أقنعة العقل الجزء 2 الاعتراف

رواية أقنعة العقل
الجزء الثاني

المقدمة:
في المسافةِ الفاصلةِ بينَ ما نراهُ وما نُخفيه،
ينشأُ العقلُ كمرآةٍ لا تُظهِرُ كلَّ ما تعكسه.
ولأنَّ الإنسانَ لا يُولدُ على وعيٍ كاملٍ بذاته، بل يكتشفها عبرَ الخساراتِ والأسئلة،
فإنَّ الاعترافَ هو اللغةُ التي تجرّدُ الوعي من أقنعته، وتعيدهُ إلى أصلهِ الأولِ:
دهشةُ طفلٍ ينظرُ إلى الغيبِ فيؤمنُ، دونَ أن يسأل.
في هذا الجزءِ، لا يعودُ السؤالُ عن كيفَ نفكّر؟،
بل عن كيفَ نصدقُ ما نعرفه؟،
وكيفَ نغفرُ لأنفسنا حينَ نكتشفُ أنَّ العجزَ ليسَ خطيئةً، بل طبيعةُ الخلق.
كلُّ ما سيُقالُ هنا ليسَ سيرةً لشخصٍ واحدٍ،
بل ظلالًا لأرواحٍ مرّتْ فينا وتركَتْ أثرها في الذاكرة.
الطفلُ الذي خافَ من صوته،
والشابُّ الذي صمتَ كي ينجو،
والرجلُ الذي كتبَ ليبقى،
كلُّهم يلتقونَ في هذه الصفحاتِ ليرفعوا القناعَ الأخيرَ عن العقل،
وليعترفوا — لا بالخطأ، بل بالبحث.
إنها رحلةُ الكتابة حينَ تصيرُ طريقًا إلى الإيمان،
ورحلةُ الإيمان حين يُعيدُ العقلُ قراءتَهُ في المرآة.
الاعتراف:
بَدَا الطَّقْسُ بَارِدًا قَلِيلًا فِي ذَلِكَ الصَّبَاحِ البَاكِرِ مِنْ أَوَاخِرِ الصَّيْفِ، وَقَدْ شَارَفَ آبٌ عَلَى رَحِيلِهِ.
كَانَ الرَّجُلُ يَمْشِي عَلَى مَهَلٍ، غَيْرَ بَعِيدٍ عَنْ بَيْتِهِ، فِي مَمَرٍّ ضَيِّقٍ لِلْمُشَاةِ، يَفْصِلُ بَيْنَ حَدِيقَةٍ عَامَّةٍ وَطَرِيقٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ الحَافِلَاتُ.
كَانَتِ الطُّرُقَاتُ حَوْلَهُ شِبْهَ خَالِيَةٍ، إِلَّا مِنْ بَعْضِ السَّيَّارَاتِ وَالحَافِلَاتِ الَّتِي تَمْضِي مُتَثَاقِلَةً فِي بُكُورِ النَّهَارِ.
وَعَلَى مَسَافَةٍ قَرِيبَةٍ، بَدَتِ سَيِّدَةٌ فِي أَوَاخِرِ عَقْدِهَا الرَّابِعِ تُنَزِّهُ كَلْبَهَا الصَّغِيرَ، تُحَادِثُهُ بِكَلِمَاتٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وَفِي أُذُنَيْهَا سِرٌّ صَوْتِيٌّ تُخْفِيهِ سَمَّاعَتَانِ دَقِيقَتَانِ.
كَانَ الكَلْبُ يَسْبِقُهَا فِي حَمَاسٍ عَلَى المَسَاحَةِ الفَاصِلَةِ بَيْنَ الحَدِيقَةِ وَمَمْشَى العَابِرِينَ، يَرْفَعُ رَأْسَهُ حِينًا فِي تَيَقُّظٍ، وَيُدْنِي أَنْفَهُ أُخْرَى يَبْحَثُ عَنْ أَثَرٍ فِي العُشْبِ الرَّطْبِ، مُطْلِقًا بَيْنَ فَيْنَةٍ وَأُخْرَى نُبَاحًا خَافِتًا يُشْبِهُ الهَمْسَ إِذَا عَثَرَ عَلَى شَيْءٍ أَثَارَ فُضُولَهُ.
لَمَّا دَخَلَ الرَّجُلُ الحَدِيقَةَ، أَخْرَجَ مِن جَيْبِهِ الدَّاخِلِيِّ قِطْعَةَ قُمَاشٍ مُبَطَّنَةً بِمَادَّةٍ عَازِلَةٍ، فَمَدَّهَا عَلَى المِقْعَدِ الخَشَبِيِّ وَجَلَسَ بِهُدُوءٍ.
وَمَا إِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانه، حَتَّى اقْتَرَبَ مِنْهُ الكَلْبُ الصَّغِيرُ، يُلَوِّحُ بِذَيْلِهِ وَيُطْلِقُ هَمْهَمَاتٍ وَدِيعَةً.
حَاوَلَتِ السَّيِّدَةُ أَنْ تَجْذِبَهُ إِلَيْهَا بِصَوْتٍ خَافِتٍ وَكَلِمَاتٍ مَأْلُوفَةٍ بَيْنَهُمَا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُصْغِ، بَلْ تَابَعَ تَقَدُّمَهُ حَتَّى بَلَغَ المَسَافَةَ بَيْنَ قَدَمَيِ الرَّجُلِ، فَجَلَسَ دُونَ اسْتِئْذَانٍ.
عِنْدَئِذٍ ابْتَسَمَ الرَّجُلُ وَهُوَ يُحَدِّقُ فِيهِ، وَلَمْ يُبْدِ أَيَّ اعْتِرَاضٍ؛ كَأَنَّهُ وَجَدَ فِي ودَاعَتِهِ مَا يُسَكِّنُ شَيْئًا مِنْ دَوَاخِلِهِ.
كَانَ الكَلْبُ كَأَنَّمَا يَلْتَفت نَحْوَ سَيِّدَتِهِ بِعَيْنَيْهِ الصَّغِيرَتَيْنِ اللَّامِعَتَيْنِ، يُومِئُ لَهَا بِنَبْرَةٍ خَفِيَّةٍ تَقُولُ:
“سَأَرْتَاحُ هُنَا قَلِيلًا”.
اِلْتَفَتَ الرَّجُلُ نَحْوَ السَّيِّدَةِ الَّتِي اقْتَرَبَتْ لِتَعْتَذِرَ عَنْ سُلُوكِ كَلْبِهَا، فَابْتَسَمَ لَهَا بِوَدٍّ وَقَالَ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ:
ــ لَا مُشْكِلَةَ لَدَيَّ، لَا دَاعِيَ لِلِاعْتِذَارِ.
ظَلَّ الكَلْبُ الصَّغِيرُ جَالِسًا بَيْنَ قَدَمَيْهِ هَادِئًا، قَدْ أَسْنَدَ رَأْسَهُ إِلَى أَسْفَلِ سَاقِ الرَّجُلِ اليُمْنَى، وَأَطَالَ النَّظَرَ فِي فَرَاغٍ غَائِمٍ كَمَنْ وَجَدَ مَأْمَنَهُ.
بَدَأَ يَسْمَعُ صَوْتَ سَيِّدَتِهِ تُنَادِيهِ لِيَعُودَ، فَرَفَعَ أُذُنَيْهِ قَلِيلًا، ثُمَّ أَعَادَ رَأْسَهُ إِلَى مَكَانِهِ، غَافِلًا عَنْ نِدَائِهَا.
وَلَمَّا لَمْ يَسْتَجِبْ، تَقَدَّمَتِ السَّيِّدَةُ مَرَّةً أُخْرَى، وَاعْتَذَرَتْ ثَانِيَةً، ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْ أَنْ تَحْمِلَهُ.
فَأَجَابَهَا الرَّجُلُ وَهُوَ يُشِيحُ بِيَدِهِ مُطْمَئِنًا، وَفِي صَوْتِهِ مَسْحَةُ وَدٍّ خَفِيَّةٍ:
ــ لَا يُزْعِجُنِي وُجُودُهُ، يُمْكِنُكِ أَنْ تَأْخُذِيهِ كَمَا تَشَائِينَ.
اِنْحَنَتْ لِتَلْتَقِطَهُ شَاكِرَةً، ثُمَّ أَلْقَتْ عَلَى الرَّجُلِ تَحِيَّةً سَرِيعَةً، وَمَضَتْ فِي طَرِيقِهَا عَائِدَةً إِلَى بَيْتِهَا، تَضُمُّ كَلْبَهَا الصَّغِيرَ إِلَى صَدْرِهَا.
غَابَا فِي عُمقِ المَمَرِّ، وَالْكَلْبُ لَا يَزَالُ يَلْتَفِتُ بِنَظَرَتَيْنِ صَافِيَتَيْنِ نَحْوَ الغَرِيبِ، كَأَنَّهُ يُوَدِّعُ شَيْئًا لَمْ يَعْرِفْهُ، وَلَكِنَّهُ أَحَسَّهُ.
أَخْرَجَ الرَّجُلُ مِنْ حَقِيبَتِهِ دَفْتَرًا قَدِيمًا وَقَلَمًا، فَقَلَبَ بَعْضَ صَفَحَاتِهِ، ثُمَّ تَوَقَّفَ عِنْدَ بَيْضَةٍ نَاصِعَةٍ خَلَتْ مِنَ الكَلِمَاتِ.
أَمْسَكَ القَلَمَ بِيَدٍ رَزِينَةٍ وَكَتَبَ عَلَى مَهَلٍ:
“كَمْ كَانَ هَذَا الكَلْبُ الصَّغِيرُ لَطِيفًا…”
تَأَمَّلَ الجُمْلَةَ قَلِيلًا، ثُمَّ وَضَعَ نُقْطَةً أَخِيرَةً، كَأَنَّهَا نُقْطَةُ صَمْتٍ.
لكنَّه، في اللَّحظةِ نَفْسِها، تَذَكَّرَ ذاكَ الكَلْبَ الأَسْوَدَ الكَبِيرَ الَّذِي خَرَجَ مِنْ وَرَاءِ سِتَارِ الزَّمَانِ قَبْلَ أَيَّامٍ، وَجَلَسَ قُبَالَتَهُ كَمَنْ يَنْتَظِرُ اعْتِرَافًا مُؤَجَّلًا.
كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ صَدَى المَاضِي، فِي هَيْئَةِ أَشْخَاصٍ جَاؤُوا يُحَاسِبُونَهُ؛
يَرْمُونَهُ مَرَّةً بِالغَبَاءِ، وَأُخْرَى بِالبَلَاهَةِ، وَيُلْصِقُونَ بِهِ أَسْمَاءً مُتَقَارِبَةَ المَعْنَى، مُتَبَايِنَةَ الوَقْعِ، كَأَنَّهَا أَقْنِعَةٌ لِلْعَقْلِ تَتَبَدَّلُ أَحْجَامُهَا وَأَلْوَانُهَا وَأَشْكَالُهَا، تَتَقَارَبُ أَحْيَانًا وَتَتَنَافَرُ أُخْرَى.
وَهُوَ، وَسْطَ ذٰلِكَ كُلِّهِ، كَانَ يَرَى نَفْسَهُ كَمَنْ يُشَاهِدُ مَسْرَحًا يَتَنَكَّرُ فِيهِ الجَمِيعُ، وَيَنْسَى ــ لِوَهْلَةٍ ــ أَنَّهُ المَحْوَرُ الَّذِي تَدُورُ حَوْلَهُ أَنْظَارُ المُمَثِّلِينَ، وَأَنَّهُ، فِي عُيُونِهِم، مِرْآةٌ تُجَسِّدُ مَا يَخْشَوْنَ أَنْ يَرَوْهُ فِي أَنْفُسِهِم.
تَسَاءَلَ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ يُقَلِّبُ النَّظَرَ فِي سُكُونِ الحَدِيقَةِ:
“أَتُرَى لِلْأَحْدَاثِ الرَّاهِنَةِ صِلَةٌ بِمَا جَرَى فِي المَاضِي؟
أَيَكُونُ لِوُجُودِ كَلْبَيْنِ، صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ، دَلَالَةٌ خَفِيَّةٌ تُشِيرُ إِلَى شَيْءٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ؟
وَهَلْ تَرْتَبِطُ هٰذِهِ الإِشَارَاتُ بِمَا سَيَحْدُثُ فِي مَا بَعْدُ، أَمْ أَنَّ كُلَّ مَا جَرَى لَيْسَ سِوَى مَحْضِ مُصَادَفَةٍ تَلْعَبُ بِالعَقْلِ كَمَا يَلْعَبُ الوَهْمُ بِالزَّمَنِ؟”
وَبَيْنَمَا هُوَ غَارِقٌ فِي هَذِهِ التَّسَاؤُلَاتِ، لَاحَ لَهُ خَيْطُ ذِكْرَيَاتٍ قَدِيمَةٍ، كَأَنَّ الحَدِيقَةَ نَفْسَهَا أعادَتْ لَهُ مِنَ المَاضِي: ضَحِكَاتُ طُفُولَةٍ بَعِيدَةٍ، أَصْوَاتُ أَهْلٍ رَحَلُوا، وَوُجُوهٌ مَرَّتْ أَمَامَهُ سَرِيعًا كَمَا لَوْ أَنَّ الزَّمَنَ يُعِيدُ عَرْضَهُ الخَاصَّ.
رَأَى أَمَامَهُ المَشْهَدَ كُلَّهُ وَكَأَنَّهُ لَوْحَةٌ تُرْسَمُ بِحَذَرٍ شَدِيدٍ؛ الكَلْبَانِ، الحَدِيقَةَ، أَصْوَاتُ النَّاسِ، كُلُّ شَيْءٍ أَصْبَحَ فَجْأَةً جُزْءًا مِنْ فُسَيْفِسَاءِ أَكْبَرَ، تَتَدَاخَلُ فِيهَا الحُرِّيَّةُ بِالمُرَاقَبَةِ، وَالحَقِيقَةُ بِالوَهْمِ، وَالحَيَاةُ القادمة بِالمَاضِي.
وَفِي صَمْتٍ مُمتَدٍّ، شَعَرَ أَنَّ هَذِهِ اللَّحْظَةَ — لَحْظَةُ الوُقُوفِ مَعَ دَفْتَرِهِ وَالكَلْبِ الصَّغِيرِ الذِي عَادَ فِي خَيَالِه ِليَبقَى إِلَى جَانِبِهِ — هِيَ البَوَّابَةُ الَّتِي تُعِيدُ لَهُ وَعْيَهُ الذَّاتِيَّ، لِتَبْدَأَ رِحْلَةُ إِعَادَةِ قِرَاءَةِ الأَحْدَاثِ المَاضِيَةِ وَفَهْمِ مَا كَانَ يَحْدُثُ فِي أَعْمَاقِ وَطَنِهِ وَعَقْلِهِ مَعًا.
ثُمَّ اسْتَدْرَكَ:
“الأَجْدَرُ بِالمَرءِ أَنْ يَبْحَثَ دَائِمًا عَنْ سَبَبٍ؛ دَعْوَةٍ لِلتَّفْكِيرِ… أَمَّا أَنَا، فَقَدِ اعْتَدْتُ أَنْ أَسْتَعِينَ بِالْكِتَابَةِ لِأَسْتَعِيدَ صَفَاءَ الرُّؤْيَةِ.
الْكِتَابَةُ… آه، هَذِهِ الْعَادَةُ الَّتِي مَا زَالَتْ تُطَارِدُنِي، وَمَا أَزَالَ أَفُرُّ عَبْرَهَا إِلَى أَبْعَادٍ أَعْمَقَ مِمَّا يَلْمِسُهُ الْآخَرُونَ.”
جَلَسَ الرَّجُلُ يَكْتُبُ، ثُمَّ تَوَقَّفَ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يَهْمِسُ إِلَى نَفْسِهِ بَيْنَ السُّطُورِ:
ــ كَمْ كَانَ هَذَا الكَلْبُ الصَّغِيرُ لَطِيفًا…
رَفَعَ عَيْنَيْهِ عَنِ الوَرَقِ، وَأَحَسَّ بِظِلٍّ يَتَقَدَّمُ مِنْ أَعْمَاقِ الذِّكْرَى: كَلْبٌ أَسْوَدُ كَبِيرٌ، كَانَ قَدْ ظَهَرَ لَهُ قَبْلَ أَيَّامٍ وَجَلَسَ فِي مُوَاجَهَتِهِ. لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ كَلْبٍ؛ بَلْ كَانَ يَحْمِلُ مَلَامِحَ المَاضِي فِي هَيْئَةِ أَشْخَاصٍ يَنْهَالُونَ عَلَيْهِ بِالنَّعُوتِ: غَبِيٌّ، أَبْلَهُ، بَلِيدٌ… كَلِمَاتٌ تَتَغَيَّرُ صِيغَتُهَا وَلَكِنَّهَا تَتَشَابَهُ فِي آثَارِ جِرَاحِهَا، كَأَقْنِعَةٍ مُخْتَلِفَةٍ لِوَجْهِ وَاحِدٍ.
سَأَلَ نَفْسَهُ:
ــ هَلْ مَا جَرَى اليَوْمَ امْتِدَادٌ لِمَا سَبَقَ؟
هَلْ هُنَاكَ مَعْنًى خَفِيٌّ فِي أَنْ يَلْتَقِيَ بِكَ كَلْبَانِ؛ أَحَدُهُمَا صَغِيرٌ وَدِيعٌ، وَالآخَرُ أَسْوَدٌ هَائِلٌ؟
أَمْ أَنَّهَا مُصَادَفَاتٌ عَابِرَةٌ لَا أَكْثَرَ؟
أَطْرَقَ قَلِيلًا، ثُمَّ خَطَّ مَجَدَّدًا:
ــ الْكِتَابَةُ… وَحْدَهَا الْكِتَابَةُ تُعِيدُ لِي صَفَاءَ الرُّؤْيَةِ. إِنَّهَا عَادَتِي الْقَدِيمَةُ، مَلْجَأِي الَّذِي أُطَارِدُ بِهِ شَبَحَ الزَّمَنِ وَأَفِرُّ خِلَالَهُ إِلَى أَعْمَاقٍ أَبْعَدَ مِمَّا يَرَاهُ الْآخَرُونَ.
وَلَكِن…
مَاذَا أَكْتُبُ الآنَ؟
وَلِمَاذَا أَكْتُبُ؟
وَلِمَنْ سَأَكْتُبُ؟
هَلْ أَدَوِّنُ اعْتِرَافَاتِي لِأَدَافِعَ عَنْ نَفْسِي، وَعَنْ سُلُوكِي، كَيْ أَدْحَضَ الاتِّهَامَاتِ الَّتِي أَطْلَقَهَا الجَمِيعُ عَلَيَّ يَوْمًا؟
بَدَأَتْ هَذِهِ الأَسْئِلَةُ، وَغَيْرُهَا كَثِيرٌ، تَتَقَدَّمُ إِلَى صَدَارَةِ تَفْكِيرِهِ، لِتَأْخُذَ مِنْهُ اهْتِمَامًا جَادًّا وَصَادِقًا وَشَفَّافًا هَذِهِ الْمَرَّةَ. وَكَأَنَّ الْكِتَابَةَ دَفَعَتْهُ إِلَى الانْعِزَالِ، وَحَاوَرَتْهُ فِي وَحْدَتِهِ، فَأَخَذَ يَسْتَعْرِضُ مَا يَزِيدُ عَنْ سِتِّينَ عَامًا مِنَ الْوَعْيِ وَالإِدْرَاكِ: أَحْدَاثٌ كَثِيرَةٌ تَكَرَّرَتْ لِأَسْبَابٍ مُتَشَابِهَةٍ، وَأُخْرَى كَانَتْ فَرِيدَةً بِمَا حَمَلَتْهُ مِنْ طَابَعٍ خَاصٍّ. بَعْضُهَا كَانَ سَعِيدًا، وَبَعْضُهَا الآخَرُ مُؤْلِمًا، وَقَدْ تَجَاوَزَهَا بِصَبْرٍ وَاحْتِمَالٍ وَصَمْتٍ طَوِيلٍ.
وَلَكِنْ… كَيْفَ سَينْقلُ كُلَّ ذَلِكَ؟
كَيْفَ يُجَسِّدُ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ صُوَرًا حَيَّةً تَنبُضُ مِنْ جَدِيدٍ؟
وَهَلْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِيدَ الزَّمَنَ إِلَى الْوَرَاءِ لِيُحْضِرَ الْأَشْخَاصَ الَّذِينَ شَكَّلُوا ذَاكِرَتَهُ؟ كَمْ مِنْهُمْ رَحَلَ، وَكَمْ نُسِيَ، وَكَمْ صَارَ بَعِيدًا لَا يُحَدّثُ وَلَا يُرَى؟
جَلَسَ يَتَأَمَّلُ الْأَوْرَاقَ أَمَامَهُ، كَأَنَّ الْحُرُوفَ لَمْ تَعُدْ تَكْفِي لِتَفْسِيرِ مَا يَثْقُلُ صَدْرَهُ. تَوَقَّفَ طَوِيلًا عِنْدَ فِكْرَةٍ ظَلَّتْ… تُلَاحِقُهُ مُنْذُ أَنْ بَدَأَ يَتَسَاءَلُ عَنْ جَدْوَى الْكِتَابَةِ:
ــ أَيُمْكِنُ لِلْعَقْلِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ مَا هُوَ أَوْسَعُ مِنْ مَدَاهُ؟ أَيُمْكِنُ أَنْ يُمْسِكَ بِالْغَيْبِ الَّذِي طُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ؟
أَطْرَقَ بِرَأْسِهِ، وَأَجَابَ نَفْسَهُ هَمْسًا:
“الْعَقْلُ لَا يَمْلِكُ سِوَى أَنْ يَعْتَرِفَ بِحُدُودِهِ. إِنَّهُ يَقِفُ أَمَامَ الْغَيْبِ كَمَا يَقِفُ طِفْلٌ عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ؛ يَلْمَسُ الزَّبَدَ، وَيَسْمَعُ هَدِيرَ الْمَوْجِ، وَلَكِنَّهُ لَا يُدْرِكُ عُمْقَ الْمُحِيطِ وَلَا مَدَاهُ.
الْغَيْبُ أَكْبَرُ مِنَ الْمَدَارِكِ، وَأَبْعَدُ مِنَ الْحَوَاسِّ، وَأَوْسَعُ مِنْ كُلِّ مَا تَبْلُغُهُ اللُّغَةُ وَالْخَيَالُ.
وَمَا الإِيمَانُ بِهِ إِلَّا أَنْ أُسَلِّمَ بِهَذَا الْعَجْزِ، لَا عَنْ ضَعْفٍ، بَلْ عَنْ يَقِينٍ بِأَنَّ الْحَقِيقَةَ لَا تُخْتَصَرُ فِيمَا أَرَاهُ بِعَيْنِي.”
رَفَعَ قَلَمَهُ مِنْ جَدِيدٍ، وَكَتَبَ بِبُطْءٍ:
“أُؤْمِنُ بِالْغَيْبِ… لِأَنَّ الْغَيْبَ هُوَ مَا يُكَوِّنُ إِنْسَانِيَّتِي، وَيَحْمِيهَا مِنَ الغُرُورِ، وَهُوَ مَا يَفْتَحُ لِي بَابَ الأَمَلِ فِي أَنَّ مَا وَرَاءَ هَذَا الْعَالَمِ الْمُدْرَكِ، عَالَمٌ آخَرُ أَرْحَبُ مِمَّا نَرَاهُ الآن.”
ثُمَّ أَسْنَدَ رَأْسَهُ إِلَى الْكُرْسِيِّ، شَاعِرًا أَنَّهُ خَطَا خُطْوَةً جَدِيدَةً نَحْوَ اعْتِرَافٍ أَعْمَقَ؛ اعْتِرَافٍ لَا يَخُصُّ الْمَاضِي وَحْدَهُ، بَلْ يَشْمَلُ الْحَاضِرَ وَمَا سَيَبْقَى غَائِبًا عَنْ مَدَارِكِهِ إِلَى أَنْ يَلْتَقِيَهُ وَجْهًا لِوَجْهٍ.
وَعَادَ يَكْتُبُ:
“كَثِيرًا مَا بَدَا لِي أَنَّ الْكِتَابَةَ ذَاتَهَا ضَرْبٌ مِنَ الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ؛ فَأَنَا أَضَعُ الْحُرُوفَ وَلَا أَدْرِي إِلَى أَيْنَ سَتَقُودُنِي، أُحَرِّكُ الْقَلَمَ وَأَكَادُ أَجْهَلُ الْمَصِيرَ الَّذِي تُفْضِي إِلَيْهِ السُّطُورُ. إِنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى أَنِّي أُؤْمِنُ بِمَا لَمْ أَرَ بَعْدُ، وَبِأَنَّ فِي دَاخِلِ الْوَرَقِ سِرًّا يَتَكَوَّنُ، يَنْتَظِرُ أَنْ يُكْشَفَ.”
“حِينَ كُنْتُ فِي الْمُعْتَقَلِ، لَمْ يَكُنْ أَمَامِي سِوَى الْغَيْبِ أَسْتَنِدُ إِلَيْهِ؛ لَمْ أَكُنْ أَرَى نِهَايَةَ الطَّرِيقِ، وَلَا أَعْلَمُ: هَلْ سَأَخْرُجُ أَمْ أَبْقَى بَيْنَ الْجُدْرَانِ؟
الْعَقْلُ كَانَ يَبْحَثُ عَنْ تَفْسِيرٍ، عَنْ حِسَابَاتٍ لِلْمَصِيرِ، وَلَكِنَّ الْقَلْبَ وَحْدَهُ آمَنَ بِالْغَيْبِ؛ فَكَانَ الْإِيمَانُ آنَذَاكَ أَشْبَهَ بِمِصْبَاحٍ صَغِيرٍ يُبَدِّدُ عَتْمَةَ الْخَوْفِ، وَيَمْنَحُنِي يَقِينًا أَنَّ لِلْحَيَاةِ وَجْهًا آخَرَ لَمْ يُكْشَفْ لِي بَعْدُ.
كُلُّ اعْتِرَافٍ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ وُقُوفٌ عَلَى عَتَبَةِ الْغَيْبِ؛ فَأَنَا لَا أُدْرِكُ تَمَامًا كَيْفَ سَتَتَلَقَّاهُ الْعُيُونُ، وَلَا كَيْفَ سَتُفَسَّرُ كَلِمَاتِي بَعْدَ أَنْ تُغَادِرَنِي.
مَا أَكْتُبُهُ الآنَ لِي، وَلَكِنَّهُ لَنْ يَبْقَى مُلْكِي بَعْدَ أَنْ أَضَعَهُ عَلَى الْوَرَقِ؛ عِنْدَهَا قَدْ يَبْدُو غَيْبًا فِي أَعْيُنِ الْبَعْضِ الْآخَرِينَ الَّذِينَ سَيُفَسِّرُونَهُ نَحْوًا يُدْفِعُهُمْ كَيْ يَنْعَتُوا صَاحِبَهُ بِالْغَبَاءِ.
لِذَلِكَ، أَكْتُبُ الآنَ وَفِي دَاخِلِي شُعُورٌ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ إِنَّمَا أَضَعُهَا وَدِيعَةً فِي صُنْدُوقِ الْغَيْبِ، لِيُفْتَحَ فِي زَمَنٍ لَا أَعْلَمُهُ، وَبِأَيْدٍ لَا أَعْرِفُهَا؛ تَارِكًا لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَفْهَمَ مِنْهَا مَا يَشَاءُ، وَكَمَا يَشَاءُ، وَأَنْ يَصِفَ صَاحِبَهَا بِمَا يَشَاءُ.
فَلَمْ أَعُدْ أُبَالِي، مَا دُمْتُ قَدْ أَفْرَغْتُ قَنَاعَتِي كَمَا هِيَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْرَاقِ.”
فَكَمْ مَرَّةً جَلَسَ إِلَى مَكْتَبِهِ الْمُتَوَاضِعِ، بَعْدَ أَنْ هَيَّأَ أَوْرَاقَهُ وَقَلَمَهُ، مُحَاوِلًا أَنْ يَكْتُبَ، وَلَكِنَّ الْأَفْكَارَ كَانَتْ – كَأَنَّمَا – فِي حُبَيْسَةٍ تَتَصَارَعُ؛ تُحَاوِرُ تَفَاصِيلَ بَعْضِهَا، وَتُجَادِلُ أَجْزَاءً مِنْ بَعْضِهَا الآخَرِ.
لَقَدْ كَانَتِ الْأَيَّامُ، بِمَا حَمَلَتْ مِنْ أَحْدَاثٍ، وَوُجُوهٍ، وَشَخْصِيَّاتٍ ثَانَوِيَّةٍ وَهَامَّةٍ، مُنْذُ أَنْ بَدَأَ وَعْيُهُ عَلَى الْوُجُودِ وَحَتَّى هَذَا الْيَوْمِ، تُخِيفُهُ أَوْ تُحْرِجُهُ مِنْ أَنْ يُصَرِّحَ أَمَامَ الْقَارِئِ بِمَا عَاشَهُ حَقًّا.
فَكَمْ مَرَّةً وَجَدَ نَفْسَهُ مُتَعَصِّبًا فِي عَيْنِ مَنْ كَانَ يَرَى الاِنْفِتَاحَ رَذِيلَةً وَسَفَاهَةً، وَمُنْفَتِحًا فِي نَظَرِ مَنْ اعْتَبَرَ الاِلْتِزَامَ بِتَعَالِيمِ الْفِطْرَةِ السَّمْحَةِ ضَرْبًا مِنَ التَّعَصُّبِ!
جَلَسَ الرَّجُلُ عَلَى كُرْسِيِّهِ الْمُتَهَالِكِ، وَالْقَلَمُ فِي يَدِهِ، وَالْوَرَقَةُ أَمَامَهُ صَامِتَةٌ، تَنْتَظِرُ أَنْ يَكْتُبَ فِيهَا مَا لَا يَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ.
فَجْأَةً، اسْتَحْضَرَ صُورَةَ الْكَلْبِ الأَسْوَدِ الْكَبِيرِ، ذَاكَ الَّذِي خَرَجَ قَبْلَ أَيَّامٍ مِنْ وَرَاءِ سِتَارِ الزَّمَانِ، وَجَلَسَ أَمَامَهُ صَامِتًا، كَأَنَّهُ حَامِلُ رِسَالَةِ الْمَاضِي.
صَوْتٌ دَاخِلِيٌّ:
ــ أَهُوَ مُجَرَّدُ كَلْبٍ؟ أَمْ أَنَّهُ تَجسِيدٌ لِكُلِّ مَنْ رَمَانِي بِالْغَبَاءِ، بِالْبَلَاهَةِ، بالجُبْنِ؛ بِالْأَسْمَاءِ الَّتِي تَغَيَّرَتْ فِي الشَّكْلِ لَكِنَّهَا وَاحِدَةٌ فِي الْمَعْنَى؟
وَفَجْأَةً اجْتَاحَ صَوْتُ طُفُولَتِهِ الصَّغِيرَةِ ذِهْنَهُ:
ــ تَذَكَّرْ، يَا أَنَا الصَّغِيرُ… كَيْفَ كُنْتَ تَخَافُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ؟ كَيْفَ كُنْتَ تُصَدِّقُ كُلَّ مَا تَرَاهُ الْعَيْنُ؟
ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ صَدِيقُهُ “حَسَن” مِنْ أَيَّامِ المَدْرَسَةِ، وَصَوْتُهُ يَخْرُجُ كَمَا لَوْ كَانَ مِنْ بُعْدٍ زَمَنِيٍّ غَائِرٍ:
ــ وَأَيْنَ كُنْتَ حِينَ رَمَاكَ الْجَمِيعُ بِالتَّهَكُّمِ؟ أَتَعْتَقِدُ أَنَّكَ تَغَيَّرْتَ؟ أَمْ أَنَّكَ مَا زِلْتَ تَبْحَثُ عَنْ اعْتِرَافِكَ بِالوُقُوفِ عَاجِزَاً أَمَامَهُم؟
صَوْتُ أُمِّهِ، الْحَنُونُ وَالْحَزِينُ، ارْتَفَعَ بَيْنَ السُّطُورِ:
ــ كُنْتَ دَائِمًا تَبْحَثُ عَنْ ذَاتِكَ، يَا وَلَدِي… فِي الْكُتُبِ، فِي الْكَلِمَاتِ، فِي الوُجُوهِ؛ حَتَّى فِي وُجُوهِ صِغَارِ الحَيَوَانَاتِ،… أَخْبِرْنِي الآنَ، هَلْ وَجَدْتَ مَا كُنْتَ تَبْحَثُ عَنْهُ؟
الرَّجُلُ هَمْسًا لِنَفْسِهِ:
ــ الْكِتَابَةُ… وَحْدَهَا الْكِتَابَةُ تُعِيدُ لِي صَفَاءَ الرُّؤْيَةِ… وَلَكِنْ، مَاذَا أَكْتُبُ الآنَ؟ وَلِمَاذَا؟ وَلِمَنْ؟
ثُمَّ بَدَا صَوْتُ صَدِيقٍ قَدِيمٍ مِنْ أَيَّامِ الْعَمَلِ – بَعِيدًا الآنَ – يَتَدَخَّلُ فِي صَمْتِ ذِهْنِهِ:
ــ لَا تَبْحَثْ عَنْ سَبَبٍ… اُكْتُبْ لِتَعْرِفَ نَفْسَكَ، لِتُوَاجِهَ كُلَّ مَنْ كُنْتَ، وَكُلَّ مَنْ صَارَ خَلْفَكَ أَوْ بَعِيدًا عَنْكَ…
صَوْتُ المُحَقِّقِ، ضَابِطِ الأَمْنِ، يَصْدَحُ فِي ذِهْنِهِ، صَارِخًا وَلَكِنَّهُ مُتَخَيَّلٌ، يَتَدَفَّقُ كَسَيْلٍ مِنَ الاتِّهَامِ وَالضَّغْطِ:
ــ كَمْ مَرَّةً حَاوَلْتَ الدِّفَاعَ عَنْ نَفْسِكَ؟ كَمْ مَرَّةً أَرَدْتَ أَنْ تُثْبِتَ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ أَبَدًا ذَاكَ الشَّخْصَ الَّذِي رَمَينَاكَ بِهِ؟
أَلمْ تَلْجَأُ لِلْمُرَاوَغَةِ وَالْكَذِبِ؟
أَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّكَ كُنْتَ خَائِفًا مِنْ جَلَّادِينَا؟
أَمْ… أَمْ أَنَّكَ كُنْتَ تَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَادِقاً أَوْ صَرِيحًا مَعَنَا، فَتَفْشِي الحَقائِقَ الَّتِي تُخفِيهَا؟
وَتَقَدَّمَ ظِلُّ نَفْسِهِ، يَتَرَاءى لَهُ مِن أَقْبِيَةِ المُعْتَقَلِ، صَغِيرًا وَكَبِيرًا فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ، يَصْطَدِمُ بِصَمْتِهِ وَيُصَارِحُهُ بِصَوْتٍ وَاقِعٍ رَخِيمٍ، يَتَحَرَّكُ بَيْنَ الرُّؤًى وَالذِّكْرَى:
ــ كُلُّ اعْتِرَافٍ هُوَ وَقُوفٌ عَلَى عَتَبَةٍ مِنْ عَتَبَاتِ الغَيْبِ… كُلُّ كَلِمَةٍ تَكْتُبُهَا، أَيًّا كَانَتْ — كَذِبًا أَم صَادِقَةً، نَابِعَةً مِنْ دَاخِلِكَ أَم مُبْتَدَعَةً — لَنْ تَبْقَى مُلْكًا لَكَ بَعْدَ أَنْ تُلْقَى بَيْنَ أَيْدِي المُحَقِّقِينَ. فَهِيَ تَتَحَوَّلُ، كَأَنَّهَا تطِيرُ فِي الفَضَاءِ، يعِيدُ كُلُّ مَنْ يَقْرَأُهَا تَأْوِيلَهَا، وَيَصِفُ صَاحِبَهَا بِمَا يَشَاءُ، مُحَوِّلًا الحَقِيقَةَ الَّتِي تَمْلِكُهَا إِلَى وَاقِعٍ مُتَفَرِّعٍ، لَا يُمْسَكُ بِهِ وَلا يُحْجَمُ فِي كَفِّ الزَّمَنِ.
ثُمَّ عَادَ صَوْتُ صَدِيقِهِ “حَسَنٍ”، هَادِئًا، كَمَنْ يُلْقِي حِكْمَةً قَدِيمَةً مِنْ بُعْدٍ زَمَنِيٍّ:
ــ لَا تَبْحَثْ عَنْ إِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ… كُلُّ مَا عَلَيْكَ أَنْ تَكْتُبَ لِتَفْهَمَ نَفْسَكَ، لِتَلْتَقِي وجُوهَنَا جَمِيعًا، وجُوهَ مَنْ رَحَلَ وَمَنْ بَقِي، لِتَرَى فِي كُلِّ سَطْرٍ مِنْ سُطُورِكَ صَدَى خُطًى مَاضِيَةٍ تَرَاكَمَتْ، وَرُوحًا تَسْتَمِرُّ فِي السَّيْرِ مَعَكَ، مُذَكِّرَةً إِيَّاكَ أَنَّ الكِتَابَةَ لَيْسَتْ فَقَطْ سُطورًا، بَلْ مِرْآةٌ لِلذِّكْرَى، وَوَسِيلَةٌ لِلاِجْتِهَادِ فِي وَعْيِكَ الذَّاتِي.
وَظَهَرَ الكَلْبُ الأَسْوَدُ الكَبِيرُ مَرَّةً أُخْرَى، وَلَكِنَّهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ بَدَا كَمُرْشِدٍ صَامِتٍ، يَحْمِلُ هُدوءَهُ كَظِلٍّ يُرَاقِبُ وَيُوَجِّهُ.
ــ الغَيْبُ أَكْبَرُ مِنَ المَدَارِكِ… وَالإِيمَانُ بِهِ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ يَقِينٌ أَنَّ الحَقِيقَةَ أَوْسَعُ مِمَّا تَرَاهُ العَيْنُ…
أَغْلَقَ الرَّجُلُ عَيْنَيْهِ، وَأَسْنَدَ رَأْسَهُ إِلَى ظَهْرِ الكُرْسِيِّ، كَأَنَّهُ يهْمِسُ لِنَفْسِهِ وَلِلْوُجُودِ مَعًا:
ــ أُؤْمِنُ بِالغَيْبِ… لأَنَّهُ يَصُونُ إِنْسَانِيَّتِي مِنَ الغُرُورِ… وَمَا أَكْتُبُهُ لَيْسَ إِلَّا وَدِيعَةً أَضَعُهَا فِي صُنْدُوقِ الغَيْبِ، لِيُفْتَحَ حِينَ يُقَرِّرُ الزَّمَنُ وَيَحِينُ الوُقُوفُ عَلَى مَفَاتِحِهِ.
ثُمَّ ظَهَرَ الكَلْبُ الصَّغِيرُ، لَطِيفًا وَدُودًا، يَتَذَكَّرُهُ مِنْ أَيَّامِ لَعِبِهِ فِي الحَدِيقَةِ، وَكَأَنَّهُ يُنَبِّهُهُ إِلَى بَسَاطَةِ الفَرَحِ وَحلاوَةِ اللَّحَظَةِ.
ــ حَتَّى البَسَاطَةُ لَهَا أَثَرٌ… هَلْ تَذَكَّرْتَ الفَرَحَ، يَا صَدِيقِي؟
أَطَلَّ فِي ذِهْنِهِ وَالِدَاهُ، وَإِخْوَتُهُ، وَأَصْدِقَاءُ الطُّفُولَةِ، وَزُمَلَاءُ العَمَلِ، وَالرُّؤَسَاءُ، كُلُّهُمْ فِي دَائِرَةٍ صَغِيرَةٍ حَوْلَهُ، كَمَا يَرَى ظِلَّ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ.
ــ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا كَانَ جُزْءًا مِنْكَ… كُلُّ مَا جَرَى، كُلُّ كَلِمَةٍ، كُلُّ اعْتِرَافٍ… كُلُّ صَدَى يَسْكُنُ فِي وَعْيِكَ، وَيُشَكِّلُكَ مَعَ أَنَّكَ لَمْ تدْرِكْهُ كُلَّهُ فِي حِينِهِ.
الرَّجُلُ بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ عَمِيقٍ:
ــ كُلُّ هَذِهِ الأَصْوَاتِ، كُلُّ هَذِهِ الوُجُوهِ، هِيَ الحَدِيقَةُ الَّتِي أَعِيشُ فِيهَا… المَاضِي، الحَاضِرُ، الغَيْبُ… الكِتَابَةُ هِيَ الطَّرِيقَةُ الوَحِيدَةُ لِأَتَحَدَّثَ مَعَ الجَمِيعِ دفْعَةً وَاحِدَةً… لِأَعِيشَ مَعَهُمْ، وَأَفْهَمَ نَفْسِي، وَأُوَاجِهَ الغَيْبَ.
جَلَسَ طَوِيلًا، وَالقَلَمُ يَنْسَابُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، وَالوَرَقَةُ تَلْتَقِطُ كُلَّ هَمْسَةٍ، كُلَّ صُورَةٍ، كُلَّ صَدًى مِنْ حَدِيقَتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، حَيْثُ الجَمِيعُ يُحَادِثُونَهُ فِي صَمْتٍ: الطُّفُولَةُ، وَالأَصْدِقَاءُ، وَالأَهْلُ، وَالزُّمَلَاءُ، وَالضُّبَّاطُ، وَالكِلَابُ… كُلُّهُمْ يُشَكِّلُونَ خَرِيطَةَ حَيَاتِهِ، يَرْسُمُونَهَا بِصَمْتٍ وَحِكْمَةٍ، وَيُذَكِّرُونَهُ بِكُلِّ مَا عَاشَهُ، بِكُلِّ فَرحٍ وَحُزْنٍ.
وَالكِتَابَةُ هِيَ القَارِبُ الَّذِي يُبْحِرُ بِهِ عَبْرَ الزَّمَنِ، لِيَعُودَ دَائِمًا إِلَى حَيْثُ يَبْدَأُ الحِوَارُ مَعَ ذَاتِهِ وَمَعَ العَالَمِ.
نَعَمْ، كَانَ بَعْضُهُمْ يَرَاهُ مُعَقَّدًا، وَبَعْضُهُمْ الآخَرُ مُتَحَرِّرًا. وَكَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ ضَعِيفًا أَمَامَ شَخْصٍ، وَقَوِيًّا أَمَامَ آخَر؛ مُتَخَلِّفًا فِي مَوْضِعٍ، مُتَعَلِّمًا فِي مَوْضِعٍ آخَر؛ مُهْزُومًا هُنَا، مُنْتَصِرًا هُنَاكَ.
لَقَدِ اجْتَمَعَ لَهُ كُلُّ ذَلِكَ فِي آنٍ وَاحِدٍ، عَلَى مَدَى حَيَاةٍ طَوِيلَةٍ عَاشَهَا، لَا لِيُرْضِي نَفْسَهُ، بَلْ لِيَكُونَ فِي مَأْمَنٍ مِنْ أَذًى وَمَكْرٍ وَخِدَاعٍ وَظُلْمِ الآخَرِينَ.
وَكَمْ مِنْ مَرَّةٍ اضْطُرَّ أَنْ يَتْقِنَ دَوْرَ المُغفَلِ أَوِ الأَبْلَهِ، أَوِ غَيْرِ المُكْتَرِثِ، أَوِ العَابِثِ؛ لِيَبْدُو فِي أَعْيُنِ النَّاسِ غَبِيًّا، ضَعِيفًا، قَلِيلَ الحِيلَةِ، مُتَخَلِّفًا… كُلُّ ذَلِكَ كَانَ أَقْنِعَةً ثَقِيلَةً حَمَلَهَا، فَقَطْ لِيَبْقَى بَعِيدًا عَنْ مَرْمَى الطَّعْنَاتِ وَالأَحْكَامِ المُسَبَّقَةِ، وَيَحْتَفِظَ بِوُجُودِهِ وَبِرُوحِهِ.
كَانَ وَالِدُهُ أَكْثَرَ النَّاسِ فَهْمًا وَوَعْيًا لِما يعَانِيهِ وَلَدُهُ، وَأَكْثَرَهُ رَأْفَةً وَتَرَاحُمًا فِي وَسَطِ هَذِهِ الدَّوَامَاتِ المُتَجَدِّدَةِ.
لِذَلِكَ تَرَكَ لَهُ الأَبْوَابَ كُلَّهَا مَفْتُوحَةً دَائِمًا، كَأَنَّهَا تُهَدِّدُ الزَّمَنَ وَتخْلِقُ مَكَانًا خَاصًّا، يُمَكِّنُ الابْنَ مِنَ التَّحَرُّكِ وَالاِسْتِكْشَافِ بِحُرِّيَّةٍ لَا تَتَحَدَّدُ بِأَحْدٍ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ زَجْرٌ، وَلَا مَنْعٌ، وَلَا تَأْنِيبٌ، وَلَا أَمْرٌ يُقَيِّدُ سُلُوكَهُ، وَلَمْ يَشأ أن يُرْغِمَهُ عَلَى أي سُلُوكٍ مَفْرُوضٍ.
وَبِهَذِهِ الحُرِّيَّةِ الَّتِي أُعْطِيَتْ لَهُ، شَعَرَ الابْنُ أَنَّهُ يَمْتَلِكُ مَكَانَهُ الآمِن فِي عَالَمِ والده، مَكَانًا يَمْنَحُهُ الإحْسَاسَ بِالثِّقَةِ وَالاطْمِئْنَانِ، وَبِحَقِّهِ فِي الِاخْتِبَارِ، وَالْمُسَاءَلَةِ النَّفْسِيَّةِ مِن دُونِ أَيِّ ضَغْطٍ أَوْ خَوْفٍ. كانَت الحُرِّيَّةُ كَسِرٍّ صَامِتٍ يَغْمُرُهُ، يُقَوِّي رُوحَهُ مِن دَاخِلِهِ، وَيُشَكِّلُ عُمُقَهُ الذَّاتِيّ، حَيْثُ كُلُّ خَطْوَةٍ سيَخْطُوهَا تَمْلَكُهُ بَحُرِّيَّتِهَا وَتُضِيفُ إِلَى وِعْيهِ جِسْرًا لِيَسِيرَ فَوْقَهُ بَيْنَ الاضْطِرَابِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
وَأَثَّرَتْ هَذِهِ المِسَاحَةُ الْمَمْنُوحَةُ فِي نَفْسِهِ فَأَصْبَحَ يَتَأَمَّلُ وَيَفَكِّرُ بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ، يُسَائِلُ نَفْسَهُ عَنِ المَاضِي، وَعَنِ الأَوْقَاتِ الَّتِي كَانَ يَخْشَى فِيهَا المُسَاءَلَةَ وَالاحْتِسَابَ. هَذِهِ الحُرِّيَّةُ، بِسَلاَمِهَا، مَنَحَتْهُ شَجَاعَةً لِيُوَاجِهَ شَدَائِدَهُ، لِيَكْشِفَ عَنْ أَخْطَائِهِ وَنَقَائِصِهِ، وَلِيَتَصَالَحَ مَعَ نَفْسِهِ وَمَعَ ذَاتِهِ الطِّفْلِيَّةِ الَّتِي لَا تَزَالُ تَسْكُنُهُ.
وَبِحُرِّيَّةِ التَّجَرُبَةِ وَالاخْتِبَارِ، تَعَلَّمَ أَنَّ الخَطَأَ وَالاخْتِلافَاتِ لَيْسَا جَرحًا يَرُدُّهُ لِلْخَفَافَةِ وَالضَّغْطِ، بَلْ هُمَا مَفَاتِيحٌ لِفَهْمِ نَفْسِهِ وَالآخَرِينَ، وَطَرِيقٌ لِيَبْنِي وِعْيًا وَفَهْمًا أَعْمَقَ. وَهَكَذَا، صَارَت الحَيَاةُ، بِحُلُولِ كُلِّ مَوْقِفٍ وَكُلِّ مُجَرَّدٍ مِنَ الحَدَاثَةِ وَالذِّكْرَى، كَمِرْوَحَةٍ تُرَتِّبُ دَاخِلَهُ، وَتَجْمَعُهُ مَعَ نَفْسِهِ وَوُجُوهِ العَالَمِ الَّتِي عَاشَ فِيهَا.

عَادَ مُسْرِعًا إِلَى مَكْتَبِهِ، وَتَرَكَ لِقَلَمِهِ حُرِّيَّةَ الاندِفَاعِ، فَتَدَفَّقَتِ الأَفْكَارُ عَلَى وَرَقَتِهِ كَسَيْلٍ هَادِئٍ وَعمِيقٍ:
“حَتَّى عَامِ 1973، كُنْتُ قَدْ قَرَأْتُ كَثِيرًا مِنْ مُؤَلَّفَاتِ الكُتَّابِ العَرَب والرُّوسِ، وَآخَرِينَ مِنَ دول أخرى من العَالَمِ؛ مِنْهُمُ الأَلْمَانُ: غُوتِه، وَتُومَاس مَان، وَكَافْكَـا، وَبِرْتُولْت بْرِشْت، وَرِيمَارْك، وَمِنْ إِنْجِلْتِرَا: شِكْسْبِير، وَجُورْج أُورْوِيل، وَدِيكِنْز، وَجَيْن أُوسْتِن، وَفِرْجِينِيَا وُولْف، وَوِلْيَم بْلِيك، وَتُولْكِين، وَأَغَاثَا كِرِيسْتِي.
كُلُّ تِلْكَ الأَسْمَاءِ كَانَتْ تَمُرُّ فِي ذَاكِرَتِي كَنُجُومٍ تُضِيءُ طَرِيقَ قَارِئٍ فَتِيٍّ يَبْحَثُ عَنْ نُقْطَةِ ضَوْءٍ فِي عَالَمٍ مُظْلِمٍ، كَنُورٍ صَغِيرٍ يَكْشِفُ زَوايا مُغَيَّبَةٍ مِنَ الوُجُودِ وَالزَّمَنِ.
وَلَكِنَّ رِوَايَةَ جُورْج أُورْوِيل 1984 تَرَكَتْ أَثَرًا عَمِيقًا فِي وُعْيِي، فَتَوَقَّفْتُ طَوِيلًا عِنْدَ مَقُولَتِهِ الَّتِي بَدَتْ كَأَنَّهَا معَادِلٌ سَرْدِيٌّ لِكُلِّ زَيْفٍ مُمَأْسَسٍ وَمُخْتَبِئٍ تَحْتَ أَثْوَابِ الحَقَائِقِ:
ــ الحَرْبُ هِيَ السَّلَامُ.
ــ الحُرِّيَّةُ هِيَ العُبُودِيَّةُ.
ــ الجَهْلُ هُوَ القُوَّةُ.
غَيْرَ أَنَّ مَا فَاجَأَنِي حَقًّا، كَانَ تِلْكَ العِبَارَةُ الَّتِي تَتَكَرَّرُ تَحْتَ وَجْهٍ ضَخْمٍ يَرُاقِبُ كُلَّ مَنْ يَمُرُّ:
ــ الأَخُ الأَكْبَرُ يُرَاقِبُكَ.
ــ الأَخُ الأَكْبَرُ يُرَاقِبُكَ.
ــ الأَخُ الأَكْبَرُ يُرَاقِبُكَ…
فِي تِلْكَ الأَيَّامِ، لَمْ أَكُنْ أُبَالِي كَثِيرًا بِمَا تَحْمِلُهُ كَلِمَاتُ أُورْوِيل مِنْ دَلَائِلَ وَمَعَانٍ خَفِيَّةٍ؛ كُنْتُ أَقْرَؤُهُ كَمَنْ يُرَاقِبُ خَيَالًا بَعِيدًا عَن وَقْعِ الحَيَاةِ وَعَذَابِهَا. وَمَعَ ذَلِكَ، كُلُّ مَرَّةٍ أُسلِمُ بِكَلِمَةٍ أُورْوِيل، كَأَنَّنِي أَدْرِكُ بَعْدَ سِنِينَ أَنَّ المَعْنَى حَيٌّ وَمُتَحَرِّكٌ، أَعْمَقُ وَأَوْسَعُ مِنْ كُلِّ مَا يَظْهَرُ فِي الظَّاهِرِ وَالْمَعْرُوفِ.
وَلَكِنَّنِي، بَعْدَ خُرُوجِي مِنْ مُعْتَقَلِ العَقْلِ عَامَ 1974، فَهِمْتُ مَعْنَى أَنْ تَكُونَ مُرَاقَبًا عَلَى مَدَارِ السَّاعَةِ.
فَهِمْتُهُ لَا كَمَجَازٍ أَدَبِيٍّ، بَلْ كَحَقِيقَةٍ تَسْكُنُنِي، وَتَنْظُرُ إِلَيَّ مِنْ خَلْفِ عَيْنَيَّ.
فَفِي ذَلِكَ العَالَمِ المُغْلَقِ، يَغْدُو الأَخُ الأَكْبَرُ لَيْسَ وَجْهًا أَوْ صُورَةً أَوْ رَسْمًا عَلَى جِدَارٍ، بَلْ صَوْتًا يَتَكَلَّمُ فِي دَاخِلِكَ، وَيُقَنِّنُ لَكَ حُدُودَ الخَوْفِ وَمِقْدَارَ الصَّمْتِ.
كَمْ كُنْتُ أَعْلَمُ! فِي أَعْمَاقِي، أَنَّنِي لَنْ أَقْدِرَ يَوْمًا عَلَى أَنْ أَحْيَا كَمَا يَنْبَغِي لِإِنْسَانٍ أَنْ يَحْيَا.
لَمْ أَجْرُؤْ عَلَى أَنْ أَدَعَ النَّبْضَ الإِنسَانِيَّ يَسْتَيْقِظُ فِي دَاخِلِي؛ كُنْتُ أُؤَجِّلُ حَيَاتِي كَمَنْ يَخَافُ نُورَهَا، وَأُسَكِّنُ أَحْلَامِي كَمَنْ يُرَبِّي فِي صَدْرِهِ غصَّةً لَا تَكْبُرُ وَلَا تَمُوتُ.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَقَدْ أَخَذَتْنِي الكِتَابَةُ ــ كَمَا تَأْخُذُ رُوحًا مرْهفَةً فِي طَرِيقٍ مَحْفُوفٍ بِالأَسْئِلَةِ ــ إِلَى مُوَاجَهَةٍ صَامِتَةٍ مَعَ تَنَاقُضَاتِ السِّيَاسَةِ فِي ذَلِكَ الوَطَنِ.
وَجَدْتُنِي أَكْتُبُ لِكَيْ أَفْهَمَ، ثُمَّ أَصْمُتُ لِكَيْ لَا أَنْكَسِرَ.
كَانَ القَلَمُ يَجُرُّنِي نَحْوَ المَحْظُورِ، وَالكَلِمَةُ تَكْتُبُنِي قَبْلَ أَنْ أَكْتُبَهَا.
وَكُلَّمَا حَاوَلْتُ الفِرَارَ، وَجَدْتُنِي أَعُودُ ــ مِنْ دُونِ وَعْيٍ ــ إِلَى نُقْطَةِ الأَلَمِ الأُولَى؛
تِلْكَ النُّقْطَةُ الَّتِي تَتَّحِدُ فِيهَا الكِتَابَةُ وَالمَصِيرُ، وَيُصْبِحُ فِيهَا البَوْحُ وَاجِبًا كَالنَّفَسِ.”
ثم تابَع:
“خِلَالَ الأَعْوَامِ القَلِيلَةِ الَّتِي قَضَيْتُهَا خَارِجَ مَا يُسَمَّى “وَطَنِي”، بَدَأْتُ أَتَلَمَّسُ المَعْنَى الحَقِيقِيَّ لِلتَّخَلُّفِ السِّيَاسِيِّ:
حِينَ تُجْبَرُ فِي وَطَنِكَ عَلَى الِافْتِخَارِ بِمَا يَرَاهُ العَالَمُ المُتَحَضِّرُ رِجْعِيَّةً وَتَخَلُّفًا،
وَتُقْنِعُ نَفْسَكَ ــ مُرْغَمًا ــ بِمَا تُلَقَّنُ، حَتَّى يُصْبِحَ ذَلِكَ الوَهْمُ وسَامَكَ الوَحِيدَ المُمْكِنَ،
وَتَحْمِلَهُ عَلَى صَدْرِكَ كَشَاهِدٍ عَلَى انْتِمَائِكَ،
لَا كَعَارٍ تُخْفِيهِ فِي أَعْمَاقِ نَفْسِكَ، بَلْ كَنزٍ مَزْعُومٍ يُرَادُ لَكَ أَنْ تَتَبَاهَى بِهِ.
كَانَ ذَلِكَ التَّخَلُّفُ لَا يُعْلَنُ صَرَاحَةً، بَلْ يُغْرَسُ فِي العُقُولِ عَلَى هَيْئَةِ قَنَاعَةٍ وَعِزَّةٍ زَائِفَةٍ، حَتَّى يَصِيرَ الوَهْمُ هُوَ الحَقِيقَةَ، وَالمَسْكُوتُ عَنْهُ هُوَ الوَطَنُ نَفْسُهُ.
تَعَلَّمْنَا أَنْ نُرَدِّدَ شِعَارَاتٍ نُقَدِّسُهَا، وَنَحْتَرِقُ بِهَا فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، وَأَنْ نَصِفَ خُوَاءَ الرُّوحِ بِأَنَّهُ ثَبَاتٌ عَلَى المَبْدَأ، وَقُيُودَ الخَوْفِ بِأَنَّهَا رِبَاطُ الوَلَاءِ، حَتَّى لَا نَدْرِي أَيْنَ تَصِلُ حَقِيقَةُ الوُجُودِ، وَأَيْنَ يَبْدَأُ وَهْمُ التَّخَلُّفِ، وَهَلْ نَحْنُ نَحْمِلُهُ عَلَى صُدُورِنَا أمْ أَنَّهُ يَحْمِلُنَا.
كَمَا فِي الكُتُبِ الَّتِي كُنْتُ قرَأتُهَا، وَهُنَا، فِي هَذَا البُعْدِ، رَأَيْتُ كَيْفَ كَان يُصَاغُ الوَطَنُ عَلَى مَقَاسِ الخُطَبِ وَالأَلْسُنِ، وَكَيْفَ كَانَ يُقَاسُ الإِيمَانُ بِقُدْرَةِ الإِنْسَانِ عَلَى إِخْفَاءِ أَلَمِهِ وَصَمْتِهِ.
وَأَدْرَكْتُ أَنَّ أَعْظَمَ الهَزَائِمِ لَيْسَتْ فِي الحُرُوبِ وَالصّراعاتِ، بَلْ فِي المَعَانِي الَّتِي كُنَّا نُرْغَمُ عَلَى تَصْدِيقِهَا، وَفِي القِيُودِ الَّتِي تُلْزِمُنا أَنْ نُحَجِّمَ نُورَ ذَاتِنَا، وَنُخْفِي أَحْلَامَنَا حَتَّى لَا يُسْمَعَ صَدَاهَا.
وَفِي صَمْتِ هَذِهِ المَعَانِي، عَلِمْتُ أَنَّ الخَوفَ وَالذُّلَّ لَيْسَا فَقَطْ مَا يُرَسَّخُ فِي الجُدْرَانِ وَالطُّغْيَانِ، بَلْ فِي دَاخِلِ نَفْسِ الإِنْسَانِ، حَيْثُ يُسْتَخْفَى الأَمَلُ وَتُوُهَنُ الرُّوحُ. كُلُّ خُطْوَةٍ نَحْوَ الحَقِيقَةِ تَكُونُ مُقَابَلَةً لِسُلْطَةٍ أَمَامِيَّةٍ وَخَفِيَّةٍ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ نَكْتُبُهَا هِيَ تَحَرُّكٌ فِي فَضَاءِ يَتَخَلَّلُهُ الصَّمْتُ، وَالظِّلُّ، وَخَفَقَاتُ الذِّكْرَى.
أَدْرَكْتُ أَنَّ الوَطَنَ، فِي أَبْعَدِ مَعَانِيهِ، لَيْسَ مجَرَّدَ حُدُودٍ وَخُطُوطٍ عَلَى خَرِيطَةٍ، بَلْ هُوَ خَيَالٌ يَتَحَكَّمُ فِي كُلِّ نَفَسٍ وَكُلِّ انْتِظَارٍ، يُحَاكُ فِي قُلُوبِنَا بِخُيُوطٍ نَحِيلَةٍ، وَنَكْتَشِفُهَا كُلَّ يَوْمٍ فِي تَفَاصِيلِ حَيَاتِنَا.
وَأَعْلَمُ الآنَ أَنَّهُ لَوْ كُنْتُ قَدْ تَخَلَّيْتُ عَنْ كِتَابَتِي، لَظَلَّتْ أَحْلَامِي حَبْسًا فِي صَدْرِي، وَرُوحِي غَرِقَتْ فِي مَلجَأٍ لَا يُرَى، وَكُلُّ صَدًى لِلآمَالِ صَارَ صَوْتًا مُخْتَفِيًا فِي الظُّلْمَةِ.
لِذَلِكَ، أُحَرِّكُ القَلَمَ بِحُرِيَّةٍ الآنَ، وَأُطْلِقُ لِلأَوْرَاقِ كُلَّ مَا يَخْشَى الصَّمْتُ أَنْ يقُولَهُ، وَكُلَّ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُرَى، لِيَكُونَ كِتَابِي مَرْآةً لِلنَّفْسِ، وَصَدًى لِلغَيْبِ، وَخُطْوَةً نَحْوَ حُرِّيَّتِي.
أجل كَانَ بَعْضُهُمْ يَرَانِي مُعَقَّدًا، وَآخَرُونَ يَرَوْنَنِي مُتَحَرِّرًا، وَفِي وَسَطِ هَذِهِ النَّظَرَاتِ المُتَنَاقِضَةِ كُنْتُ أَتَشَظَّى كَجَسَدٍ يَحْمِلُ وُجُوهًا كَثِيرَةً، يَرَى كُلُّ وَاحِدٍ فِيهَا ما يَشَاءُ، وَيَصْنَعُ مِنِّي صُورَتَهُ الخاصة.
فِي عَيْنٍ أَبْدُو ضَعِيفًا، وَفِي أُخْرَى أَقْوَى مِنَ القَوِيِّ، هُنَاكَ مُتَخَلِّفٌ، وَهُنَا مُتَعَلِّمٌ، هُنَاكَ مَهْزُومٌ، وَهُنَا مُنْتَصِرٌ… كُلُّ تِلْكَ الصُّوَرِ تَعَارَكَتْ فِيَّ، تَتَصَادَمُ وَتَتَسَاقَطُ، حَتَّى صِرْتُ أَشْعُرُ أَنِّي لَا أَدْرِي أَيُّهَا هُوَ “أَنَا” الحَقِيقِي.
وَعَلَى مَدَى حَيَاةٍ طَوِيلَةٍ، عِشْتُ لَا لِأُرْضِي نَفْسِي، بَلْ لِأَبْقَى فِي مَأْمَنٍ مِنْ أَذَى الآخَرِينَ، أُوَازِنُ خُطَايَ بَيْنَ مَكْرٍ وَخِدَاعٍ وَظُلْمٍ يَتَسَلَّلُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، وَأَتَعَلَّمُ كَيْفَ أخْفِي ضَعْفِي وَكَيْفَ أَظْهَرُ مَا لَا أَشْعُرُ بِهِ.
فَقَدْ شَهِدْتُ مَا حَلَّ بِاثْنَيْنِ، بَلْ أَكْثَرَ، مِنْ أَصْدِقَائِي وَزُمَلَائِي أَثْنَاءَ الدِّرَاسَةِ الثَّانَوِيَّةِ بَعْدَ عَامِ 1974، أُولَئِكَ الَّذِينَ تَمَيَّزُوا بِالشَّجَاعَةِ وَالْجُرْأَةِ، وَمَعَ عِلْمِي الْيَقِينِ بِبَرَاءَتِهِمْ مِنْ كُلِّ التُّهَمِ الَّتِي نُسِبَتْ إِلَيْهِمْ؛ وَالَّتِي كَانَتْ كَفِيلَةً بِأَنْ تُفْقِدَهُمْ حَيَاتَهُمْ وتُغَيِّرَ مَصَائِرَ أُسَرِهُمْ إِلَى الأَبَدِ.
لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَى بَيْتِهِ حَتَّى الْيَوْمِ، وَفَوْقَ ذَلِكَ، لَمْ يَتَمَكَّنْ أَحَدٌ مِنْ ذَوِيهمْ أَنْ يَعْرِفَ مَصِيرَ هَذَا الابْنِ الْبَرِيءِ.
كَانُوا طُلَّابًا مَعِي عَلَى مَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ، أَصْدِقَاءً رَافَقُونِي أَيَّامَ الْمَرَاهِقَةِ، رِفَاقًا شَهِدنا سَوِيًّا فَرَحَ الصِّغَرِ وَهُمُومَهُ.
حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ، مِنْ شِدَّةِ ثِقَتِهِ بِبَرَاءَتِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ، ذَهَبَ بِنَفْسِهِ إِلَى الْجِهَةِ الْأَمْنِيَّةِ، الَّتِي كَانَتْ قَدْ سَأَلَتْ عَنْه وَالِدَيْهِ فِي مَنْزِلِهِ، بَيْنَمَا كان هُوَ خَارِجُ الْبَيْتِ، مُؤْمِنًا أَنَّ الْحَقِيقَةَ وَحْدَهَا سَتُنقِذَهُ، غَيْرَ مُدْرِكٍ لِغَلَظَةِ أَنْيَابِ ذِئَابِ السُّلْطَةِ، وَقَسْوَةِ الْقَائِمِينَ عَلَيْهَا، تِلْكَ السُّلْطَةِ الَّتِي لَم تَرْحَمْ الْبَرَاءَةَ، وَلَم تَعْرِفْ الرَّحْمَةَ بالْقُلُوبِ النقيةِ الصَّافِيَةِ.
كَمْ كُنْتُ أَتَظَاهَرُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَأَنَا أُخْفِي بَيْنَ ضُلُوعَيَّ صَرَخَاتِ الْخَوْفِ وَصَدَى الْحَذَرِ الَّذِي لَا يَغْفُو. كُلُّ لَيْلَةٍ كَانَتْ تَتَرَاءَى لِي كَغُرَّةٍ مِنَ الظُّلْمَةِ، تَلُفُّنِي صَمْتًا وَوِحْدَةً، وَأَحْمِلُ فِي صَدْرِي أَحْلَامًا مُسْتَعْصِيَةً وَوُجُوهًا أُخْفِي أَوْجُهَهَا عَنِ الْعَالَمِ، كَأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الظُّلُمَاتِ تَسْتَعِدُّ لِتَفْتكَّ بِفَرَحِي وَبِصَمْتِي.
كُلُّ نَفَسٍ كَانَ يَخْتَزِنُ سِرًّا، وَكُلُّ حَسٍّ يَرْصُدُ خَفْقَاتِ الْخَوْفِ فِي قَلْبِي، وَكَمْ أَعْلَمُ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ الَّتِي أُظْهِرُهَا هِيَ سِلْسِلَةٌ رَقِيقَةٌ مِنَ الْخدَعِ، وَأَنَّ كُلَّ ضَحِكَةٍ أَوْ كَلِمَةٍ مُهَرَّبَةٍ فِي الْعَالَمِ الْخَارِجِيِّ، تَخْتَبِئُ وَرَاءَهَا عَاصِفَةٌ مِنَ الْهمُومِ وَالْخَشْيَةِ.
وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ، كَانَتِ الْظلمَةُ تَصْبِغُ صَدَى صَمْتِي بِأَلْوَانِ الْوَحْشَةِ وَالْمَرَابَطِ، أَحْمِلُ عَلَى ضِلُوعِي تَارِيخًا مِنَ الْخَوْفِ، وَأَصْنَعُ مِنْ أَحْلَامِي مَلاذًا لِقَلْبِي، لَا يَسْمَعُهُ إِلَّا أَنَا وَالظُّلُمَاتُ.
وَبَيْنَ كُلِّ هَذَا، كُنْتُ أَدْرِي أَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مَكَانٍ لِلرُّؤْيَا، بَلْ مَسَارٌ مُتَفَتِّحٌ لِلتَّحَلِّي بِالصَّبْرِ وَالذَّكَاءِ لِتَجَنُّبِ الأَذَى، وَلِلتَّوَجُّهِ نَحْوَ نُورٍ خَفِيٍّ يَخْتَبِئُ فِي أَعْمَاقِي.
وكم كان كبيرًا ذَلِكَ العَدَدُ مِنَ الأَصْدِقَاءِ وَزُمَلَاءِ الدِّرَاسَةِ، الَّذِينَ أُجْبِرَ أَهْلُهُمْ عَلَى إِبْعَادِهِمْ لَيْسَ عَنْ بَيْتِهِمْ فَحَسْبُ بَلْ عَنْ الْوَطَنِ فَجْأَةً، كَأَنَّ الرِّيحَ حَمَلَتْهُمْ بَعِيدًا عَنْ ذَاكَ الْمَكَانِ الَّذِي أَحَبُّوهُ، وَلَا تَخْطِيطَ مُسْبَقًا، فِي عَتْمَةِ لَيْلٍ بِلَا نُجُومٍ، حَيْثُ لَا يُهْتَدَى سِوَى بِقَلْبٍ يَخْشَى. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ يَحْمِلُ مَعَهُ صَرْخَةً خَافِتَةً مِنَ الْبَرَاءَةِ الَّتِي لَمْ تُحْفَظْ، وَدمْعَةً لَمْ تُسْمَعْ، وَأَحْلَامًا ضَائِعَةً تَائِهَةً بَيْنَ جُدْرَانِ وَطَنٍ صَارَ يَغْدُو أَقْصَرَ مِنْ أَنْ يَحْتَضِنَهُمْ.
وَفِي صَمْتِ تِلْكَ اللَّيَالِي، حَيْثُ تَسَلَّلَتِ الظِّلَالُ لِتُرَاقِبَ كُلَّ خُطْوَةٍ، شَعَرْتُ بِوَجَعٍ عَمِيقٍ فِي صَدْرِي؛ فَكَمْ كَانَ الْوَطَنُ خَالِيًا مِنَ الرَّحْمَةِ حِينَ يفَرِّقُنَا! وَكَمْ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ عَاجِزَةً أَمَامَ جَبرُوتِ الْغِيَابِ الْمُفَاجِئِ، وَالْقَرَارِ الَّذِي لَمْ يُسْأَلْ عَنْهُ أَحَدٌ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَارَ جُزْءًا مِنْ ذَاكِرَةِ الْوَطَنِ الْمُمَزَّقَةِ، عَلَامَةً عَلَى الْخَوْفِ الَّذِي يُحِيطُ بِالْقُلُوبِ الصَّافِيَةِ، وَعَلَى الظِّلِّ الَّذِي يُلْقِيهِ الْغِيَابُ عَلَى أَيِّ مُحَاوَلَةٍ لِلْحَيَاةِ الطَّبِيعِيَّةِ.
وَرَغْمَ كُلِّ ذَلِكَ، بَقِيَتْ صُوَرُهُمْ حَيَّةً فِي ذِهْنِي؛ ضَحِكَاتُهُمْ، أَحْلَامُهُمْ الصَّغِيرَةُ، حَرَكَتُهُمْ عَلَى مَقَاعِدِ الدِّرَاسَةِ، وَكَيْفَ كَانَ كُلُّ فَرَحٍ وَحُرِّيَّةٍ يُخْتَزَلُ فِي لَحْظَةٍ قَصِيرَةٍ قَبْلَ أَنْ يُسْلَبَ مِنْهُمْ، كَمَا لَوْ أَنَّ الزَّمَانَ نَفْسَهُ أَرَادَ أَنْ يُجَرِّبَهُمْ، وَيَخْتَبِرَ قُوَّةَ صَبْرِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَغِيبُوا عَنْ الْأَعْيُنِ، وَيَخْتَبِئُوا خَلْفَ بَوَابَاتِ الْغُرْبَةِ الْقَسْرِيَّةِ.
كَأَنَّ الحَيَاةَ، فِي نِهَايَةِ الأَمْرِ، كَانَتْ تَدْعُونِي إِلَى مَسْرَحٍ كَبِيرٍ، مُمْتَدٍّ وَغَامِرٍ بِالأَضْوَاءِ وَالظِّلَالِ، حَيْثُ يَتَعَاقَبُ عَلَيْهِ كُلُّ قِنَاعٍ كَمَا تتَعَاقَبُ فُرُوشُ الرِّيحِ عَلَى وَجْهِ البَحْرِ. كُلُّ قِنَاعٍ كَانَ يَحْمِلُ وَجْهًا مُخْتَلِفًا، صَوْتًا خَفِيًّا، وَتَارِيخًا سَريًّا يَجبُ أَنْ أَتَعَامَلَ مَعَهُ بِحِرْصٍ وَحِكْمَةٍ.
وَلِكُلِّ شَخْصٍ كُنتُ أمَثِّلُ أَمَامَهُ وَجْهًا مُخْتَلِفًا، وَكُلُّ قِنَاعٍ كَانَ يُزَيِّنُهُ خَفِيًّا الرُّوحُ، وَيَسْتُرُ وَجْهِي الَّذِي يَخْشَى أَنْ يُرَى، لِأحْمِي نَفْسِي وَأَهْلِي مِنْ طَرْفَةِ أَعْيُنِ المُحِيطِينَ، وَمِنْ شَرِّ الأَقْوَالِ، وَمِنْ غِلّ الزَّمَانِ.
وَكُلُّ قِنَاعٍ، بَيْنَمَا يَخْتَبِئُ وَيَحْمِي، كَانَ يُبْعِدُنِي خُطُوَاتٍ أُخْرَى أَبْعَدَ عَنْ نَفْسِي الْحَقِيقِيَّةِ، كَأَنَّ نَفْسِي تَتَشَقَّقُ فِي صَمْتٍ وَتَتَتَبَّعُ ضَوأَهَا الضَّعِيفَ فِي الظِّلَالِ، تُحَاوِلُ أَنْ تَبْنِي جِسْرًا يَرْجِعُ بِهِ إِلَى أَنَا الصَّادِقِ وَالمُسْتَقِيمِ الَّذِي يَخْشَى أَنْ يَتَّكِلَ عَلَى نَفْسِهِ فِي وَحْدَتِهَا.
فَكُلُّ قِنَاعٍ، وَرَاءَهُ عَالَمٌ صَامِتٌ، وَكُلُّ وَجْهٍ يَخْتَبِئُ فِي الظِّلِّ، كَانَ يُذَكِّرُنِي أَنَّ حَيَاتِي لَيْسَتْ مِلْكِي، بَلْ مِرْآةٌ لِكُلِّ مَنْ رَصَدَنِي، وَأَنَّ كُلَّ خَطْوَةٍ أَتَّخِذُهَا أَمَامَ النَّاسِ لَيْسَتْ فَقَطْ قَرَارًا، بَلْ قِصَّةً أُحَاكِي بِهَا صَوْتَ خَوْفِي وَأَمَلِي، وَكُلُّ قِنَاعٍ كَانَ صَدًى لِلصَّمْتِ الَّذِي أَحْمِلُهُ فِي دَاخِلِي.
كُنتُ فِي البِدَايَةِ أَظُنُّنِي الوَحِيدَ الَّذِي يَرْتَدِي قِنَاعًا وَسْطَ الحُشُودِ، أَوْ فِي المَجْمُوعَاتِ الَّتِي أَنْتَمِي إِلَيْهَا؛ كمجموعات الدراسة أو العمل، كُنتُ أَرَاهُ دِرْعِي الصَّامِتَ فِي عَالَمٍ لا يَرْحَمُ الصِّدْقَ.
وَلَكِنْ مَا إِنْ يَسْتَأْنِسَ بِي أحد أَفْرَادِ تِلْكَ المجَمَوعَاتِ، وَيَأْمَنُوا لِي، حَتَّى تَتَكَشَّفَ بَعْضُ أَقْنِعَتِهم الَّتِي كَانَتْ تُخْفِي وُجُوهًا شَبِيهَةً بِوَجْهِي، تَتَنَفَّسُ الخَوْفَ نَفْسَهُ، وَتَتَصَنَّعُ الطُّمَأْنِينَةَ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا.
غَيْرَ أَنَّ الأَقْنِعَةَ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا لِتَسْقُطَ؛ فَبَعْضُهَا كَانَ يُخْفِي خَوْفًا نَبِيلًا، وَبَعْضُهَا كَانَ يَتَلَمَّسُ قُرْبَكَ لِيَقْتُلَكَ.
أَقْنِعَةٌ تَبْتَسِمُ لَكَ وَفِي عَيْنَيْهَا أنيَابٌ، وَأُخْرَى تَبْكِي مَعَكَ وَفِي صَدْرِهَا خَنْجَرٌ.
كُنَّا نَسِيرُ جَمِيعًا فِي مَسْرَحٍ كَبِيرٍ، نُبْدِي الوُجُوهَ الَّتِي تُنْقِذُنَا، وَنُخْفِي الوُجُوهَ الَّتِي تَفْضَحُنَا، حَتَّى صَارَ الصِّدْقُ نَفْسُهُ أَكْثَرَ الأَقْنِعَةِ خَطَرًا.
ومَعَ كُلِّ خُطْوَةٍ، كُنتُ أَشْعُرُ أَنَّ القناعَ الَّذِي أَرْتَدِيهِ لِأُخْفِي حقيقةَ وَجْهِي، صَارَ يَخْنُقُنِي ببطءٍ رَصِينٍ. أَصْبَحَتْ أَقْنِعَتِي لَا تَحْمِينِي فَقَطْ، بَلْ تَغْرِسُ شَوْكَتَهَا فِي صَدْرِي، تُذَكِّرُنِي بِأَنَّ نَفْسِي، أَيُّ نَفْسٍ حَقِيقِيَّةٍ، كَانَتْ هُيَ الغَرِيبَةُ فِي وَسَطِ أَصْدِقَائِي وَأَهْلِي وَعَالَمِي.
وَفي كُلِّ يَوْمٍ يَمُرُّ، كُنتُ أَتَعَلَّمُ أَنَّ أَقْنِعَتِي لَا تُخْفِي خَوْفِي فَقَطْ، بَلْ تَكْشِفُهُ لِي بِلُغَةٍ صَامِتَةٍ: أَنِّي غَرِيبٌ حَتَّى فِي وَجْهِي، أَنِّي أَضِعُ بَيْنَ ظِلِّي وَوَجْهِي، أَنَّ نَفْسِي تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ، وَأَنَّ هُوِيَّتِي الحَقِيقِيَّةَ تَسْتَعِرُقُ بَيْنَ كُلِّ قِنَاعٍ أَرْتَدِيهِ.
صَارَتِ الأَيَّامُ كلها مسَارحًا، وَصَارَتِ اللَّيَالِي أَبْرَزَ مَسَارٍ لِلصَّمْتِ، وَصَارَتْ كُلُّ ضَحْكَةٍ وَكُلُّ كَلِمَةٍ يُرَاهَا الآخَرُونَ أَقْنِعَةً تَخْفِي وَجْهِي، وَتَكْشِفُ حُزْنِي. وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، أَنَا أُجِدُ نَفْسِي أَحْتَاجُ أَنْ أَكْتُبَ، وَحْدِي، لِأُصَارِحَ نَفْسِي، لِأُقَاوِمَ الصَّمْتَ، وَلِأَسْمَعَ صَدَى قَلْبِي حِينَ لا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ.
وَبَيْنَ كُلِّ قِنَاعٍ وَقِنَاعٍ، كُنتُ أَشْعُرُ بِعَيْنٍ غَامِضَةٍ تُرَاقِبُنِي، عَجِيبَةٍ لَا تَنامُ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ أَقُولُهَا، وَكُلُّ حَركَةٍ أَصْنَعُهَا، كَأَنَّهَا تُقَيَّمُ، وَتُسَجَّلُ فِي سِجِلٍّ لا أَعرِفُ مَن يَطَّلِعُ عَلَيْهِ.
كُنتُ أَسْمَعُ صَوْتَهُ أحيانًا، هُوَ صَوْتُ الأَخِ الأَكْبَرِ، صَوْتٌ يَتَسَلَّلُ مِنْ بَعْدِ الجُدْرَانِ وَالأَقْنِعَةِ، يُقَنِّنُ حُدُودِي، يُرَاقِبُ خُطَايَ، وَيُذَكِّرُنِي أَنَّ كُلَّ خطْوَةٍ تَصْنَعُهَا لَيْسَتْ لَكَ وَحْدَكَ.
وَمَعَ كُلِّ ذَلِكَ، كُنتُ أُدركُ أَنَّ المرَاقَبَةَ، وَالأَقْنِعَةَ، وَصَرْخَاتِ الصَّمْتِ الَّتِي أَخْفِيهَا، لَا تُفْقِدُنِي قُدْرَتِي عَلَى المقاوَمَةِ. فَالكِتَابَةُ صَارَتْ مَفْرَي، وَمِحْرَابِي، وَجُزْءً مِنْ دَمِي وَنَفَسِي، أَصْنَعُهَا كَحُجْرَةٍ سَاحِرَةٍ أُقَاوِمُ فِيهَا الظُّلْمَ، أَسْمَعُ صَدَى نَفْسِي، وَأَرَى وجْوهَ أصدِقَائِي وَأَهْلِي وَكُلِّ مَنْ رَحَلَ وَمَنْ بَقِي.
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، كُنتُ أَتَحَدَّثُ مَعَ العَالَمِ، وَأَفْهَمُ نَفْسِي، وَأُوَاجِهُ الغَيْبَ، وَأَرَى أَنَّ الحَقِيقَةَ لَا تَكْمُنُ فِي مَا يُرَاقِبُهُ الآخَرُونَ، بَلْ فِي المَوَاضِعِ الصَّامِتَةِ فِي صَدْرِي، حَيْثُ أَصْنَعُ نُورِي وَأَحْلَامِي، وَأَصْغِي لِصَوْتِي الحَقِيقِي.
وَخِلَالَ أَيَّامِي، كُنتُ أَشْعُرُ بِوَزنِ المرَاقَبَةِ عَلَى كَتِفَيَّ، وَكَمَا أَنَّ الأَقْنِعَةَ تَتَسَاقَطُ أَو تُسْقَطُ عَلَيَّ، كَانَ الزَّمَنُ يَسِيرُ بِثِقَلِهِ، يجْلِبُ لِي أَصْدِقَاءً وَزُمَلاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَحَلَ وَمَنْ بَقِيَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ كَانَ يُسَجِّلُ فِي ذِهْنِي صَوْتًا، ضَحِكَةً، أَو وَجْهًا.”
تنفس بعمق متأملا شيئا في فراغ الذاكرة أمامه وكتب:
“وَكُلُّ مَقَابِلَةٍ مَعَ القَائِمِينَ عَلَى السُّلْطَةِ، أَو مَنْ يَدَّعُونَ الحَقَّ فِي حُدُودِي، كَانَتْ مَثَلَ صَرِيعٍ صَامِتٍ، يَرُدُّ عَلَيَّ كُلَّ شَيْءٍ سَرِيعًا وَيُذَكِّرُنِي أَنَّ الحَقِيقَةَ لَا تُقَاسُ بِوَجْهٍ وَلا بِصَوْتٍ، بَلْ بِمَا تَحْمِلُهُ فِي دَاخِلِي، وَبِمَا تُصِرُّ أَنْ أُحَافِظَ عَلَيْهِ، حَتَّى مِنْ أَقْنِعَتِي.
وَكُلُّ صَديقٍ وَزَمِيلٍ، يَرَى وَجْهِي، أَو يَظُنُّ أَنَّهُ يَرَاهُ، كَانَ يُعِيدُ لِي ذِكْرَى أَيَّامٍ صَغِيرَةٍ، أَلَمٍ وَفَرَحٍ، أَو رُوحٍ ضَائِعَةٍ فِي غُرْبَةِ الوَطَن. وَكُلُّ تَجَاهُلٍ، وَكُلُّ ابتسامةٍ خَادِعَةٍ، أَو كلمةٍ صَادِقَةٍ، كَانَتْ تُرَسِّخُ فِيَّ أَنَّ الحَيَاةَ لَا تُقَدَّرُ بِالمَرَاقَبَةِ وَالأَقْنِعَةِ، بَلْ بِالصَّمْتِ الَّذِي تُخَاصِمُهُ وَبِالصَّوْتِ الَّذِي تُرَاجِعُهُ فِي قَلْبِكَ.
وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، صَارَتْ الكِتَابَةُ مِرْآةً لِي، وَجِسْمِي، وَرُوحِي، مَسْرَحًا أُخَاطِبُ فِيهِ الأَصْدِقَاءَ وَالأَهْلَ وَالوَطَنَ وَالأَقْنِعَةَ، أَحْتَضِنُ فِيهِ كُلَّ مَا لَمْ يُقَالْ، وَأُصنَعُ بِه صَوْتًا على عتبات الأَحْلَامِ الضَّائِعَةِ.”
وَفِي الغُرْبَةِ، كَانَ يَشْعُرُ أَنَّهُ لَمْ يُغَادِرِ الوَطَنَ وَحَسْب، بَلْ أَنَّ الوَطَنَ نَفْسَهُ قَدْ غَادَرَ الإِنسَانَ الَّذِي فِيهِ.
فَقَدْ كَانَ يَرَى أَنَّ مَا يُحِيطُ بِذَاكَ الوَطَنِ مِنْ تَخَلُّفٍ سِيَاسِيٍّ وَاجْتِمَاعِيٍّ وَفِكْرِيٍّ، لَيْسَ عَرَضًا عَابِرًا، بَلْ نِظَامًا خَفِيًّا يُغَذِّي بَعْضُهُ بَعْضًا، حَتَّى تَغْدُو الوُجُوهُ مُتَشَابِهَةً، وَالأَصْوَاتُ صَدًى وَاحِدًا، وَالْعُقُولُ تَسِيرُ فِي اتِّجَاهٍ مُحَدَّدٍ كَالنَّوَايَا الَّتِي زُرِعَتْ لِتُثْمِرَ مَا يُرَادُ لَهَا أَنْ تُثْمِرَ.
وَفِي هَذَا الصَّمْتِ، أَدْرَكَ أَنَّ الكِتَابَةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ هُروبٍ مِنَ الوَاقِعِ، بَلْ طَرِيقَةٌ لِتفَكُّكِ النِّظَامِ الخَفِيِّ فِي دَاخِلِك، لِتُبَيِّنَ أَنَّ الحُرِّيَّةَ، حَتَّى فِي غُرْبَتِكَ، لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا عِنْدَمَا تَصْنَعُ صَوْتَكَ خَاصًّا، وَتُوَاجِهُ بِهِ كُلَّ القِيُودِ الَّتِي تُثْقِلُ الوُجُوهَ وَتُسْكِتُ العُقُول.
وَكَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ، حِينَ يَكْتُبُ، يَخْلُقُ فَجْوَةً، فَجْوَةً صَغِيرَةً بَيْنَ كُلِّ حَقِيقَةٍ مَفْرُوضَةٍ وَوَاحِدَةٍ صَادِقَةٍ، فَيَمْكِنُ لِنُفُوسِهِ أَنْ تَنْفُذَ، وَتَتَنَفَّسَ، وَتَبْدَأَ أَنْ تَفْهَمَ مَا كَانَ مُسْتَحِيلًا أَنْ يُفْهَمَ فِي ذَلِكَ الوَطَنِ.
وَفِي كُلِّ لَيْلَةٍ، كَانَ يَجْلِسُ و وَرَقَتُهُ وَقَلَمُهُ أَمَامَهُ، كَأَنَّهُمَا نَافِذَةٌ صَغِيرَةٌ تَتَفَتَّحُ عَلَى وَجْهِ العَالَمِ، فَيَسْمَحَانِ لِلأَفْكَارِ أَنْ تسرِبَ، وَلِلذِّكْرَى أَنْ تَتَنَفَّسَ، وَلِلحُرِّيَّةِ أَنْ تَغِيبَ وَتَعُودَ فِي نَفْسِ الوَقْتِ. كُلُّ كَلِمَةٍ كَانَتْ تُشْعِرُهُ أَنَّهُ لَا يَكْتُبُ لِلزَّمَانِ فَقَطْ، وَلَكِنْ لِنَفْسِهِ، لِتُحَرِّكَ صَدى الدَّاخِلِ، لِتُذَكِّرَهُ بِأَنَّهُ إِنْسَانٌ، أَنَّهُ لَا يَزَالُ قَادِرًا عَلَى الفَهمِ وَالإِدْرَاكِ وَالمُوَاجَهَةِ.
وَفِي هَذَا الصَّمْتِ المُتَفَتِّحِ بَيْنَ حُدُودِ الغُرْبَةِ وَذِكْرَى الوَطَنِ، أَدْرَكَ أَنَّ الوَطَنَ لَيْسَ جُغْرَافِيَّةً فَقَطْ، وَلَا سِيَاسَةً مُسَلَّطَةً، بَلْ هُوَ نَبْضُ كُلِّ وَاحِدٍ فِي دَاخِلِهِ، حِينَ يُبْقِيه صَادِقًا مَعَ نَفْسِهِ، وَيَحْمِلُ حُرِّيَّتَهُ فِي كَلِمَاتِهِ.
وَكُلَّمَا انْتَشَرَتِ الأَصْوَاتُ فِي صَمْتِ الغُرْبَةِ، كَانَ يَشْعُرُ أَنَّهُ لَا يَحْمِلُ وَحْدَهُ ذَلِكَ الصَّمْتَ، وَلَكِنَّ أَرْوَاحَ أَصْدِقَائِهِ وَزُمَلَائِهِ، وَبَقايا مَا تَرَكَهُ الوَطَنُ فِي ذِهْنِهِ، وَالطُّمُوحَاتِ المَخْفِيَّةَ، وَخَيَالَ الحُرِّيَّةِ، كُلُّهَا تَتَحَرَّكُ مَعَهُ، تُشَكِّلُ دَائِرَةً مُتَّسِعَةً، تُرَاوِحُ بَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ وَالمُسْتَقْبَلِ.
فَفِي هَذِهِ الدَّوَّامَةِ، كَانَ القَلَمُ يَنْتَقِي بِرِقَّةٍ حُدُودَ الحَقِيقَةِ، وَيُسكِّتُ الصَّرَخَاتِ الَّتِي لَا تُسْمَعُ، وَيُبْدِعُ فِي كُلِّ جُمْلَةٍ مَسَافَةً صَغِيرَةً بَيْنَ الغَيْبِ وَالوَاقِعِ، لِيَصِلَ بِهِ، بَعْدَ طَوِيلِ السّكُونِ، إِلَى نُقْطَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنَّهُ حَيٌّ، وَأَنَّ الحُرِّيَّةَ تُعَاشُ كُلَّمَا كَتَبَ، وَكُلَّمَا تَفَتَّحَ صَمْتُهُ عَلَى كَلِمَاتِهِ، وَكُلَّمَا أَعَادَ اكتِشَافَ وُجُوهِ الغُرْبَةِ وَالوَطَنِ فِي دَاخِلِهِ.
هُنَاكَ، فِي بُعْدِهِ، أَدْرَكَ أَنَّ أَصْعَبَ أَنْوَاعِ الِاغْتِرَابِ لَيْسَ أَنْ تُغَادِرَ بَلَدَكَ، بَلْ أَنْ تَشْعُرَ أَنَّ بَلَدَكَ قَدْ غَادَرَكَ أَنْتَ؛ تَتَكَلَّمُ بِلسَانٍ لَيْسَ لَكَ، وَتَرَى بِعَيْنٍ زُرِعَتْ فِيكَ، حَتَّى تَصِيرَ غَرِيبًا فِي نَفْسِكَ قَبْلَ أَنْ تُغَرَّبَ عَنْ أَرْضِكَ.
فَأَيْنَ المَفَرُّ مِنْ وَطَنٍ تُحِبُّهُ فَيُوجِعُكَ، وَتَنْتَمِي إِلَيْهِ فَيَخْنُقُكَ، وَتُحَاوِلُ إِنْقَاذَهُ فَيتَّهَمُ قَلْبَكَ بِالخِيَانَةِ؟

فَكمُ كَانَ يَرَى وَطَنَهُ وَهوَ يَنْقَلِبُ سَريعاً ضِدَّ كُلِّ فِكْرٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَصْنَعَ مَعْنًى لِلْحَيَاةِ، وَيَتَحَوَّلُ بِصَمْتٍ إِلَى أَدَاةٍ تَقْمَعُ كُلَّ جَدِيدٍ إِذَا مَسَّ مَا أَلِفَتْهُ العُقُولُ، أَوْ اخْتَلَفَ عَمَّا سَطَّرَهُ المتحكمون بِقَدَرِهِ السِّيَاسِيّ.
وَبِتَدْرِيجٍ، صَارَ الحُبُّ وَالِانْتِمَاءُ جِرَاحًا لَا تَلْتَئِمُ، كَأَنَّ كِلَيْهِمَا يُعَاقِبُ صَاحِبَهُ عَلَى صِدْقِهِ.
وَكَانَ يَقُولُ فِي سِرِّهِ:
“لَعَلَّ أَكْبَرَ أَوْهَامِنَا أَنَّنَا نُصِرُّ عَلَى أَنْ نُحِبَّ الوَطَنَ كَمَا نَتَخَيَّلُهُ، لَا كَمَا هُوَ، وَنَنْسَى أَنَّهُ أَحْيَانًا يُرِيدُ مِنَّا أَنْ نُنْقِذَهُ مِنْ نَفْسِهِ، قَبْلَ أَنْ نُنْقِذَ أَنْفُسَنَا مِنْهُ.”
وَفِي زَاوِيَةٍ غَامِضَةٍ مِنْ ذَاكِرَتِهِ، تَجَلَّى صَدَى صَدِيقِهِ القَدِيمِ حَسَن، سَاخِرًا كَمَا كَانَ دَوْمًا، وَقَدِ ارْتَسَمَ صَوْتُهُ كَظِلٍّ يَخْرُقُ صَمْتَ الفِكْرِ:
ـ أَتَعْلَمُ، أَنَّ الخَطَرَ الحَقِيقِيَّ لَيْسَ فِي الرِّوَايَاتِ الَّتِي قَرَأْتَهَا، بَلْ فِي مَنْ يُرَاقِبُكَ مِنْ خَلْفِ السِّتَارِ؟
وَمَا لَبِثَتْ تِلْكَ السُّخْرِيَةُ أَنْ تَتَبَدَّدَ حِينَ أَطَلَّتْ وَالِدَتُهُ فِي خَيَالِهِ، مُبْتَسِمَةً كَمَا كَانَتْ تُطِلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ طِفْلٌ يَتَعَثَّرُ فِي بدَايَاتِ الحَيَاةِ، وَقَدْ حَمَلَتْ نَبْرَتُهَا الدَّافِئَةَ كَمَا يَحْمِلُ الفَجْرُ وَعْدَ نَهَارٍ جَدِيدٍ:
ـ نَعَمْ، يَا بُنَيَّ… بَعْدَ خُرُوجِكَ مِنْ “مُعْتَقَلِ العَقْلِ” عَامَ 1974، فَهِمْتَ مَعْنَى أَنْ تَعِيشَ المُرَاقَبَةَ، لَا كَخَيَالٍ رِوَائِيٍّ، بَلْ كَوَعْيٍ دَائِمٍ يَسْكُنُكَ، يَتَغَلْغَلُ فِي أَعْمَاقِكَ حَتَّى يَصِيرَ جُزْءًا مِنْ نَبْضِكَ.
ثُمَّ أَجَابَ الرَّجُلُ نَفْسَهُ كَمَنْ يَرُدُّ صَدَى كَلِمَاتٍ تَتَرَاجَعُ فِي جَوْفِهِ:
ـ لَمْ أقدِرْ يَوْمًا أَنْ أَعِيشَ كَمَا يَجِبُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَعِيشَ… لَمْ أَجْرُؤْ أَنْ أُوقِظَ النَّبْضَ الإِنسَانِيَّ فِي دَاخِلِي.
وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَتِ الكِتَابَةُ طَرِيقِي، كَانَتِ المُوَاجَهَةَ الَّتِي لَا مَفَرَّ مِنْهَا… مُوَاجَهَةً مَعَ تَنَاقُضَاتِ السِّيَاسَةِ فِي ذَلِكَ الوَطَنِ، مَعَ كُلِّ القِيَمِ المَقْلُوبَةِ، مَعَ كُلِّ الادِّعَاءَاتِ الزَّائِفَةِ الَّتِي كَانَتْ تُزَيِّنُ وَجْهَ القَبِيحِ بِأَقْنِعَةٍ مِنْ وَطَنِيَّةٍ زَائِفَةٍ وَشِعَارَاتٍ بَاهِتَةٍ.
ثُمَّ بَدَا لَهُ ظِلٌّ قَدِيمٌ لِزَمِيلٍ مِنَ الخَارِجِ، سَاخِرًا وَلَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ، كَمَنْ يَخْرُجُ مِنْ طَيَّاتِ الذِّكْرَى لِيُوَاجِهَهُ بِمَرَارَةِ الحَقِّ:
ـ “وَهَلِ اكْتَشَفْتَ، سِرَّ التَّخَلُّفِ السِّيَاسِيِّ؟
أَنْ يُجْبَرَ الإِنسَانُ عَلَى التَّفَاخُرِ بِمَا يَعُدُّهُ العَالَمُ المُتَحَضِّرُ رِجْعِيَّةً،
وَأَنْ يُلَقَّنَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الوِسَامُ الوَحِيدُ المُمْكِنُ لَهُ،
وَأَنْ يَحْمِلَهُ عَلَى صَدْرِهِ كَمَا يُحْمَلُ الجُرْحُ؛ لِئَلَّا يُتَّهَمَ بِالخِيَانَةِ أَوِ الِاسْتِخْدَامِ المُفْرِطِ لِلْعَقْلِ”.
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَأَجَابَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ كُلَّ مَنْ عَاشَ مَعَهُ هٰذِهِ التَّجْرِبَةَ:
– نَعَمْ، هٰذَا هُوَ التَّحَدِّي… أَنْ تَحْيَا مَعَ مَنْ يُفْرِضُونَ عَلَيْكَ أَنْ تَصْمُتَ، وَأَنْ تَظَلَّ تَرَى مَا وَرَاءَ الأَقْنِعَةِ، وَرَاءَ الْكَلِمَاتِ، وَرَاءَ التَّقَالِيدِ الزَّائِفَةِ.
وَقَفَ الزَّمَنُ لَحْظَةً فِي مَكْتَبَتِهِ، بَيْنَمَا كُلُّ الأَصْوَاتِ — الطُّفُولَةُ، الأَصْدِقَاءُ، الأَهْلُ، الزُّمَلَاءُ، الضُّبَّاطُ، حَتّى الكِلَابُ الصَّغِيرَةُ وَالْكَبِيرَةُ — تَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ فِي صَمْتٍ.
كُلُّ شَخْصِيَّةٍ، كُلُّ تَجْرِبَةٍ، كُلُّ وَعْيٍ سِيَاسِيٍّ وَاجَهَهُ، أَصْبَحَ الآنَ جُزْءًا مِنْ حَدِيقَتِهِ الدَّاخِلِيَّةِ، حَيْثُ الْكِتَابَةُ هِيَ الْوَسِيلَةُ الْوَحِيدَةُ لِلْحِوَارِ، لِلْفَهْمِ، وَلِلْبَقَاءِ عَلَى قَيْدِ إِنْسَانِيَّتِهِ وَسْطَ طُوفَانِ التَّارِيخِ وَالْحَيَاةِ وَالسِّيَاسَةِ.
جَلَسَ الرَّجُلُ وَحِيدًا فِي مَكْتَبِهِ، مُحَاطًا بِالْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ الَّتِي رَصَّهَا عَلَى رُفُوفٍ مُهْتَرِئَةٍ، وَأَمَامَ عَيْنَيْهِ أَوْرَاقٌ مُتَفَرِّقَةٌ تَحْمِلُ خُطُوطًا عَرِيضَةً وَكَلِمَاتٍ مُتَشَابِكَةً.
تَذَكَّرَ رِحْلَتَهُ عَبْرَ كُتُبِ تَارِيخِ الْعَرَبِ، مِنَ الْعَصْرِ الْجَاهِلِيِّ حَتّى الْعَصْرِ الْحَدِيثِ، وَكُلُّ صَفْحَةٍ كَانَتْ بَوَّابَةً إِلَى مفَارِقَاتٍ لَا تُحْصَى.
هَمَسَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ:
– كَيْفَ اسْتَطَاعُوا أَنْ يُظْهِرُوا فَاتِحِينَ مُسَالِمِينَ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يُمْلِئُونَ صَفَحَاتِ التَّارِيخِ بِدِمَاءِ الأَبْرِيَاءِ؟
ظَهَرَ ظِلُّ الْخَلِيفَةِ فِي ذِهْنِهِ، يَرْفَعُ رَايَةَ الدِّينِ:
– كُلُّ مَا فَعَلْنَاهُ كَانَ دِفَاعًا عَنِ الدِّينِ… وَلَيْسَ سَعْيًا وَرَاءَ السُّلْطَةِ، أَوِ الْحِفَاظِ عَلَى مَكَاسِبِنَا، إِنَّمَا الْحِفَاظُ عَلَى النِّظَامِ.
صَوْتُ ضَابِطٍ عَتِيقٍ يَنْبَثِقُ مِنْ بَيْنِ سُطُورِ التَّارِيخِ، صَارِمٍ وَمُتَحَفِّظٍ، كَأَنَّهُ يَهْمِسُ فِي أُذُنِ الْحَاضِرِ:
“الْحُرِّيَّةُ؟ تِلْكَ عِبْءٌ عَلَى الْحَاكِمِ، وَقُيُودٌ عَلَى الطُّمُوحِ، وَحَاجِزٌ أَمَامَ الطُّمُوحِ السِّيَاسِيِّ… وَنَحْنُ مَعَاشِرَ الضُّبَّاطِ نَحْنُ هُمُ الَّذِينَ نَصْنَعُ التَّارِيخَ، وَلَيْسَ الْخُلَفَاءُ وَلَا الْوُلَاةُ، فَالتَّارِيخُ لَا يُصْنَعُ مِنْ خِلَالِ حُرِّيَّةِ الْجَمِيعِ.”
كانَ ذٰلِكَ الصَّوْتُ يَرِنُّ فِي ذِهْنِ الرَّاوِي كَأَنَّهُ صَدَى زَمَنٍ بَعِيدٍ، وَأَوَّلُ مَنْ جَسَّدَ مَعْنَاهُ فِي التَّارِيخِ كَانَ الْحَجَّاجُ بْنَ يُوسُفٍ الثَّقَفِيَّ، صَوْتَ السَّيْفِ فِي دَوْلَةِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَظِلَّ الْخَوْفِ الَّذِي كَانَ يَتَقَدَّمُ كُلَّ سُلْطَانٍ.
رَآهُ النَّاسُ وَالِيًا جَبَّارًا، وَرَآهُ نَفْسُهُ حَامِيَ الدَّوْلَةِ وَضَامِنَ بَقَائِهَا. كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّ الشِّدَّةَ حِصْنُ الْأُمَمِ، وَأَنَّ الْحُرِّيَّةَ مَطْلَعُ الْفِتْنَةِ وَسَبِيلُ التَّمَرُّدِ.
حِينَ صَعِدَ مَنْبَرَ الْكُوفَةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، ارْتَجَّتِ الْقُلُوبُ تَحْتَ نَبْرَتِهِ الْمُلْتَهِبَةِ، وَهُوَ يَقُولُ:
“إِنِّي أَرَى رُؤُوسًا قَدْ أَيْنَعَتْ، وَحَانَ قِطَافُهَا، وَإِنِّي لِصَاحِبُهَا!”
تِلْكَ الْكَلِمَاتُ كَانَتْ إِعْلَانًا لِعَهْدٍ جَدِيدٍ تُدَارُ فِيهِ السِّيَاسَةُ بِالرَّهْبَةِ، لَا بِالْمَشُورَةِ، وَبِالدَّمِ، لَا بِالْحُجَّةِ.
رَأَى الْحَجَّاجُ أَنَّ الرَّأْيَ الْحُرَّ يُضْعِفُ الْهَيْبَةَ، فَطَارَدَ الْمُعَارِضِينَ وَالزُّهَّادَ وَالْقُرَّاءَ الَّذِينَ تَجَرَّؤُوا عَلَى نَقْدِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَعَدَّهُمْ خَطَرًا عَلَى النِّظَامِ، لَا دُعَاةَ إِصْلَاحٍ.
وَكَانَ يَقُولُ بِصَوْتٍ لَا يَرْتَعِشُ:
“وَاللَّهِ لَأُؤَدِّبَنَّكُمْ تَأْدِيبًا غَيْرَ هَذَا التَّأْدِيبِ، وَلَأُقِيمَنَّكُمْ عَلَى الطَّرِيقِ وَلَوْ بِالْحَدِيدِ!”
فِي مَنْطِقِهِ، الْحِوَارُ ضَعْفٌ، وَالْإِقْنَاعُ تَرَفٌ، أَمَّا الْقَسْرُ فَهُوَ الطَّرِيقُ الْوَحِيدُ إِلَى الطَّاعَةِ وَالنِّظَامِ.
وَكَانَ أَحْيَانًا يَتَكَلَّمُ كَمَنْ تَجَسَّدَ فِيهِ الْقَدَرُ، فَيَقُولُ:
“إِنَّمَا أَنَا سَيْفُ اللَّهِ وَسَوْطُهُ فِي أَرْضِهِ، أَبْعَثُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ.”
لَمْ يَرَ فِي نَفْسِهِ رَجُلَ دَوْلَةٍ، بَلْ أَدَاةَ عِقَابٍ تُحَرِّكُهَا السُّلْطَةُ بِاسْمِ اللَّهِ، وَتَضْرِبُ دُونَ أَنْ تَرْحَمَ.
وَحِينَ قِيلَ لَهُ: “اتَّقِ اللَّهَ”، أَجَابَ بَصَلَابَةٍ مَنْ لَا يَعْرِفُ التَّرَاجُعَ:
“مَنْ قَالَ لِي اتَّقِ اللَّهَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ!”
بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَقَّعَ مَذْهَبَهُ فِي الْحُكْمِ: أَنَّ النَّصِيحَةَ جَرِيمَةٌ، وَالطَّاعَةَ فَرْضٌ لَا يُنَاقَشُ.
وَحِينَ خَطَبَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ، صَدَّرَ كَلِمَتَهُ بِصَرْخَةٍ مُدَوِّيَةٍ فِي التَّارِيخِ:
“يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، يَا أَهْلَ الشِّقَاقِ وَالنِّفَاقِ وَمَسَاوِئِ الْأَخْلَاقِ!”
فَلَمْ يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ بِالْإِقْنَاعِ، بَلْ أَرْهَبَهُمْ بِالْوَعِيدِ.
وَكَانَ، وَهُوَ يُعِيدُ تَنْظِيمَ الدَّوَاوِينِ وَالْجُنْدِ فِي الْعِرَاقِ، يَزْرَعُ الْخَوْفَ فِي الْأَرْوَاحِ، حَتَّى صَارَ النَّاسُ يَرْوُونَ عَنْهُ مُفَاخِرَتَهُ الْمُرَّةَ:
“لَمْ يَعْرِفِ الْعِرَاقُ الْهُدُوءَ إِلَّا حِينَ أَرْهَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، لَا حِينَ نَاقَشْتُهُ بِالْحُجَّةِ.”
هَكَذَا كَانَ الْحَجَّاجُ: حَاكِمًا يَرَى فِي الْحُرِّيَّةِ خَطَرًا عَلَى الِاسْتِقْرَارِ، وَفِي الصَّرَامَةِ خَلَاصًا مِنَ الْفَوْضَى.
تَجَسَّدَتْ فِيهِ مَقُولَةُ ذَاكَ الضَّابِطِ الْعَتِيقِ الَّذِي يَهْمِسُ مِنْ بَيْنِ أَطْيَافِ التَّارِيخِ:
“الْحُرِّيَّةُ؟ تِلْكَ عِبْءٌ عَلَى الْحَاكِمِ، وَقُيُودٌ عَلَى الطُّمُوحِ، وَحَاجِزٌ أَمَامَ التَّارِيخِ.”
ومِن أفعالهِ ما سُجِّلَ في صفحاتِ التاريخِ بمدادِ الخوفِ والرَّهبة.
فقد قَمَعَ ثورةَ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ في مكّةَ، إذ حاصَرَ الكعبةَ بالمنجنيقِ، غيرَ مُبالٍ بحرمةِ المكانِ، لأنَّ الحُكمَ عندهُ أقدسُ من المعبدِ، والسُّلطةَ أرفعُ من كلِّ قيمةٍ دينيّةٍ أو إنسانيّةٍ.
وكانَ يَقولُ — في منطقٍ يُجمّدُ الرُّوحَ —:
“إنَّ الحرِّيّةَ السِّياسيّةَ أخطرُ من الفِتنةِ المسلّحةِ، لأنَّها تُغري الناسَ بحُلمِ المساواةِ، وتُهدِّدُ هيبةَ الأمير.”
وطاردَ القُرّاءَ والزُّهّادَ الَّذينَ جَرُؤوا على نقدِ بني أُميّةَ، ومنهم سَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، الذي أَعدَمَهُ بعدَ مناظرةٍ شهيرةٍ، إذ رآهُ خطرًا على النِّظامِ أكثرَ مِمّا هو داعيةَ فِتنةٍ.
وكانَ يَتحدَّثُ عن مثلِ هؤلاءِ وكأنَّهُ يُطهِّرُ الأرضَ من دَرَنٍ، قائلًا في صَرامةٍ لا تعرفُ الشَّكَّ:
“لا يَستقيمُ أمرُ الناسِ ما لم يُقطَعْ رأسُ المتمرِّدِ قبلَ أن يتكلَّم.”
وأعادَ تنظيمَ النِّظامِ الإداريِّ والمَاليِّ في العِراقِ بأسلوبٍ لا يَعرِفُ الرِّفقَ؛ فَنظَّمَ الجُندَ، وَفَرَضَ الطّاعةَ المطلقةَ، مُعتَبِرًا أنَّ النِّظامَ لا يُقامُ بالحِوارِ، بل بتكميمِ الأفواهِ.
وكانَ يَفخَرُ، وهو يَسردُ إنجازاتِه أمامَ خاصَّتِه، قائلاً:
“ما عَرَفَ العِراقُ الهدوءَ إلا حينَ أرهبتُهُ بالسّيفِ، لا حينَ ناقشتُهُ بالحُجّةِ.”
وهكذا غدا الحَجّاجُ بنُ يُوسُفٍ رجلًا يَرى في الطاعةِ خلاصًا، وفي الخوفِ نِظامًا، وفي الحرِّيّةِ أوّلَ دَرجةٍ على سُلَّمِ الفوضى.
وفي زمنٍ غَبُرَتْ فيهِ الكلمةُ تحتَ سنابكِ الخيل، وارتفعَ السَّيفُ إلى مقامِ القانون، وُلِدَتْ دولةُ المماليكِ من رَحمِ الحديدِ والنار. لم تكنِ السُّلطةُ تُولَدُ من إرادةِ الناس، بل تُنتَزَعُ من حَدِّ النِّصال. كانَ الحاكمُ في دولتِهم لا يَثبُتُ على العرشِ إلّا بقدرِ ما يَحظى بولاءِ القادةِ الكبار؛ فإنْ لَانَ أو ضَعُفَ، أطاحَتْ بهِ السُّيوفُ التي رفَعَتْهُ بالأمسِ.
كانوا يَرَونَ أنَّ الدولةَ تُبنى بالقوّةِ لا بالمحبّة، وأنَّ الاستقرارَ لا يُصانُ إلّا بالخوفِ لا بالحرِّيّة.
ولم يَعرِفِ المماليكُ معنى الوراثةِ في الحكم، ولا سُلطانَ الشعبِ في الاختيار؛ فالعروشُ عندهم لا تُورَّثُ، بل تُؤخَذُ. والسُّلطانُ الجديدُ لا يُنتَخَبُ بالبيعةِ أو الرضا، بل يُفرَضُ من قِبَلِ نخبةٍ عسكريّةٍ صارمةٍ، تُديرُ التاريخَ من وراءِ الأستار، وكأنَّ صَوتًا خفيًّا يَهمِسُ من ظلالِ القصور:
“نحنُ نَصنَعُ الملوكَ، ونَحكُمُ من وراءِ العرشِ.”
وحينَ كانتِ المدنُ تشتعلُ بالفتنِ، أو تَعلو فيها أصواتُ الناسِ تُنادي بالعدالة، كانَ ردُّ المماليكِ واحدًا لا يتبدّل: الحديدُ والنار.
فالحرِّيّةُ — في منطقِهم — ليستْ فضيلةً تُكرَّم، بل فوضى تُهدِّدُ النظامَ العسكريَّ القائم. وكم من حركةٍ شعبيّةٍ سُحِقَتْ باسمِ “حمايةِ الأمن”، وكم من صوتٍ صادقٍ أُخرِسَ باسمِ “الهيبة”.
أقاموا نظامًا طبقيًّا مُحكَمًا جعلَهم طبقةً فوقَ المجتمعِ كلِّه؛ لا يُسمَحُ لعامّيٍّ أن يَرتقيَ إلى صفوفِهم، ولا يُشاركونَ أحدًا في القرارِ أو الرأي. كانتِ الحرِّيّةُ السياسيّةُ في نظرِهم ترفًا يُضعِفُ الانضباطَ، لا حقًّا يُثمَّن.
لم يخلِّفِ المماليكُ خُطَبًا تجلجلُ كخُطَبِ الحجّاج، لكنَّ سلوكَهُم الجماعيَّ كانَ خُطبةً دائمةً في صمتٍ، شعارُها غيرُ المُعلَن:
“نحنُ نَحمي السُّلطانَ… ونصنعُ الملوكَ.”
جملةٌ تختصرُ فلسفتَهُم في الحُكم: أنَّ القوّةَ أصلُ الشّرعيّةِ، وأنَّ السَّيفَ أصدقُ من الكلمةِ.
ويُروى عن بعضِ أمرائِهم، كَالظَّاهِرِ بَيْبَرْس، أنَّهُ قالَ في أحدِ مجالسِهِ:
“ما استقامتِ الدُّنيا إلّا بالهيبة، ولا استقامَ الجُندُ إلّا بالطّاعة.”
عبارةٌ تُجسِّدُ روحَ الدولةِ المملوكيّةِ في أوجِها؛ فالنظامُ العسكريُّ عندهم صانعُ الاستقرارِ، والخوفُ عندهم ضمانُ البقاء.
وهكذا غدا المماليكُ صُورةً أخرى لتلكَ المقولةِ القديمةِ التي تَهْمِسُ من بينِ السُّطورِ:
“الحرِّيّةُ؟ عِبءٌ على الحاكمِ، وقيدٌ على الطُّموحِ، وحاجزٌ أمامَ التاريخ.”

محمد علي باشا
كانَ محمدُ علي باشا (١٧٦٩–١٨٤٩م) أسس دولةُ الحديدِ في ثوبِ النهضة ويؤمنُ بأنَّ الأوطانَ لا تُبنى بالأحلام، بل بالقوّة، وأنَّ الشعبَ — في جوهره — طفلٌ لا يَعرِفُ ما يُصلِحه.
قالَ ذاتَ مرّةٍ عبارتهُ التي تلخّصُ فلسفتَهُ السلطويّة:
“الشعبُ طفلٌ لا يفهمُ ما يُصلّحه، والحاكمُ هو أبوهُ الذي يفرضُ عليهِ النظام.”
في هذه النظرةِ الأبويةِ الصارمة، لم تكنِ الحرِّيّةُ حقًّا سياسيًّا، بل خطرًا يحتاجُ إلى وصايةٍ وتربيةٍ باليدِ القويّة. لذلكَ حينَ خاطبَ بعضَ مستشاريهِ الأوروبيّين، قال بثقةٍ لا تخلو من الغِلظة:
“لن تنهضَ مصرُ ما لم تُرَبَّ باليدِ القويّة.”
كانَ يرى في الشدّةِ طريقًا إلى النهوض، وفي المشاركةِ ضعفًا يَشلُّ حركةَ الدولة. وحين أُشيرَ عليهِ بإنشاءِ مجلسِ شورى موسَّع، ضَحِكَ ساخرًا وقال:
“أتريدونَ أن أُسلِّمَ نفسي لمن لا يَعرِفونَ ما يُريدون؟”
فالكلمةُ في قاموسِه لا تُشاركُ السيفَ في صناعةِ التاريخ، بل تخضعُ له.
شيّدَ محمدُ علي دولةً مركزيّةً شديدةَ الانضباط؛ نقلَ مصرَ من مجتمعٍ مملوكيٍّ مُتفرّقٍ إلى جهازِ دولةٍ حديثٍ، لكنهُ دفعَ ثمنَ هذا التوحيدِ غاليًا: ألغى استقلالَ العلماءِ والأعيانِ، وجعلَ من الجميع أدواتٍ في مشروعِه التحديثيّ الكبير.
ثمَّ مضى في قمعِ العلماءِ والمعارضين؛ أخضعَ الأزهرَ لسلطتِه، وضيَّقَ على المشايخِ الذين خالفوه، ومنهم عمر مكرم، الذي نفاهُ بعد أن كانَ شريكًا له في بداياتِ الحكم. فالحرِّيّةُ السياسيّةُ في منطقِه لم تكن سوى عقبةٍ أمامَ الطموح، وجدلٍ يُربكُ حركةَ البناء.
واحتكرَ الاقتصادَ والزراعةَ والتجارة في يدِ الدولة، ليضمنَ السيطرةَ الكاملةَ على المواردِ والمجتمع. كانَ يرى أنَّ الحرِّيّةَ الاقتصاديّةَ تُضعفُ الانضباطَ وتفتحُ البابَ للفوضى التي تُهدّدُ مشروعَهُ العظيم.
ولمّا أرادَ بناءَ جيشٍ حديثٍ، فرضَ التجنيدَ الإلزاميَّ القاسي على الفلّاحين، فسِيقوا إلى المعسكراتِ بالسلاسل، لأنّهُ كانَ يعتقدُ أنَّ التاريخَ لا يُصنَعُ بالمناقشةِ، بل بالسيفِ والطاعة.
في نهايةِ الأمر، كانت دولةُ محمد علي نهضةً على صفيحٍ من الحديد؛ دولةً تحلمُ بالتقدّمِ، لكنها تخافُ الحرِّيّة، وتؤمنُ بأنَّ النظامَ يَسبقُ الكرامة، وأنَّ الطاعةَ تُمهدُ الطريقَ إلى الحضارة.
وهكذا تجسّدَ فيهِ وجهٌ جديدٌ للمقولةِ القديمة:
“الحرِّيّةُ؟ عِبءٌ على الحاكم، وقيدٌ على الطموح، وحاجزٌ أمامَ التاريخ.”

جاءَ عبدُ الرحمنِ الداخلُ إلى الأندلسِ من رمادِ المشرق، يحملُ في صدرِه ذاكرةَ سقوطِ الأمويينَ في دمشق، ويجرُّ وراءَهُ نَفَسَ الهاربِ الأخيرِ من دولةٍ اندثرت. كانت الأرضُ التي بلغها مضطربةً، تتنازعُها القبائلُ العربيّةُ والبربريّةُ، والولاءاتُ القبليةُ التي لا تلتقي إلّا على السيف.
لم يكن الداخلُ حالمًا بالديمقراطية، ولا مؤمنًا بالشورى، بل رجلَ نجاةٍ يرى في الحديدِ خلاصًا من الفوضى. أقامَ دولتَهُ على قاعدةٍ واحدة: الجيشُ أولًا، والانضباطُ قبلَ الحوار.
قال المؤرخونَ إنّهُ كان يردّد:
“المُلكُ لا يُبنى باللين، ولا تَستقيمُ له حرِّيّةُ الرعيّة.”
جملةٌ تختصرُ فلسفتَهُ في الحُكم: أنَّ الحرِّيّةَ تُضعفُ الولاء، وأنَّ الدولةَ لا تُشيَّدُ على التعدّدِ، بل على الخضوعِ والطاعة.
ورُويَ عنهُ أيضًا أنَّهُ قالَ في أحدِ مجالسِه:
“النّاسُ لا يَجتمعونَ على رأي، وإنّما يَجمَعُهم السَّيفُ والهيبة.”
كأنَّ صوتهُ الداخليَّ يُردّدُ ما قالَهُ الحَجّاج قبلَ قرون: “إنّي أرى رؤوسًا قد أَيْنَعَتْ…”؛ فالمُلكُ عندهُ لا يحتملُ تعدّدَ الأصوات، بل يحتاجُ إلى صمتٍ يضمنُ البقاء.
حينَ وطِئَ أرضَ الأندلسِ، وجدها مُمَزَّقةً بين عربٍ وبربر، ويَمانيةٍ ومُضَرِيّةٍ، فاختارَ أن يُوَحِّدَها بالسيفِ لا بالشورى، بالهيبةِ لا بالحرِّيّة. كان يرى في الفوضى التي أسقطتْ أمويّي المشرقِ دليلًا على أنَّ الحرِّيّةَ تُنذِرُ بالخراب.
أنشأَ دولةً مركزيّةً قويّةً، وألغى استقلالَ الزعماءِ المحليين، فجعلَ ولاءَ الجميعِ يتّجهُ نحوهُ وحدَه. في منطقِه، كانتْ الدولةُ لا تُحكَمُ بتعدّدِ الولاءات، بل بتوحيدِ الطاعة.
ولم يتردّدْ في قَمعِ الثوراتِ الداخلية حينَ اشتعلتْ، لأنَّهُ كان يؤمنُ أنَّ الأمنَ والنظامَ يَسبقانِ الحرِّيّةَ في سُلَّمِ الأولويّات، وأنَّ التهاونَ مع العصيانِ مقدّمةٌ للفناء.
واعتمدَ على جندٍ ومرتزقةٍ مخلصينَ له شخصيًّا، لا على الزعماءِ أو العلماءِ أو النُّخَب، إذ رأى في الجيشِ الضمانةَ الوحيدةَ لبقاءِ المُلك، وفي القوّةِ لغةً يفهمُها التاريخ.
كان عبدُ الرحمنِ الداخلُ، في جوهرِ فكرِه، ابنَ تلكَ المقولةِ الخالدة:
“الحرِّيَّةُ؟ عِبءٌ على الحاكم، وقيدٌ على الطُّموح، وحاجزٌ أمامَ التاريخ.”
فبقدرِ ما وحَّدَ الأندلسَ، أرسى أيضًا نواةَ الدولةِ الحديديّةِ التي ستعيشُ قرونًا طويلةً، تُحكَمُ باسمِ النظام، وتَخشى أن تُجرِّبَ الحرِّيّة.
أبو العبّاس السَّفّاح (٧٢٢–٧٥٤م) — مؤسِّسُ الدولةِ العبّاسيّة
لقبُهُ وحدَهُ يكشفُ ملامحَ عصرٍ تأسَّسَ بالعنف؛ “السَّفّاح” الذي أراقَ الدماءَ لا انتقامًا مجرّدًا، بل ليُقيمَ على أنقاضِ الأمويّينَ دولةً جديدةً باسم “الحقّ” العبّاسيّ.
كان يرى أنَّ القَسوةَ ضرورةُ الميلاد، وأنَّ الحرّيّةَ تُهدّد الوليدَ قبل أن يتنفّس.
وحين صَعِدَ المنبرَ بعد تولّيه الخلافةَ، قال كلمتَهُ المشهورة:
“إنَّ اللهَ بعثنا لنقيمَ الحقَّ ونقمعَ الباطلَ، ولن يُفلحَ مَن خالفنا.”
كلمةٌ تُساوي بين السلطةِ والحقِّ الإلهيّ، وتجعلُ المعارضةَ لونًا من الكفرِ السياسيّ.
لم يتسامحِ السَّفّاحُ مع اختلافٍ أو تردّد؛ صَفّى خصومَهُ في الداخلِ والخارجِ، لأنَّ “التعدّدَ” عندهُ مقدّمةُ التمزّق. ألغى الزعاماتِ القبليّةَ وما تبقّى من استقلالِها، ليجعلَ من الخلافةِ مركزًا واحدًا تُدارُ منهُ رقابُ الأمّة.
يمثّل السَّفّاحُ لحظةَ تأسيسٍ بالدم، تُبرَّرُ فيها القسوةُ باسم “الحقِّ الإلهيّ” و”العدلِ السياسيّ”. الحرّيّةُ في منطق تلكَ اللحظةِ ليست قيمةً أخلاقيّةً، بل خطرًا وجوديًّا على الدولةِ الناشئة؛ فالأصواتُ المتعدّدةُ نُذرُ الفوضى التي أطاحتْ بسابقيه.
أبو جعفر المنصور (٧١٤–٧٧٥م) — المؤسِّس الحقيقيّ للدولةِ العبّاسيّة
إذا كان السَّفّاحُ قد أسّس بالخوفِ، فإنّ المنصورَ ثبّتَ بالحسابِ والرقابة. كان سياسيًّا بارعًا، ذا نظرٍ بعيدٍ ودهاءٍ محسوبٍ، لكنه رأى في الحرّيّةِ خطرًا على وحدةِ الدولة، وفي المشاورةِ المطلقةِ طريقًا إلى الفوضى.
قال صراحةً:
“لا رأيَ لرعيّةٍ تُشاوَرُ في سلطانِها، وإلّا تفرَّقَ أمرُها.”
فهوَ يعتبر أنَّ وحدةَ الأمّةِ لا تقوم إلّا على صمتٍ منضبطٍ، وأنَّ السلطانَ هو “عقلُ الأمّةِ الواحدُ” الذي لا يُنازعُهُ أحد.
وقال أيضًا في موضعٍ آخر:
“واللهِ ما استقامَ أمرُ هؤلاءِ الناسِ إلّا بالخوفِ، فإنْ أَمِنوا اختَلَفوا.”
ففي فلسفتِه، الخوفُ هو الغراءُ الذي يُمسكُ لبِناتِ السلطة، لا الثقةُ ولا الحرّيّة.
أنشأَ جهازًا دقيقًا من العيونِ والجواسيسِ يَرقُبُ الوُلاةَ والعامّةَ على السواء، لتغدو الدولةُ “عينًا لا تنام”.
قضى على المعارضينَ من العلويّينَ والخوارجِ والمفكّرينَ، لأنَّ الاختلافَ أوّلُ الانقسام.
ثمّ أسَّسَ مدينةَ بغداد لتكونَ مقرَّ الخلافةِ المطلقة، مركزًا تدور حولَهُ الأطرافُ جميعًا — مدينةٌ أُريدَ لها أن تُجسّد الدولةَ المركزيّة التي تَحكم بالرقابةِ لا بالمشاورة، وبالهيبةِ لا بالحرّيّة.
بهذينِ الرجلينِ، اكتملتْ صيغةُ “الدولةِ الحديديّةِ” في صورتِها الإسلاميّة المبكّرة:
سَفّاحٌ أسّسَ بالخوفِ، ومنصورٌ حَكَمَ بالعقلِ المتوجِّس، وكلاهما رأى أنَّ الحرّيّةَ تُضعِفُ الدولةَ، وأنَّ النظامَ لا يُبنى إلّا على الطاعة، ولو سُحقتْ في سبيله الأرواحُ والأفكار.
مع تصاعد النفوذ الأوروبي وارتسام مفاهيم جديدة في الأفق، مثل “الدستور”، و”حرية الصحافة”، و”حقوق المواطن”، شعر رجال الدولة العثمانية بالخوف. كانوا يرون في هذه الأفكار تهديدًا مباشرًا للانضباط الإمبراطوري الذي بُني عليه الحكم منذ قرون.
صار مفهوم “الحرية” في خطاب السلطة يقدَّم كخطرٍ ناعم، مؤامرة تُعدُّ لتمزيق الإمبراطورية من الداخل، وكأنها سيف خفي يُوجَّه ضد عصب الدولة.
يُروى أن أحد كبار الولاة قال في مجلسه بإسطنبول عام 1880م:
“لو تركنا الناس يتكلمون كما يشاؤون، لهدمت الدولة نفسها بألسنتها.”
أي أن “الكلمة الحرة” عنده أخطر من السلاح نفسه.
في زمن السلطان عبد الحميد الثاني (1876–1909م)، كان يردّد في مجالسه:
“إن الحرية التي يطلبونها ليست إلا فوضى متنكرة.”
تصريح صريح يكشف أن الحرية لا تُرى كقيمة، بل كأداة تخريب غربية تهدد استقرار السلطنة.
تعليق العمل بالدستور الأول 1878م بعد سنتين فقط من صدوره، بحجة “حماية الدولة من الاضطراب”.
هنا، أصبح المفهوم العملي للحرية خطرًا على وحدة السلطنة، لا حقًا مكتسبًا.
إقامة شبكة رقابة واسعة على الصحف والمراسلات والمجالس.
أسس عبد الحميد الثاني “جهاز المخابرات الحميدية”، أحد أضخم أجهزة الرقابة في الشرق، لملاحقة الكتّاب والمفكرين.
في هذا السياق، صارت “الحرية” جرمًا يُعاقَب عليه.
قمع الحركات الدستورية والإصلاحية
مثل حركة “تركيا الفتاة” قبل عام 1908م، التي طالبت بإعادة الدستور، فلاحقها الضباط والولاة بحجة أنها “تُضعف الدولة أمام الغرب”.
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَهُوَ يَكْتُبُ عَلَى الْهَامِشِ:
“يَا لَكَ مِنْ صَانعٍ لتَارِيخٍ مَجِيدِ!”
في الحديقةِ الخارجية، كانت الأشجارُ تصطفُّ كجنودٍ صامتين، وأوراقها المتهدلة تهمسُ بأسرار العصور. تقدم منه رجلُ الدين، المختارُ من قِبل أحد الأمراء، يرتدي لباسًا لم يُخلَق للإنسان العادي، بل للظلِّ الذي يمثّل السلطةَ نفسها؛ زيٌّ يلمع تحت الشمس، كل غرزةٍ فيه صارت وعودًا بالحزم والقوة. مسح بيده على لحيته الطويلة، كأنّه يمسحُ الزمنَ نفسه، ثم اقترب منه بخطواتٍ ثقيلة، عيناه تتوهجان بين الفضول والرعب، وابتسامتهُ الهادئة كانت أشبه بسيفٍ يلمع في الظل.
توقف أمامه مباشرة، وأصدر صوته، عميقًا كصدى التاريخ، يُلقي الكلماتِ كأحجارٍ على قلبه:
“من أنتَ حتى تحاسب هؤلاءَ العظماء الذين صنعوا تاريخَنا الإسلاميّ!”
كان صوتهُ مثل صاعقةٍ تُفجّر صمت الحديقة، وابتسامتهُ تحملُ الرعبَ على هيئة هدوء. شعر وكأن الأرضَ تحت قدميه قد تحولت إلى رقعة شطرنج، وأن كل خطوةٍ يخطوها محسوبةٌ، وأن الأشجار تراقبه بعينٍ خفية، تحمل ذكرياتِ المعارك والسلطة والدهر.
في تلك اللحظة، لم يكن رجل الدين مجرد إنسانٍ أمامه، بل تجسيدٌ للسلطة، لتاريخٍ يرفض أن يُمحى، ولخوفٍ غائبٍ يسكن النفوس منذ قرون. وكل كلمةٍ منه كانت كأنها تُهمس للزمن نفسه: أن يظلّ خاضعًا، وأن لا يسمح لأحدٍ بتجاوز حدود الموروث، مهما علت أصوات الحق أو الشجاعة.
كان هو يقف هناك، وسط هذا السكون المهيب، يحسّ بأن التاريخ يحدّق فيه، يُراقبه، ويطلب منه أن يختار بين الصمت والتمرد، بين مواجهة السلطة كما هي، أو الانحناء أمامها كما فعل الذين سبقوه.
ثم تذكّر أصوات عدد من علماء الأمة ممن يُدعون بالفقهاء، أؤلئك الذين حاولوا تبرير كل فعل تحت غطاء الدين:
– لقد ابتكرنا الفقه، والمذاهب، والتفسير، وكل ذلك كي يحيا من يطيع ويخاف… ومن لم يطع، كان مصيره واضحًا.
تقدَّمَ ظلٌّ من بين العتمة، كأنَّهُ انبثقَ من ذاكرةِ الأرضِ نفسها، ظلُّ أحدِ الأبرياءِ الذينَ مضَوا قتلاً عبرَ التاريخ الطويل، تاركينَ خلفهم صمتًا يصرخ في وجدانِ الأحياء. كان صامتًا، غيرَ أنَّ صمتَهُ كان حضورًا أقوى من أيّ صيحة، حضورًا يُعيدُ صياغةَ كلِّ مأساةٍ مرت، كلَّ دمعةٍ لم تُرَ، وكلَّ صوتٍ خُنِقَ. توقفَ أمامَهم، ورفع وجهَهُ نحوَ السماءِ الملبَّدةِ، كأنَّهُ يبحثُ عن جوابٍ في الأفق المظلم، ثمَّ قالَ بصوتٍ يُشبهُ أنينَ الأزمنة:
“هل كُنَّا حقًّا لا نستحقُّ تلكَ الحياة؟ وهل كانَ أحدُنا ذلكَ الخليفةَ الذي أرادَهُ الله أن يكونَ عليها؟”
سادَ صمتٌ كثيفٌ، كأنَّ السؤالَ نفسهُ جرحٌ مفتوحٌ على وجهِ التاريخ، يجرحُ الحاضرَ كما الماضي، ويذكرُ الأحياءَ بأنَّهم لم يكونوا إلا شهودًا على قسوةِ زمانٍ لم يرحم.
ثمَّ تقدَّمَ أحدُ الجنود، درعُهُ يلمعُ ببقايا الدماءِ القديمة، وملامحُهُ تحملُ إرهاقَ القرون ومرارةَ الاختيارِ القسري. قالَ بصوتٍ مبحوح، كأنَّهُ يعترفُ باسمِ الذينَ خُيّروا بين الموتِ والقتل، بين الطاعةِ والخيانة:
“أنا مجرّدُ رجلٍ كان يُحبُّ أن يعيش… لكنَّني لم أجدْ أمامي إلّا خيارين: أن أُقتَلَ، أو أن أكونَ صانعًا للقتلِ، للنَّهبِ، للهيمنةِ.”
اِرْتَجَّتِ الحَدِيقَةُ القَدِيمَةُ تَحْتَ وَقْعِ كَلِمَاتِهِ، كَأَنَّهَا تَسْتَعِيدُ أَصْدَاءَ صَرَخَاتٍ مَدْفُونَةٍ فِي أَعْمَاقِهَا مُنْذُ قُرُونٍ، كَأَنَّ كُلَّ حَجَرٍ وَكُلَّ وَرَقَةٍ تَحْمِلُ اِعْتِرَافَاتٍ غَيْرَ مَنْطُوقَةٍ، بِأَنَّ التَّارِيخَ لَمْ يَمُتْ، بَلْ مَا يَزَالُ يُحَاكِمُ أَبْنَاءَهُ فِي صَمْتٍ لَا يَنْتَهِي، صَمْتٍ يَصْرُخُ بِالْحَقَائِقِ الَّتِي لَمْ يُسْتَمَعْ إِلَيْهَا.
مِنَ الْخَلْفِ، صَدَمَهُمْ صَوْتٌ هَزَّ الْمَكَانَ كُلَّهُ، اِرْتَجَّتِ الْأَشْجَارُ كَأَنَّهَا كَادَتْ تَسْقُطُ عَنْ جُذُورِهَا وَتَفْقِدُ أَوْرَاقَهَا مِنْ شِدَّةِ الْأَهْوَالِ:
“أَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا، وَأَنْتُمْ أَيْضًا؛ الْغَايَةَ الَّتِي أَرَادَهَا اللهُ مِنْ خَلْقِ الْبَشَرِ جَمِيعًا؟ وَمِنْ خَلْقِ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ؟”
كَانَ الصَّوْتُ كَالصَّاعِقَةِ، يَخْتَزِلُ سُؤَالًا أَبَدِيًّا، يَرْبِطُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ، بَيْنَ الْخَطِيئَةِ وَالطَّاعَةِ، بَيْنَ الْحُرِّيَّةِ وَالطُّغْيَانِ. كُلُّ ظِلٍّ هُنَاكَ اِرْتَعَشَ، وَكُلُّ نَبْضَةٍ فِي الْحَدِيقَةِ صَارَتْ تَهْمِسُ: أَنَّ التَّارِيخَ لَيْسَ فَقَطْ مَا نَعِيشُهُ، بَلْ مَا نَحْمِلُهُ فِي صَمْتِنَا وَضَمِيرِنَا.
ظَهَرَتْ مَلَامِحُ أَحَدِ الْأَشْخَاصِ الَّذِينَ مَثَّلُوا السُّلْطَةَ عَبْرَ الْعُصُورِ الْمُتَلَاحِقَةِ، يَتَقَدَّمُ نَحْوَ الرَّجُلِ بِخُطُوَاتٍ ثَابِتَةٍ، عَيْنَاهُ تَحْمِلَانِ مِزَاجًا مِنَ الْهَيْبَةِ وَالتَّهْدِيدِ. وَقَفَ أَمَامَهُ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ الَّذِي يَصْدُرُ مِنْ ذَاكِرَةٍ مُمْتَدَّةٍ عَبْرَ التَّارِيخِ، قَائِلًا:
“لَابُدَّ أَنَّكَ أَصْبَحْتَ تَدَّعِي هَذَا الْمَعْنَى لِلْحُرِّيَّةِ الَّتِي تَقُولُهَا بَعْدَ أَنْ عِشْتَ مَعْنَى الْحُرِّيَّةِ الْمُبَطَّنِ، فِي مُجْتَمَعٍ بُنِيَ أَسَاسًا عَلَى اِسْتِعْبَادِ الْأُمَمِ وَالشُّعُوبِ وَقَهْرِهَا.”
اِرْتَجَفَتْ أَرْكَانُ الرَّجُلِ مِنْ وَقْعِ الْكَلِمَاتِ، وَتَلَعْثَمَتْ أَنَامِلُهُ بَيْنَ الصَّفَحَاتِ، قَبْلَ أَنْ يَكْتُبَ بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ يَخْتَلِطُ فِيهِ الْغَضَبُ بِالْإِيمَانِ:
“أَلَمْ يُرْسِلِ اللهُ لَكُمْ جَمِيعًا أَنْبِيَاءَ وَرُسُلًا؟ أَلَمْ يُخْبِرُوكُمْ أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يُقَدِّمِ الْحُرِّيَّةَ بِوَصْفِهَا شِعَارًا سِيَاسِيًّا أَوْ وَاجِهَةً خَارِجِيَّةً، بَلْ وَاجِبًا إِيمَانِيًّا وَشَرْطًا لِلْكَرَامَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ؟”
أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، وَتَابَعَ بِصَوْتٍ أَصْبَحَ أَقْوَى مَعَ كُلِّ كَلِمَةٍ:
“فَالْـحُرِّيَّةُ تُحَرِّرُ الإِنْسَانَ مِنْ ثَلَاثِ عُبُودِيَّاتٍ: عُبُودِيَّةِ الشَّهَوَاتِ، وَعُبُودِيَّةِ الْبَشَرِ وَالطُّغَاةِ، وَعُبُودِيَّةِ الْجَهْلِ وَالتَّقْلِيدِ. وَمِنْ خِلَالِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ وَحْدَهُ، توْلَدُ حُرِّيَّةُ الإِنْسَانِ كُلُّهَا.”
رَفَعَ يَدَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَمِدُّ الْقُوَّةَ مِنْ فَوْقٍ، وَقَالَ:
“لَقَدْ أَكَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ آيَاتِهِ الَّتِي أَوْرَدَهَا فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ، وَالَّتِي تُؤَكِّدُ عَلَى كَرَامَةِ الإِنْسَانِ وَحَقِّهِ فِي الِاخْتِيَارِ:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾.”
وَقَفَ الرَّجُلُ دَقِيقَةً يَتَنَفَّسُ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهُ يُشَارِكُ التَّارِيخَ نَفْسَهُ صَمْتَهُ الطَّوِيلَ، وَيَتَأَمَّلُ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي خَرَجَتْ مِنْهُ لَمْ تَعُدْ صَدًى دَاخِلِيًّا فَقَطْ، بَلْ سِلَاحًا يُوَاجِهُ بِهِ الْهَيْمَنَةَ وَالطُّغْيَانَ، لِيُعْلِنَ أَنَّ الْـحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ شِعَارًا أَوْ وَاجِهَةً، بَلْ أَصْلٌ إِيمَانِيٌّ وَحَقٌّ طَبِيعِيٌّ لِلْكَرَامَةِ الإِنْسَانِيَّةِ.
تَقَدَّمَ الْقَائِدُ السِّيَاسِيُّ، مُتَّكِئًا عَلَى عُكَّازِهِ وَكَأَنَّ التَّارِيخَ نَفْسَهُ يَتَجَلَّى فِي ابْتِسَامَتِهِ الْـمُتَهَكِّمَةِ، وَقَالَ بِبُرُودٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الِاسْتِهْزَاءُ بِالسُّلْطَةِ:
“أَنْتَ تَقُولُ هَذَا لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي كَيْفَ تَسْتَقِرُّ الْـحَيَاةُ؛ فحَيَاةُ الْـجَمِيعِ لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا فِي مُجْتَمَعٍ مُوَحَّدٍ، وَلَا يَنْفَعُ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ السِّيَاسَةِ.”
أَطْرَقَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ، وَأَغْلَقَ عَيْنَيْهِ لِلَحْظَةٍ، لِيَسْتَعِيدَ فِي ذِهْنِهِ سُلُوكَ وَأَقْوَالَ الْقَادَةِ الَّذِينَ قَرَأَ عَنْهُمْ، وَفَهِمَ الأَبْعَادَ الَّتِي بَنَوْا عَلَيْهَا دُوَلَهُمْ وَأُمَمَهُمْ. ثُمَّ أَخَذَ قَلَمَهُ وَوَرَقَة، وَكَتَبَ رَدًّا عَلَى الزَّعْمِ الَّذِي اسْتَفَزَّهُ، ذَلِكَ الزَّعْمِ الَّذِي ادَّعَى أَنَّهُ يَحْمِلُ إِرْثَ الْقَادَةِ السِّيَاسِيِّينَ عَبْرَ التَّارِيخِ.
“الإِسْلَامُ، الَّذِي رَضِيَهُ اللهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، مَشْرُوعٌ تَحْرِيرِيٌّ بِالْـجَوْهَرِ، لَا اسْتِعْبَادِيٌّ، وَلَا قَمْعِيٌّ. فَقَدْ حَرَّرَ الإِنسَانَ مِنْ عِبَادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَمِنَ التَّبَعِيَّةِ الْعَمْيَاءِ، وَمِنَ الظُّلْمِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ، وَجَعَلَ لَهُ إِرَادَتَهُ، وَكَرَامَتَهُ، وَمَسْؤُولِيَّاتِهِ.”
وَقَفَ الرَّجُلُ قَلِيلًا، كَأَنَّهُ يَرْوِي لِلزَّمَنِ ذَاتِهِ فَلْسَفَةً قُدْسِيَّةً، وَأَضَافَ:
“وَقَدْ أَرْسَلَ اللهُ لَهُمُ الأَنْبِيَاءَ لِيَقُودُوا مُجْتَمَعَاتِهِمْ، وَيُعَلِّمُوا النَّاسَ مَعْنَى الْعَدَالَةِ وَالْـحُرِّيَّةِ:
«كُلُّ الْـمُسْلِمِ عَلَى الْـمُسْلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ.»
«لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِأَعْجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى.»
«كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ.»
«إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى.»
«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ.»
«مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَةً مُؤْمِنَةً أَعْتَقَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنَ النَّارِ.»
«مَا خَابَ مَنِ اسْتَشَارَ، وَلَا نَدِمَ مَنِ اسْتَخَارَ.»
«لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ.»
«مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا… وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا.»
«إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ.»”
اِرْتَجَفَتِ الْكَلِمَاتُ فِي فَضَاءِ الْـحَدِيقَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَصْدَاءً لِمُجْتَمَعٍ لَمْ يَمُتْ بَعْدُ، مُجْتَمَعٌ يُقِرُّ بِالْـحُرِّيَّةِ، وَيَرْفُضُ الِاسْتِعْبَادَ، وَيُعْلِي قِيمَةَ الْإِنسَانِ فَوْقَ كُلِّ سُلْطَةٍ بَشَرِيَّةٍ ظَالِمَةٍ. وَكُلُّ حَرْفٍ كَتَبَهُ كَانَ بِمَثَابَةِ سَيْفٍ يَقْطَعُ أَوْهَامَ الْـمُتَسَلِّطِينَ، وَيُعِيدُ لِلضَّمِيرِ الْـجَمَاعِيِّ حَقَّهُ فِي الْكَرَامَةِ وَالْعَدَالَةِ.
تَوَقَّفَ السِّيَاسِيُّ قَلِيلًا، وَارْتَسَمَتْ عَلَى وَجْهِهِ مَلَامِحُ اسْتِدْعَاءٍ لِلتَّأَمُّلِ، كَأَنَّهُ يَدْعُوهُ إِلَى النَّظَرِ إِلَى التَّارِيخِ بِعُيُونٍ أَوْسَعَ مِنَ اللَّحْظَةِ الرَّاهِنَةِ. وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ يَمْلَؤُهُ وَزْنُ الْـخِبْرَةِ وَالتَّجْرِبَةِ:
“لَكِنْ كُلَّ هَذِهِ الْأَحْدَاثِ؛ كُلَّ هَذِهِ الْـمَذَابِحِ… هَلْ كَانَتْ خَاصَّةً بِالْعَرَبِ الْـمُسْلِمِينَ وَحْدَهُمْ؟ أَمْ أَنَّ كُلَّ الْأُمَمِ، كُلَّ الْـحَضَارَاتِ حَمَلَتْ فِي تَارِيخِهَا صِرَاعًا مِنْ أَجْلِ الْـبَقَاءِ؟ وَمِنْ أَجْلِ السُّلْطَةِ؟”
اِبْتَسَمَ الرَّجُلُ فِي صَمْتٍ، وَهُوَ يَتَأَمَّلُ حَجْمَ الْـمَعْرَكَةِ الَّتِي تَرَاكَمَتْ عَلَى صَفَحَاتِ التَّارِيخِ، بَيْنَ الطُّمُوحِ وَالسُّلْطَةِ، بَيْنَ الْقِيَمِ وَالدِّمَاءِ، بَيْنَ الْإِنسَانِ وَقُيُودِهِ. كَانَتِ الْكَلِمَاتُ تَتَسَرَّبُ إِلَى مَسَامِعِهِ كَمَا لَوْ أَنَّهَا صَدَى قَاعَاتٍ عَتِيقَةٍ، تَصْرُخُ بِأَسْمَاءٍ لِمَنْ قَضَوْا، وَلِمَنْ حَكَمُوا، وَلِمَنْ احْتَكَرُوا الْـقَرَارَ بِاسْمِ “الْوَاجِبِ الْـوَطَنِيِّ” أَوْ “السُّلْطَةِ الْإِلٰهِيَّةِ”.
ثُمَّ رَفَعَ قَلَمَهُ، وَكَتَبَ:
“لَيْسَ صِرَاعُ التَّارِيخِ حِكْرًا عَلَى شَعْبٍ أَوْ دِينٍ وَاحِدٍ، وَلَا مُحَاكَمَةُ الْإِنسَانِ لِعُصُورِهِ مُقْتَصِرَةً عَلَى أُمَّةٍ بِعَيْنِهَا. فَقَدْ حَمَلَتْ كُلُّ حَضَارَةٍ مَفَاهِيمَ الْقُوَّةِ وَالسِّيَادَةِ، وَفُرِضَتْ فِي كُلِّ زَمَانٍ حُدُودُ السُّلْطَةِ وَالْـهَيْمَنَةِ، وَسُجِّلَتْ فِي سِجِلَّاتِ الدِّمَاءِ. وَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَلِكٍ أَوْ قَائِدٍ فَرَضَ نِظَامَهُ بِالسَّيْفِ، وَبَيْنَ آخَرَ اخْتَارَ الْـخَوْفَ أَدَاةً لِلسَّيْطَرَةِ؟”
كَانَ الصَّمْتُ يَمْلَأُ الْـمَكَانَ، وَكَأَنَّ التَّارِيخَ نَفْسَهُ يُوقِّفُ أَنْفَاسَهُ لِيُصْغِيَ إِلَى السُّؤَالِ، وَيَتَرَقَّبَ الْـجَوَابَ الَّذِي لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا فِي فِكْرٍ يَتَجَاوَزُ الْـجُغْرَافِيَا وَالزَّمَانَ، فِي رُؤْيَةٍ تُدْرِكُ أَنَّ الْـحُرِّيَّةَ لَيْسَتْ تَرَفًا وَلَا اسْتِثْنَاءً، بَلْ حَقٌّ عَالَمِيٌّ لِلْإِنسَانِ، مَهْمَا اخْتَلَفَتِ الْأَسْمَاءُ وَالْعُهُودُ.
تَقَدَّمَ السِّيَاسِيُّ خُطْوَةً أُخْرَى، وَأَمْعَنَ فِي النَّظَرِ إِلَى الرَّجُلِ، كَأَنَّمَا كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَقْرَأَ قَلْبَهُ قَبْلَ عَقْلِهِ. وَقَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ مِزيجٌ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالتَّحَدِّي:
“تَتَحَدَّثُ عَنِ الْـحُرِّيَّةِ، وَكَأَنَّهَا مِلْكٌ مَمْنُوحٌ لَكَ، أَوْ حَقٌّ مُكْتَسَبٌ. وَلَكِنْ، هَلْ تَرَى؟ الْـحَيَاةُ لَا تَسْتَقِرُّ إِلَّا فِي مُجْتَمَعٍ مُوَحَّدٍ، وَالِانْضِبَاطُ وَحْدَهُ يَضْمَنُ بَقَاءَهُ. كُلُّ مَا عَدَاهُ فَوْضَى، وَكُلُّ صَوْتٍ مُتَعَدِّدٍ يُهَدِّدُ الْـبِنَاءَ.”
تَقَدَّمَ الرَّجُلُ بِخُطُواتٍ هادِئَةٍ فِي الحَدِيقَةِ القَدِيمَةِ، حَيْثُ كانَتِ الأَشْجارُ تَهْمِسُ بِأَصْواتٍ مَنْسِيَّةٍ، وَالظِّلالُ تَمْتَدُّ كَأَرْواحٍ تَبْحَثُ عَنْ إِجابَةٍ. رَفَعَ وَجْهَهُ إِلَى السَّماءِ، وَنَظَرَ إِلَى الأُفُقِ الْمُلَبَّدِ بِالْغُيُومِ، ثُمَّ قالَ بِصَوْتٍ يَخْتَلِطُ فِيهِ الإِيمانُ بِالْغَضَبِ الْخافِتِ:
“الإِسْلامُ الَّذِي رَضِيَ اللهُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ فِي جَوْهَرِهِ مَشْرُوعٌ تَحْرِيرِيٌّ، لا اسْتِعْبادِيٌّ. لَقَدْ حَرَّرَ الإِنْسانَ مِنْ عِبادَةِ غَيْرِ اللهِ، وَمِنَ التَّبَعِيَّةِ الْعَمْيَاءِ، وَمِنَ الظُّلْمِ الاجْتِماعِيِّ وَالسِّياسِيِّ. وَقَدْ أَرْسَلَ لَهُمُ الأَنْبِياءَ لِيَقُودُوا مُجْتَمَعاتِهِمْ بِقِيَمٍ سامِيَةٍ، تُقِيمُ العَدْلَ وَتُكَرِّمُ الإِنْسانَ، وَتَزْرَعُ الرَّحْمَةَ فِي النُّفُوسِ.”
تَوَقَّفَ لحظَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَسْتَدْعِي أَصْواتَ الزَّمانِ، ثُمَّ أَشارَ إِلَى نُصُوصٍ قَدِيمَةٍ تَتْلُوها الرِّيحُ عَلَى أَوْراقِ الأَشْجارِ، فَتَتَرَدَّدُ الكَلِماتُ فِي صَمْتِ المَكانِ:
“فِي التَّوْراةِ، فِي سِفْرِ الخُرُوجِ 20:13–16، تُعَلِّمُنا الوَصايا:
«لا تَقْتُلْ، لا تَسْرِقْ، لا تَزْنِ، لا تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهادَةَ زُورٍ.»
وَقالَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فِي سِفْرِ الخُرُوجِ 22:21:
«لا تَظْلِمِ الغَرِيبَ وَلا تُضايِقْهُ، لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ غُرَباءَ فِي أَرْضِ مِصْرَ.»
هذِهِ الوَصايا تُقِرُّ حُرْمَةَ الإِنْسانِ عَلَى أَخِيهِ الإِنْسانِ — دَمُهُ وَمالُهُ وَكَرَامَتُهُ — كَما أَكَّدَ الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ.”
ارْتَجَفَ الهَواءُ مِنْ حَوْلِهِ، وَواصَلَ بِصَوْتٍ يَمْلَؤُهُ التَّحَدِّي وَالإِيمانُ:
“وَفِي التَّثْنِيَةِ 10:17 قالَ مُوسَى:
«لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكُمْ هُوَ إِلهُ الآلِهَةِ وَرَبُّ الأَرْبابِ، الإِلهُ العَظِيمُ الجَبَّارُ الْمَهِيبُ، لا يَأْخُذُ بِالْوُجُوهِ وَلا يَقْبَلُ الرَّشْوَةَ.»
وَفِي الإِنْجِيلِ، قالَ السَّيِّدُ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ:
«لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلا يُونانِيٌّ، لَيْسَ عَبْدٌ وَلا حُرٌّ، لَيْسَ ذَكَرٌ وَلا أُنْثى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا واحِدٌ فِي المَسِيحِ.» (الرِّسالَةُ إِلَى أَهْلِ غَلاطِيَّةَ 3:28
كُلُّ هذِهِ النُّصُوصِ تُعَلِّمُ أَنَّ التَّفاضُلَ لَيْسَ بِالأَصْلِ أَوِ العِرْقِ أَوِ اللَّوْنِ، بَلْ بِالإِيمانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ.”
ثُمَّ اقْتَرَبَ مِنْ مَقْعَدٍ مَهْجُورٍ، وَجَلَسَ، وَرَسَمَ بِيَدِهِ دائِرَةً فِي التُّرابِ، وَكَأَنَّهُ يَرْسُمُ حُدُودًا بَيْنَ الظُّلْمِ وَالعَدْلِ:
“وَقالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي المَزامِيرِ 78:70–72:
«اخْتارَ داوُدَ عَبْدَهُ، وَأَخَذَهُ مِنَ المَرْبِضِ وَراءَ الغَنَمِ، لِيَرْعَى يَعْقُوبَ شَعْبَهُ وَإِسْرائِيلَ مِيراثَهُ. فَرَعاهمْ حَسَبَ كَمالِ قَلْبِهِ، وَبِمَهارَةِ يَدَيْهِ هَداهمْ.»
وَقالَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ:
«الرَّاعِي الصَّالِحُ يبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الخِرافِ.» (يُوحَنَّا 10:11)
كُلُّها تَعْبِيرٌ عَنِ المَسْؤُولِيَّةِ الأَخْلاقِيَّةِ وَالرَّحْمَةِ القِيادِيَّةِ تِجاهَ مَنْ نَتَوَلّى أَمْرَهُمْ — الأُسْرَةَ، الأُمَّةَ، المُجْتَمَعَ.”
رَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى السَّماءِ، وَأَكْمَلَ:
“وَقالَ مُوسَى فِي أَعْمالِ الرُّسُلِ 5:29 عَلَى لِسانِ الحَوارِيِّينَ:
«يَنْبَغِي أَنْ يُطاعَ اللهُ أَكْثَرَ مِنَ النّاسِ.»
وَفِي التَّثْنِيَةِ 13:4:
«الرَّبُّ إِلهُكُمْ تَتَّبِعُونَ، وَإِيَّاهُ تَخافُونَ، وَوَصاياَهُ تَحْفَظُونَ، وَصَوْتَهُ تَسْمَعُونَ، وَإِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وَبِهِ تَلْتَصِقُونَ.»
المَعْنَى واضِحٌ: لا طاعَةَ لِسُلْطَةٍ بَشَرِيَّةٍ إِذا أَمَرَتْ بِما يُخالِفُ أَمْرَ اللهِ.”
ثُمَّ ارْتَفَعَ صَوْتُهُ قَلِيلًا، وَكَأَنَّهُ يَصْرُخُ لِكُلِّ التَّارِيخِ الَّذِي شَهِدَ الظُّلْمَ:
“وَقالَ النَّبِيُّ مِيخا 6:8:
«قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسانُ ما هُوَ صالِحٌ، وَماذا يَطْلُبُهُ مِنْكَ الرَّبُّ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ الحَقَّ وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ وَتَسْلُكَ مُتَواضِعًا مَعَ إِلهِكَ.»
وَفِي الإِنْجِيلِ، قالَ المَسِيحُ عَلَيْهِ السَّلامُ فِي المَوْعِظَةِ عَلَى الجَبَلِ:
«طُوبَى لِلرُّحَماءِ لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ، طُوبَى لِأَنْقِياءِ القَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعايِنُونَ اللهَ.» (مَتّى 5:7–8)”
كُلُّ الأَنْبِياءِ — مِنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ ﷺ — تَكَلَّمُوا بِلِسانٍ واحِدٍ:
أَنَّ كَرامَةَ الإِنْسانِ مِنْ كَرامَةِ خالِقِهِ،
وَأَنَّ الحُرِّيَّةَ لا تَكْتَمِلُ إِلَّا بِالمَسْؤُولِيَّةِ،
وَأَنَّ العَدالَةَ لا تَقُومُ إِلَّا عَلَى الرَّحْمَةِ.”
وَحِينَ ارْتَفَعَتْ نَسْمَةُ الهَواءِ بَيْنَ الأَشْجارِ، شَعَرَ الحاضِرُونَ أَنَّ الكَلِماتِ لَمْ تَعُدْ مُجَرَّدَ أَقْوالٍ، بَلْ كانَتْ صَدًى حَيًّا يَتَنَفَّسُ لا فِي الحَدِيقَةِ القَدِيمَةِ فحسب بل في الكون كله، يَهْمِسُ لَهُمْ بِأَنَّ التَّارِيخَ ما زالَ يُحاسِبُ، وَأَنَّ الرِّسالاتِ الأَخْلاقِيَّةَ لا تَمُوتُ، وَأَنَّ الحُرِّيَّةَ الحَقِيقِيَّةَ تَبْدَأُ حَيْثُ تَنْتَهِي الطّاعَةُ العَمْيَاءُ لِلظُّلْمِ.
ارْتَجَفَ السِّياسِيُّ قَلِيلًا، وَكَأَنَّ الكَلِماتِ تَخْتَرِقُ سِلاحَهُ، فَتَراجَعَ بُضْعَ خُطُواتٍ، لَكِنَّهُ اسْتَجْمَعَ نَفْسَهُ، وَابْتَسَمَ ابْتِسامَةً بارِدَةً:
“وَهذا جَمِيلٌ… لَكِنْ أَلا تَرى؟ كُلُّ الحَضاراتِ واجَهَتْ تَحَدِّياتِ البَقاءِ نَفْسَها، كُلُّ الأُمَمِ، كُلُّ القادَةِ، اضْطُرُّوا إِلَى فَرْضِ النِّظامِ بِالقُوَّةِ، وَإِلَّا انْهارَتْ شُعُوبُهُمْ فِي الفَوْضَى!”
تَنَهَّدَ الرَّجُلُ، وَأَوْمَأَ بِرَأْسِهِ، لَكِنَّهُ أَضافَ بِصَوْتٍ يَغْمُرُهُ يَقِينٌ أَخْلاقِيٌّ:
“نَعَمْ، الصِّراعُ كانَ عالَمِيًّا، لَكِنَّ الفَرْقَ أَنَّ الإِسْلامَ وَضَعَ الضَّوابِطَ، وَحَدَّدَ ما يُسْمَحُ بِهِ وَما يُحَرَّمُ. السُّلْطَةُ لَيْسَتْ مُطْلَقَةً، وَلا القُوَّةُ غايَةً فِي ذاتِها. الحُرِّيَّةُ لَيْسَتْ شِعارًا، بَلْ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَهِيَ واجِبٌ إِيمانِيٌّ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ سِياسِيَّةً.”
سادَ صَمْتٌ ثَقِيلٌ، كُلُّ ظِلٍّ فِي الحَدِيقَةِ يَهْمِسُ بِالدَّهْشَةِ. ثُمَّ صَرَخَ السِّياسِيُّ، صارِخًا هذِهِ المَرَّةَ أَكْثَرَ تَمَلُّكًا بِالرَّهْبَةِ:
“وَماذا تَفْعَلُ هذِهِ الحُرِّيَّةُ إِذا أَطْلَقْناها؟ إِذا قَرَّرَ النّاسُ أَنْ يَحْكُمُوا أَنْفُسَهُمْ؟ أَلا تَهْدِمُ الدَّوْلَةَ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَفْكارَهُمْ؟”
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ، وَكَأَنَّهُ يَرى التَّارِيخَ كُلَّهُ أَمامَهُ:
“الحُرِّيَّةُ لا تَهْدِمُ الدَّوْلَةَ، بَلْ تَهْدِمُ الجَهْلَ، وَتُحَرِّرُ العُقُولَ. إِنَّ التَّارِيخَ الَّذِي تَظُنُّهُ سَيْفًا لِلسَّيْطَرَةِ، هُوَ نَفْسُهُ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُكْتَبَ بِقِيَمٍ سامِيَةٍ، حَيْثُ يُحاسَبُ كُلُّ حاكِمٍ عَلَى ظُلْمٍ ارْتَكَبَهُ، وَكُلُّ شَعْبٍ يُحاسَبُ عَلَى صَمْتِهِ.”
صَمْتٌ طَوِيلٌ، وَالرِّياحُ تَتَسَلَّلُ بَيْنَ الأَشْجارِ، تَحْمِلُ أَصْواتًا غابِرَةً مِنَ الماضِي، كَأَنَّها تَقُولُ: “التَّارِيخُ لا يُنْسَى، وَالحُرِّيَّةُ لا تُقْتَلُ.”

صَوْتٌ مِنْ بَعِيدٍ اخْتَفَى صاحِبُهُ خَلْفَ جِدارٍ كانَ مَبْنِيًّا فِي زَمَنٍ عابِرٍ:
“وَلِمَ أَنْتَ؟”
أَجابَ الرَّجُلُ:
“لَمْ أَفْهَمْ قَصْدَكَ!”
عادَ الصَّوْتُ مِنْ جَدِيدٍ، يَتَرَدَّدُ فِي الفَضاءِ كَصَدًى قَدِيمٍ:
“لِمَ أَنْتَ مَنْ يَتَبَنَّى هذِهِ الأَفْكارَ، وَيَفْتَحُ الطَّرِيقَ أَمامَ الجَمِيعِ لِإِحْيائِها؟ لِمَ لَمْ يَظْهَرْ أَحَدٌ قَبْلَكَ يَحْمِلُ هذِهِ الأَفْكارَ؟”
توقّفَ الرَّجُلُ قَلِيلًا، وَنَظَرَ نَحْوَ مَصْدَرِ الصَّوْتِ الَّذِي تَلاشَى خَلْفَ الجِدارِ كَأَنَّهُ سُؤالٌ جَاءَ مِنْ زَمَنٍ آخَر. أَخَذَ نَفَسًا عَمِيقًا، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ يَمْزِجُ بَيْنَ التَّوَاضُعِ وَالإِصْرَارِ:
“لِأَنَّ الأَفْكارَ تَخْتَارُ أَصْحابَها فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا العالَمُ أَشَدَّ احْتِياجًا لَهُم. لَسْتُ أَوَّلَ مَنْ نَطَقَ بِهذِهِ الحُرِّيَّة، وَلَكِنَّ مَنْ قَبْلِي خَنَقَتْهُمُ السُّيُوفُ أَوْ أَسْكَتَهُمُ الخَوْفُ. كُلُّ جِيلٍ يُورِّثُ ظِلًّا مِنَ الحَقِّ، وَيَنْتَظِرُ مَنْ يُحْيِيهِ.”
تَرَاجَعَ الصَّوْتُ كَأَنَّهُ يُصْغِي، فَأَتْبَعَ الرَّجُلُ كَلامَهُ:
“لَسْتُ نَبِيًّا وَلَا زَعِيمًا، أَنَا فَقَطْ صَدَى لِكَلِمَةٍ قِيلَتْ قَبْلَ أَلْفِ عَامٍ وَلَمْ يُسْمَعْ صَدَاهَا. الحَقُّ لا يَمُوتُ، لَكِنَّهُ يَظَلُّ غَائِبًا حَتَّى يَجِدَ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ الكَلِمَةَ أَقْوَى مِنَ السَّيْفِ.”
اِرْتَجَّتِ الحَدِيقَةُ تَحْتَ نَسِيمِ المَسَاءِ، وَكَانَتِ الأَشْجَارُ تَتَمَايَلُ وَكَأَنَّهَا تُشَارِكُ الأَرْوَاحَ الحَاضِرَةَ فِي الحِوَارِ. جَلَسُوا فِي دَائِرَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَحْمِلُ صَدَى حَيَاتِهِ، وَكُلُّ كَلِمَةٍ مِن كَلِمَاتِهِ كَانَتْ حِجْرًا عَلَى طَرِيقِ الفَهْمِ.
رَفَعَ الحَلَّاجُ (الحُسَيْنُ بْنُ مَنْصُور) رَأْسَهُ أَوَّلًا، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَمْلَؤُهُ العَزْمُ:
“أَنَا الحَقُّ… دَعَوْتُ إِلَى وَحْدَةِ الوُجُودِ وَحُرِّيَّةِ الرُّوحِ فِي عَلَاقَتِهَا مَعَ اللهِ. فَصَلَّى السَّاسَةُ وَالفُقَهَاءُ عَلَى عَقْلِي بِالسُّيُوفِ، فَصَلَّبُونِي فِي بَغْدَاد… لَكِنَّ الحُبَّ الإِلَهِيَّ وَالحُرِّيَّةَ الدَّاخِلِيَّةَ بَقِيَتْ حَيَّةً فِي قُلُوبِ مَنْ يَبْحَثُ عَنِ الصِّدْقِ.”
اِبْتَسَمَ السَّهْرَوْرْدِيُّ، وَعَيْنَاهُ تُشِعَانِ بِالحُزْنِ وَالفَهْمِ، وَقَالَ:
“وَنَحْنُ يَا حَلَّاج… حَاوَلْنَا أَنْ نَمْزِجَ الحِكْمَةَ الإِغْرِيقِيَّةَ بِالنُّورِ الإِلَهِيِّ، وَأَنْ نُثْبِتَ أَنَّ الإِنْسَانَ قَادِرٌ عَلَى التَّنْوِيرِ الذَّاتِيِّ… أعْدمُونِي شَابًّا بِتُهْمَةِ الزَّنْدَقَةِ، لَكِنَّ الفِكْرَ يَظَلُّ حَيًّا رَغْمَ كُلِّ السُّيُوفِ، وَهُوَ وَحْدَهُ الَّذِي يُحَرِّرُ الرُّوحَ مِنَ الظُّلْمِ.”
تَقَدَّمَ ابْنُ المقفَّعِ، وَعَيْنَاهُ تَتَوَهَّجَانِ بِالنَّارِ، وَقَالَ:
“كَتَبْتُ عَنِ العَقْدِ الاِجْتِمَاعِيِّ وَحُرِّيَّةِ الفِكْرِ قَبْلَ رُوسُو بِقُرُونٍ… كُلُّ كَلِمَةٍ قُلْتُهَا كَانَتْ جَرِيمَةً فِي أَعْيُنِ السُّلْطَةِ، فَقَتَلُونِي حَرْقًا، لَكِنَّ مَنْ يَسْمَعُنِي اليَوْمَ يَفْهَمُ أَنَّ الحَقَّ لا يُحْرَقُ.”
اِبْتَسَمَ الكَوَاكِبِيُّ، وَقَالَ بِصَوْتٍ هَادِئٍ وَمَلْؤُهُ الإِيمَانُ:
“فَضَحْتُ الاِسْتِبْدَادَ بِاسْمِ الدِّينِ، وَكَتَبْتُ ‘طَبَائِعَ الاِسْتِبْدَادِ’ وَ’أُمَّ القُرَى’… مِتُّ فِي منْفَايَ مَسْمُومًا بِالقَاهِرَةِ، لَكِنْ صَوْتَ الحُرِّيَّةِ لَمْ يَمُتْ، وَلا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ فِي قُلُوبِ النَّاسِ الَّذِينَ يُرِيدُونَ العَدْلَ.”
رَفَعَ بْرُونُو رَأْسَهُ مِنْ بَيْنِ الظِّلَالِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَصْدَحُ بَيْنَ الأَشْجَارِ:
“قُلْتُ إِنَّ الكَوْنَ لا مُتَانَاهٍ، وَاللهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ… أحْرِقْتُنِي الكَنِيسَةُ حَيًّا، لَكِنَّ شَجَاعَةَ الفِكْرِ الحُرِّ بَاقِيَةٌ، وَالفِكْرُ لا يُقْهَرُ.”
تَقَدَّمَ سْبِينُوزَا، بِعُيُونٍ هَادِئَةٍ وَبِصَوْتٍ عَمِيقٍ:
“طُرِدْتُ مِنْ مُجْتَمَعِي لأَنِّي دَعَوْتُ إِلَى حُرِّيَّةِ التَّفْكِيرِ وَنَقْدِ النُّصُوصِ المُقَدَّسَةِ… عِشْتُ مُنْعَزِلًا، لَكِنْ رُوحِي كَانَتْ حُرَّةً، وَالفِكْرُ يُضِيءُ حَتَّى فِي الظَّلَامِ.”
اِبْتَسَمَ سُقْرَاطُ بِصَوْتٍ يَمْلَأُ المَكَانَ:
“رَفَضْتُ أَنْ أَتَنَازَلَ عَنْ فِكْرِي… اتَّهَمُونِي بِإِفْسَادِ الشَّبَابِ، وَحُكِمَ عَلَيَّ بِالمَوْتِ. شَرِبْتُ السَّمَّ وَأَنَا أَقُولُ لِتَلَامِيذِي: ‘الفِكْرُ لا يُسْجَنُ’.”
اِرْتَفَعَ صَوْتُ الحَلَّاجِ، وَقَالَ بِتَحَدٍّ:
“إِذًا… هَلِ الحُرِّيَّةُ مُجَرَّدُ كَلِمَةٍ تُرْفَعُ، أَمْ أَنَّهَا طَرِيقٌ دَاخِلِيٌّ يَبْدَأُ بِالرُّوحِ وَيَصِلُ إِلَى المُجْتَمَعِ؟”
أَجَابَ السَّهْرَوْرْدِيُّ:
“إِنَّهَا رِحْلَةٌ نَحْوَ النُّورِ، تَبْدَأُ بِالفَهْمِ، وَتُثْمِرُ الحِكْمَةَ، وَتُحَرِّرُ الإِنْسَانَ مِنَ الاسْتِبْعَادِ وَالجَهْلِ.”
اِعْتَرَضَ ابْنُ المقْفَّعِ:
“لَكِنْ مَنْ لا يَجْرُؤُ عَلَى الكَلَامِ خَوْفًا مِنَ السَّيْفِ، يَبْقَى عَبْدًا… الحُرِّيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى شَجَاعَةِ الرُّوحِ قَبْلَ أَنْ تَتَحَقَّقَ خَارِجِيًّا.”
هَزَّ الكَوَاكِبِيُّ رَأْسَهُ وَقَالَ:
“وَالْحَقُّ… مَهْمَا طَالَ صَمْتُهُ، يَظْهَرُ فِي النِّهَايَةِ… كُلُّ اسْتِبْدَادٍ يَنْهَارُ أَمَامَ نُورِ الْعَقْلِ وَالضَّمِيرِ، وَهَذِهِ قَوَانِينُ الطَّبِيعَةِ الْبَشَرِيَّةِ.”
أَضَافَ بْرُونُو:
“حَتَّى لَوْ أُحْرِقَتْ أَجْسَادُنَا، سَتَظَلُّ الْأَفْكَارُ تَتَجَوَّلُ فِي الزَّمَانِ… وَالْكَوْنُ كُلُّهُ شَاهِدٌ عَلَى شَجَاعَةِ الإِنْسَانِ.”
قَالَ سْبِينُوزَا:
“الْفِكْرُ النَّقْدِيُّ مَسْؤُولِيَّةٌ… الْحُرِّيَّةُ لَيْسَتِ امْتِيَازًا أَوْ شِعَارًا، بَلْ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يَسْعَى إِلَى الْحَقِّ وَالْعَدْلِ.”
نَظَرَ سُقْرَاطُ إِلَى الْجَمِيعِ وَقَالَ:
“وَالْصِدْقُ مَعَ الذَّاتِ يُوَلِّدُ الْحُرَّ الْحَقِيقِيَّ… مَنْ لا يَعْرِفُ نَفْسَهُ، لا يَعْرِفُ الْحُرِّيَّةَ.”
ثُمَّ وَقَفَ الحَلَّاجُ وَقَالَ بِصَوْتٍ يزَلْزِلُ الْمَكَانَ:
“إِنَّ الطَّاعَةَ الْعَمِيَاءَ لِلْسُّلْطَةِ لا تُخْلِقُ إِنْسَانًا، بَلْ تُسْتَبْدَلُ الرُّوحُ بِالْعُبُودِيَّةِ.”
اِبْتَسَمَ السَّهْرَوْرْدِيُّ:
“الْعَقْلُ هُوَ الْمُرْشِدُ، وَالإِيمَانُ هُوَ النُّورُ… مَعًا يَصْنَعَانِ مُجْتَمَعًا حُرًّا، لا يَهْدِدُهُ الطُّغْيَانُ.”
اِقْتَحَمَ ابْنُ المقفَّعِ الْحِوَارَ:
“وَمَنْ لا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، يَظَلُّ عَبْدًا، حَتَّى لَوْ عَاشَ طُولَ عُمْرِهِ… الْحُرِّيَّةُ تَحْتَاجُ إِلَى صُمُودٍ، وَإِلَى كِفَاحٍ مُسْتَمِرٍّ.”
رَفَعَ الكَوَاكِبِيُّ يَدَهُ وَقَالَ:
“التَّضْحِيَةُ لَيْسَتْ عَبَثًا، كُلُّ كَلِمَةٍ كُتِبَتْ، وَكُلُّ فِكْرَةٍ نُشِرَتْ، تَصْنَعُ إِرْثًا لِلْحُرِّيَّةِ… حَتَّى لَوْ لَمْ يَرَ المُؤَلِّفُونَ نَتَائِجَهَا فِي حَيَاتِهِمْ.”
صَاحَ بْرُونُو:
“الْفِكْرُ حَيٌّ، حَتَّى إِذَا أَرَادَ الطُّغَاةُ دَفْنَهُ… كُلُّ فِكْرَةٍ حَقِيقِيَّةٍ تَفْتَحُ أُفُقًا جَدِيدًا لِلْإِنْسَانِيَّةِ.”
اِبْتَسَمَ سْبِينُوزَا وَقَالَ:
“وَالنَّقْدُ يُوَلِّدُ ضَوْءًا يُحَرِّرُ الْعُقُولَ مِنَ الْجَهْلِ وَالْخُرَافَةِ.”
نَظَرَ سُقْرَاطُ إِلَى الْحَاضِرِينَ، وَقَالَ بِحَزْمٍ:
“وَالْحَقُّ مَعَ النَّفْسِ يُوَلِّدُ الْحُرِّيَّةَ… مَنْ لا يَعْرِفُ نَفْسَهُ، لا يَعْرِفُ الْحُرِّيَّةَ، وَمَنْ لا يَعْرِفُ الْحَقَّ، لا يَعْرِفُ الْعَدَالَةَ.”
ارتجّتِ الحديقةُ تحتَ نَسيمِ المساءِ، وكانتِ الأشجارُ تتمايلُ وكأنَّها تُشارِكُ الأرواحَ الحاضرةَ في الحوارِ. جلسَ الرَّجلُ في دائرةٍ غيرِ مرئيةٍ، والقلمُ بينَ يديه يلمعُ من وهجِ الأفكارِ المتصارعةِ. كلُّ كلمةٍ سيخطُّها على الورقِ كانت حجرًا على طريقِ الفهمِ، وكلُّ صمتٍ كان يُعبّر عن صرخةٍ داخليّةٍ دفينةٍ.
رفعَ القلمَ مجدّدًا، وقال بصوتٍ يختلطُ فيه الحزنُ بالعزمِ:
“الْفِكْرُ لا يَمُوتُ… الْحُرِّيَّةُ بَاقِيَةٌ… وَمَهْمَا حَاوَلَ الطُّغَاةُ إِسْكَاتَهَا، سَيَظَلُّ الإِنْسَانُ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِّ وَالْكَرَامَةِ.”
وتابعَ:
“التَّارِيخُ ليسَ طاهِرًا، ولا مَعْصُومًا، ولا بَريئًا… إنّه انعكاسُ كلِّ الصِّراعِ البشريِّ، كلِّ الجشعِ، كلِّ خَوفِ الإِنسانِ على نَفسِه وأهْلِه، كلُّ رَغْبةِ الإِنسانِ في السُّلْطَةِ والنَّجاةِ والغَنائِمِ والهَبَاتِ.”
ارتسمت أمامَه صُورةُ ذاتِه العجوزِ، متأمّلًا، وهمسَ في صمتٍ داخليٍّ:
“ومعَ ذلك، لم تَكُنِ القِراءةُ مُجَرّدَ مَعْرِفَةٍ… كانَت مُواجَهَةً داخليّةً، حِوارًا مع كلِّ ما صَنَعَه التَّاريخُ، ومع كلِّ مَنْ بَقِي صامتًا، ومع كلِّ صَوْتٍ كانَ يَجِبُ أن يُسمَعَ لَكِنَّهُ لم يُسمَع.”
جلسَ الرَّجلُ، والقلمُ في يَدِه كأَنَّهُ يَجْمَعُ كُلَّ الأَصْواتِ، كُلَّ المَواقِفِ، وكُلَّ التَّناقُضاتِ، في حَديقةِ ذِهنِه الدَّاخِلِيّةِ، حَيْثُ التَّاريخُ والحقيقةُ والسِّياسةُ والدّينُ تَتَشابَكُ، والكِتابةُ هِيَ الوَسِيلَةُ الوَحيدةُ لِيَعِيشَ مَعَهَا، ولِيَفْهَمَ نَفْسَهُ، ولِيُواجِهَ الغَيْبَ المُتَرَسِّخَ في كُلِّ صَفحةٍ مِن صَفَحاتِ التّاريخِ.
حدّقَ في الورقةِ، وقد جمعَ بينَ كلِّ هذهِ التَّجاربِ: الكلبُ الصغيرُ والكبيرُ، الوَعْيُ والذاكرةُ، الأدبُ والتاريخُ، الأسئلةُ الذاتيةُ عنِ الكِتابةِ، والأقنعةُ التي ارتداها طوالَ حياتِه، مستعدًّا أن يبوحَ بالحقيقةِ مهما كانت مُرهقةً، ومهما بدا العالمُ مستغربًا أو غيرَ مستعدٍّ لسماعِها.
تذكّرَ الرَّجلُ بداياتِه الأولى في فهمِ السياسةِ، وهمسَ لنفسِه:
“بدأتُ أشعرُ بضعفي السياسيّ منذ بدايةِ نُموّ الوَعْيِ السياسيِّ. كانَ لا محالةَ عليّ أن أعتنقَ القناعاتِ التي فرضها الواقعُ أمامَ من يمتلكُ أعلى سُلطةٍ سياسيةٍ، كي أؤمّنَ نفسي وأهلي من مكائدِهم، ومن مكرٍ وخداعٍ وظلمٍ وبطشِ السُلطةِ السياسيةِ القائمةِ.”
همسَ بصوتٍ خافتٍ، وكأنّه يُسجّل اعترافًا لنفسِه:
“كنتُ صغيرًا أمامهم، عاجزًا، لا حيلةَ لي إلّا الخضوعَ، والتظاهرَ بالقناعةِ… أمامَ من يمتلكُ إمكاناتٍ أخلاقيةٍ، ونفسيةٍ متقدّةٍ للصعودِ، والمترافقةِ مع بذلِ المزيدِ من الكرامةِ، التي جعلتهم في مواقعَ أرفعَ من الجميعِ.”
ارتسمَ في ذهنِه ظلّ أحدِ المسؤولينَ، صارمًا، بارعًا في تسيسِ كلِّ شيءٍ، وكأنَّ صوته يرنّ في أذنِه:
“الغَبَاء؟ إنّه مُجرّدُ طريقةٍ لتفهمَ العالمَ من منظورِنا… نحن نصنعُ القوانينَ والمفاهيمَ، نحوّرُها، نضعُ لها تسمياتٍ موقّرةٍ، لخدمةِ مصالحِنا وأغراضِنا الشخصيةِ…”
تقدّمتْ صورةُ ذاتهِ الصغيرةِ، المُرتجِفةِ، التي كانت تحاولُ أن تفهمَ ما يجري، وسألته بقلقٍ خافتٍ:
“وكيفَ لي أن أقاومَ، وأن أحتفظَ بكرامتي، بينما كلُّ من حولي قادرٌ على تفسيرِ الأمور كما يشاءُ، وتحويلها إلى أدواتِ قوةٍ؟”
ارتجفَ الرَّجلُ للحظةٍ، وكأنَّ الهواءَ نفسهُ يحملُ صدى السؤالِ، ثم كتبَ على الورقةِ:
“القوّةُ الحقيقيةُ ليستْ في السيوفِ ولا في القوانينِ، بل في روحٍ لا تنكسرُ، وفي قلبٍ يرفضُ الخضوعَ… وفي قلمٍ يكتبُ الحقيقةَ مهما كانت مُرهقةً.”
ثم بدأت الأصواتُ تتعالى في ذهنِه، كأنّها حشودٌ من الماضي والحاضر، كلُّ ظلٍّ في التاريخِ يهمسُ له بكلماتٍ لم يُكتبْ لها يومًا أن تُنطقَ:
“التاريخُ… لا يرحم… لكنه يعلمُ من يمتلكُ الشجاعةَ ليواجهَه.”
“السُلطةُ… ليستْ إلّا اختبارًا لكلِّ روحٍ… من يركعْ يسقطُ، ومن يقاومْ يُخلَّد.”
“الضميرُ… هو السيفُ الذي لا يصدأُ، والقلمُ هو الحصنُ الأخيرُ.”
جلسَ الرَّجلُ، والقلمُ بينَ أصابعه يختلطُ بينَ الارتعاشِ والثباتِ، وفكّرَ في كلِّ الذين حاولوا المقاومةَ من قبل: من كتبوا، ومن صرخوا، ومن قُتلوا، ومن ضحّوا بكلِّ شيءٍ من أجلِ الحريةِ، والفكرِ، والكرامةِ.
ثم همسَ لنفسِه:
“أنا أيضًا… سأكتب… سأواجه… وسأبقى صادقًا مع نفسي… حتى لو كان العالمُ كلُّه يقفُ ضدي… حتى لو سكِتَتِ الأقلامُ الأخرى.”
ارتجّتِ الحديقةُ مرةً أخرى، وكأنَّ الأشجارَ تصفّقُ له بصمتٍ، وهمسَ الهواءُ بينَ الظلالِ:
“الحقّ… سيظلُّ حيًّا… والفكرُ والحرية… باقية… مهما حاول الطغاةُ إسكاتَها.”
ارتفعتْ أشعةُ الفجرِ الأولى خجولةً بينَ الأغصانِ، فتسلّلتْ إلى الحديقةِ، حيثُ جلسَ الرجلُ صامتًا، محاطًا بالكلبينِ: الأسودُ الكبيرُ الذي يرمزُ إلى المخاطرِ والرقابةِ، والأبيضُ الصغيرُ الذي يحملُ البراءةَ والفضولَ. التحقتْ به شخصياتُ حياتهِ الواحدةُ تلوَ الأخرىِ: الجدّ، الأمّ، الأب، الأساتذة، الأصدقاء والزملاء، بعضُ الطلابِ وأولياءِ الأمورِ، والجيران، كلُّهم يجلسون في صمتٍ يملأ المكانَ بمعاني الوجودِ والذاكرةِ.
كانتِ الأوراقُ التي كتبها قد امتلأتْ بالحياةِ، وبدأتِ الريحُ تأخذُ بها، فتتطايرُ هنا وهناك، بينَ الجذوعِ والأحجارِ والممراتِ، وكأنّها رسائلُ صغيرةٌ تُرسلُ لكلِّ من يقرأها أو لكلِّ روحٍ تلتقطُ صداها. لمْ تعدِ الأوراقُ كلماتٍ جامدةً، بل صارتْ حواراتٍ حيّةً مع كلِّ لحظةٍ عاشها، ومع كلِّ تجربةٍ تركتْ أثرًا في قلبه.
مرّتِ الأيامُ، والحديقةُ استمرتْ على حالها، تحملُ أوراقَه المتناثرةَ في الفصولِ المختلفةِ: في الخريفِ تتراقصُ بينَ الأوراقِ اليابسةِ، وفي الشتاءِ تغطّيها الثلوجُ، وفي الربيعِ تنبتُ حولها براعمُ جديدةٌ، وفي الصيفِ تتمايلُ بينَ أشعةِ الشمسِ الذهبيةِ. وكأنّ الحديقةَ نفسها تعلنُ صمودَ الفكرِ وحريةَ الروحِ، حتى حينَ يغادرُ صاحبُها الحياةَ دونَ أن يُعلنَ عن رحيله.
ظلّ الرجلُ حاضرًا في كلِّ ورقةٍ، في كلِّ نسيمٍ، في كلِّ ظلٍّ من الظلالِ، بينما الزمنُ يتابعُ سيرَهُ بهدوءٍ. وحتى بعد أن غابَ عن الأنظارِ، بقي صدى صوتهِ الداخليِّ في أوراقِه، يسألُ:
“هل كنتُ على حقّ؟ هل أخطأتُ؟ هل كنتُ شجاعًا بما يكفي؟”
وعندما عادتِ المرأةُ إلى الحديقةِ مع كلبِها الأبيضِ، جلس الأخيرُ عند قدمِ الرجلِ، كأنه يحرسُ إرثَهُ الصامتَ. والريحُ استمرتْ في حملِ الأوراقِ، تتطايرُ إلى الزوايا البعيدةِ، فتختلطُ مع صدى حفيفِ الأشجارِ، وكأنّ الحديقةَ تقولُ بصوتٍ خافتٍ لكلِّ من يمرّ:
“الفكرُ لا يموتُ… والحريةُ باقيةٌ… مهما حاول الطغاةُ إسكاتَها، ومهما غابَ أصحابُها عن هذا العالم.”
مرّتِ السنواتُ، وتغيرتِ الوجوهُ، لكنَّ الأوراقَ بقيتْ، تحملُ إرثَ الرجلِ الرمزيَّ، تحكي صراعاتهُ وأسئلتهُ، وتذكّرُ كلَّ من يمرُّ بها بأنّ الإنسانَ قد يغادرُ، لكن أفكارهُ، وكرامتهُ، وروحهُ الحرةُ، ستظلُّ حيّةً في كلِّ نسيمٍ، وفي كلِّ ظلٍّ من الظلالِ، في كلِّ ركنٍ من أركانِ الحديقةِ.
خاتمة: في المرآة الأخيرة
سَكَتَ كُلُّ صَوْتٍ، وَبَقِيَ صَدَى الأَصْوَاتِ يَدُورُ فِي أَعْمَاقِهِ كَمَا يَدُورُ الزَّمَنُ فِي مِرْآةٍ مَكْسُورَةٍ؛ يَرَى فِيهَا وَجْهَهُ صَبِيًّا وَرَجُلًا وَظِلًّا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
لَمْ يَعُدْ يُمَيِّزُ بَيْنَ الكَلْبِ الصَّغِيرِ الَّذِي حَمَلَ وَدَاعَتَهُ فِي الحَدِيقَةِ، وَالكَلْبِ الأَسْوَدِ الَّذِي طَارَدَ ظِلَّهُ فِي المَاضِي؛ فَكِلَاهُمَا، الآنَ، يَجْلِسَانِ عَلَى العَتَبَةِ نَفْسِهَا، كَمَا لَوْ كَانَا وَجْهَيْنِ لِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ.
أَدْرَكَ أَنَّ الحَيَاةَ لَيْسَتْ مَسْرَحًا يُؤَدِّي فِيهِ أَقْنِعَةً مُخْتَلِفَةً، بَلْ رِحْلَةٌ نَحْوَ تَجْرِيدِ الوُجُودِ مِنْ كُلِّ قِناعٍ.
وَأَنَّ العَقْلَ الَّذِي ظَنَّهُ مَلْجَأَهُ الأَمِنَ، إِنَّمَا كَانَ هُوَ السِّجْنَ الأَوَّلَ الَّذِي تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يُفْتَحَ بَابُهُ بِمِفْتَاحِ الغَيْبِ.
فِي اللَّحْظَةِ الَّتِي وَضَعَ فِيهَا قَلَمَهُ عَلَى الوَرَقِ، أَحَسَّ أَنَّ الكَلِمَاتِ لَمْ تَعُدْ تُكْتَبُ لِتُقْرَأَ، بَلْ لِتُفْهَمَ فِي الصَّمْتِ.
لِذَلِكَ أَغْلَقَ دَفْتَرَهُ، وَتَأَمَّلَ الحَدِيقَةَ الَّتِي بَدَتْ – فِي هُدُوءِ المَسَاءِ – مُمْتَلِئَةً بِالأَصْوَاتِ الَّتِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ: أُمُّهُ، أَصْدِقَاؤُهُ، وَهُوَ نَفْسُهُ فِي كُلِّ أَعْمَارِهِ.
كُلُّهُمْ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى، يَبْتَسِمُونَ فِي اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ.
شَعَرَ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ أَنْ يُدَافِعَ، وَلَا أَنْ يَبْرُرَ، وَلَا أَنْ يَكْتُبَ لِيَفْهَمَ.
فَهُوَ الآنَ يَرَى.
رَأَى أَنَّ الحَقِيقَةَ لَا تُقَالُ، بَلْ تُعَاشُ،
وَأَنَّ الغَيْبَ لَيْسَ مَا يُخْفِيهِ اللهُ عَنِ العَبْدِ، بَلْ مَا يَسْتَتِرُ فِيهِ النُّورُ حَتَّى يَكْتَمِلَ الإِدْرَاكُ.
رَأَى أَنَّ الكِتَابَةَ نَفْسَهَا هِيَ صُورَةُ الإِيمَانِ بِذَلِكَ النُّورِ؛
وَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ كَتَبَهَا، وَكُلَّ صَمْتٍ سَكَنَهُ، كَانَا شَاهِدَيْنِ عَلَى رِحْلَةٍ لَمْ تَكْتَمِلْ، وَلَكِنَّهَا بَلَغَتْ مَعْنَاهَا.
فِي الخُطُوَاتِ الأَخِيرَةِ نَحْوَ بَابِ الحَدِيقَةِ، أَدَارَ نَظَرَهُ إِلَى المَقْعَدِ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَرَآهُ فَارِغًا.
غَيْرَ أَنَّهُ – فِي أَعْمَاقِهِ – عَلِمَ أَنَّ الكَلْبَ الصَّغِيرَ لَمْ يَغِبْ، وَأَنَّ الكَلْبَ الأَسْوَدَ الكبيرَ لَمْ يَعُدْ يُخِيفُهُ.
كِلَاهُمَا دَاخِلُهُ، وَكِلَاهُمَا، فِي آخِرِ الأَمْرِ، صَوْتُ الإِنْسَانِ وَهُوَ يُصْغِي لِوُجُودِهِ.
ثُمَّ تَمْتَدُّ الجُمْلَةُ الأَخِيرَةُ، كَصَدًى مِنْ دَاخِلِهِ، تُكَرِّرُ مَا كَتَبَهُ يَوْمًا عَلَى وَرَقَةٍ نَاصِعَةٍ:
«أُؤْمِنُ بِالغَيْبِ… لأَنَّهُ يَصُونُ إِنْسَانِيَّتِي مِنَ الغُرُورِ، وَيَفْتَحُ لِي طَرِيقَ الفَهْمِ إِلَى مَا لَا يُرَى.»
فَانْطَوَتِ الحُرُوفُ، وَبَقِيَتِ الحِكايَةُ مُعَلَّقَةً بَيْنَ نُورٍ وَسِرٍّ،

تَنْتَظِرُ قَارِئًا آخَرَ… لِيَفْتَحَ مِفْتَاحَ الغَيْبِ.
نعمان البربري
فايسخ إم تال، باكنانغ،
بادن فورتمبرغ، ألمانيا

28/10/2021

قلوب في الظل

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *