الصرخة المؤجَّلة

الصرخة المؤجَّلة

تمهيد روائي
“لا تأتي شرارة الإلهام كما تأتي الأفكار المهذّبة”…
قال في سرّه: “لماذا ترتجف الفكرة هكذا حين تقترب؟” ثم سكت، كأن الصمت أقدر على الحراسة من الكلام.
أجاب نفسه: “لأن ما يأتي الآن ليس فكرة، بل اعتراف مؤجَّل”، فشعر بثقلٍ دافئٍ يستقر في صدره.
سأل ذاته: “وهل أملك الشجاعة؟”، فردّ صوتٌ أعمق: “الشجاعة ليست أن تبدأ، بل أن لا تكذب حين تبدأ”.
تقدّم خطوة في داخله، ثم تراجع، وقال: “أخاف أن أخون الحلم إن كتبته”.
جاءه الجواب همساً: “والخيانة الحقيقية أن تتركه يختنق”.
يتأسس البناء الروائي في الفصول التالية على إدماج الشخصيات الرئيسة، مع توسيع الدلالات السردية لفضاءات وعناصر مثل القاعة والحافلة والطفولة والأنثى والذكورة والصرخة المؤجَّلة، بوصفها فواعل نصية تؤدي دور الأبطال الخفيين.
الفصل الأوّل: البذرة
كان في السادسة من عمره، وربّما في السابعة؛ العمر الذي لا يعرف فيه الطفل لماذا يُمنَع، لكنّه يتعلّم أنّ المنع قانون.
جلس في فناء البيت، والضوء يتكسّر على التراب، والنهار واسعٌ بما يكفي لضحكةٍ بلا حساب. كانت الكرة تتدحرج ببطء، كأنّها تنتظر يدًا تُعيدها إلى اللعب.
قال في داخله، من غير كلمات: “الوقت طويل”. ثم مدّ يده.
” لا شيء يحدث بعد… كلّ شيء بسيط.”
ركضت بنت الجيران خلف الكرة، تعثّرت، ضحكت، وضحك معها. الضحكة كانت أقرب إلى الهواء؛ لا وزن لها، ولا قصد.
اقترب، ومدّ يده ليساعدها. كانت اليد تعرف طريقها بالفطرة، بلا تفكير، بلا معنى زائد.
وقبل أن تلتقي الكفّان… جاء الصوت.
“عيب!”
توقّف الزمن. لم يتجمّد النهار، بل تجمّد داخله. سُحبت يده، لا بعنفٍ ظاهر، بل بحزمٍ باردٍ لا يشرح نفسه.
” ماذا فعلتُ؟”
نظر إلى الوجوه: أمّه، عمّته، ظِلّ رجلٍ عند الباب. لم يرَ غضبًا فقط؛ رأى خوفًا. وهذا ما حيّره.
” هل اليد خطأ؟ أم القرب؟ أم الضحك؟”
جلس في الزاوية، ضمّ ركبتيه، وتعلّم درسًا بلا سبّورة: الصمتُ أسلم.
في المساء، حين بدّل ثيابه، لمس صدره مصادفة. ارتبك. سحب يده سريعًا، كأنّه أُمسك متلبّسًا.
” لا تلمس.”
لم يكن يعرف لماذا، لكنّ “لا” كانت أكبر من كلّ الأسئلة.
نام ويداه فوق صدره، كأنّهما سجينتان.
كانت في الخامسة، وربّما أقلّ بعام. وقفت أمام المرآة، دارت، رفعت فستانها قليلًا وضحكت. لم تكن تتعرّى؛ كانت تكتشف الحركة.
دخلت الأم.
“أنزّلي الفستان!”
انطفأت الضحكة. نظرت إلى ساقيها، إلى الركبتين. لم ترَ خطأً، لكنّ الصوت قال إنّ هناك خطأ.
” ماذا فيّ؟”
بدأت المراقبة.
“اجلسي باعتدال.” “لا تضحكي بصوتٍ عالٍ.” “انتبهي إلى نفسك.” “الناس تنظر.”
” من الناس؟ ولماذا ينظرون؟”
كبرت قليلًا، كبر صدرها، وكبر القلق. صار القميص يُعدَّل، والحركة تُحسب.
” اخفِ.”
لم تُعلَّم كيف تحبّ جسدها، بل كيف تحرسه.

في الكُتّاب، جلست المرأة المسنّة أمامهم، عصاها مرئيّة أكثر ممّا تُستعمل. نصف دائرة من الأطفال، أصواتهم ترتفع وتهبط.
هو قريب من الباب. يده تعبث بطرف السجّادة.
هي في الطرف الآخر. تشدّ فستانها على ركبتيها.
مرّت نسمة، عدّلت خمارها الصغير، ثم سحبت يدها حين التقت عينها بنظرة المعلمة.
قال الصوت الخشن: “ركّزوا… القرآن يحتاج هيبة.”
” لا تنظر.” سمعها هو.
” كوني حذِرة.” سمعتها هي.
التفت بلا سبب. رأى حركة. أنزل عينيه.
” خطأ.”
شدّت كتفيها.
” خطر.”
لم يلتقيا. لكن شيئًا تَشكّل.

في ساحة المدرسة، اصطدامٌ خفيف: كتف بكتف. لعبةٌ بلا قصد.
قال بسرعة: “آسف…”
شدّت فستانها.
” هل رآنا أحد؟”
” ماذا لو ظنّوا؟”
انسحب كلٌّ إلى جهته.
منذ ذلك اليوم، صار يحسب المسافة.
وصارت تحرس الخطوة.

في الصفّ الخلفي، عادت النظرة. خيط شعرٍ ينفلت. ظلّ ظهر.
حرارة في الصدر.
” استغفر الله.”
يدعو ضدّ جسده.
وعند الباب، حين مرّت قريبة، مال بجسده بعيدًا.
” لا تلمس.”
أمام المرآة، عدّلت ياقة قميصها.
” استر.”
يدعو الاثنان ضدّ ما لم يُشرح.

في الداخل، وُضع حجرٌ صغير.
حجرٌ لا يُرى.
لكنّه سيعرف، بعد سنين، أنّه كان البذرة.

الفصل الثاني: اتّساع الدائرة
لم يحدث التحوّل فجأة.
لم يستيقظا ذات صباح ليقولا: لقد كبرنا.
كان الأمر أشبه باتّساعٍ بطيءٍ في الدائرة، دائرة الخوف نفسها، لكنّها صارت أوسع، وأقلّ براءة.

كان في العاشرة تقريبًا. جسده أطول قليلًا، وصوته لم يعد طفوليًّا تمامًا، ولا رجوليًّا بعد. منطقة وسطى لا اسم لها.
كان يعرف القواعد الآن، أو هكذا ظنّ.
لا يقترب.
لا يحدّق.
لا يضحك كثيرًا.
ولا يسأل.
” الصمت أذكى.”
في المدرسة، صار يجلس في الصفّ الخلفي، لا لأنّه كسول، بل لأنّ الخلف يمنحه مسافة آمنة. هناك يستطيع أن يرى دون أن يُرى، وأن ينسحب دون أن يُلاحَظ.
كانت البنات في الصفّ الأمامي.
صفّ كامل من المسافات المحسوبة.
لم يكن يرى وجوهًا، بل إشارات: حركة يد، التفاتة رأس، صوت ضحكٍ مكبوت.
وفي كلّ مرّة تلتقط عيناه شيئًا، يهبط الحكم سريعًا:
” عيب.”
” حرام.”
” لا تنظر.”
كان الحكم أسرع من الفكرة.

في الجهة الأخرى، كانت هي تتعلّم المهارة نفسها: الحساب.
تحسب الخطوة.
تحسب الضحكة.
تحسب ارتفاع الصوت.
كانت المعلّمة تقول: “أنتِ ذكيّة”.
والأمّ تقول: “انتبهي إلى نفسك”.
والخالة تضيف: “الدنيا لا ترحم”.
” ماذا أفعل إذن؟”
لم يُجَب السؤال.
فاخترعت جوابًا خاصًّا بها:
” كوني يقِظة.”
واليقظة، كما تعلّمتها، ليست وعيًا… بل توتّرًا دائمًا.

في الفسحة، اقتربت الكرة مرّة أخرى.
تدحرجت.
اصطدمت بحذائها.
توقّف اللعب.
نظر الجميع.
قال أحد الأولاد ضاحكًا: “أعيديها”.
مدّت قدمها بخفّة، دفعتها.
ارتفعت الضحكات.
شعر بشيءٍ يتحرّك في صدره.
” لا شيء.”
لكنّ الجسد لا يصدّق الكلمات دائمًا.
خفض عينيه.
شدّ كتفيه.
” لا تكن واضحًا.”

في البيت، سأل الأب وهو يطالع الجريدة:
“لماذا تجلس صامتًا هكذا؟”
قال بسرعة: “عادي”.
” كذبة صغيرة أسلم.”
وفي الغرفة المجاورة، قالت الأمّ لها:
“لا تكثري الخروج”.
هزّت رأسها.
” الطاعة أهدأ.”

في الليل، حين خفّت الأصوات، عاد الجسد ليطرح أسئلته.
هو استدار في سريره، شعر بحرارةٍ في بطنه، بتوتّرٍ في ساقيه.
” استغفر الله.”
ردّدها كما لو كانت زرّ إطفاء.
هي جلست أمام المرآة، نظرت طويلًا، ثم عدّلت قميصها.
” استر.”
كأنّ الستر حلّ لكلّ ما لا يُفهَم.

في اليوم التالي، تقاطعت النظرات صدفة.
لم تدم أكثر من ثانية.
لكنّ الثانية كانت كافية.
هو شعر بأنّه كُشِف.
وهي شعرت بأنّها انكشفت.
أنزلا العينين في اللحظة نفسها.
” لا.” قالها الاثنان في الداخل.

لم يتكلّما.
لم يتشاجرا.
لم يتصافحا.
لكنّ شيئًا جديدًا أُضيف إلى الصمت القديم:
الوعي.
وعيٌ بلا لغة.
وعيٌ بلا توجيه.
وعيٌ يُثقل أكثر ممّا يُنير.

وهكذا، من غير حادثة تُروى، ولا مشهدٍ يُشار إليه، اتّسعت الدائرة.
صار الخوف أكثر دقّة.
وصارت الصرخة أبعد.
لكنّها…
لم تختفِ.

الفصل الثالث: ارتباك الجسد
لم يكن مستعدًّا.
ولا هي.
الجسد سبق اللغة.
سبق الفهم.
وسبق كلّ ما قيل لهما عن الصواب والخطأ.

كان في الثالثة عشرة تقريبًا، حين اكتشف أنّ جسده لم يعد يسكنه كما كان. صار له صوتٌ آخر، وإيقاعٌ آخر، وأسئلة لا تنتظر إذنًا.
جلس في الصفّ، دفاتره مفتوحة، لكنّ عينيه خانتاه.
كانت تجلس أمامه.
ليس قريبًا بما يكفي للكلام، ولا بعيدًا بما يكفي للسلامة.
لم ينظر عمدًا.
لكنّ النظر حدث.
تفصيلٌ صغير شدّه: خيط شعرٍ انفلت على عنقها.
ثمّ آخر: ظلّ كتفها حين مالت.
” لا.”
قالها في داخله، لكنّ الجسد لم يسمع.
شعر بحرارةٍ مفاجئة في صدره.
بانقباضٍ غامضٍ في بطنه.
” ماذا يحدث؟”
خفض عينيه بسرعة، كأنّ أحدًا أمسكه متلبّسًا.
” استغفر الله.”
ردّدها بلا وعي، كما لو كانت تعويذة.

لم يكن ما يشعر به رغبةً واضحة، بل فوضى.
فوضى بين الفضول والخوف.
بين الجذب والانسحاب.
بين التمنّي والعار.
قال في داخله، بصوتٍ خافتٍ مرتبك:
” أنا سيّئ… هذا خطأ… هذا حرام.”
وللمرّة الأولى، لم ينتظر حكم الكبار.
أصدر الحكم بنفسه.

في الجهة الأخرى، كانت تقف أمام المرآة، تتأمّل تغيّرًا لا تعرف كيف تُسمّيه.
الصدر لم يعد مسطّحًا.
الملامح أكثر حدّة.
والنظرة… أثقل.
شدّت قميصها إلى الأسفل.
عدّلت ياقة الفستان.
” انتبهي.”
قالت لنفسها.
لكنّ الانتباه لم يمنحها طمأنينة.
بل قلقًا دائمًا.
في المدرسة، شعرت بنظرته.
لم تكن نظرة جريئة.
كانت… مرتبكة.
لكنّها كانت نظرة.
انكمش جسدها قليلًا.
شدّت كتفيها.
” هل أنا السبب؟”
وسألت نفسها سؤالًا لم يُسمَح له أن يكتمل:
” ولماذا يجب أن أكون السبب؟”
لكنّ السؤال مات في منتصفه.

حين رنّ الجرس، وقف الجميع.
اقتربت المسافات.
مرّت بقربه.
مال بجسده بعيدًا، بلا وعي.
” لا تلمس.”
خاف من اللمسة.
وخاف، في اللحظة نفسها، من رغبته في ألا يخاف.
هذا التناقض ضربه بعنف.
شعر بالخزي.

في طريق العودة، مشى مطأطئ الرأس.
كلّ فتاة تمرّ… تُذكّره.
وكلّ تذكّر… يُجلده.
” لماذا أنظر؟”
” لماذا أشعر؟”
أسئلة بلا جواب.
دخل البيت، سلّم بصوتٍ خافت.
سألته أمّه:
“أمتعبٌ أنت؟”
هزّ رأسه نفيًا.
لم يكن تعبًا.
كان صراعًا.
دخل غرفته، أغلق الباب، جلس على السرير، وضمّ ركبتيه.
” يا رب… خلّصني من هذا…”
كان يدعو ضدّ نفسه.

في البيت الآخر، جلست هي قرب النافذة.
تفكّر في النظرة.
في الارتباك.
في الخوف الذي لا تعرف من أين جاء.
قالت في داخلها:
” استر يارب!…”
كأنّ الستر حلّ لكلّ ما لم يُشرَح.

لم يلتقيا.
لم يتكلّما.
لكنّ الجسد قال كلمته.
وقالها قبل أن يتعلّما كيف يُصغيان.
وهكذا، في صمت المراهقة الأولى، وُلد القاضي الداخلي.
قاضٍ لا يرحم.
يحاكم الشعور قبل الفعل.
ويجلد الجسد قبل أن يُفهَم.

الفصل الرابع: محاولات السيطرة
حين يعجز الفهم، تبدأ السيطرة.
ليست سيطرةً على العالم، بل على الجسد، وعلى الحركة، وعلى الخاطر العابر قبل أن يستقرّ.

اكتشف، بعد أسابيع من الارتباك، أنّ هناك حلًّا يبدو آمنًا: التشدّد.
صار يراقب نفسه كما لو كان شخصًا آخر.
يحصي النظرات.
يعدّ الخطوات.
” كن حازمًا.”
قالها لنفسه، كأنّ الحزم علاج.
صار يجلس في الصفّ الأوّل، لا ليتعلّم أكثر، بل ليُغلق زاوية الرؤية.
يمسك القلم بقوّة، ويكتب بانتظام مبالغ فيه.
” النظام يحمي.”
حين تمرّ فكرة، يقاطعها فورًا:
” استغفر الله.”
لم يعد الاستغفار ذكرًا، بل حاجزًا.

في البيت، أطال الصلاة.
ليس شوقًا، بل هروبًا.
يقف طويلًا، يركّز في الحركات، في الكلمات، في العدّ.
” لا تفكّر.”
وحين يسرح ذهنه، يوبّخ نفسه:
” شدّ انتباهك.”
صار الدين درعًا لا نافذة.

في الجهة الأخرى، اختارت هي السيطرة بطريقة أخرى: الاختفاء.
قلّلت الكلام.
خفضت الصوت.
وسّعت الملابس.
” كوني أقلّ.”
قالت ذلك في داخلها، لا بوصفه حزنًا، بل خطة.
في المدرسة، صارت تجلس قرب الحائط.
تحبّ الجدار؛ لأنّه يحمي ظهرها.
” لا تبرزي.”
وحين تضحك صديقاتها، تبتسم فقط.
الضحك العالي صار خطرًا.

في المرآة، صارت تتأمّل نفسها بعينٍ ناقدة.
” هذا كثير.”
” هذا ظاهر.”
تشدّ، وتغطي، وتعدّل.
لم تكن تكره جسدها.
كانت تخافه.

في أحد الأيّام، سألته المعلّمة:
“لماذا تغيّرت؟ صرتَ أكثر انضباطًا.”
ابتسم ابتسامة صغيرة.
قال: “هكذا أفضل.”
” هكذا أأمن.”
وفي يوم آخر، قالت لها الخالة:
“كبرتِ وصرتِ عاقلة.”
هزّت رأسها.
” العاقلة لا تُرى.”

لكنّ السيطرة لا تُلغي، بل تؤجّل.
في الليل، حين يهدأ كلّ شيء، يعود الجسد ليطرق.
هو يشعر بالشدّ.
بالتوتّر.
” لماذا لا يهدأ؟”
وهي تشعر بالضيق.
” لماذا لا أرتاح؟”

التقيا مرّة في الممرّ.
صدفة.
خفضا الرأس في اللحظة نفسها.
” انتبه.”
قالها الاثنان في الداخل.
مرّا بجانب بعضهما كأنّ بينهما جدارًا شفافًا.

في تلك المرحلة، لم يعودا طفلين.
لكنّهما لم يصيرا راشدين.
كانا يحاولان أن يكونا صالحين.
لكنّ الصلاح، حين يُبنى على الخوف، يتحوّل إلى قيد.
وهكذا، تحت اسم التهذيب، وتحت راية الأخلاق، بدأت الصرخة تتعلّم الصمت الأطول.

الفصل الخامس: النجاح الظاهري
من الخارج، بدا كلّ شيء على ما يُرام.
بل أكثر من ذلك، بدا ناجحًا.

صار يُشار إليه بوصفه مثالًا.
“مهذّب.”
“ملتزم.”
“يعرف حدوده.”
كلمات تُقال بنبرة رضا، وتُسلَّم كأنّها جوائز غير مكتوبة.
كان يسمعها، فيبتسم ابتسامة صغيرة، محكمة، لا تزيد ولا تنقص.
” هذا المطلوب.”
لم يعد يُسأل كثيرًا.
لم يعد يُراقب.
فالمنضبط لا يُقلق أحدًا.

في الصفّ، نتائجه جيّدة.
في البيت، هادئ.
في المسجد، حاضر.
” هكذا أضمن السلام.”
لكنّ السلام كان شكليًّا.
في الداخل، كان هناك شيء يشبه الشدّ الدائم، كوترٍ مشدود أكثر ممّا ينبغي.
” لا بأس… التوتّر ثمن الاستقامة.”
هكذا أقنع نفسه.

هي أيضًا، من الخارج، بدت كما ينبغي.
“محترمة.”
“عاقلة.”
“تعرف كيف تصون نفسها.”
كانت تسمع هذه الكلمات من أفواه النساء، مصحوبة بهزّات رأس راضية.
” أحسنتِ.”
قاله الصوت الجمعي.
في المدرسة، لا مشاكل.
في البيت، مطيعة.
في الشارع، غير مرئيّة تقريبًا.
” هكذا أكون آمنة.”

لكنّ الأمان كان هشًّا.
في لحظات الفراغ، حين يخفّ الضجيج، يعود السؤال:
” لماذا هذا التعب؟”
هي تشعر بثقلٍ في صدرها.
” لماذا أشعر أنّني أختفي أكثر ممّا ينبغي؟”
لكنّها تطرد السؤال بسرعة.
” الامتثال أذكى.”

التقيا في مناسبة عائليّة بعيدة.
صدفة.
كان المكان مزدحمًا.
والأحاديث كثيرة.
وقفا على مسافة.
تبادلا نظرة سريعة.
لا خوف ظاهر.
لا رغبة معلنة.
لكنّ التوتّر كان حاضرًا، خفيفًا، كتيّار كهربائي ضعيف.
” كن طبيعيًّا.”
قالها لنفسه.
” كوني عاديّة.”
قالتها لنفسها.
مرّت اللحظة.

في تلك المرحلة، ظنّا أنّهما تجاوزا الأمر.
أنّ الطفولة ذهبت.
وأنّ الارتباك انطفأ.
لكنّ الحقيقة كانت أبسط وأقسى:
ما لم يُفهَم… لم يختفِ.
بل تعلّم كيف يبدو صالحًا.
وهكذا، اكتملت صورة النجاح الظاهري.
صورة نظيفة.
هادئة.
لكنّها تخفي في داخلها صرخة أكثر انضباطًا…
وأكثر انتظارًا.

الفصل السادس: الشرخ الصغير
لم يكن ما حدث كبيرًا.
لم يكن حادثة تُروى، ولا مشهدًا يُستعاد، ولا خطأً واضحًا يمكن الإمساك به.
كان شيئًا صغيرًا…
صغيرًا إلى درجة أنّ أحدًا لم ينتبه له.
إلّا هما.

كان في طريقه إلى البيت، يمشي وحده، الرأس مطأطأ، والأفكار تسير بنظامٍ صارم كما تعوّد.
” لا تسرح.”
قالها لنفسه.
في الشارع، ازدحام خفيف.
خطوات متداخلة.
أصوات متقاطعة.
ثمّ… حدث الاقتراب.
لمسة كتفٍ بكتف.
عابرة.
غير مقصودة.
توقّف فجأة.
سحب جسده إلى الخلف.
” انتبه.”
قالها بصوتٍ داخلي حادّ.
لكنّ قلبه كان أسرع.
شعر بخفقة قويّة.
ليس خوفًا فقط…
بل شيئًا آخر لم يسمح له أن يكتمل.

التفتت المرأة التي اصطدم بها.
نظرت إليه.
نظرة عاديّة.
بلا اتهام.
بلا دهشة.
قال بسرعة:
“آسف”.
ابتسمت ابتسامة قصيرة، ومضت.
انتهى المشهد.
لكنّه لم ينتهِ داخله.

توقّف قليلًا.
تنفّس بعمق.
” لماذا كلّ هذا؟”
سأل نفسه للمرّة الأولى.
لماذا هذا الارتجاف من لمسة عابرة؟
لماذا هذا التوتّر من قربٍ لا يحمل معنى؟
السؤال خرج قبل أن يُمنَع.
وهذا كان الشرخ.

في الجهة الأخرى، كانت هي في الحافلة.
واقفَة.
ممسكة بالمسند المعدني.
الاهتزازات الخفيفة للعجلات تُربك التوازن.
وقف رجلٌ قريب.
المسافة ضيّقة.
ضغطٌ خفيف.
ثمّ انسحاب.
نظرت إليه.
كان مرتبكًا.
قال بصوتٍ خافت:
“آسف… لم أقصد…”.
لم يكن في صوته جرأة.
ولا ادّعاء.
كان فيه خوف.
وهذا ما حيّرها.

جلست حين خفّ الزحام.
نظرت إلى كفّها.
” لم يكن شيئًا.”
قالت لنفسها.
لكنّ الجسد تذكّر.
ليس الألم.
ولا الانتهاك.
بل التوتّر.
” لماذا أربكني؟”
سألت نفسها.
لماذا أشعر أنّ شيئًا قديمًا تحرّك؟

في المساء، جلس وحده.
استعاد الموقف.
لم يجد خطأ.
لم يجد ذنبًا.
لكنّ الشعور بالذنب كان حاضرًا.
” من أين يأتي إذن؟”
للمرّة الأولى، لم يسكت السؤال بالاستغفار.
تركه.
وهذا جديد.

وفي المساء نفسه، استلقت هي على سريرها.
أغمضت عينيها.
لم تفكّر في الرجل.
فكّرت في نفسها.
” لماذا أخاف هكذا؟”
سؤال بسيط.
لكنّه أحدث شقًّا صغيرًا في الجدار.

لم ينهَر شيء.
لم يتغيّر شيء في الظاهر.
لكنّ الشرخ كان هناك.
شقٌّ رفيع.
صامت.
ومن الشقوق الصغيرة…
تبدأ الانهيارات الكبرى.

الفصل السابع: مقاومة السؤال
لم يكن السؤال صاخبًا.
لم يأتِ دفعةً واحدة.
كان خفيفًا، لزجًا، يلتصق بالفكرة ثم ينسحب، كأنّه يختبر حدود المسموح.

قال لنفسه في الصباح:
” لا تُضخّم الأمر.”
ارتدى ثيابه بعناية زائدة.
شدّ ياقة القميص.
عدّل الخطوات.
” النظام يعيد الاتّزان.”
خرج، والمدينة تمضي كعادتها.
الوجوه عابرة.
الأصوات مألوفة.
لكنّ الداخل لم يعد كما كان.
السؤال هناك.
صغير.
مُلِّحّ.
” لماذا؟”
لم يُكمل الجملة.
خاف من اكتمالها.

في الصفّ، جلس حيث اعتاد.
فتح الدفتر.
كتب العنوان بخطّ مستقيم.
” ركّز.”
لكنّ القلم توقّف لحظة.
تذكّر اللمسة العابرة.
ليس اللمس ذاته…
بل ارتباكه منه.
” هذا مبالغة.”
قالها بحزم.
ثم أضاف، وكأنّه يوقّع قرارًا:
” أنا بخير.”

اختار في تلك الأيام أن يزيد انشغاله.
واجبات.
دروس إضافيّة.
أنشطة.
” الفراغ خطر.”
كلّما امتلأ اليوم، ضاق مجال السؤال.

هي أيضًا حاولت الإغلاق.
قالت لنفسها في المرآة:
” لا تعيدي التفكير.”
ربطت شعرها بإحكام.
اختارت ألوانًا باهتة.
” الوضوح يلفت.”
في الحافلة، أمسكت بالمسند بقوّة.
راقبت المسافات.
” الحذر كافٍ.”
لكنّ الجسد لا يطيع الأوامر دائمًا.
حين اقترب أحد، توتّر نفسها قبل أن يحدث شيء.
” لمَ؟”
سؤال خاطف.
ثم سحبته سريعًا.

في المساء، فتح كتابًا دينيًا.
قرأ بابًا عن الأخلاق.
وجد الطمأنينة في القواعد الواضحة.
” افعل.”
” لا تفعل.”
القواعد أسهل من الفهم.
لكنّ عينيه توقّفتا عند سطرٍ صغير:
“النيّة ميزان الفعل”.
تردّد.
” وماذا عن شعور بلا فعل؟”
أغلق الكتاب.

هي سمعت من صديقةٍ حديثًا عن الجرأة.
ضحكت.
” الجرأة تهوّر.”
قالتها بسرعة، كأنّها تحمي نفسها.
لكنّها شعرت بوخزٍ خفيف.
” أم أنّ الجرأة اسم آخر للطمأنينة؟”
سحبت الفكرة.

في تلك المرحلة، لم يُحارِبا الخطأ.
حاربا السؤال.
كلّ مرّة حاول أن يظهر، أُغلِق.
كلّ مرّة اقترب، رُدّ إلى الداخل.

لكنّ السؤال، حين يُقاوَم، لا يموت.
يتعلّم طرقًا أخرى.
يظهر في التعب.
وفي الشرود.
وفي القلق غير المبرَّر.

وفي إحدى الليالي، استلقى وحده، نظر إلى السقف.
” لو لم يكن هناك خطأ… لماذا كلّ هذا الخوف؟”
لم يُجب.
لكنّه لم يُسكت السؤال هذه المرّة.
تركه معلّقًا.
وهذا…
كان تقدّمًا صغيرًا.

الفصل الثامن: لغة جديدة
لم يكن ما تغيّر واضحًا.
لم يظهر في السلوك.
ولا في الكلام المباشر.
كان التغيّر في الكلمات التي اختارها كلٌّ منهما ليُحادث نفسه.

لاحظ هو أنّ مفرداتٍ قديمة لم تعد تكفي.
” حلال… حرام… خطأ… صواب.”
تكرّرت في رأسه، لكنّها بدت مسطّحة.
” هذه أحكام، لا أوصاف.”
قالها لنفسه بتردّد.
كان يحتاج كلمةً تقول ما يشعر به، لا ما ينبغي أن يشعر به.

في أحد الدروس، تحدّث الأستاذ عن “الوعي”.
كلمة عاديّة.
لكنّها علقت.
” الوعي ليس الفعل.”
قال الأستاذ.
” الوعي هو ملاحظة الفعل.”
كتب الجملة.
ثم توقّف.
” وماذا عن ملاحظة الشعور؟”
سؤالٌ جديد.
لم يجد له مكانًا في الدفتر.

بدأ يلاحظ نفسه أكثر.
حين يتوتّر.
حين ينقبض صدره.
حين يشدّ كتفيه بلا سبب.
” هذا خوف.”
سمّى الشعور.
كان ذلك غريبًا.
التسمية لا تُدينه.
لا تُعاقبه.
فقط… تُعرّفه.

هي أيضًا تغيّرت لغتها الداخليّة.
لم تعد تقول:
” أنا مخطئة.”
بل:
” أنا خائفة.”
الفرق كان مربكًا.
الخوف لا يُدان.
لكنّه يحتاج تفسيرًا.

في المرآة، قالت همسًا:
“أنا خائفة… فقط”.
لم تبكِ.
لكنّ شيئًا في صدرها ارتاح.

بدأت تسمح للأفكار أن تمرّ دون أن تُسقِط عليها حكمًا.
فكرة.
ثم أخرى.
” هذا مجرّد خاطر.”
قالت.
الكلمة الجديدة: خاطر.
ليست رغبة.
ولا نيّة.
مجال آمن.

هو أيضًا تعلّم كلمة مشابهة:
” إحساس.”
الإحساس ليس فعلًا.
ولا وعدًا.
فقط حالة.
حين قالها داخله، شعر أنّ الضغط خفّ قليلًا.

لكنّ اللغة الجديدة كانت هشّة.
كلّ كلمة تفتح بابًا.
وكلّ باب يثير الخوف.
” إلى أين سيقود هذا؟”
سأل نفسه.

في إحدى الليالي، كتب في ورقة صغيرة:
“أنا ألاحظ نفسي”.
ثم طواها.
لم يُرِد أحدًا أن يراها.
لكنّه لم يُمزّقها.

هي سمعت في برنامجٍ إذاعيّ امرأة تتحدّث عن “الحدود النفسيّة”.
الكلمة أزعجتها.
” الحدود ليست ضعفًا.”
قالت المرأة.
توقّفت.
” بل حماية.”
شعرت أنّ الجملة موجّهة لها.

لم يصلا بعد إلى فهمٍ كامل.
لكنّهما امتلكا شيئًا جديدًا:
لغة.
لغة لا تصرخ.
لكنّها لا تخنق.
ومن اللغة…
يبدأ التحوّل.

الفصل التاسع: أوّل انكشاف
لم يكن الاعتراف مقصودًا.
لم يُخطَّط له.
خرج كما تخرج الزلّة: بلا تمهيد، وبلا شجاعة كاملة.

كان جالسًا مع صديقٍ قديم.
حديثٌ عاديّ.
دراسة.
مستقبل.
شكاوى مألوفة.
ثمّ ساد صمتٌ قصير.
قال الصديق، كمن يملأ الفراغ:
“تبدو متعبًا هذه الأيام”.
تردّد.
” قل شيئًا آمنًا.”
لكنّ الكلمات اختارت طريقًا آخر.
قال:
“أنا… مرتبك قليلًا”.
توقّف.
الكلمة خرجت.
ارتباك.
لم يقل خوف.
لم يقل قلق.
لكنّها أقرب ما استطاع.

نظر إليه الصديق.
لم يسخر.
لم يُلقِ نصيحة جاهزة.
قال فقط:
“بِمَ؟”.
السؤال بسيط.
لكنّه فتح فراغًا.

شعر بحرارةٍ في وجهه.
” لا تُكمل.”
لكنّ اللغة الجديدة التي تعلّمها دفعت قليلًا.
قال:
“أفكّر كثيرًا… في أشياء صغيرة”.
ابتسم الصديق.
“كلّنا نفعل”.
كانت الجملة عاديّة.
لكنّها أراحته.
لم يكن وحده.

لم يشرح.
لم يسمِّ التفاصيل.
لكنّه قال جملة واحدة، بصوتٍ منخفض:
“أحيانًا… أشعر ولا أعرف ماذا أفعل بالشعور”.
صمت.
ثم قال الصديق:
“هذا إنسانيّ”.
إنسانيّ.
الكلمة استقرّت.

في الجهة الأخرى، كانت هي في المطبخ مع أمّها.
تقطيع الخضار.
أصوات السكاكين.
روتين مسائيّ.
قالت الأمّ:
“أنتِ شاردة منذ فترة”.
رفعت رأسها.
” قولي لا.”
لكنّ التعب سبق القرار.
قالت:
“أفكّر كثيرًا”.
نظرت الأمّ إليها.
“في ماذا؟”.
هنا تردّدت أكثر.

قالت بعد لحظة:
“في نفسي”.
لم تقل أكثر.
لكنّ الجملة كانت كافية لتغيير الجو.
الأمّ لم تغضب.
قالت بهدوء:
“هذا طبيعيّ في عمرك”.
طبيعيّ.
كلمة أخرى بلا إدانة.

شعرت هي بدمعةٍ حارّة.
ليس لأنّها فهمت كلّ شيء.
بل لأنّها لم تُرفَض.

في تلك الليلة، فكّر كلٌّ منهما في ما قاله.
كلمة واحدة.
جملة قصيرة.
لكنّها خرجت من الداخل إلى الخارج.

الانكشاف لم يكن كاملاً.
لم يُسمِّ السرّ.
لكنّه كسر القاعدة القديمة:
“لا تقل شيئًا”.

وهكذا، للمرّة الأولى،
لم تعد الصرخة محبوسة بالكامل.
صارت…
همسًا مسموعًا.

الفصل العاشر: سوء الفهم
لم يكن الخطر في الكلام ذاته.
كان في ما سيفهمه الآخرون منه.

بعد أيّام قليلة، أعاد الصديق الحديث.
قال مبتسمًا:
“تجاوزتَ ارتباكك؟”.
توقّف.
الكلمة عادت، لكنّها بدت أخفّ مما حمله هو.
قال:
“لا أدري… أحاول فقط أن أفهم”.
ضحك الصديق.
“لا تُتعِب نفسك… الأمور أبسط مما نُعقّدها”.
ابتسامة عاديّة.
لكنّها أغلقت بابًا.

شعر بأنّ ما قاله سابقًا لم يصل كما أراد.
” لم أقصد هذا.”
لكنّه لم يُصحّح.
الخوف عاد.
” الصمت أأمن.”

هي أيضًا واجهت سوء الفهم.
قالت الأمّ في اليوم التالي، وكأنّها تطمئن نفسها:
“تفكيرك الزائد سيزول عندما تنشغلين أكثر”.
هزّت رأسها.
“نعم”.
لكنّ شيئًا انكمش داخلها.
” لم تسمعني.”

لم يكن هناك رفض صريح.
ولا قمع مباشر.
بل تسطيح.
تحويل ما هو عميق إلى عابر.

في الليل، جلس هو يستعيد الحوار.
” هل أبالغ؟”
سأل نفسه.
لكنّ الجسد أجاب بالتوتّر ذاته.
وهي، حين أغلقت باب غرفتها، قالت همسًا:
“أنا لا أطلب حلًّا… أطلب فهمًا”.
لم يسمعها أحد.
هنا بدأ الشكّ الجديد:
” ربما المشكلة فيّ.”
الشكّ أخطر من المنع.
لأنّه يتسلّل دون مقاومة.

حاولا أن يعودا خطوة إلى الوراء.
أن يُخفّفا اللغة.
أن يكتفيا بالإيماء بدل القول.

لكنّ ما قيل مرّة،
لا يعود إلى الداخل كما كان.

سوء الفهم هذا لم يُنهِ الانكشاف.
لكنّه جعله أكثر حذرًا.
وأكثر وحدة.
في هذه المرحلة، تعلّما درسًا مؤلمًا:
أنّ الكلام لا يكفي.
وأنّ الفهم…
ليس مضمونًا.
الفصل الحادي عشر: عودة الصمت
لم يعد الصمت كما كان.
لم يعد ملجأً بريئًا، ولا عادةً غير واعية.
صار قرارًا.
بعد سوء الفهم، اختار هو أن يقلّ كلامه.
ليس لأنّ ما في داخله اختفى،
بل لأنّه تعلّم أن الانتقاء أأمن من البوح.
” ليس كلّ ما يُقال يُحتَمَل.”
قالها لنفسه، وكأنّه يضع قانونًا جديدًا.

صار يزن الجملة قبل أن تخرج.
يحذف نصفها.
ويترك النصف الآخر معلّقًا.
” الصمت لا يُساء فهمه.”
فكرة بدت مريحة.
لكنّها كانت ثقيلة.
في الجلسات العائلية، كان حاضرًا وغائبًا.
يبتسم في الوقت المناسب.
يهزّ رأسه عند اللزوم.
لكنّ داخله يعمل بلا توقّف.
هي أيضًا عادت إلى الصمت.
لكنّها لم تُسمّه هكذا.
سمّته: حكمة.
” ليس كلّ شعور يحتاج إعلانًا.”
قالت ذلك وهي تُغلق باب غرفتها.
في الخارج، بدت أكثر هدوءً.
أكثر اتّزانًا.
حتّى أنّ أمّها قالت ذات مرّة:
“ارتحتِ مؤخرًا”.
ابتسمت.
لم تُصحّح.
في الداخل، كان الصمت مختلفًا.
لم يكن فراغًا.
كان ازدحامًا غير مسموع.
هو، في إحدى الليالي، جلس يكتب.
ليس اعترافًا.
ولا رسالة.
كلمات مبعثرة.
ثم توقّف.
” الكتابة تقول دون أن يُساء فَهمها.”
فكرة أغرته.

هي، بدورها، بدأت تحتفظ بأفكارها قبل النوم.
تُعيدها بصمت.
” سأفهم نفسي بنفسي.”
قرار يحمل قوّة… ووحدة.

الصمت الجديد لم يكن قمعًا مباشرًا.
كان تسوية.
بين الحاجة إلى الأمان،
والخوف من الانكشاف.

لكنّ كلّ تسوية مؤقّتة.
والصمت، حين يطول،
يبدأ بالضغط.

في نهاية هذا الفصل من حياتهما،
لم تختفِ الصرخة.
بل تعلّمت الانتظار.
هدوءٌ مشدود.
وصمت…
يعرف أكثر مما يقول.

الفصل الثاني عشر: تراكم
لم يحدث الانفجار.
وهذا ما جعله أخطر.

الأيّام تمضي بهدوءٍ مقنع.
الدراسة مستمرّة.
العمل يسير.
العلاقات ثابتة في ظاهرها.
لكنّ الداخل كان يجمع.
يجمع دون ترتيب.

هو لاحظ أنّ التعب لم يعد مرتبطًا بالجهد.
يعود إلى البيت مرهقًا،
لا من العمل،
بل من ضبط النفس.
” لماذا أشعر أنّني أراقب نفسي طوال الوقت؟”
سؤال عاد بصيغة جديدة.

صار الصمت يتطلّب طاقة.
أن لا يقول.
أن لا يشرح.
أن لا يعلّق.
كلّ هذا جهد.
في أحد الأيّام، نسي موعدًا بسيطًا.
اعتذر.
لكنّه شعر بذنبٍ مبالغ فيه.
” هذا ليس طبيعيًّا.”
فكّر.
هي أيضًا بدأت تشعر بثقلٍ غير مفهوم.
تنام، لكنّها لا تستريح.
تبتسم، لكنّ الابتسامة لا تصل.
” أنا متعبة… من ماذا؟”
لم تعرف.
لاحظت أنّها صارت سريعة الانفعال.
تفاصيل صغيرة تُربكها.
كلمة عابرة تُقلقها.
ثم تعود وتلوم نفسها.
التراكم لا يُرى.
لا يُسمع.
لكنّه يعمل بصبر.
هو، في إحدى اللحظات، انفجر داخليًّا بلا صوت.
جلس وحده،
وشعر برغبة في الصراخ.
لكنّه لم يفعل.
” ليس الآن.”
أجّلها.
هي، حين أغلقت باب الحمّام ذات مساء،
وضعت يديها على وجهها.
تنفّست بسرعة.
ثم ببطء.
” تمالكي نفسك.”
قالتها بلهجة صارمة.
كان كلّ شيء يُؤجَّل.
التعب.
الأسئلة.
الصرخة.
التراكم لا يحتاج حدثًا.
يحتاج وقتًا فقط.

وفي نهاية هذه المرحلة،
كانا قد وصلا إلى حقيقة غير مُعلَنة:
أنّ الصمت، مهما كان ذكيًّا،
إذا طال…
يبدأ بتحويل النفس إلى مخزن.
ومخازن النفس،
لا تبقى آمنة إلى الأبد.

الفصل الثالث عشر: حدثٌ لا يُشبه الحدث
لم يكن يومًا استثنائيًّا.
لا تاريخ يُحفَظ.
ولا واقعة تُروى لاحقًا بوصفها مفصلًا.
كان يومًا عاديًّا… أكثر ممّا ينبغي.
استيقظ متأخّرًا قليلًا.
تأخّر عن الموعد بدقائق.
لا شيء كارثيّ.
لكنّ قلبه كان مثقلًا منذ الصباح.
” لا تبدأ.”
قالها لنفسه وهو ينهض.
في الطريق، تعطّلت الحافلة.
انتظار.
وجوه متبرّمة.
تنفّس عميق.
” الأمر خارج سيطرتك.”
حاول أن يقنع نفسه.
لكنّ جسده لم يقتنع.

وصل متأخّرًا.
اعتذر.
قيل له بهدوء:
“لا بأس… يحدث”.
الجملة كانت مطمئنة.
لكنّها اخترقته.
” لماذا أشعر أنّني فشلت؟”
سؤال غير منطقيّ.
في أثناء العمل، سقط قلم من يده.
انحنى لالتقاطه.
وحين اعتدل، شعر بدوارٍ خفيف.
توقّف.
أمسك بالطاولة.
” ليس الآن.”
في الجهة الأخرى، كانت هي في متجرٍ صغير.
ازدحام.
أصوات.
صفّ طويل.
شعرت بضيقٍ في صدرها.
حاولت تجاهله.
” دقائق وتمضين.”

لكنّ امرأةً خلفها اقتربت أكثر ممّا تحتمل.
لمسة غير مقصودة.
لا اعتداء.
ولا نيّة.
لكنّ الجسد تذكّر كلّ شيء.

تسارعت أنفاسها.
الضجيج ارتفع.
الأرض بدت غير ثابتة.
” أحتاج هواء.”
قالتها بلا صوت.

هو جلس فجأة.
شعر بأنّ الغرفة تضيق.
أنّ الأصوات بعيدة.
أنّ قلبه يدقّ بقوّة.
” ماذا يحدث لي؟”
سأل نفسه بذعرٍ صامت.

هي خرجت من الصفّ دون أن تشتري شيئًا.
دفعت الباب بقوّة.
وقفت في الخارج.
تنفّست.
لكنّ الارتجاف لم يتوقّف.

لم يكن ما حدث كبيرًا بما يكفي ليُبرّر هذا.
وهنا كان الخطر.

لأنّ ما انفجر لم يكن اللحظة.
بل كلّ ما قبلها.

في ذلك اليوم، فهم كلٌّ منهما شيئًا مختلفًا.
هو فهم أنّ السيطرة لم تعد تعمل.
وهي فهمت أنّ الصمت لم يعد يحمي.

الحدث لم يُشبه حدثًا.
لكنّه كان الإعلان الأوّل:
أنّ الداخل وصل حدّه.
وأنّ التأجيل…
لم يعد خيارًا آمنًا.

الفصل الرابع عشر: الخوف من الجنون
بعدما هدأ الجسد، لم يهدأ العقل.
بل بدأ عمله الأخطر.

هو جلس وحده في غرفته.
النافذة مفتوحة.
الهواء بارد.
لكنّ رأسه ساخن بالأسئلة.
” ما الذي حدث لي؟”
سؤال مباشر.
ثم السؤال الذي تلاه، أخطر:
” هل أفقد السيطرة؟”

لم يكن يخاف من التعب.
ولا من الإرهاق.
كان يخاف من الاسم.
أن يكون لما حدث اسمٌ مخيف.

استعاد اللحظة.
تسارع القلب.
الدوار.
الضيق.
كلّ شيء بدا فجأة غير مألوف.
” هذا ليس أنا.”
قالها وكأنّه يدافع عن هويّته.

فتح هاتفه.
بحث.
كلمات سريعة.
ثم توقّف.
” لا.”
أغلقه.
الخوف تضاعف.

في الجهة الأخرى، كانت هي تجلس على طرف السرير.
تضع يديها على ركبتيها.
تحدّق في الأرض.
” ماذا لو تكرّر؟”
سؤال واحد يكفي.

لم تخف من الناس.
خفَت من نفسها.
من جسدٍ لم يعد يطيع الأوامر.

سمعت صوت أمّها في الخارج.
تتردّد.
ثم لا تخرج.
” لو أخبرتها… ماذا ستقول؟”
التردّد صار خوفًا.

هو أيضًا فكّر بالحديث.
ثم تراجع.
” سيظنّون أنّني ضعيف.”
الفكرة كانت جارحة.

الخوف من الجنون لا يأتي دفعة واحدة.
يأتي همسًا.
يبدأ بسؤال:
” هل أنا طبيعيّ؟”
ثم يتضخّم.

كلاهما حاول أن يقنع نفسه بأنّ ما حدث عابر.
” يوم سيّئ.”
” ضغط.”
” قلّة نوم.”
تبريرات معقولة.
لكنّها لم تُطمئن.

في تلك الليلة، ناما بصعوبة.
نومٌ خفيف.
متقطّع.
كأنّ العقل يراقب نفسه.

الخوف الأكبر لم يكن من الألم.
بل من فقدان المعنى.
من أن يصبح الداخل مكانًا غير موثوق.

وهكذا، بعد الحدث الذي لا يُشبه الحدث،
وُلد خوف جديد:
الخوف من أن لا يكون ما يحدث مفهومًا.
ومن هذا الخوف…
تبدأ رحلة البحث.

الفصل الخامس عشر: البحث عن اسم
بعد الخوف، لم يعد الصمت كافيًا.
لم يعد التجاهل حلًّا.
كان لا بدّ من كلمة.
اسمٍ يُمسك ما يحدث،
ولو من طرفه.

هو جلس أمام الطاولة.
الورقة البيضاء بدت أوسع من طاقته.
كتب كلمة.
ثم شطبها.
كتب أخرى.
ثم توقّف.
” الاسم يحدّد.”
قالها لنفسه.
” وإذا حدّد… أخاف.”

عاد إلى الهاتف.
هذه المرّة لم يُغلقه سريعًا.
قرأ بهدوء.
اعراض.
تجارب.
قصص أشخاص لا يعرفهم.
وجد تشابهًا.
ثم خاف.

” إن كان له اسم، فهل يعني أنّني مريض؟”
سؤال ثقيل.
لكنّ سؤالًا آخر لحقه:
” وإن لم يكن له اسم… فكيف أطمئن؟”

في الجهة الأخرى، كانت هي تبحث أيضًا.
لكن بطريقتها.
استمعت إلى تسجيلٍ طويل لامرأة تتحدّث عن نوبات الخوف.
الكلمات كانت واضحة.
هادئة.
غير دراميّة.

شعرت بقشعريرة.
ليس لأنّها خافت.
بل لأنّها رأت نفسها في الوصف.
” هذا يشبهني.”
قالت همسًا.

الاسم، حين يقترب، لا يُخيف وحده.
يُربك.
لأنّه يسحب الوهم الأخير:
وهم الفرادة.

هو أغلق الهاتف.
جلس بصمت.
” أنا لست وحدي.”
الفكرة كانت مزدوجة.
طمأنينة… وتهديد.

هي أوقفت التسجيل.
وضعت يدها على صدرها.
تنفّست ببطء.
” هذا قابل للفهم.”
قالت.
وللمرّة الأولى،
لم يكن الفهم عدوًّا.

البحث عن اسم لم يكن بحثًا عن تشخيص.
كان بحثًا عن معنى.
عن خريطة.
عن طريقة لقول:
“ما يحدث ليس فوضى”.

في تلك الليلة، كتب هو جملة واحدة:
“أنا أمرّ بشيءٍ يمكن فهمه”.
لم يكتب الاسم.
لكنّه اقترب.

وهي نامت بعد أن قالت لنفسها:
“إن كان له اسم، فله طريق”.

هكذا، بعد الخوف من الجنون،
بدأ الخوف يتحوّل.
من خوفٍ من المجهول…
إلى استعدادٍ لمعرفة الحقيقة.
والأسماء،
مهما كانت ثقيلة،
تفتح باب العبور.

الفصل السادس عشر: أوّل خطوة خارج الذات
لم يكن القرار شجاعًا كما يبدو من الخارج.
كان مضطربًا.
متردّدًا.
ومصحوبًا بخوفٍ صامت.

هو وقف أمام الباب قليلًا.
اليد على المقبض.
ثم تراجع خطوة.
” لِمَ أفعل هذا؟”
سأل نفسه.
ثم السؤال الأصدق:
” ولِمَ لا؟”

لم يكن ذاهبًا ليشتكي.
ولا ليعترف.
كان ذاهبًا فقط ليقول:
“هذا يحدث”.

دخل الغرفة.
المكان هادئ.
الجلوس متقابل.
لا أسئلة في البداية.
هذا ما أراحه.

حين تكلّم، لم يبدأ من الحدث.
بدأ من الشعور.
قال:
“أشعر أنّني أراقب نفسي طوال الوقت”.
الجملة خرجت كما هي.
بلا تزيين.

استمع الآخر.
لم يقاطعه.
لم يضع اسمًا فورًا.
قال فقط:
“تابع”.

وهذا وحده كان جديدًا.
أن يُسمَح له أن يُكمِل.

في الجهة الأخرى، كانت هي تجلس أمام شاشة صغيرة.
جلسة افتراضيّة.
السماعات في أذنيها.
القلب يخفق.

قالت:
“أخاف من جسدي أحيانًا”.
ثم توقّفت.
انتظرت حكمًا.
لكنّ الصوت قال بهدوء:
“متى بدأتِ تشعرين بذلك؟”.

السؤال لم يُدِن.
لم يُقلّل.
فتح زمنًا.

لاحظت أنّها تتنفّس أبطأ.
أنّ الكلمات تأتي دون ضغط.

الخروج من الذات لم يكن حلًّا.
كان حركة.
كسرًا للدائرة المغلقة.

هو خرج بعد الجلسة وهو يشعر بتعبٍ مختلف.
تعب من الكلام.
لكن بلا ثِقَل.

هي أغلقت الشاشة وبقيت جالسة قليلًا.
لم تشعر بالراحة الكاملة.
لكنّها لم تكن وحدها.

أوّل خطوة خارج الذات لا تُنقذ.
لكنّها تمنع الغرق الصامت.

وفي تلك الليلة، فكّر كلاهما بالفكرة نفسها:
” لستُ مجنونًا.”
وللمرّة الأولى،
لم تكن الفكرة دفاعًا…
بل احتمالًا صادقًا.

الفصل السابع عشر: مقاومة العلاج
لم يكن الرفض صريحًا.
لم يقل أحدهما: لا أريد المتابعة.
لكنّ التردّد عاد بثوبٍ جديد.

هو قال لنفسه في الصباح:
” لستُ بحاجة إلى جلسة أخرى الآن.”
الجملة بدت منطقيّة.
التحسّن الجزئي أغراه.
” الأمور أخفّ.”
لكنّ الخفّة كانت هشّة.

فكّر:
” ماذا لو تعمّقنا؟”
الخوف لم يكن من الألم.
بل من التغيير.
” من سأكون بعد الفهم؟”
سؤال صامت.

في الجلسة التالية، تكلّم أقلّ.
اختصر.
ترك مسافات بيضاء.
المعالج لاحظ.
لم يُواجهه.
قال فقط:
“نستطيع أن نبطئ”.
البطء كان راحة…
وكان أيضًا مهربًا.

هي شعرت بشيء مشابه.
بعد الجلسة الأولى، هدأت.
ثم خافت.
” إن تحسّنتُ… ماذا سيتغيّر؟”
الخوف لم يكن من العودة.
بل من السير.

بدأت تؤجّل الموعد.
مرّة بحجّة الانشغال.
مرّة بحجّة التعب.
الحجج صادقة…
لكنّها غير كاملة.

مقاومة العلاج ليست إنكارًا.
هي حذر.
خوف من أن ينهار البناء القديم.
ولو كان مؤلمًا.

هو قال في نفسه:
” الألم مألوف.”
وأضاف:
” المجهول أخطر.”

هي قالت لنفسها:
” أنا تعوّدت.”
ثم سكتت.
التعوّد لا يعني السلام.

في تلك المرحلة، بدت الخطوة الأولى أثقل من الحدث نفسه.
الحدث مرّ.
لكنّ العلاج يطلب مشاركة.

ومع ذلك، لم يعودا إلى الصمت الكامل.
شيء ما تغيّر.
لم يعد ممكناً الادّعاء بأنّ شيئًا لم يحدث.

مقاومة العلاج ليست فشلًا.
هي جزء من الطريق.
تردّدٌ يقول:
” اقترب… لكن لا تقترب كثيرًا.”

وفي عمق هذا التردّد،
كان هناك خوف آخر، أصدق:
أن يكون الشفاء ممكنًا…
وأن يتطلّب ثمنًا.

الفصل الثامن عشر: أوّل تحسّن
لم يأتِ التحسّن كخبرٍ سعيد.
لم يُعلَن.
ولم يُحتفَل به.
ظهر في التفاصيل الصغيرة.

هو لاحظ في صباحٍ عاديّ أنّ صدره أقلّ ضيقًا.
توقّف.
” هل هذا حقيقيّ؟”
سأل نفسه بحذر.
لم يُرِد أن يثق بسرعة.

في الطريق، حدث ازدحام.
توتّر خفيف.
ثم… لا شيء.
لم يتصاعد.
” هذا جديد.”
قالها داخله.
لكنّه لم يبتسم.
الخوف من الخيبة كان أسرع.

في العمل، أخطأ خطأً بسيطًا.
اعتذر.
لم يُجلِد نفسه.
لاحظ ذلك بعد دقائق.
” لم أُبالغ.”
الملاحظة نفسها كانت مفاجأة.

هي أيضًا شعرت بتغيّر خفيف.
في الحافلة، اقتربت امرأة.
شدّت كتفيها.
ثم أرختهما.
تنفّست.
” أستطيع.”
قالت دون صوت.

لكنّ التحسّن لم يكن مستقرًّا.
بعد ساعات، عاد التوتّر.
أخفّ.
لكنّه حاضر.

هنا ظهر الارتباك الجديد:
” لماذا لم يختفِ؟”
السؤال يحمل توقّعًا خاطئًا.

في الجلسة، قال هو:
“أحيانًا أشعر أنّني أفضل… ثم أخاف”.
أومأ الآخر.
“هذا طبيعيّ”.
الطبيعيّة عادت.
لكن بمعنى آخر.

هي قالت في مذكّرتها:
“اليوم لم أهرب”.
ثم أضافت:
“لكنّني خفت”.
الجملتان صادقتان.

التحسّن الأوّل لا يُزيل الخوف.
بل يكشفه.
لأنّ الخوف الآن ليس من الانهيار فقط،
بل من الرجوع.

هو فكّر:
” ماذا لو كان هذا مؤقّتًا؟”
سؤال مُرهِق.
لكنّه لم يمنع الحركة.

هي فكّرت:
” ماذا لو استطعتُ أكثر؟”
السؤال أخافها.
لكنّه حرّكها.

أوّل تحسّن ليس راحة.
هو اختبار.
اختبار للثقة.
وللقدرة على البقاء في اللحظة.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يقولا: شُفينا.
قالا فقط، كلٌّ بطريقته:
” ربما الطريق يعمل.”

الفصل التاسع عشر: نكسة خفيفة
لم تكن النكسة سقوطًا.
كانت عثرة.
خفيفة، لكنّها موجعة لأنّها جاءت بعد أمل.

استيقظ وهو يشعر بثقلٍ مألوف.
لم يفزع.
لكنّه انكمش.
” عادت.”
قالها دون ذعر، لكن دون إنكار.

في الطريق، عاد التوتّر أسرع من المعتاد.
ضيقٌ في الصدر.
تسارع في النفس.
توقّف قليلًا.
تنفّس.
” أعرف هذا.”
المعرفة لم تُلغِ الشعور،
لكنّها منعت الهلع.

هي أيضًا شعرت بارتدادٍ مفاجئ.
ازدحام غير متوقّع.
صوت مرتفع.
والجسد استجاب قبل القرار.
ارتجاف خفيف.

تساءلت:
” ماذا فعلتُ خطأ؟”
السؤال خرج تلقائيًّا.
ثم توقّفت.
” ليس بالضرورة.”
الجملة الثانية كانت جديدة.

النكسة اختبرت ما تعلّماه.
هل سيعودان إلى جلد الذات؟
أم سيبقيا في الملاحظة؟

هو جلس بعد الظهر وكتب:
“اليوم صعب، لكنّه مفهوم”.
لم يكن هذا إنكارًا.
كان تثبيتًا.

هي ألغت موعدًا اجتماعيًّا.
لم تشعر بالذنب.
قالت:
“أحتاج راحة”.
وسمعت صوتها وهي تقولها.

النكسة الخفيفة لا تُقاس بحدّتها.
تُقاس بردّة الفعل.

في الجلسة، قال هو:
“خفتُ أن أكون عدتُ إلى البداية”.
أجابه الآخر:
“البداية تغيّرت”.
الجملة علقت.

هي قالت:
“ظننتُ أنّ التحسّن يعني ألّا أعود”.
قيل لها:
“التحسّن يعني أن تعرفي كيف تعودين”.

في تلك الليلة، كان التعب حاضرًا.
لكنّ اليأس لم يكن.

النكسة الخفيفة لم تُلغِ الطريق.
بل أعادت رسمه.
من خطٍّ مثاليّ…
إلى مسارٍ إنسانيّ.

الفصل العشرون: اتّساع الدائرة
لم يعد التغيير محصورًا في الداخل.
بدأ يظهر… بحذر.

هو لاحظ أنّه لم يعد ينسحب سريعًا من اللقاءات.
لا يبقى طويلًا.
لكنّه لا يختفي فورًا.
” هذه خطوة.”
قالها دون مبالغة.

في حديثٍ جانبيّ، عبّر عن رأي بسيط.
لم يكن حادًّا.
لكنّه كان صادقًا.
انتظر ردّة الفعل.
لم يحدث شيء.
” العالم لم ينهَر.”
فكرة ساخرة عبرت.

هي أيضًا سمحت لنفسها بمسافة جديدة.
لم تعد تراقب كلّ حركة.
لم تعد تحصي الأنفاس.
في مقهى صغير، جلست قرب النافذة.
الناس يمرّون.
والجسد… حاضر.

لاحظت أنّها لم تفكّر في الهروب.
الفكرة نفسها كانت اكتشافًا.

اتّساع الدائرة لا يعني الجرأة الكاملة.
يعني فقط أن لا يكون العالم عدوًّا دائمًا.

هو تواصل مع صديقٍ قديم.
حديث قصير.
دون شرح.
لكن دون أقنعة.

هي شاركت في نشاطٍ صغير.
بقيت ساعة.
ثم غادرت.
لم تعتذر.

الحدود الجديدة لم تكن انسحابًا.
كانت اختيارًا.

في المساء، فكّر هو:
” لستُ محصورًا في رأسي فقط.”
الجملة كانت مريحة.

وهي كتبت:
“العالم أوسع ممّا ظننت… وأنا أوسع قليلًا أيضًا”.

اتّساع الدائرة لا يُلغي الداخل.
لكنّه يخفّف ضغطه.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يعودا يختبران أنفسهما فقط.
بدآ يختبران العالم.
بخطوات صغيرة.
لكن حقيقيّة.

الفصل الحادي والعشرون: المرآة
لم يلاحظا التغيّر فورًا.
كان بطيئًا إلى درجة أنّه بدا طبيعيًّا.
لكنّ الآخرين رأوه.

قال له أحدهم، في حديثٍ عابر:
“تبدو أهدأ هذه الأيام”.
توقّف.
لم يكن مستعدًّا للجملة.
” هل أنا كذلك؟”
سأل نفسه.

ابتسم وقال:
“ربّما”.
لكنّ الكلمة علقت في صدره.

في طريق العودة، أعاد الجملة.
” أهدأ.”
لم تكن صفة كان يعرف نفسه بها.

هي سمعت شيئًا مشابهًا.
قالت لها زميلة:
“صرتِ أكثر حضورًا”.
ضحكت بخفّة.
“حقًّا؟”.
لم تكن متأكّدة.

المرآة الخارجيّة لا تُظهر كلّ شيء.
لكنّها تُلفت النظر.

هو لاحظ أنّه حين تحدّث، لم يسرع إلى الاعتذار.
وحين صمت، لم يشعر بالذنب.
هذه التفاصيل الصغيرة انعكست في نظرات الآخرين.

هي لاحظت أنّها لم تعد تختفي في الزوايا.
تجلس حيث تجد راحة.
لا حيث يجب.

المرآة ليست حكمًا.
هي اقتراح.
اقتراح صورة جديدة للذات.

في تلك الليلة، فكّر هو:
” إن كانوا يرونني مختلفًا… فربّما أنا كذلك.”
الفكرة لم تُربكه.
طمأنته.

وهي كتبت:
“حين رأوني، رأيت نفسي”.
ثم توقّفت.

الخطر في المرآة ليس الكذب.
بل التعلّق.
ولهذا بقيا حذرين.

لكنّ الاعتراف الداخلي حدث:
أنّ التغيّر لم يعد وهمًا.
صار مرئيًّا.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يعودا يسألان فقط:
” ماذا يحدث لي؟”
بل:
” كيف أظهر الآن؟”
والسؤالان معًا…
كانا علامة عبور.

الفصل الثاني والعشرون: خوفٌ أخير
جاء الخوف هذه المرّة مختلفًا.
هادئًا.
قريبًا من الطمأنينة أكثر ممّا توقّعا.

هو شعر به حين استيقظ مرتاحًا.
الراحة نفسها أقلقته.
” ماذا لو زالت؟”
سؤال لم يكن حادًّا.
كان واقعيًّا.

لم يعد يخاف من الانهيار المفاجئ.
صار يخاف من الفقد.
فقد هذا الاتّزان الجديد.

في العمل، راقب نفسه أكثر ممّا ينبغي.
” انتبه.”
قالها بحذر.
الخوف لبس قناع العناية.

هي شعرت بالخوف حين ضحكت بلا حساب.
توقّفت فجأة.
” هل أسمح لنفسي كثيرًا؟”
السؤال خرج تلقائيًّا.

الخوف الأخير لا يمنع.
يُذكّر.
لكنّه إن تُرك بلا وعي،
يعود قيدًا.

هو قال في الجلسة:
“أخاف أن أفرح ثم أعود”.
قيل له:
“الخوف مفهوم… لكن لا تجعله شرطًا”.
الجملة احتاجت وقتًا.

هي قالت:
“أشعر أنّني أمشي على أرضٍ جديدة”.
أُجيبَت:
“الأرض لا تحتاج ثقة كاملة… تحتاج حضورًا”.

الفارق هذه المرّة أنّ الخوف لم يُخفِ.
لم يُجمِد.
ظهر، وقيل.

في المساء، فكّر هو:
” الاتّزان ليس وعدًا.”
وأضاف:
” هو ممارسة.”

وهي كتبت:
“الخوف لم يختفِ… لكنّه لم يعد يقود”.

الخوف الأخير هو علامة قرب العبور.
ليس لأنّه أخطر.
بل لأنّه أدقّ.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يعودا يطلبان الأمان الكامل.
طلبا فقط:
أن يبقيا يقظين…
دون أن يعودا أسرى.

الفصل الثالث والعشرون: اختيار
لم يكن الاختيار صاخبًا.
لم يأتِ على هيئة قرارٍ مصيريّ.
جاء بسيطًا…
لكنّه واعٍ.

هو وقف أمام مفترقٍ صغير.
ليس طريقين متناقضين.
بل طريقًا واحدًا،
وسؤالًا واحدًا:
” لماذا أفعل هذا؟”

في الماضي، كان الجواب جاهزًا:
” لأنّني أخاف.”
أو:
” لأنّ هذا أكثر أمانًا.”
اليوم، توقّف قليلًا.

قال لنفسه:
” أريده.”
الكلمة بدت جريئة.
ليست اندفاعًا.
بل اعترافًا.

في العمل، عُرضت عليه مهمّة إضافيّة.
لم تكن سهلة.
ولا مضمونة.
نظر إليها.
شعر بتردّد.
ثم سأل نفسه:
” هل أرفض خوفًا… أم أقبل رغبة؟”

اختار أن يقبل.
لا ليثبت شيئًا.
ولا ليهزم الخوف.
بل لأنّه أراد أن يجرّب نفسه خارج منطق النجاة.

هي أيضًا واجهت اختيارًا بسيطًا.
دعوة للخروج.
مكان مألوف.
ناس تعرفهم.
كان بإمكانها أن تعتذر بسهولة.
والعذر سيكون مفهومًا.

توقّفت أمام المرآة.
سألت نفسها:
” إن بقيتُ… هل أبقى لأنّني أحتاج الراحة؟
أم لأنّني أخاف؟”

اختارت أن تخرج.
لكن بشروطها.
ساعة واحدة.
مقعد قريب من الباب.
حرّيّة العودة متى شاءت.

الاختيار لا يُلغي الخوف.
لكنّه يُنزله من القيادة.

هو لاحظ أنّه حين اختار،
لم يراقب جسده كما اعتاد.
كان حاضرًا.
ليس متيقّظًا حدّ الإنهاك.

وهي لاحظت أنّها حين اختارت،
لم تشعر بأنّها تُجرَّب.
كانت تُشارك.

في نهاية اليوم،
لم يقولا:
” انتصرنا.”
قالا فقط:
” اخترنا.”

والاختيار،
حين يأتي من الحياة لا من الخوف،
لا يحتاج إلى ضجيج.
يحتاج فقط…
أن يُكرَّر.

الفصل الرابع والعشرون: الإيقاع
لم يكن التغيير في الأحداث.
كان في الزمن.
في كيفيّة مروره داخلهما.

هو لاحظ أنّ يومه لم يعد كتلة واحدة.
لم يعد يستيقظ وهو يلهث نحو نهايته.
كانت الساعات تتمايز.
لكلّ واحدة نبرة.

في الصباح،
لم يعد يستعجل نفسه.
” لا بأس.”
قالها وهو يرتّب أفكاره.
الوقت لم يعد خصمًا.

في العمل،
كان ينجز، ثم يتوقّف.
توقّف قصير.
ليس هروبًا.
تنفّسًا.

الإيقاع الجديد لم يكن بطيئًا.
كان مناسبًا.

هي لاحظت شيئًا مشابهًا.
لم تعد الأيّام تتشابه.
هناك يوم خفيف.
يوم ثقيل.
ويوم عاديّ…
وهذا كافٍ.

كانت تسمح لليوم أن يكون ما هو عليه.
دون محاولة إصلاحه فورًا.

في الماضي،
كانت تراقب الوقت كعدوّ.
الآن،
صار مساحة.

الإيقاع ليس جدولًا.
ولا انضباطًا صارمًا.
هو تفاهم صامت مع الذات.

هو قال لنفسه:
” أستطيع أن أبطئ دون أن أتراجع.”
الجملة كانت جديدة.

وهي قالت:
” لستُ متأخّرة… أنا في طريقي.”

الإيقاع يظهر حين لا نضغط اللحظة.
ولا نُهملها.

في المساء،
جلسا كلٌّ في عالمه.
لكنّ الشعور كان واحدًا.
أنّ الزمن لم يعد يطاردهما.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يكن هناك حدث كبير.
كان هناك انتظام خفيف.
يشبه نبضًا عاد أخيرًا إلى إيقاعه.

الفصل الخامس والعشرون: أثرٌ جانبي
لم يتوقّعا أن يكون للاتّزان ثمن.
ليس ثمنًا مؤلمًا.
بل مفاجئًا.

هو لاحظ أنّ الحزن عاد.
لكن دون فوضى.
حزنٌ واضح الملامح.
يجلس.
ولا يصرخ.

في السابق،
كان الحزن نذير انهيار.
الآن،
صار إشارة.
” هناك شيء يحتاج نظرًا.”

شعر بالفراغ لحظة.
ليس خواءً.
فراغًا خفيفًا.
كأنّ الضجيج القديم غادر،
ولم يُملأ المكان بعد.

هي شعرت بشيء مشابه.
بعد ضحكة طويلة،
سكنٌ مفاجئ.
تساءلت:
” هل هذا طبيعي؟”

الهدوء كشف طبقات لم تكن تسمعها.
مشاعر مؤجّلة.
أسئلة قديمة.

قالت لنفسها:
” كنت أظنّ الاتّزان يعني اختفاء هذه الأشياء.”
ثم أضافت:
” ربّما يعني القدرة على سماعها.”

الأثر الجانبي للشفاء
أن تشعر أكثر.
لا أقل.

هو أدرك أنّه لم يعد يستطيع التهرّب.
لا بالعمل.
ولا بالقلق.

المساحة الجديدة تطلب صدقًا.
والصدق متعب أحيانًا.

في المساء،
جلس مع الشعور دون اسم.
لم يفسّره.
لم يدفعه.
تركه يمرّ.

وهي كتبت:
“حين هدأ كلّ شيء… سمعت نفسي”.

الأثر الجانبي ليس عارضًا.
هو دليل نجاح.
نجاح صامت.

وفي نهاية هذا الفصل،
فهما أنّ الطريق لم يصبح أسهل.
لكنّه صار أصدق.

الفصل السادس والعشرون: مواجهة هادئة
لم تعد المواجهة صدامًا.
صارت جلوسًا قبالة السؤال.

هو فتح درجًا قديمًا.
أوراق مؤجَّلة.
أسماء لم تُستدعَ منذ زمن.
لم يرتجف.
تردّد فقط.

” الآن.”
قالها لنفسه.
ليس تحدّيًا.
توقيتًا.

قرأ رسالة لم يُكملها يومًا.
توقّف عند سطر.
شعر بوخزة.
لكنّها لم تتوسّع.

في الماضي،
كانت الذكريات تندفع.
الآن،
كانت تأتي واحدةً واحدة.

هي جلست أمام سؤالٍ قديم:
لماذا قبلتُ ما لم يكن يكفيني؟
السؤال لم يُهِنها.
أنصفها.

قالت:
” كنتُ أبحث عن الأمان.”
ثم أضافت:
” ولم أعرف غير ذلك الطريق.”

المواجهة الهادئة لا تطلب شجاعةً خارقة.
تطلب صدقًا دون جلد.

هو سامح نفسه دون احتفال.
سامحها على التسرّع.
على الصمت.
على الاختيارات الناقصة.

وهي أغلقت دائرةً قديمة.
لم تعتذر.
لم تبرّر.
اعترفت فقط.

في هذه المواجهة،
لم يكن هناك انتصار.
كان هناك فراغ يُغلق.

وفي نهاية الفصل،
شعرا أنّ الماضي لم يعد يطلب جوابًا.
اكتفى بأن يُرى.

الفصل السابع والعشرون: ما بعد الإغلاق
كان الشعور غريبًا.
خفيفًا أكثر ممّا توقّعا.
كأنّ شيئًا كان يشدّهما من الخلف…
ثم أفلت.

هو استيقظ دون ثِقَلٍ مألوف.
لم يشعر بالفراغ.
شعر بالمساحة.

” هكذا إذن.”
قالها وهو ينظر إلى يومه.
لا حماسة مفرطة.
ولا حذر زائد.

في العمل،
لاحظ أنّه لا يعود إلى الوراء ذهنيًا.
ينهي المهمّة.
ثم ينتقل.
الانتقال نفسه كان جديدًا.

هي شعرت بأنّ جسدها أخفّ.
ليس لأنّ الألم اختفى.
بل لأنّه لم يعد محمّلًا بالقصص القديمة.

ما بعد الإغلاق ليس احتفالًا.
هو صمت مختلف.
صمت لا يضغط.

في الحديث،
لم يعودا يشرحان نفسيهما كثيرًا.
الجملة قصيرة.
واضحة.
كافية.

قال هو:
“لا أستطيع اليوم”.
ولم يُضِف شيئًا.

وقالت هي:
“هذا يناسبني”.
ثم سكتت.

القوّة الجديدة لم تكن صلابة.
كانت بساطة.

في المساء،
لاحظا أنّ التفكير بالماضي لم يعد يفتح بابًا.
كان مجرّد ذكرى.
تمرّ.

ما بعد الإغلاق هو بداية بلا ضجيج.
بداية تسمح للحاضر أن يقود.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يسألا:
” ماذا خسرنا؟”
سألا فقط:
” ماذا أصبح ممكنًا الآن؟”

الفصل الثامن والعشرون: اختبار صغير
لم يكن اختبارًا مُعدًّا.
جاء عابرًا.
في لحظة لم ينتبها لها مسبقًا.

هو تلقّى مكالمة غير متوقَّعة.
اسم قديم على الشاشة.
توقّف قلبه لحظة.
ثم عاد إلى إيقاعه.

” أستطيع أن أتركها ترنّ.”
فكّر.
وللمرّة الأولى،
لم يشعر بالذنب.

اختار أن يجيب.
بصوتٍ ثابت.
لا دفاع فيه.
ولا توقّع.

الحديث كان عاديًّا.
لم يحمل عتابًا.
ولا اعتذارًا متأخّرًا.
مجرد كلمات.

أنهى المكالمة.
جلس قليلًا.
لاحظ جسده.
لا توتّر.
لا هروب.

هي واجهت اختبارًا مشابهًا.
تعليقًا عابرًا.
كان قد يجرحها سابقًا.

توقّفت.
نظرت إلى المتكلّم.
قالت بهدوء:
“أفضل أن لا يُقال هذا”.

لم تشرح.
لم تبرّر.
ولم ترتجف.

الاختبار الصغير كشف الكثير.
ليس لأنّه صعب.
بل لأنّه كان طبيعيًّا.

الاتّزان الحقيقي لا يظهر في اللحظات الكبرى.
يظهر هنا.
في التفاصيل.

في المساء،
تذكّرا الموقفين.
ابتسما.
ليس فخرًا.
اطمئنانًا.

وفي نهاية الفصل،
عرفا أنّ ما بُني لم يكن هشًّا.
كان مرنًا.
وهذا كافٍ.

الفصل التاسع والعشرون: مساحة مشتركة
لم تعد العلاقة بالآخر ساحة اختبار.
صارت مساحة تُبنى.
بهدوء.

هو لاحظ أنّه لم يعد يتهيّأ قبل اللقاء.
لا سيناريوهات.
لا احتياطات زائدة.
يحضر كما هو.

في حديثٍ جماعيّ،
قال رأيه دون أن يرفع صوته.
وحين خالفه أحدهم،
لم يشعر بالتهديد.

المساحة المشتركة لا تعني الاتفاق.
تعني الأمان وسط الاختلاف.

هي شعرت بذلك أيضًا.
في جلسة بسيطة.
ضحك.
صمت.
كلمات عاديّة.

لم تعد تراقب نفسها من الخارج.
كانت داخل اللحظة.

قالت شيئًا صادقًا.
ولم تُعد صياغته فورًا.
تركته كما خرج.

المساحة المشتركة تحتاج حدودًا.
لكنّها لا تُبنى بالجدران.
تُبنى بالوضوح.

هو قال:
“هذا يناسبني الآن”.
وحين سُئل لماذا،
ابتسم.
“لأنّه كذلك”.

وهي قالت:
“أحتاج وقتًا”.
وقيل لها:
“خذيه”.

التبادل كان بسيطًا.
لكنّه جديد.

في المساء،
فكّرا في الأمر.
العلاقات لم تعد استنزافًا.
صارت مشاركة.

وفي نهاية الفصل،
أدركا أنّ الاتّزان حين يترسّخ،
لا يبقى فرديًّا.
ينتقل.
ويُعيد تشكيل المسافة بين الناس.

الفصل الثلاثون: إعادة تعريف
لم يعد السؤال:
” هل أنا قويّ؟”
السؤال صار:
” ما معنى القوّة الآن؟”

هو تذكّر كيف كان يفهمها سابقًا.
تحمّل.
صمت.
استمرار مهما كان الثمن.

اليوم،
نظر إلى يومه العاديّ.
قال:
” القوّة أن أتوقّف حين أحتاج.”

في موقفٍ بسيط،
طلب مساعدة.
الكلمة خرجت بلا ثقل.
لم تُنقِصه.

هي أعادت تعريف الضعف.
لم يعد عيبًا.
صار إشارة.
إشارة تقول:
” هنا أحتاج لطفًا.”

تذكّرت كم كانت تخفي تعبها.
واليوم،
قالت:
“أنا متعبة”.
وقيل لها:
“استريحي”.

النجاح أيضًا تغيّر.
لم يعد قمّة واحدة.
صار توازنًا مستمرًّا.

هو قال:
” أن أنام بهدوء… هذا نجاح.”

وهي قالت:
” أن أكون صادقة دون خوف… هذا نجاح.”

إعادة التعريف لا تمحو الماضي.
تضعه في حجمه.

في نهاية هذا الفصل،
لم يعودا يسعيان ليكونا أقوى.
سعيا ليكونا أوفى لأنفسهما.

وهذا،
كان المعنى الجديد للحياة.

الفصل الحادي والثلاثون: ما لا يعود
هناك أشياء لا تعود بعد أن تُرى.
ليس لأنّها مُنِعت.
بل لأنّها فقدت قدرتها على الإقناع.

هو لاحظ ذلك في نفسه.
لم يعد يستطيع تجاهل التعب.
ولا تأجيله باسم الواجب.
الجسد صار صريحًا.

” لن أقدر.”
قالها.
ولم يشعر بالعار.

الإنكار لم يعد متاحًا.
ليس لأنّه خطأ.
بل لأنّه لم يعد ممكنًا.

هي لاحظت الأمر ذاته.
لم تعد تقبل العلاقات الرماديّة.
ولا الوعود المعلّقة.
الوضوح صار حاجة.

قالت:
“إمّا أن يكون هذا واضحًا… أو لا يكون”.
وللمرّة الأولى،
لم تخف من النتيجة.

ما لا يعود ليس الماضي.
بل طريقة التعامل معه.

هو تذكّر كيف كان يساوم نفسه.
اليوم،
لم يعد يعرف كيف يفعل ذلك.

وهي تذكّرت كم كانت تُقنع نفسها بالقليل.
الآن،
القليل لم يعد مقنعًا.

هذا الفقد لم يكن خسارة.
كان تحرّرًا.

في نهاية الفصل،
فهما أنّ بعض الأبواب تُغلق تلقائيًّا.
ليس عقابًا.
بل لأنّ العبور غيّر القياس.

وما لا يعود…
هو ما لم يعد يشبههما.

الفصل الثاني والثلاثون: خطوة إلى الأمام
لم تكن الخطوة إعلانًا.
لم يُرافقها قرار كبير.
كانت حركة بسيطة.
لكنّها واضحة الاتّجاه.

هو شعر بذلك حين خطّط ليومه.
لم يملأه.
ترك فيه فراغًا متعمّدًا.
” سأرى ما يحدث.”
قالها دون قلق.

الخطوة إلى الأمام لا تعني التسارع.
تعني ألّا تبقى في الموضع نفسه.

في العمل،
قدّم اقتراحًا صغيرًا.
لم يدافع عنه بإفراط.
تركه يقف بذاته.

هي اتّخذت خطوة مشابهة.
بدأت شيئًا كانت تؤجّله.
ليس لأنّها جاهزة تمامًا.
بل لأنّ الانتظار لم يعد ضروريًا.

الخطوة لم تُلغِ التردّد.
رافقتْه.
لكنّها لم تتوقّف بسببه.

هو لاحظ أنّ جسده لم يحتج إلى طمأنة طويلة.
تحرّك.
ثم استقرّ.

وهي لاحظت أنّها حين بدأت،
لم تبحث عن ضمانات.
اكتفت بالحضور.

الخطوة إلى الأمام ليست مغادرة للمكان القديم.
هي إعادة ترتيب للعلاقة معه.

في المساء،
تبادلا شعورًا واحدًا.
أنّ الحياة لم تتغيّر فجأة.
لكنّها بدأت تتحرّك.

وفي نهاية الفصل،
لم يسألا:
” إلى أين سنصل؟”
سألا فقط:
” هل نحن نسير؟”
وكان الجواب:
نعم.

الفصل الثالث والثلاثون: أثر الخطوة
لم يكن الأثر دراميًّا.
لم يتبدّل كلّ شيء.
لكنّ شيئًا ما استقرّ.

هو لاحظ أنّ القلق لم يختفِ.
لكنّه لم يعد يسبق الفعل.
صار يلحقه.
وأحيانًا… لا يلحق.

في صباحٍ عاديّ،
أنجز ما عليه دون أن يفاوض نفسه طويلًا.
الجهد كان موجودًا.
لكنّ المقاومة غابت.

” هكذا إذن.”
فكّر.
الخطوة لم تُغيّر الطريق.
غيّرت شعوره وهو يسير فيه.

هي لاحظت أثر الخطوة في التفاصيل.
نبرة الصوت.
وتيرة الكلام.
القدرة على التوقّف دون ارتباك.

حين سُئلت عن رأيها،
قالته.
وحين لم يكن لديها رأي،
قالت:
“لا أعرف بعد”.
ولم تشعر بالنقص.

الأثر لم يكن زيادة.
كان تخفيفًا.
تخفيف الحمل غير الضروري.

العلاقات أيضًا تأثّرت.
من حولهما لاحظوا.
ليس تغييرًا واضحًا.
بل راحة في الحضور.

هو سمع:
“أرتاح للحديث معك”.
الجملة لم تُربكه.
أسعدته.

وهي سُمِعَت:
“تبدين أكثر قربًا”.
فهمت المعنى.

أثر الخطوة لا يُقاس بالنتائج.
يُقاس بالاستمرار.

وفي نهاية الفصل،
عرفا أنّ الحركة الصغيرة،
حين تُكرَّر،
تصنع مسارًا كاملًا.

الفصل الرابع والثلاثون: الاستمراريّة
لم تكن الاستمراريّة اندفاعًا.
كانت عناية.
عناية بما بُني دون أن يُثقل.

هو أدرك أنّ الحماس لا يدوم.
لكنّ النيّة يمكنها ذلك.
” سأعود.”
قالها حين تعب.
لا وعدًا.
اتّجاهًا.

الاستمراريّة لا تعني الثبات الصارم.
تعني الرجوع حين نبتعد.

في أيّام أثقل،
خفّف وتيرته.
لم يعتبر ذلك تراجعًا.
اعتبره ضبطًا.

هي لاحظت أنّها لم تعد تُحمّل اليوم أكثر ممّا يحتمل.
إن تعبت،
توقّفت.
وإن نشطت،
استثمرت.

لا خطّة مثاليّة.
ولا التزام أعمى.
هناك مرونة واعية.

الاستمراريّة تحمي التحوّل من التحوّل نفسه.
من أن يصير واجبًا.
أو هويّة جديدة خانقة.

هو قال:
” لا أحتاج أن أكون أفضل كلّ يوم.”
وأضاف:
” يكفي أن أكون حاضرًا.”

وهي قالت:
” إن توقّفت يومًا،
أبدأ من حيث أنا… لا من الصفر.”

في المساء،
تأمّلا الطريق.
لم يعد سباقًا.
صار مسارًا.

وفي نهاية الفصل،
فهما أنّ الاستمراريّة ليست قوّة دفع.
هي قوّة رعاية.

الفصل الخامس والثلاثون: معنى الحياة الآن
لم يعد السؤال ثقيلًا كما كان.
لم يعد يطلب إجابة نهائيّة.
صار أقرب إلى مرافقة.

هو تذكّر كيف كان يسأل:
” لماذا أعيش؟”
السؤال كان حادًّا.
مُنهِكًا.

اليوم،
تبدّل الشكل:
” كيف أعيش هذا اليوم؟”
والفرق كان هائلًا.

المعنى لم يعد فكرة مجرّدة.
صار ممارسة.
في النهوض.
في العمل.
في التوقّف حين يلزم.

هو قال:
” الحياة ليست مشروع إثبات.”
ثم ابتسم.

هي أعادت النظر في السؤال ذاته.
لم تعد تبحث عن رسالة كبرى.
بحثت عن صدق يوميّ.

قالت:
“أن أكون هنا دون أن أختفي… هذا يكفي اليوم”.

المعنى الجديد لا يَعِد بالسعادة الدائمة.
يَعِد بالحضور.

في لحظة صمت،
شعرا أنّ الحياة لم تطلب تفسيرًا.
طلبت مشاركة.

المعنى الآن لا يُختصر بجملة.
يتغيّر.
وينمو.
ويهدأ.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يجدا جوابًا واحدًا.
وجدا علاقة مختلفة مع السؤال.
وهذا كان كافيًا.

الفصل السادس والثلاثون: ما يبقى
بعد كلّ هذا التحوّل،
لم يختفِ كلّ شيء.
بقي ما كان حقيقيًّا.

هو لاحظ أنّ بعض العادات القديمة ما زالت هنا.
فنجان الصباح.
النافذة ذاتها.
خطواته الأولى خارج البيت.

لكنّ المعنى تغيّر.
لم تعد العادة هروبًا.
صارت إيقاعًا.

بقي التعب.
وبقي الحزن أحيانًا.
وبقي القلق…
لكن بلا سيطرة.

” لم أعد أحتاج أن أكون شخصًا آخر.”
قالها بهدوء.

هي أيضًا لاحظت ما بقي.
حساسيّتها.
انتباهها للتفاصيل.
ميلها إلى الصمت حين يكثر الضجيج.

في الماضي،
كانت هذه أعباء.
اليوم،
صارت سمات.

ما يبقى ليس ما صمد بالقوّة.
بل ما انسجم مع التحوّل.

في لحظة تأمّل،
شعرا أنّهما لم يغيّرا جوهرهما.
غيّرا العلاقة به.

بقي الحبّ ممكنًا.
وبقي العمل.
وبقي الحلم،
لكن دون استعجال.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى ببساطة:
أنّ ما يبقى…
هو ما نستطيع أن نعيشه دون مقاومة.

الفصل السابع والثلاثون: عودة الصوت
لم يعد الصوت الداخلي صارمًا.
لم يعد يُملي.
صار يُصغي.

هو انتبه إلى ذلك في لحظة عاديّة.
خطأ بسيط.
كان سابقًا كافيًا لبدء جلدٍ طويل.
الآن،
قال الصوت:
” يحدث.”
وتابع الطريق.

الصوت لم يختفِ.
تغيّر موقعه.
من قاضٍ…
إلى شاهد.

هي سمعت صوتها أيضًا.
حين تردّدت.
لم يقل:
” تأخّرتِ.”
قال:
” خذي وقتك.”

الفرق لم يكن في الكلمات فقط.
كان في النبرة.

عودة الصوت لم تكن استعادة للناقد.
كانت مصالحة مع البوصلة.

هو لاحظ أنّه حين يخطئ،
لا يُسقِط اليوم كلّه.
يُصحّح…
ويكمل.

وهي لاحظت أنّها حين تشكّ،
لا تُخفي الشكّ.
تسأله.

الصوت الجديد لا يدفع.
ولا يجرّ.
يمشي إلى جانب.

في المساء،
تبادلا إحساسًا واحدًا.
أنّ الداخل لم يعد ساحة نزاع.
صار رفقة.

وفي نهاية هذا الفصل،
عاد الصوت إلى مكانه الطبيعي:
ليس قائدًا.
ولا عدوًّا.
بل دليلًا حين نحتاج.

الفصل الثامن والثلاثون: اتّساع المعنى
لم يعد التحوّل حكاية داخليّة فقط.
بدأ يلوّن نظرتهما إلى العالم.

هو لاحظ ذلك حين استمع إلى الآخرين.
لم يعد يصنّف سريعًا.
ولا يحكم.
صار يرى المسافات الخفيّة خلف الكلمات.

” لكلّ أحدٍ معركته.”
قالها دون تعاطف مصطنع.
دون ثقل.

الاتّساع لا يعني الذوبان.
يعني الفهم دون تبرير.

هي شعرت بالأمر ذاته.
لم تعد تأخذ الأشياء على محملٍ شخصيّ.
الحدود أوضح.
والتعاطف أصدق.

في موقفٍ عابر،
غضب أحدهم.
كانت ستنكمش سابقًا.
اليوم،
رأت الغضب.
ولم تحمله.

اتّساع المعنى لا يُلغِي الألم.
يُخرجُه من المركز.

هو قال:
” العالم ليس ضدي.”
ثم أضاف:
” وليس مطالبًا بأن يكون.”

وهي قالت:
” لستُ مسؤولة عن كلّ ما أشعر به حولي.”

الرؤية الجديدة لم تُثقلهما.
خفّفتهما.

في المساء،
شعرا بأنّ الحياة لم تضق.
بل اتّسعت.
لا بالأحداث.
بالمعنى.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يعودا يسألان:
” ماذا يحدث لي؟”
بل:
” كيف أرى ما يحدث؟”
وكان الفرق…
تحرّرًا.

الفصل التاسع والثلاثون: اقتراب
لم يكن الاقتراب اندفاعًا.
كان سماحًا.
سماحًا بالمسافة المناسبة.

هو لاحظ أنّه لم يعد يتراجع تلقائيًّا.
ولا يتقدّم ليثبت.
يقف حيث يشعر بالصدق.

في لقاءٍ بسيط،
استمع أكثر ممّا تكلّم.
وحين تكلّم،
لم يختصر نفسه.

الاقتراب الجديد لا يطلب ذوبانًا.
يطلب حضورًا واضحًا.

هي شعرت بذلك أيضًا.
لم تعد تخشى أن تُرى.
ولا أن تُخطئ أمام الآخر.

قالت شيئًا لم تُحضّره.
ثم ابتسمت.
لم تعتذر.

في الماضي،
كان القرب يعني فقدان السيطرة.
اليوم،
صار مشاركةً دون تنازل.

هو قال:
” أستطيع أن أكون قريبًا… دون أن أختفي.”

وهي قالت:
” أستطيع أن أحتاج… دون أن أذوب.”

الاقتراب لم يُلغِ الخوف تمامًا.
جعله مرئيًّا.
قابلًا للتسمية.

في المساء،
شعرا بأنّ العلاقة لم تعد مساحة تهديد.
صارت إمكانيّة.

وفي نهاية هذا الفصل،
لم يكن السؤال:
” هل أقترب؟”
بل:
” كيف أقترب وأنا باقٍ؟”
وكان هذا…
تعريفًا جديدًا للقرب.

الفصل الأربعون: ما يُقال
لم تأتِ الكلمات دفعةً واحدة.
خرجت بتؤدة.
كما لو أنّها تتعلّم المشي.

هو شعر بثقلٍ خفيف في صدره.
ليس خوفًا.
تردّدًا قديمًا يعود.

” الآن.”
قالها داخليًّا.
ليس لأنّ اللحظة مثاليّة.
بل لأنّ الصمت لم يعد ضروريًّا.

قال ما لم يقله سابقًا.
بلا ترتيب بلاغيّ.
ولا حماية لغويّة.
كلمات بسيطة.
لكنّها صادقة.

لم يشرح كثيرًا.
لم يطلب فهمًا كاملًا.
قال فقط ما يعرفه عن نفسه الآن.

هي بدورها شعرت بأنّ شيئًا انفتح.
ليس جرحًا.
نافذة.

قالت ما كان يبقى في الهامش.
دون تزيين.
دون اعتذار.

” هذا ما أشعر به.”
الجملة كانت كافية.

ما يُقال لا يغيّر الماضي.
لكنّه يحرّر الحاضر.

في هذا القول،
لم يكن هناك اعتراف دراميّ.
ولا وعد.
كان وضوح.

الكلمات لم تُنهِ كلّ شيء.
لكنّها أنهت الالتباس.

في المساء،
شعرا بأنّ المساحة بينهما أصبحت أخفّ.
ليس لأنّها امتلأت.
بل لأنّها صارت مرئيّة.

وفي نهاية هذا الفصل،
تأكّدا من حقيقة بسيطة:
أنّ ما يُقال في وقته،
لا يحتاج صراخًا.
يحتاج صدقًا.

الفصل الحادي والأربعون: ما يتغيّر بعد الكلام
لم يتغيّر كلّ شيء.
لكنّ شيئًا أساسيًّا تحرّك.

هو لاحظ أنّ صدره أخفّ.
ليس لأنّ العبء زال.
بل لأنّه لم يعد مخفيًّا.

الكلام لا يصنع حلًّا.
يصنع أرضيّة.
أرضيّة يمكن الوقوف عليها دون تردّد.

في اليوم التالي،
لم يعد يعيد الجمل في رأسه.
لم يسأل:
” هل قلتُ أكثر ممّا ينبغي؟”
ترك القول حيث قيل.

هي شعرت بتغيّر مشابه.
لم تعد تراجع نبرتها.
ولا تبحث عن تفسير لاحق.
الوضوح أغلق الحلقة.

ما يتغيّر بعد الكلام
ليس الآخر بالضرورة.
بل العلاقة مع الذات.

هو قال لنفسه:
” لم أختفِ.”
وقال أيضًا:
” ولم أُبالغ.”

وهي قالت:
” لم أتنازل.”
وأضافت:
” ولم أؤذِ.”

الكلام الصادق يترك أثرًا صامتًا.
طمأنينة بلا نشوة.

العلاقة لم تصبح مثاليّة.
لكنّها أصبحت ممكنة.

في المساء،
شعرا أنّ الصمت عاد.
لكنّه لم يكن ثقيلًا.
كان اختيارًا.

وفي نهاية هذا الفصل،
تأكّدا من أمرٍ واحد:
أنّ ما يتغيّر بعد الكلام،
هو القدرة على البقاء دون تراجع.

الفصل الثاني والأربعون: المسافة الصحيحة
لم تكن المسافة ابتعادًا.
ولا كانت التصاقًا.
كانت ضبطًا دقيقًا للقرب.

هو شعر بها حين لم يحتج إلى شرح إضافيّ.
قال ما قاله.
وتوقّف.
ترك الفراغ يعمل.

المسافة الصحيحة لا تُملأ خوفًا.
ولا تُترك عقابًا.
تُحترم.

هي لاحظت ذلك أيضًا.
حين لم تسأل السؤال الثاني.
ولا الثالث.
اكتفت بما قيل.

في الماضي،
كان الصمت يُفسَّر تهديدًا.
اليوم،
صار مساحة راحة.

قال هو:
” لا أحتاج أن أكون قريبًا دائمًا.”
وأضاف:
” ولا بعيدًا.”

وقالت هي:
” أستطيع أن أترك مسافة… دون أن أخسر.”

المسافة الصحيحة تمنع الاستنزاف.
وتحمي المعنى.

في موقفٍ عابر،
اختار أن لا يتدخّل.
ليس لبرود.
لحكمة.

واختارت أن لا تُقنع.
ليس ضعفًا.
ثقة.

المسافة ليست نقص اهتمام.
هي شكل من أشكاله.

في نهاية اليوم،
شعرا أنّ العلاقة تنفّست.
ولم تتفلّت.

وفي نهاية هذا الفصل،
تأكّد لهما أنّ القرب الحقيقيّ
لا يُقاس بالالتصاق،
بل بالقدرة على البقاء
حيث تكون المسافة…
صحيحة.

الفصل الثالث والأربعون: نضج العلاقة
لم يعد الحضور مراقبة.
ولا الغياب علامة خطر.
صار كلٌّ منهما مساحةً يُسكنها الاطمئنان.

هو لاحظ أنّه لم يعد يختبر العلاقة كلّ يوم.
لا أسئلة خفيّة.
ولا فحوصات صامتة.
الثقة كانت هناك.
هادئة.

النضج لا يعني الكمال.
يعني القدرة على الاحتمال دون تضخيم.

في اختلافٍ بسيط،
لم يرتفع الصوت.
لم يُسجَّل الموقف.
قيل ما يلزم.
وانتهى.

هي لاحظت أنّها لم تعد تحتاج إلى تطمينٍ متواصل.
الاستمراريّة نفسها كانت جوابًا.

قالت:
” لا أشعر بأنّني أُختبَر.”
ثم ابتسمت.

العلاقة الناضجة لا تطلب إثباتًا دائمًا.
تطلب حضورًا صادقًا حين يلزم.

هو قال:
” أستطيع أن أختلف… دون أن أخاف.”

وهي قالت:
” أستطيع أن أبقى… دون أن أراقب.”

النضج لا يُلغِي الحساسيّة.
يمنحها إطارًا آمنًا.

في المساء،
جلسا في صمتٍ مشترك.
لم يكن ثقيلًا.
كان مألوفًا.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى بوضوح:
أنّ العلاقة حين تنضج،
لا تُمسك بقوّة…
ولا تُترك بإهمال.
تُعاش.

الفصل الرابع والأربعون: حين يهدأ القلب
لم يكن الهدوء فراغًا.
كان امتلاءً مختلفًا.
امتلاءً بلا ضجيج.

هو لاحظ ذلك في صدره.
لم يعد هناك شدّ دائم.
ولا ترقّب متواصل.
القلب يعمل…
دون إنذار.

في الماضي،
كان الهدوء يُخيفه.
يظنّه مقدّمة لشيءٍ قادم.
اليوم،
صار لحظة تُعاش.

هي شعرت بالأمر ذاته.
لم تعد تفتّش عن القلق.
ولا تسأله أين ذهب.
تركته حيث انتهى.

حين يهدأ القلب،
لا تختفي المشاعر.
تنتظم.

الفرح لا يقفز.
الحزن لا يغمر.
كلّ شيء في حجمه.

هو قال:
” أستطيع أن أتنفّس.”
الجملة خرجت تلقائيًّا.

وهي قالت:
” لم أعد أستعجل الطمأنينة.”

الهدوء لم يلغِ اليقظة.
أزال التشنّج.

في يومٍ عاديّ،
لم يحدث شيء يُذكر.
ومع ذلك،
كان اليوم كاملًا.

حين يهدأ القلب،
لا نبحث عن علامة.
نكتفي بالحضور.

وفي نهاية هذا الفصل،
أدركا أنّ الطمأنينة
ليست شعورًا دائمًا.
هي قدرة على البقاء
حين لا يحدث شيء.

الفصل الخامس والأربعون: ما بعد الطمأنينة
لم تكن الطمأنينة نهاية الطريق.
كانت بدايته الهادئة.

بعد أن هدأ القلب،
ظهرت أسئلة جديدة.
ليست قاسية.
واقعيّة.

هو لاحظ أنّه لم يعد يتحرّك بدافع الهروب.
ولا بدافع الإثبات.
صار يتحرّك بدافع الفضول.

” ماذا أريد الآن؟”
سأل نفسه.
السؤال لم يُرهقه.
فتح مساحة.
في العمل،
لم يسعَ إلى أكثر.
ولم يرضَ بالأقلّ.
اختار ما يشبهه.

هي شعرت بأنّ الحياة بعد الطمأنينة
أقلّ دراميّة.
لكن أكثر صدقًا.

لم تعد تبحث عن ذروة.
بحثت عن توازن.

قالت:
” أريد أن أعيش… لا أن أتعافى فقط.”

ما بعد الطمأنينة
ليس راحة مطلقة.
هو مسؤولية جديدة.
مسؤولية الاختيار.

هو أدرك أنّه لم يعد يستطيع إلقاء اللوم على الخوف.
ولا الاختباء خلفه.
القرار صار شخصيًّا.

وهي أدركت أنّ الهدوء يكشف الرغبات.
وأنّ الرغبة تحتاج شجاعة مختلفة.

في المساء،
جلسا مع هذا الإحساس الجديد.
إحساس أنّ الحياة مفتوحة.
ليست مخيفة.
لكن غير مضمونة.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ ما بعد الطمأنينة
ليس غياب القلق،
بل حضور الحياة.

الفصل السادس والأربعون: اختبار الواقع
لم يتأخّر الاختبار طويلًا.
الواقع لا ينتظر اكتمال الطمأنينة.

في أوّل احتكاك حقيقيّ،
عاد التوتّر خفيفًا.
ليس كما كان.
لكنّه موجود.

هو لاحظه في نبرته.
لم ترتجف.
لكنّها لم تكن واثقة تمامًا.

” ها هو العالم.”
قال في داخله.
لا تهديد.
ولا وعد.

الموقف لم يكن كبيرًا.
اختلاف في الرأي.
ضغط في الوقت.
قرار يجب أن يُتّخذ.

في السابق،
كان سيتراجع.
أو يندفع.
اليوم،
توقّف لحظة.

الطمأنينة لم تمنحه إجابة جاهزة.
منحته قدرة على الوقوف.

هي واجهت اختبارًا مشابهًا.
نقد مباشر.
غير جارح.
لكن صريح.

شعرت بالوخز.
ثم قالت لنفسها:
” أستطيع أن أسمع دون أن أنكسر.”

اختبار الواقع لا يسأل:
هل أنت مطمئن؟
بل:
هل أنت حاضر؟

في نهاية اليوم،
لم ينهارا.
ولم ينتصرا.
بقيا.

وهذا كان كافيًا.

وفي نهاية هذا الفصل،
تأكّدا أنّ الطمأنينة
حين تُختبر،
لا تُلغى.
إمّا أن تتعمّق…
أو تتبدّل.

الفصل السابع والأربعون: ما يبقى ثابتًا
وسط تغيّر التفاصيل،
كان هناك شيء لا يتحرّك.

هو انتبه إليه متأخّرًا.
ليس فكرة.
ولا موقفًا.
إحساس داخليّ بالاتّساق.

في كلّ مرّة اهتزّ فيها الخارج،
لم يهتزّ هذا الداخل.
تراجع القلق.
لكن المعنى بقي.

قال لنفسه:
” لستُ مضطرًّا أن أكون غيري كي أستمرّ.”

الثبات لا يعني الجمود.
يعني وجود محور.
تدور حوله التغيّرات دون أن تُسقطه.

هي أيضًا شعرت بذلك.
في قرارات صغيرة.
وفي طريقة قول “لا”.
وفي قدرتها على التأجيل دون ذنب.

قالت:
” أعرف الآن ما لا أساوم عليه.”

ما يبقى ثابتًا
ليس العادة.
بل القيمة.

في لحظة ارتباك،
عادا إلى هذا الثابت.
لم يبحثا عن حلّ سريع.
بحثا عن اتّساق.

العلاقة نفسها بدت أكثر وضوحًا.
لم تعد تتشكّل حسب المزاج.
بل حسب هذا المحور الصامت.

الثبات لا يُعلن عن نفسه.
يُكتشف حين نحتاجه.

وفي نهاية هذا الفصل،
تأكّدا أنّ ما يبقى ثابتًا
هو ما يسمح لكلّ شيءٍ آخر
أن يتغيّر دون خوف.

الفصل الثامن والأربعون: حين يعود الماضي
لم يأتِ الماضي صاخبًا.
دخل بهدوءٍ غير متوقَّع.

لم يكن ذكرى واضحة.
كان إحساسًا مألوفًا.
نبرةً قديمة في موقف جديد.

هو شعر به أوّلًا.
في جملة سمعها مصادفة.
توقّف داخله شيءٌ للحظة.
ثم استمرّ.

” أعرف هذا الشعور.”
قال لنفسه.
لكنّه لم يهرب.

الماضي حين يعود
لا يسأل الإذن.
يسأل:
هل تغيّرت؟

في السابق،
كان سيتقلّص.
أو يشتعل.
اليوم،
راقب الإحساس.
دون أن يذوب فيه.

هي واجهت عودة مشابهة.
تفصيل صغير.
رائحة.
صورة.

شعرت بالانقباض.
ثم قالت في داخلها:
” هذا قديم… وأنا الآن هنا.”

الماضي لا يعود ليأخذ.
يعود ليقيس.

قاس المسافة بين ما كان
وما صار.
وكانت المسافة حقيقيّة.

لم يحتج أيٌّ منهما إلى شرح.
ولا إلى إنكار.
اعترفا داخليًّا بالمرور.
ثم تركاه يعبر.

حين يعود الماضي
ولا يسيطر،
نعرف أنّنا تقدّمنا.

وفي نهاية هذا الفصل،
أدركا أنّ الماضي
لم يعد بيتًا.
صار طريقًا…
تمّ اجتيازه.

الفصل التاسع والأربعون: أثرٌ لا يوجع
لم يختفِ الأثر.
لكنّه فقد حدّته.

كان حاضرًا مثل ظلٍّ خفيف.
لا يمنع الضوء.
ولا يفرض نفسه.

هو أدرك أنّ بعض التجارب
لا تُمحى.
تُعاد صياغتها.

في موقفٍ عابر،
عاد الإحساس القديم.
لكن دون وخز.
مرّ…
ثم هدأ.

” هذا أنا أيضًا.”
قال في داخله.
دون غضب.

الأثر الذي لا يوجع
لا يطالب بتفسير.
يطلب اعترافًا هادئًا.

هي لاحظت الأمر ذاته.
في كلمة كانت تؤلمها سابقًا.
سمعتها.
ولم تنكمش.

قالت:
” لم يعد هذا يعرّفني.”

الأثر لا يوجع
حين لا نربطه بالهويّة.

في لحظة صدق،
لم يُخفِ أيٌّ منهما الندبة.
لكنّهما لم يلمساها كثيرًا.

الندوب التي تُترك بسلام
تصبح علامات عبور.
لا نقاط توقّف.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى بوضوح:
أنّ الشفاء
ليس نسيان ما كان،
بل القدرة على تذكّره
دون ألم.

الفصل الخمسون: منتصف الطريق
لم يكن المنتصف رقمًا.
كان إحساسًا واضحًا.

هو شعر به حين التفت إلى الخلف.
لم يفعل ذلك كثيرًا.
لكن هذه المرّة،
لم يتألّم.

ما مضى لم يعد يطالبه.
وما سيأتي لم يعد يهدّده.

منتصف الطريق
هو اللحظة التي
يتساوى فيها الخوف والقدرة.
ثم تميل الكفّة.

قال في داخله:
” قطعتُ أكثر ممّا ظننت.”
الجملة لم تكن فخرًا.
كانت ملاحظة صادقة.

هي شعرت بالمنتصف بطريقة مختلفة.
في هدوء قراراتها.
وفي بطء خطواتها.
لم تعد تستعجل النهاية.

قالت:
” لستُ متأخّرة.”

منتصف الطريق
لا يعني وضوح النهاية.
يعني وضوح الاتجاه.

في لحظة مشتركة،
تبادلا نظرة فهم.
لا وعد.
ولا خوف.
إدراك.

المنتصف يمنح شجاعة خاصّة.
شجاعة الاستمرار
دون استعجال.

في المساء،
لم يحتفلا.
ولم يحزنا.
واصلا.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ منتصف الطريق
ليس مكان توقّف،
بل نقطة ثقة
تقول:
ما مضى صار خلفك،
وما أمامك…
ممكن.

الفصل الحادي والخمسون: ما يُختبَر وحده
لم يكن الانفراد ابتعادًا.
كان اختبارًا صامتًا.

في لحظةٍ بلا شهود،
جلس كلٌّ منهما مع نفسه.
لا ليحاسبها.
بل ليسمعها.

هو اكتشف أنّ الأسئلة حين تُطرَح وحيدًة
تتعرّى من الاستعراض.
تبقى بسيطة.

” ماذا أفعل حين لا يراني أحد؟”
سأل نفسه.
والجواب لم يُفاجئه.

الاختبار الحقيقيّ
لا يحتاج جمهورًا.
يحتاج صدقًا.

في يومٍ عاديّ،
اختار ما يريده حقًّا.
دون شرح.
ولا تبرير.

هي خاضت اختبارًا مشابهًا.
في قرارٍ صغير.
لكنّه شخصيّ.

وقفت أمامه وحدها.
وسألت:
” هل أوافق لأنّي مقتنعة… أم لأنّي معتادة؟”

ما يُختبَر وحده
هو ما يبقى حين يغيب الآخر.

لم تشعر بالوحدة.
شعرت بالتماسك.

الاستقلال لا يُضعِف العلاقة.
يمنحها أساسًا.

في المساء،
حين التقيا،
لم يتبادلا التفاصيل.
تبادلا الاطمئنان.

وفي نهاية هذا الفصل،
تأكّدا أنّ أقوى ما في العلاقة
هو ما يستطيع كلٌّ منهما
أن يحمله وحده…
دون أن يضيع.

الفصل الثاني والخمسون: حين نلتقي من جديد
لم يكن اللقاء عودة.
كان وصولًا مختلفًا.

التقيا دون استعجال.
ودون حاجة إلى شرح ما جرى في الغياب.
كلٌّ منهما جاء مكتفيًا.

هو لاحظ أنّ نظرته لم تطلب طمأنة.
كانت حاضرة.
فقط.

” أنا هنا.”
قالها في داخله.
ولم يحتج أن يقولها بصوت.

هي شعرت بالأمر نفسه.
لم تعد تبحث عن علامة.
اللقاء نفسه كان العلامة.

حين نلتقي من جديد
بعد اختبار الذات،
لا نحمل أسئلة قديمة.
نحمل وضوحًا.

جلسا في حديثٍ بسيط.
لا اعترافات كبيرة.
ولا وعود.
تفاصيل يوميّة.

لكنّ التفاصيل كانت صادقة.
غير مثقلة.

قالت:
” أشعر أنّني وصلت.”
لم تقصد المكان.

وقال:
” وأنا كذلك.”

اللقاء الناضج
لا يملأ فراغًا.
يشارك امتلاء.

في نهاية اللقاء،
لم يخشيا الفراق المؤقّت.
كانا يعرفان طريق العودة.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ اللقاء الحقيقيّ
لا يحدث لأنّنا افتقدنا بعضنا،
بل لأنّنا أصبحنا قادرين
على الحضور…
دون نقصان.

الفصل الثالث والخمسون: ما يُبنى بهدوء
لم يبدأ البناء بقرارٍ مُعلَن.
بدأ بعادةٍ صغيرة.

تفصيل يتكرّر دون اتفاق.
موعد غير مكتوب.
سؤال يُطرَح في نهايات اليوم.

هو لاحظ أنّ الأشياء تستقرّ دون جهد.
لا تخطيط صارم.
ولا قلق من التفويت.

” هكذا إذًا تُبنى الحياة.”
قال في داخله.

ما يُبنى بهدوء
لا يحتاج ضجيجًا ليبقى.

هي شعرت أنّها لم تعد تنتظر لحظة حاسمة.
كلّ لحظة كانت تؤدّي دورها.

في الصباح،
كان السؤال بسيطًا:
” هل تناولت قهوتك؟”
لكنّه حمل اهتمامًا ثابتًا.

الاستمراريّة
أكثر إقناعًا من الوعود.

هو لم يعد يخشى الرتابة.
اكتشف أنّ الطمأنينة
تحتاج إيقاعًا.

وهي لم تعد تبحث عن علامة استثنائيّة.
الاعتياد صار لغة.

ما يُبنى بهدوء
يتقدّم دون أن يُلاحَظ.
ثم يُكتشَف فجأة.

في لحظة انتباه،
قالت:
” نحن نمضي.”
ابتسم.

لم يكن في الجملة دهشة.
كان فيها اعتراف.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ أكثر ما يستحقّ البقاء
لا يُعلَن بصوتٍ عالٍ،
بل يُبنى…
بهُدوء.

الفصل الرابع والخمسون: حين ننتبه
لم يكن الانتباه مفاجأة.
كان تباطؤًا خفيفًا في الإيقاع.

في لحظةٍ عاديّة،
توقّفا دون قصد.
نظرا حولهما.

الأشياء لم تتغيّر.
لكنّ النظر تغيّر.

هو أدرك ذلك حين لاحظ التفاصيل.
الكوب في مكانه.
الصوت مألوف.
الوقت لا يركض.

” هذا ما كنّا نفعله.”
قال في داخله.
” وهذا ما أصبحنا عليه.”

حين ننتبه
لا نبحث عن معنى جديد.
نكتشف المعنى القائم.

هي شعرت باللحظة ذاتها.
ليس كفرحٍ طاغٍ.
كطمأنينة واعية.

لم تسأل:
إلى أين نمضي؟
سألت:
هل نحن هنا؟

الحضور هو العلامة.

في هذا الانتباه،
لم يكن هناك خوف من التسمية.
ولا استعجال.

قالت:
” أشعر أنّ هذا حقيقيّ.”

وقال:
” لأنّه كذلك.”

الانتباه لا يغيّر المسار.
يثبّته.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ الحياة لا تبدأ حين نقرّرها،
بل حين ننتبه
أنّنا نعيشها بالفعل.

الفصل الخامس والخمسون: اختبار الاستمرار
لم يكن الاختبار صاخبًا.
جاء في صورة أيّام متشابهة.

الاستمرار لا يُمتحَن بالأزمات وحدها.
يُختبَر في العاديّ.
في التكرار.

هو لاحظ ذلك حين مرّ يوم كامل
دون حدثٍ يُذكَر.
ومع ذلك،
لم يشعر بالفراغ.

” هل يكفي هذا؟”
سأل نفسه.
ثم انتظر الجواب.

الجواب لم يكن كلمة.
كان شعورًا بالبقاء.

هي واجهت الاختبار ذاته.
في تأجيلٍ بسيط.
وفي وعدٍ لم يُنجَز فورًا.

لم تتوتّر.
راقبت ردّ فعلها.

” ما زلتُ هنا.”
قالت في داخلها.

اختبار الاستمرار
هو القدرة على العيش
دون حاجة إلى تجديد الإحساس كلّ يوم.

في اختلافٍ عابر،
لم يُضخَّم الموقف.
تُرك في حجمه.

الاستمرار لا يعني الثبات الجامد.
يعني المرونة مع الزمن.

في المساء،
جلسا في صمتٍ مألوف.
لم يفتّشا عن علامة.
كان الصمت كافيًا.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ ما يستطيع الاستمرار
دون ضجيج،
هو ما يستحقّ
أن يُكمَل.

الفصل السادس والخمسون: حين نختار الاستمرار
لم يعد الاستمرار افتراضًا.
صار قرارًا هادئًا.

بعد أن خفّ الاندفاع،
وبعد أن هدأ السؤال،
ظهر الاختيار عاريًا.

هو شعر به في بساطته.
لا ضغط.
ولا وعد كبير.

” أريد هذا.”
قالها في داخله.
ولم يحتج إلى سببٍ طويل.

الاختيار الحقيقيّ
لا يُصاحِبه توتّر.
يأتي مطمئنًّا.

هي وصلت إلى الاختيار ذاته
بطريقٍ مختلف.
فكّرت.
تردّدت.
ثم استقرّت.

قالت:
” أختار أن أبقى.”
لم يكن في الجملة تضحية.
كان فيها وعي.

حين نختار الاستمرار
لا نُلغي احتمال الرحيل.
نؤجّله بصدق.

العلاقة في هذه اللحظة
لا تعتمد على الخوف من الفقد.
ولا على أملٍ مفرط.
تعتمد على الرغبة.

في حديثٍ بسيط،
لم يُعلَن القرار رسميًّا.
كان مفهومًا.

الاختيارات الكبرى
نادراً ما تحتاج إعلانًا.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ الاستمرار حين يُختار بوعي،
يصبح أخفّ…
وأصدق.

الفصل السابع والخمسون: ما لا نعود نخافه
الخوف لم يختفِ تمامًا.
لكنّه فقد سلطته.

هو لاحظ ذلك حين مرّ خاطر الفقد
دون أن يشدّ صدره.
توقّف.
ثم مضى.

في السابق،
كان الخوف يقود القرار.
اليوم،
صار مجرّد زائر.

” يمكن أن أخسر…”
قال في داخله.
ثم أضاف:
” ويمكن أن أبقى.”

ما لا نعود نخافه
لا يعني أنّه لم يعد ممكنًا.
يعني أنّه لم يعد حاكمًا.

هي شعرت بالأمر ذاته.
لم تعد تتمسّك خوفًا.
ولا تبتعد حذرًا.

قالت:
” إن ذهب، سأبقى أنا.”
لم تكن قسوة.
كانت طمأنينة.

الخوف حين يفقد مكانه المركزيّ
يُعيد الأشياء إلى حجمها.

في نقاشٍ صريح،
لم يُخفيا هشاشتهما.
لكنّها لم تكن فخًّا.

الصدق لم يعد تهديدًا.
صار مساحة أمان.

في المساء،
شعرا بأنّ العلاقة أخفّ.
ليس لأنّها أقلّ عمقًا.
بل لأنّها أقلّ خوفًا.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ ما لا نعود نخافه
لا يختفي من حياتنا،
بل يتوقّف عن إدارتها.

الفصل الثامن والخمسون: الطمأنينة الشجاعة
لم تعد الطمأنينة انسحابًا.
صارت وقوفًا هادئًا.

هو أدرك ذلك حين واجه موقفًا صعبًا
دون أن يتصلّب.
ودون أن ينسحب.
بقي.

الطمأنينة الشجاعة
لا ترفع الصوت.
ولا تخفّض الرأس.

في حديثٍ صريح،
قال ما يلزم.
وتوقّف.
لم يحمِ نفسه بالبرود.

” أستطيع أن أكون واضحًا دون أن أؤذي.”
قال في داخله.

هي اختبرت الطمأنينة نفسها
في لحظة مواجهة.
لم تبرّر.
لم تهاجم.
شرحت.

قالت:
” هذا ما أستطيع تقديمه.”
وكان ذلك كافيًا.

الطمأنينة الشجاعة
تسمح بالاختلاف دون تهديد.

في موقفٍ آخر،
لم يكن الاتفاق ممكنًا.
ومع ذلك،
لم يتفكّك شيء.

الشجاعة هنا
ليست في الانتصار.
بل في البقاء حاضرًا.

في نهاية اليوم،
شعرا أنّ الطمأنينة
لم تعد هشّة.
صارت متينة.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ الطمأنينة الحقيقيّة
لا تحمينا من المواجهة،
بل تمنحنا القدرة
على خوضها…
دون أن نفقد أنفسنا.

الفصل التاسع والخمسون: ما نقوله الآن
لم يعد الكلام استعجالًا.
صار اختيارًا دقيقًا.

بعد كلّ ما مرّ،
أصبحت الكلمات أقلّ.
لكنّها أوضح.

هو لاحظ أنّه لم يعد يشرح نفسه طويلًا.
يقول ما يعنيه.
ويترك المعنى يقف.

” هذا ما أراه الآن.”
قالها بهدوء.
لا دفاع.
ولا تبرير.

ما نقوله الآن
لا يطلب موافقة فوريّة.
يطلب إصغاء.

هي بدورها لم تعد تلتفّ حول الجملة.
قالت ما تشعر به
في صيغةٍ بسيطة.

قالت:
” هذا موقفي.”
وتوقّفت.

الكلام بعد النضج
لا يسعى للسيطرة.
يسعى للفهم.

في اختلافٍ صريح،
لم يُخفَ الخلاف.
لكنّه لم يُضخَّم.
وُضع حيث يجب.

الصراحة هنا
لم تكن كشفًا جارحًا.
كانت احترامًا.

في نهاية الحديث،
لم تُحسَم الأمور كلّها.
لكنّها توضّحت.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ ما نقوله الآن
لا يصنع ضجيجًا،
لكنّه يصنع مسارًا.

الفصل الستّون: ما لا نحتاج قوله
لم يعد الصمت فراغًا.
صار اختيارًا واعيًا.

بعد كلّ ما قيل،
بقيت أشياء لا تحتاج شرحًا.
لا لأنّها غامضة،
بل لأنّها مفهومة.

هو لاحظ ذلك حين لم يُكمل جملة.
توقّف.
وتركها كما هي.

” هذا يكفي.”
قال في داخله.

ما لا نحتاج قوله
هو ما صار جزءً من الإيقاع.

هي شعرت بالأمر ذاته.
لم تسأل السؤال المعتاد.
لم تنتظر الجواب.
الثقة كانت حاضرة.

الصمت هنا
ليس تهرّبًا.
هو احترام للمشترك.

في موقفٍ كان يستدعي تبريرًا سابقًا،
مرّ الأمر بهدوء.
لم يُسجَّل.
لم يُراجَع.

ما لا نحتاج قوله
يعيش في الأفعال.
في الاستمراريّة.

هو أدرك أنّ الإفراط في الشرح
كان خوفًا مقنّعًا.
واليوم،
لم يعد الخوف ضروريًّا.

وهي أدركت أنّ الصمت
قد يكون وعدًا غير منطوق.

في نهاية اليوم،
لم يتبادلا كلمات إضافيّة.
تبادلا طمأنينة.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ ما لا نحتاج قوله،
هو دليل أنّنا وصلنا
إلى مستوى من الفهم
لا يطلب إثباتًا.

الفصل الحادي والستّون: ما يظهر دون طلب
لم يعد السعي شرطًا للحدوث.
الأشياء بدأت تأتي وحدها.

ليس لأنّها مُنِحت.
بل لأنّ الطريق صار مفتوحًا.

هو لاحظ ذلك في فرصةٍ لم يسعَ إليها.
جاءت في وقتها.
دون إلحاح.

” لم أعد ألهث.”
قال في داخله.

ما يظهر دون طلب
لا يحمل ثِقَل الاستحقاق.
يحمل ملاءمة.

هي شعرت بالأمر نفسه.
في لحظة قربٍ لم تُخطَّط.
وفي كلمة جاءت طبيعيّة.

لم تُمسِك اللحظة.
لم تُسرِع.
تركتها تمرّ.

الأشياء التي تأتي دون طلب
تحتاج استقبالًا هادئًا.
لا دهشة مفرطة.

في موقفٍ صغير،
تحقّق ما كان مؤجَّلًا.
دون إعلان.

هو أدرك أنّ التوتّر السابق
كان يعيق الوصول.

وهي أدركت أنّ التخفّف
فتح المجال.

ما يظهر دون طلب
ليس مكافأة.
هو نتيجة انسجام.

في نهاية اليوم،
لم يسألا:
لماذا الآن؟
قبِلا التوقيت.

وفي نهاية هذا الفصل،
تجلّى المعنى:
أنّ بعض الأشياء
لا تأتي حين نطلبها،
بل حين نتوقّف
عن الضغط…
ونكون جاهزين.

الفصل الثاني والستّون: الثقة بالزمن
لم يعد الزمن خصمًا يُقاوَم.
صار رفيقًا يُصغى إليه.

ما تأخّر،
لم يكن ضياعًا.
وما تعجّل،
لم يكن مكسبًا.

تعلّما أنّ الزمن
لا يُكافئ الصبر وحده،
بل الصدق معه.

في هذه الثقة،
خفّ القلق من النهاية.
وصار الطريق كافيًا.

الفصل الثالث والستّون: إعادة تعريف الحلم
لم يسقط الحلم.
لكنّه تغيّر.

لم يعد صورة بعيدة.
صار طريقة عيش.

الحلم الآن
أن يستيقظا دون ثِقَل.
وأن يناما دون ندم.

الأحلام التي تنضج
لا تصرخ.
تستقرّ.

الفصل الرابع والستّون: الامتحان الأخير
جاء الامتحان بسيطًا.
اختيار واضح.

ليس بين خير وشرّ.
بل بين ما يُشبههما
وما لا يُشبههما.

اختارا بلا تردّد.
لأنّ البوصلة كانت داخلهما.

الفصل الخامس والستّون: الصرخة المؤجَّلة
الصرخة لم تكن ألمًا.
كانت حياةً مؤجَّلة.

حين أُطلِقت أخيرًا،
لم تكن عالية.
كانت صادقة.

قال كلٌّ منهما ما عاشه طويلًا في الصمت.
وسقط الحمل.
الخاتمة:
الفصل السادس والستّون: ما يبقى
لم يبقَ كلّ شيء.
لكن بقي الأهمّ.

بقي الوضوح.
وبقي الاختيار.
وبقي القلب القادر على الهدوء.

هكذا انتهت الرحلة.
لا كنهايةٍ مغلقة.
بل كبدايةٍ ناضجة.

وفي السطر الأخير،
يتبيّن أنَّ
“الصرخة المؤجَّلة”
لم تكن صرخة ألم…
بل صرخة وعي
جاءت في وقتها.

نعمان البربري
دمشق – الثلاثاء 17 جمادى الأولى 1435 هـ
الموافق 18 آذار / مارس 2014 مـ

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *