قلوب في الظل

اللوحة الأولى من القصة الأولى: عن أيِّ عُمرٍ تتحدّثين؟

عن أيِّ عُمرٍ يا التي تتحدّثينْ؟
أعنِ الذي انسابَ من بينِ اليدينْ؟

كالْماءِ — لا يُمسَكُ، لا يُستعادُ
ولا يتركُ إلّا بلاداً من حنينْ؟

أمْ عن زمانٍ كان يخشى الظلّ كما

يَخشى النَّهارَ، فيستكينُ له الحزينْ؟

يسري بنا، لكنَّهُ لا ينتَمي
كَالحُلمِ يَسكنُنا، ويَمضي في الأنينْ

أتسألينَ: بأيِّ عُمرٍ نلتقي؟
أبعمرِنا المصلوبِ فوقَ العابرينْ؟

ذاكَ الذي غادرَنا، تركَ الهوى
صُورًا تُعانقُ في المدى المتذكّرينْ

نزورُها في كلِّ ليلٍ أو مساءِ كأنّنا
نُلقي السَّلامَ على رُفاتِ الحالمينْ

أمْ عن زمانٍ لم يُولدْ بعدُ، في
رَحِمِ انْتِظارٍ نابضٍ بالياسمينْ؟

يَنْبُتْ إذا اقتربَتْ عيونُكِ لحظةً
ويفيضُ حينَ تَهُبُّ أنفاسُ الحنينْ

عن عُمرِنا الحاضرِ — هنا، في لحظةٍ
تَغدو الحياةُ بها حياةَ العاشقينْ

حينَ امتزجْنا ضوءَ روحٍ واحدٍ
ورأينا الدنيا بعينِ الحالمينْ

ذاكَ الزمانُ، هوَ الحقيقيُّ الذي
يُقاسُ بالنَّبضةِ بينَ القلبَينْ

لا بالتقاويمِ القديمةِ، لا بما
تحصي السنينُ من الرُّعودِ الصامتينْ

عُمرٌ وُلدْنا فيهِ من صدقٍ ومن
دهشٍ كصَلاةِ النُّورِ في عَيْنَيْنْ

فمُنذُ أنْ التقينا — صَدّقيني — ما
انتهى اللقاءُ، ولا انطفأ الحنينْ

ما زالَ في الأفقِ البعيدِ نداءُنا
يَدعُو غدًا يأتي بموعدِ عاشقينْ

نحيا رجاءً أنْ نعودَ كما بدَا
نورًا على دربِ الحلمِ الآتينْ

فالعمرُ — صدق — ما وُجِدْنا في الهوى

بلْ حينَ قلنا: سنلتقَى، لو بعدَ حينْ

القصة الثانية: امرأةٌ من نور

كان المساء يهبط ببطءٍ على شوارع دمشق القديمة، حين دخل المعرض الصغير الذي اختبأ بين جدارين مائلين من الطوب والحجر. لم يكن في الداخل ضجيج، بل موسيقى واهنة تتردّد من جهازٍ قديمٍ في الزاوية، تتخلّلها رائحة زيت الكتّان والدهان العتيق. توقّف فجأةً، كأنّ شيئًا استوقفه في منتصف الحلم.

كانت هناك، تتدلّى على الجدار المقابل، لوحةٌ مؤطّرة بخشبٍ عتيقٍ محفورٍ بنقوشٍ دقيقةٍ تشبه الأجنحة. وفي قلب الإطار، كانت امرأةٌ تمشي نحوه بخطًى وادعةٍ واثقةٍ، بثوبٍ أبيض فضفاضٍ بدا كوميضٍ من نسيجٍ لا يُمسّ. خلفها تماوجت الألوان كأنّها سماءٌ تتهيّأ للفجر، تفتح ذراعيها على ضوءٍ لا يأتي من الخارج، بل ينبثق من داخلها.

الإطار الخشبيّ العتيق بدا كأنّه شاهدٌ على زمنٍ مضى؛ تآكلت حوافه من أثر الأيدي التي مرّت عليه، لكنه ظلّ يحتفظ بشيءٍ من فخامته الأولى. زخارفه الملتفّة كانت تشبه أجنحةً متشابكةً تحرس الحلم في داخله. في عمق الإطار، وقفت المرأة حافيةً كأنّ الأرض تُطاوِع خُطاها. بشرتها تُضيء بصفاءٍ يختلط فيه الضوء بالظلّ، وشَعرُها المنسدل على كتفيها كخيوطِ قمحٍ في شمس الغروب. كانت نظرتها تجمع بين الطمأنينة والغموض، كأنّها تُبشّر وتُعاتب في آنٍ واحد.

وقف مأخوذًا، كأنّ اللحظة انتزعته من زمانه وألقته في حكايةٍ بلا بدايةٍ ولا نهاية. أحسّ أنّ اللوحة لا تُشاهد، بل تُحسّ. كان في ملامحها شيءٌ يذكّره بمن صمت عنها طويلًا، شيءٌ يُشبهها حين تبتسم بعد حيرةٍ، أو حين تُخفي دهشتها بكلمةٍ مقتضبة.

اقترب خطوةً وقال كأنّه يخاطب نفسه:
ــ إنّها تمشي نحوي، لا نحو الضوء… كأنّها تعرف الطريق الذي نسيته.

تقدّمت نحوه، وقفت إلى جانبه تُصغي لنبض الصمت بين الألوان. همست، وقد انعكست ملامحها في زجاج اللوحة:
ــ انظر إلي… لا شيء فيّ متكلّف، لا حركة ولا ابتسامة. كلّها صدقٌ بسيط، كأنّ الرسّام لم يرسم امرأةً بل طهارةً ما.
قال:
ــ أو لعلّه رسم فكرةً عن الجمال قبل أن يراه.

تبادلا النظرات بصمتٍ عميق، وفي تلك اللحظة أحسّ كلاهما أنّ ما في اللوحة لم يَعُد مجرّد جمالٍ بصريّ، بل سرًّا مشتركًا بينهما، يخصّهما وحدهما دون أن يصرّح به أحد. كأنّ المرأة في الإطار تُنصت إليهما وتبتسم لهما بصمتٍ مطمئن.

وحين غادر القاعة، كان الليل قد انزلق على جدران المدينة كستارةٍ من مخملٍ داكن. الهواء في الخارج كان يحمل رائحةَ أزقّةٍ مبتلّةٍ بندى تشرين، وشيئًا من موسيقى العود المنبعثة من مقهى قريب. سار بصمتٍ في الممرّ المرصوف بالحجارة الرمادية، غارقًا في صدى ما رآه.

قال أخيرًا بصوتٍ خافتٍ كأنّه يخشى أن يُوقظ شيئًا من اللوحة:
ــ غريبٌ كم يمكن لوجهٍ صامتٍ أن يوقظ فيَّ ما حسبته نائمًا منذ زمن…
سمعها بعد تردّدٍ قصير تقول:
ــ لأنّ الجمال لا يُخاطب العين، بل ما خلفها.
ثم أضافت، وهو يُعيد ذاكرة النظر إليها بنظرةٍ جانبية:
ــ أحيانًا نرى في لوحةٍ ما لا نجرؤ على قوله لأحد.

ابتسم، وشعر أنّ كلماتها تمسّ موضعًا خفيًّا في قلبه، الموضع الذي ظلّ يهرب منه كلّما اقترب من الاعتراف. كانت خطواته تتناغم على إيقاعٍ هادئٍ، والليل يرافقه كرفيقٍ مطمئن.

في ذهنه ظلّت المرأة في اللوحة تمشي بلا توقّف، بثوبها الأبيض، وعينيها اللتين تلمعان كذكرى لا تهدأ. أحسّ أنّها لم تبقَ في الجدار، بل خرجت منه لتسكن طريقه، كأنّها ظلّ حلمٍ لم يُكمِل تأويله بعد.

وحين ابتعد عن المعرض، التفت نحو النافذة التي ما تزال مضاءة من بعيد، وقال في نفسه:
ربّما كانت تلك المرأة هي الحلم ذاته… الحلم الذي يسبق اعترافي، ويُمهّد له.

أما هي، فبدت كأنّها تمشي إلى جواره في صمتٍ طويلٍ، وقد تسرّبت إلى ملامحها تلك الابتسامة الغامضة التي لا تنفكّ تُشعّ، كأنّها تُدرك أنّ اللوحة ومرآة الذاكرة قد تحوّلتا إلى حوارٍ صغيرٍ ما يزال يجري بينهما… وما يزال يتكوّن في الأعماق ببطءٍ، على أعتاب الحلم.

امرأةٌ من نور

دخلتُ المعرضَ كمن يدخلُ صدرَ حبيبته
لم أكن أبحثُ عن لوحةٍ
كنتُ أبحثُ عن وجهي المفقود في امرأةٍ لا أعرفها

كانت هناك
تتدلّى من الجدار كقطعةِ صلاةٍ نازلةٍ من السماء
وجهها — لا، ليس وجهًا —
بل نافذةٌ مفتوحةٌ على الفجر
على الضوء الذي يتنفّس أنوثةً ويمشي ببطءٍ نحو قلبي

يا امرأةً من نور
يا بياضًا يمشي على أطراف الحلم
أيُّ رسّامٍ تجرّأ على رسمك؟
أيُّ جنونٍ جعل هذا الجسم يُشِّعُ بالنور؟
أيُّ سرٍّ جعلكِ تبتسمين بهذا الهدوء
كأنّ العالم يتبدد بين شفتيكِ؟

 لم تكن اللوحةُ مرسومةً لتبقى جامدة على جدار
فهي تُزهر
كنتُ أسمع صوتها من عمق الطلاء
صوتًا رقيقًا يخرج من رئة الغيم ويقول لي
“اقترب… إن كنتَ تؤمن أن الجمال يمكن أن يوجع.”

اقتربتُ
وأقسم أنّها تحرّكت
عيناها تغيّرتا
ابتسمت لي كما لو أنّها تعرف ذاكرتي منذ قرون
قلت لها
“هل أنتِ امرأةٌ أم فكرة؟”
قالت
“أنا ما تخاف أن تقوله… وما تحلم أن تلمسه.”

كان الضوء يذوب بين أصابعي
وكانت الألوان تهمس بي
“هي ليست في اللوحة… هي فيك.”

تقدّمتْ نحوي
حتى شعرتُ أنّ الهواء بيننا صار جسدًا واحدًا
لمستُ الزجاج
فاهتزَّ قلبي كما لو أنّه لمس اللهب
كانت شَعراتُها تنسابُ من الإطار كأنهارٍ صغيرةٍ من ذهب
وكان الليلُ ينسحب من المكان خجلًا

يا امرأةً لم تُخلَق من تراب
 يا امرأةً مصنوعةٍ من رائحة الضوء وصفاء النور
كيف استطعتِ أن تعبثي بجسدي حد الارتجاف؟
كيف دخلتِ إلى ذاكرتي دون أن تطرقي الباب؟

خرجتُ من المعرض
لكنّها لم تبقَ هناك
كانت تمشي إلى جواري
بثوبها الأبيض
بملامحها التي تُشبه المعنى قبل أن يُنطق

يا امرأةً من ضوء
يا نُدرةَ الخيال
يا قصيدتي التي خُلقت قبل اللغة
كيف أقول لكِ إنّني أحببتُكِ
وأنا ما زلتُ أتعلم كيف أرى؟

إنّي حين أنظر إليكِ
أفهم لماذا خُلقت النار
ولماذا يكتب الشعراء وهم يبكون
أفهم أنّ الجمال ليس وعدًا
بل عقوبةٌ على من رآه ولم يمت بعد

قد يكون رسمًا توضيحيًا

اللوحة الثانية من القصة الثانية: حوارات في العتمة

كان الليلُ مستلقيًا على المدينة
كغيمةٍ من رمادٍ ناعم
يُغطي البيوتَ بأجنحةٍ من سكونٍ ثقيل

لكن السكونَ لم يكن صمتًا
بل خفقاتُ ضوءٍ ضائعٍ
ينسابُ بين النوافذِ كأنَّهُ ماءٌ منسيّ
تتسلّلُ الريحُ من شقوقِ الجدران
تحملُ رائحةَ الخشبِ الرطب
وأنينَ الطلاءِ القديم
وغبارَ الذكرى المعلّقَ في الزوايا

جلسَ وحدهُ
والمصباحُ الأصفرُ يتهالكُ فوقَ أوراقه
كأنَّهُ يشيخُ من الحنين
يرتعشُ كشمعةٍ على وشكِ الرحيل

أغلقَ النافذة
لكنَّ الريحَ – كروحٍ تعرفُ طريقَها –
تسرّبتْ من شقٍّ صغير
لمستْ خدَّهُ برفّةِ نسيم
وأحضرتْ رائحةَ اللوحة
ضوءًا لم يخفتْ منذ أن رآها
وصوتًا لم يُولدْ بعد

حدّقَ في العتمة
فانشقَّ منها ظلٌّ رقيق
خطوطٌ تتكوّنُ من أنفاسٍ ونور
حتى بدأتْ هيئةُ أنثى تتشكّلُ
من بقايا الحلمِ والخيال
كأنّ الليلَ رسمَها بنفسهِ
على صفحةِ وعيه

قالتْ بصوتٍ يخرجُ من صمتٍ يعرفُ الموسيقى
ــ لِمَ تُنكرني؟
ألم تكنْ أنتَ من أيقظَني من نومِ الجدار؟

تردّد
كأنّ الكلماتِ تخافُ أن تخرجَ عاريةً من فمه
وقالَ هامسًا
ــ أنتِ وهمٌ… لوحةٌ لا أكثر

ابتسمتْ
ابتسامةٌ تعرفُ ما لم يقل
وجلستْ قبالتهُ
فتحوّلتِ العتمةُ إلى مسرحٍ من ضوءٍ وظلال
كلُّ حركةٍ منها
كانتْ ترتجفُ في صدره
كالنَّفَسِ الأوّل بعد بكاءٍ طويل

قالتْ
ــ إن كنتَ تراني وهمًا
فلماذا يرتجفُ صوتُك؟
ولماذا، كلّما أغمضتَ عينيك
أمشي فيك نورًا لا يُطفأ؟

أشاحَ وجههُ عنها
وقالَ كمن يخفي ضعفَهُ في الظلّ
ــ لأنكِ تذكّريني بما لا يُحتمل
بجمالٍ لا يُمسّ

اقتربتْ
حتى صارَ وجهُها قريبًا
قريبًا كحلمٍ على وشكِ أن يتحقّق
كأنَّ الضوءَ انعكسَ على سطحِ ماءٍ ساكن
والماءُ يمتدُّ في الغرفةِ كلّها
يغمرُهُ
فيُدركُ أنّها لا تأتي من الخارج
بل من داخله

ــ بل أُذكّركَ بما نسيته
بالنصفِ الذي تركتَهُ في اللوحة
حينَ ظننتَ أنَّ العقلَ وحدهُ
يُنقذُ الجمالَ من الاحتراق

صمتٌ طويلٌ يسكنُ الغرفة
يُسمَعُ فيه خفقانُ قلبه
ورعشةُ الظلالِ على الجدران
وصدى المدينةِ البعيدة
حتى غدتِ الغرفةُ جسدًا ثالثًا للحوار

قالَ بصوتٍ مكسورٍ
كمرآةٍ تنزفُ ضوءًا
ــ من أنتِ؟
أنتِ حلمٌ؟
أم ظلٌّ لامرأةٍ عرفتها في زمنٍ لم يكن لي؟

ضحكتْ بخفوتٍ يشبهُ انكسارَ الضوءِ على الماء
وقالت
ــ أنا ما تخافُ أن تراهُ في نفسك
أنا النورُ الذي يطلُّ من خلالِ ظلك
الأنثى التي تكتملُ بكَ ولا تُرى

نهضَ
سارَ نحوَ المرآة
فرآها خلفَهُ
عيناها مرايا داخلَ مرايا
تبتلعُ العتمةَ وتعيدُها ضوءًا
صدى صمتٍ يملأُ المكان

قالتْ من خلفه
بصوتٍ دافئٍ كأنَّهُ نفسُهُ وقد عادَ من السفر
ــ كلّما اقتربتَ منّي، اقتربتُ أكثر
وكلّما خفتَ، تلاشى جزءٌ منّي فيك
ألن تقرأَ لي الليلة؟

التفتَ إليها
كانتْ تبتسمُ
وملامحُها تذوبُ في الضوء
كأنها فكرةٌ منسوجةٌ من قلبه

ــ أخشى أن تغيبِي إن كتبتُ عنكِ
ــ بل إن كتبتَني، سأبقى
الكلماتُ جسدي الآخر
وكلُّ حرفٍ تكتبهُ يعيدُني إلى الوجود

ثم تلاشتْ
كغبارِ ضوءٍ بعد غروبٍ متأخر
لكنَّ رائحتها بقيتْ
تسكنُ الهواءَ كأنها وعدٌ لم يُكتَب بعد

جلسَ إلى طاولته
أمسكَ القلم
والحروفُ ارتجفتْ بينَ أصابعه
تضيءُ لا لتُكتب، بل لتُرى

بدأ يكتبُ
والكلماتُ تنسابُ من العتمةِ
مثلَ ماءٍ من قلبِ حجر
يصنعُ منها لوحةً حيّة
يمتزجُ فيها الخيالُ بالواقع
والظلُّ بالنور
والخوفُ بالحنين
والنقصُ بالاكتمال

الريحُ تمرُّ مجددًا
تلمسُ أوراقه
تهمسُ بأسماءٍ لم ينطقْها
والمصباحُ الهرِمُ
يضيءُ كأنَّهُ يفهمُ ما يكتبه

حتى صارَ كلُّ ما في الغرفةِ —
الهواءُ، الضوءُ، الورقُ، الظلالُ، الصمتُ، الذاكرةُ —
جسدًا واحدًا للحب
ينبضُ بالحلم
يُعيدُ للظلمةِ معناها،ويُعيدُ لهُ وجهَهُ المفقود

 

ظِلُّ القَرار

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *