ لَا تُغْضِبُ أَحَدًا.
وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَتَكَلَّمُ، كَانَ فِي ذِهْنِهَا صَوْتُ أَبِيهَا:
— «مَنْ يُعْطِيكِ الْإِذْنَ؟»
جَاءَ السُّؤَالُ مِنْ آخِرِ الْقَاعَةِ.
كَانَ الرَّجُلُ فِي الْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ، يَرْتَدِي بَدْلَةً رَمَادِيَّةً، وَيَمْلَكُ حُضُورًا يَمْلَأُ الْمَكَانَ حَتَّى قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
عَرَفَتْهُ لَيْلَى؛ لِأَنَّهَا رَأَتْهُ فِي مُؤْتَمَرَاتٍ سَابِقَةٍ.
كَانَ مُسْتَشَارًا سِيَاسِيًّا أَلْمَانِيًّا مُتَخَصِّصًا فِي شُؤُونِ الشَّرْقِ الْأَوْسَطِ، وَيُعَبِّرُ عَادَةً عَنْ نَفْسِهِ بِثِقَةٍ تَتَجَاوَزُ مَعْرِفَتَهُ.
قَالَ:
— شُكْرًا عَلَى هَذِهِ الْوَرَقَةِ الْقَيِّمَةِ.
لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ مُبَاشَرَةً:
أَلَا تَرَيْنَ أَنَّ تَجَارِبَ كُلِّ الْبُلْدَانِ الَّتِي جَرَّبَتْ مَا يُسَمَّى «الْإِسْلَامَ السِّيَاسِيَّ» قَدْ أَثْبَتَتْ أَنَّ الدِّينَ وَالدِّيمُقْرَاطِيَّةَ لَا يَتَوَافَقَانِ؟
إِيرَانُ، وَتُرْكِيَا، وَمِصْرُ، وَتُونِسُ…
قَاطَعَتْهُ لَيْلَى بِهُدُوءٍ:
— قَبْلَ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ هَذِهِ الْبُلْدَانِ، هَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَتَحَدَّثَ عَنْ أَلْمَانِيَا سَنَةَ ١٩٣٣م؟
تَوَقَّفَ.
فَقَالَتْ:
— أَفْرَزَ النِّظَامُ الدِّيمُقْرَاطِيُّ الْأَلْمَانِيُّ صُعُودَ النَّازِيَّةِ إِلَى السُّلْطَةِ.
فَهَلْ يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ وَالنَّازِيَّةَ مُتَوَافِقَتَانِ؟
عَمَّ الصَّمْتُ الْقَاعَةَ.
ثُمَّ قَالَتْ:
— لَا.
إِنَّمَا يَعْنِي ذَلِكَ أَنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ آلِيَّةٌ.
وَالْآلِيَّاتُ تُعْطِي نَتَائِجَ مُخْتَلِفَةً فِي سِيَاقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَالْمَنْطِقُ نَفْسُهُ يَنْطَبِقُ عَلَى تَجَارِبِ الْإِسْلَامِ السِّيَاسِيِّ.
فَالْفَشَلُ فِي سِيَاقٍ بِعَيْنِهِ لَا يُثْبِتُ اسْتِحَالَةَ التَّوَافُقِ.
إِنَّمَا يُثْبِتُ صُعُوبَةَ تَحَقُّقِ شُرُوطِهِ.
بَعْدَ الْجَلْسَةِ، وَفِي الرِّدْهَةِ، اقْتَرَبَ مِنْهَا يُونُسُ.
وَقَالَ:
— كُنْتِ أَفْضَلَ مِنْ وَرَقَتِكِ.
ابْتَسَمَتْ.
وَقَالَتْ:
— الْوَرَقَةُ لِمُرَاجِعِي الْمَجَلَّاتِ الْعِلْمِيَّةِ.
أَمَّا الْجَوَابُ فَلِمَنْ يَطْرَحُ السُّؤَالَ الْخَاطِئَ بِثِقَةٍ.
قَالَ:
— الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مَهَارَةٌ لَا يَمْلِكُهَا كَثِيرُونَ.
فِي الْمَسَاءِ، وَفِي الِاجْتِمَاعِ الثَّانِي لِلْأَرْبَعَةِ، كَانَ الْحِوَارُ أَعْمَقَ.
قَالَ طَارِقٌ:
— أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ مَا لَا يُطْرَحُ فِي الْمُؤْتَمَرَاتِ.
فِي تُونِسَ، حِينَ فَازَ الْإِسْلَامِيُّونَ، كَانَ بَعْضُ النَّاسِ خَائِفِينَ.
وَكَانَ بَعْضُ ذَلِكَ الْخَوْفِ مُبَرَّرًا.
لَا لِأَنَّ الْإِسْلَامَ خَطَرٌ.
بَلْ لِأَنَّ أَيَّ حَرَكَةٍ تُمْسِكُ بِالسُّلْطَةِ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، مَهْمَا كَانَتْ هُوِيَّتُهَا، تُوَاجِهُ إِغْرَاءً كَبِيرًا بِعَدَمِ التَّخَلِّي عَنِ السُّلْطَةِ.
قَالَتْ يَاسْمِينُ:
— وَهَذِهِ لَيْسَتْ مُشْكِلَةَ الْإِسْلَامِ.
إِنَّهَا مُشْكِلَةُ السُّلْطَةِ.
قَالَ طَارِقٌ:
— صَحِيحٌ.
لَكِنْ حِينَ يَحْدُثُ ذَلِكَ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ، يَدْفَعُ الْإِسْلَامُ الثَّمَنَ.
قَالَتْ لَيْلَى:
— وَحِينَ يَحْدُثُ بِاسْمِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ، تَدْفَعُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ الثَّمَنَ.
وَلَكِنْ لَا أَحَدَ يَقُولُ إِنَّ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ مُسْتَحِيلَةٌ.
صَمَتُوا.
ثُمَّ قَالَ يُونُسُ:
— الْمُشْكِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ، وَالْمَخْطُوطَةُ تُلَمِّحُ إِلَيْهَا وَلَا تُصَرِّحُ بِهَا، هِيَ أَنَّ الْإِسْلَامَ السِّيَاسِيَّ وُلِدَ فِي مُوَاجَهَةِ الِاسْتِعْمَارِ.
وَقَدْ شَكَّلَتْهُ هَذِهِ الْوِلَادَةُ بِطَرِيقَةٍ جَعَلَتِ «الْهُوِيَّةَ» أَهَمَّ مِنَ «الْكَفَاءَةِ».
وَمَنْ يَبْنِ هُوِيَّتَهُ عَلَى الْمُقَاوَمَةِ يَجِدْ صُعُوبَةً حِينَ يُصْبِحُ هُوَ السُّلْطَةَ.
قَالَتْ يَاسْمِينُ:
— أَنَا أَعِيشُ هَذَا كُلَّ يَوْمٍ.
فِي بَرِيطَانِيَا أَنَا أَقَلِّيَّةٌ.
وَهُوِيَّتِي بُنِيَتْ جُزْئِيًّا عَلَى الْمُقَاوَمَةِ.
وَحِينَ أَكُونُ فِي الْمَحْكَمَةِ وَأَحْتَاجُ إِلَى إِقْنَاعِ الْأَغْلَبِيَّةِ، أَجِدُ فِي نَفْسِي أَحْيَانًا أَنْسَاقًا مِنَ الْمُقَاوَمَةِ لَا تَنْفَعُ فِي مَنْطِقِ الْمُرَافَعَةِ.
كَانَ الْكَلَامُ يَتَدَفَّقُ.
وَكَانَتْ أَثِينَا تُحِيطُ بِهِمْ.
وَكَانَ الْأَكْرُوبُولِيسُ فِي الظَّلَامِ خَارِجَ النَّافِذَةِ؛ أَعْمِدَةً بُنِيَتْ لِآلِهَةٍ لَمْ تُعْبَدْ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفَيْ سَنَةٍ، وَلَا تَزَالُ قَائِمَةً.
فَكَّرَ يُونُسُ:
«الْأَفْكَارُ أَطْوَلُ عُمْرًا مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَنْظِمَةِ.
وَالْمُشْكِلَةُ أَنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْكُمَ بِمُفْرَدِهَا.»
________________________________________
الْفَصْلُ الرَّابِعُ عَشَرَ: الْمُورِيسْكِيُّونَ الْأَخِيرُونَ
إِشْبِيلِيَّةُ، سَنَةَ ١٦٠٩م
كَانَتِ الْمَرَاسِيمُ قَدْ أُعْلِنَتْ فِي سِبْتَمْبِرَ.
وَقَضَتْ بِأَنْ يُغَادِرَ الْمُورِيسْكِيُّونَ إِسْبَانِيَا.
وَالْمُورِيسْكِيُّونَ هُمْ الْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ أُجْبِرُوا عَلَى التَّنَصُّرِ، وَذُرِّيَّاتُهُمْ.
غَادَرَ مِئَاتُ الْآلَافِ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَحْمِلُ ذَاكِرَةَ الْإِسْلَامِ.
وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَعْرِفْ إِلَّا الْمَسِيحِيَّةَ.
وَبَعْضُهُمْ كَانَ فِي الْمُنْتَصَفِ؛ لَا هُنَا وَلَا هُنَاكَ، فِي الْفَضَاءِ الَّذِي تَصْنَعُهُ الْأَجْيَالُ حِينَ تَتَقَاطَعُ الثَّقَافَاتُ.
كَانَ اسْمُهُ الْمَسِيحِيُّ خُوسِيه.
وَكَانَ اسْمُهُ الْقَدِيمُ يُوسُفَ.
وَكَانَ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَيَعْمَلُ حَدَّادًا فِي إِشْبِيلِيَّةَ.
لَمْ يُصَلِّ مُنْذُ أَنْ كَانَ طِفْلًا.
لَكِنَّهُ كَانَ يَتَذَكَّرُ بَعْضَ الْكَلِمَاتِ الْعَرَبِيَّةِ؛ كَلِمَاتٍ عَلَّمَتْهُ إِيَّاهَا أُمُّهُ، وَعَلَّمَتْهَا إِيَّاهَا أُمُّهَا مِنْ قَبْلُ.
فِي يَوْمِ الْمُغَادَرَةِ، كَانَ يَقِفُ فِي مِينَاءِ إِشْبِيلِيَّةَ مَعَ مِئَاتِ غَيْرِهِ.
وَكَانَتِ السُّفُنُ تَنْتَظِرُ.
وَالْبَحْرُ أَمَامَهُ.
وَمَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِهِ الْإِشْبِيلِيَّةِ خَلْفَهُ.
كَانَ جَارُهُ، وَهُوَ رَجُلٌ أَكْبَرُ مِنْهُ سِنًّا، يَحْمِلُ صُنْدُوقًا خَشَبِيًّا.
فَقَالَ لَهُ:
— إِلَى أَيْنَ؟
قَالَ يُوسُفُ:
— إِلَى الْمَغْرِبِ.
قِيلَ إِنَّ هُنَاكَ مُسْتَقْبَلًا.
قَالَ الْجَارُ:
— قِيلَ…
صَمَتَ قَلِيلًا.
ثُمَّ قَالَ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ.
قَالَ يُوسُفُ:
— وَأَنَا لَا أَعْرِفُ الصَّلَاةَ.
قَالَ الْجَارُ:
— إِذَنْ، مَاذَا نَحْمِلُ مَعَنَا؟
فَكَّرَ يُوسُفُ.
ثُمَّ قَالَ:
— لَا أَعْرِفُ.
رُبَّمَا هَذَا.
قَالَ الْجَارُ:
— مَاذَا؟
قَالَ:
— هَذَا السُّؤَالُ نَفْسُهُ.
سُؤَالُ: مَا الَّذِي يَجْعَلُنِي أَنَا أَنَا؟
وَمَا الَّذِي يَجْعَلُنَا نَحْنُ نَحْنُ؟
مَا يُعَلِّمُنَا إِيَّاهُ تَارِيخُ الْمُورِيسْكِيِّينَ — وَهُوَ تَارِيخٌ نَادِرًا مَا يُذْكَرُ فِي الْحِوَارِ الْإِسْلَامِيِّ الْغَرْبِيِّ — هُوَ أَنَّ الْهُوِيَّةَ الدِّينِيَّةَ لَا تُلْغَى بِمَرْسُومٍ.
فَالْإِنْسَانُ الَّذِي لَمْ يُصَلِّ مُنْذُ جِيلَيْنِ قَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ فِي الْمِينَاءِ يَتَسَاءَلُ: مَاذَا يَحْمِلُ؟
وَمَا يَحْمِلُهُ فِي الْغَالِبِ لَيْسَ الْعَقِيدَةَ بِمَفْهُومِهَا الْكَلَامِيِّ.
بَلْ يَحْمِلُ أَنْسَاقًا، وَكَلِمَاتٍ، وَطَرِيقَةً فِي النَّظَرِ إِلَى الْعَالَمِ، وَسُؤَالًا عَنْ مَنْ يَكُونُ.
وَهَذَا السُّؤَالُ لَا يُجِيبُ عَنْهُ الْجَلَّادُ.
وَلَا يُجِيبُ عَنْهُ الْمَنْفَى.
إِنَّمَا يُجِيبُ عَنْهُ الْإِنْسَانُ نَفْسُهُ، بِبُطْءٍ، وَعَلَى مَدَى جِيلٍ أَوْ جِيلَيْنِ.
حِينَ قَرَأَتْ يَاسْمِينُ خَان هَذَا الْفَصْلَ لَاحِقًا فِي غُرْفَتِهَا بِأَثِينَا، وَضَعَتِ الْوَرَقَةَ جَانِبًا.
كَانَ جَدُّهَا قَدْ جَاءَ مِنْ بَاكِسْتَانَ إِلَى بَرِيطَانِيَا سَنَةَ ١٩٦٢م.
وَهُوَ لَا يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ.
وَيَعْرِفُ الْأُرْدِيَّةَ وَالْإِنْجِلِيزِيَّةَ.
وَالْإِسْلَامُ الَّذِي وَرِثَتْهُ يَاسْمِينُ لَيْسَ الْإِسْلَامَ الَّذِي فِي كُتُبِ الْفِقْهِ.
بَلْ هُوَ الْإِسْلَامُ الَّذِي يَظْهَرُ فِي طَرِيقَةِ الْجُلُوسِ عَلَى الْأَرْضِ، وَفِي الْأَكْلِ بِثَلَاثَةِ أَصَابِعَ، وَفِي قَوْلِ: «بِسْمِ اللَّهِ» قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، دُونَ تَفْكِيرٍ فِي مَعْنَاهُ.
الْهُوِيَّةُ لَا تُخْتَارُ كُلُّهَا.
فَبَعْضُهَا يُورَثُ.
وَبَعْضُ مَا يُورَثُ لَا تُعْرَفُ قِيمَتُهُ إِلَّا حِينَ يُهَدَّدُ.
________________________________________
الْفَصْلُ الْخَامِسُ عَشَرَ: الِانْهِيَارُ
أَثِينَا — الْيَوْمُ الثَّالِثُ
بَدَأَ الصَّبَاحُ بِخَبَرٍ.
تَلَقَّاهُ طَارِقٌ أَوَّلًا.
كَانَتْ رِسَالَةً مِنْ زَمِيلٍ لَهُ فِي تُونِسَ.
فِيهَا أَنَّ الْمَصْدَرَ الَّذِي كَانَ يَنْتَظِرُهُ، وَهُوَ رَجُلٌ فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ وَصَاحِبُ أَرْشِيفٍ مُهِمٍّ، وُجِدَ مَيِّتًا فِي شَقَّتِهِ.
قَالَتِ الشُّرْطَةُ: إِنَّهَا جَلْطَةٌ قَلْبِيَّةٌ.
وَقَالَ الزَّمِيلُ: إِنَّهُ كَانَ فِي صِحَّةٍ جَيِّدَةٍ.
جَلَسَ طَارِقٌ عَلَى سَرِيرِ غُرْفَتِهِ.
وَقَرَأَ الرِّسَالَةَ مَرَّةً ثَانِيَةً.
ثُمَّ وَضَعَ الْهَاتِفَ.
وَبَقِيَ يُحَدِّقُ فِي الْجِدَارِ الْأَبْيَضِ.
فِي الْإِفْطَارِ، وَلَمَّا لَاحَظَتْ لَيْلَى صَمْتَهُ، أَخْبَرَهَا بِالْخَبَرِ فِي جُمْلَتَيْنِ.
بِلَا تَفَاصِيلَ.
لِأَنَّ التَّفَاصِيلَ تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ.
وَكَانَ يَعْرِفُ أَنَّ أَوَّلَ تَأْوِيلٍ سَيَكُونُ عَاطِفِيًّا لَا مِهْنِيًّا.
قَالَتْ لَيْلَى:
— هَلْ تَعْتَقِدُ…؟
قَاطَعَهَا:
— لَا أَعْتَقِدُ شَيْئًا بَعْدُ.
وَهَذَا أَصْعَبُ شَيْءٍ فِي مِهْنَتِي.
فِي جَلْسَةِ الظُّهْرِ، كَانَتْ يَاسْمِينُ تَتَحَدَّثُ عَنْ حُقُوقِ الْأَقَلِّيَّاتِ الْمُسْلِمَةِ فِي أُورُوبَّا.
فَجَاءَهَا سُؤَالٌ مِنْ مُتَحَدِّثٍ إِيرَانِيٍّ شَابٍّ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ، دَرَاسِيٍّ وَوَاثِقٍ:
— أَلَا تَرَيْنَ تَنَاقُضًا فِي أَنْ تُدَافِعِي عَنْ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ فِي نِظَامٍ عِلْمَانِيٍّ غَرْبِيٍّ، بَيْنَمَا تُقَدِّمُ الْأَنْظِمَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ حِمَايَةً أَصِيلَةً لِلْمُسْلِمِ؟
قَالَتْ يَاسْمِينُ:
— مَا الْأَنْظِمَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الَّتِي تَقْصِدُهَا تَحْدِيدًا؟
قَالَ:
— إِيرَانُ وَالسَّعُودِيَّةُ.
قَالَتْ:
— فِي إِيرَانَ، الْمَرْأَةُ الَّتِي احْتَجَّتْ عَلَى الْحِجَابِ الْإِجْبَارِيِّ، هَلْ حَمَى إِسْلَامُهَا حَقَّهَا؟
وَفِي السَّعُودِيَّةِ، الْمَرْأَةُ الَّتِي مُنِعَتْ مِنَ الْقِيَادَةِ حَتَّى سَنَةِ ٢٠١٨م، هَلْ حَمَى إِسْلَامُهَا حُرِّيَّتَهَا؟
قَالَ:
— هَذِهِ أَمْثِلَةٌ…
قَاطَعَتْهُ:
— وَهِيَ أَمْثِلَةٌ عَلَى أَنْظِمَةٍ تَدَّعِي أَنَّهَا تَحْكُمُ بِالْإِسْلَامِ.
وَأَنَا لَا أَقُولُ إِنَّ الْغَرْبَ مِثَالِيٌّ.
إِنَّمَا أَقُولُ إِنَّ عِبَارَةَ «الْحِمَايَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْأَصِيلَةِ» لَا مَعْنَى لَهَا مِنْ دُونِ تَحْدِيدٍ:
أَيُّ إِسْلَامٍ؟
وَتَفْسِيرُ مَنْ؟
وَمَنْ يُحَاسِبُ عَلَى التَّطْبِيقِ؟
بَعْدَ الْجَلْسَةِ، وَفِي الرِّدْهَةِ، اقْتَرَبَ مِنْهَا الْمُتَحَدِّثُ الْإِيرَانِيُّ.
وَقَالَ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
— أَنَا لَا أَخْتَلِفُ مَعَكِ اخْتِلَافًا كُلِّيًّا.
لَكِنَّكِ لَمْ تَتْرُكِي مَسَاحَةً.
قَالَتْ:
— مَسَاحَةً لِمَاذَا؟
قَالَ:
— لِإِمْكَانِيَّةِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ نِظَامٌ إِسْلَامِيٌّ يَخْتَلِفُ عَنْ إِيرَانَ وَالسَّعُودِيَّةِ.
تَوَقَّفَتْ.
ثُمَّ قَالَتْ:
— مَعَكَ حَقٌّ.
لَمْ أَتْرُكْ مَسَاحَةً.
وَهَذَا خَطَأٌ.
نَظَرَ إِلَيْهَا.
وَقَالَ:
— شُكْرًا.
قَالَتْ:
— لَا تَشْكُرْنِي.
الِاعْتِرَافُ بِالْخَطَإِ لَيْسَ فَضِيلَةً.
إِنَّهُ الْحَدُّ الْأَدْنَى.
فِي الْمَسَاءِ، وَفِي آخِرِ لَيْلَةٍ لَهُمْ فِي أَثِينَا، جَلَسَ الْأَرْبَعَةُ.
لَكِنَّ الْكَلَامَ كَانَ أَثْقَلَ مِنْ ذِي قَبْلُ.
كَانَ طَارِقٌ غَائِبًا بِقَلْبِهِ، حَاضِرًا بِجَسَدِهِ.
وَكَانَ يُونُسُ يُلَاحِظُ ذَلِكَ.
وَكَانَتْ لَيْلَى تُرَاقِبُ.
وَكَانَتْ يَاسْمِينُ تَحْمِلُ وَزْنَ الْجَلْسَةِ.
قَالَ يُونُسُ أَخِيرًا:
— طَارِقُ، مَا الَّذِي يَحْدُثُ؟
قَالَ طَارِقٌ بِصِدْقٍ غَيْرِ مَحْسُوبٍ:
— جِئْتُ إِلَى هَذَا الْمُؤْتَمَرِ لِأَنِّي دُعِيتُ.
وَلِأَنَّ الْمَخْطُوطَةَ أَثَارَتْ فِي نَفْسِي شَيْئًا.
لَكِنِّي، فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ الْمَاضِيَةِ، كُنْتُ أُفَكِّرُ فِي رَجُلٍ مَاتَ.
وَفِي سُؤَالٍ:
لِمَاذَا يَدْفَعُ بَعْضُ النَّاسِ ثَمَنَ أَسْئِلَةٍ يَطْرَحُهَا غَيْرُهُمْ فِي قَاعَاتٍ مُرِيحَةٍ؟
صَمَتُوا.
ثُمَّ قَالَ:
— لَيْسَ هَذَا اتِّهَامًا.
فَأَنَا هُنَا أَيْضًا، فِي الْقَاعَةِ الْمُرِيحَةِ.
قَالَتْ لَيْلَى:
— الْفِكْرَةُ لَا تُفَكَّرُ فَقَطْ فِي السِّجْنِ.
وَالسُّؤَالُ لَا يُطْرَحُ فَقَطْ حِينَ يُدْفَعُ ثَمَنُهُ.
لَكِنَّ مَنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ يَسْتَحِقُّ أَنْ نَذْكُرَهُ حِينَ نَطْرَحُ السُّؤَالَ.
تَوَقَّفَ الْجَمِيعُ.
ثُمَّ أَضَافَتْ:
— أَبِي دَفَعَ ثَمَنًا لَمْ أَدْفَعْهُ أَنَا.
وَأَنَا أَسْأَلُ أَسْئِلَةً كَانَ سَيُسْعِدُهُ أَنْ يَسْمَعَهَا.
هَذَا لَيْسَ خِيَانَةً.
إِنَّهُ اسْتِمْرَارٌ.
نَظَرَ إِلَيْهَا طَارِقٌ.
وَقَالَ، وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ قَدْ تَغَيَّرَ:
— نَعَمْ.
وَقَبْلَ أَنْ يَنْهَضُوا، وَجَدُوا عَلَى الطَّاوِلَةِ — تَحْتَ كُوبِ يَاسْمِينُ — وَرَقَةً لَمْ يَضَعْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ.
وَرَقَةً وَاحِدَةً.
وَجُمْلَةً وَاحِدَةً.
بِخَطِّ يَدٍ لَا يَعْرِفُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ:
«الْمَجْلِسُ الَّذِي تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لَيْسَ فِي أَثِينَا. بَلْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَخْشَاهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ.»

04 مجلس الغائبين