لوحة خارج الإطار
الجزء الرابع
الفَصْلُ السَّادِسُ عَشَرَ
لَمْ يَأْتِ رَدُّهُ مُبَاشَرَةً هٰذِهِ المَرَّةَ أَيْضًا.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَعْتَبِرُ ذٰلِكَ غِيَابًا. صَارَ التَّأْخِيرُ جُزْءً مِنَ الإِيقَاعِ نَفْسِهِ، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَحْتَاجُ وَقْتًا لِتَسْتَقِرَّ قَبْلَ أَنْ تُقَالَ. كَأَنَّهُمَا تَعَلَّمَا لُغَةً جَدِيدَةً لَهَا قَوَاعِدُهَا الصَّامِتَةُ.
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، لَاحَظَتْ سَمَرُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا مِنْ قَبْلُ: أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَفْتَحُ الهَاتِفَ بِدَافِعِ التَّرَقُّبِ القَلِقِ، بَلْ بِدَافِعِ العَادَةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَكَوَّنُ بِصَمْتٍ. لَيْسَ انْتِظَارًا مُضْنِيًا، بَلْ حُضُورٌ خَفِيفٌ لِفِكْرَةٍ لَمْ تُغَادِرْهَا تَمَامًا، كَلَحْنٍ يَظَلُّ فِي الذِّهْنِ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ مَتَى بَدَأَ يُعْزَفُ.
________________________________________
فِي أَحَدِ الصَّبَاحَاتِ، أَثْنَاءَ تَرْتِيبِ البَيْتِ، أَمْسَكَتْ كُوبَ القَهْوَةِ وَتَوَقَّفَتْ:
لَوْ لَمْ أَذْهَبْ إِلَى ذٰلِكَ اللِّقَاءِ… هَلْ كُنْتُ سَأَشْعُرُ أَنَّ شَيْئًا نَاقِصٌ؟
لَمْ تُجِبْ نَفْسَهَا. لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ يَبْحَثُ عَنْ جَوَابٍ، بَلْ عَنْ اعْتِرَافٍ. وَالِاعْتِرَافُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الإِقْرَارِ.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ يَتَحَدَّثُ عَنْ تَغْيِيرٍ مُحْتَمَلٍ فِي العَمَلِ. كَانَتْ سَمَرُ تَسْتَمِعُ وَتُومِئُ وَتَرُدُّ فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ، بِكُلِّ التَّفَاصِيلِ الصَّحِيحَةِ وَبِالنَّبْرَةِ الصَّحِيحَةِ. لٰكِنَّهَا لَاحَظَتْ أَنَّهَا بَاتَتْ تُتْقِنُ “الوُجُودَ الخَارِجِيَّ” دُونَ “الوُجُودِ الدَّاخِلِيِّ”، لِلمرةِ الثَّانيةِ كَمُمَثِّلَةٍ تَحْفَظُ دَوْرَهَا جَيِّدًا لٰكِنَّهَا تُفَكِّرُ فِي شَيْءٍ آخَرَ بَيْنَ مَشْهَدٍ وَآخَرَ.
وَكَمْ هُوَ مُتْعِبٌ هٰذَا النَّوْعُ مِنَ الِازْدِوَاجِ.
قَالَ فَجْأَةً:
— أَنْتِ أَصْبَحْتِ أَكْثَرَ صَمْتًا مِنْ قَبْلُ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ. هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَتَهَرَّبْ.
— الصَّمْتُ لَيْسَ جَدِيدًا.
— لٰكِنَّهُ مُخْتَلِفٌ. كَأَنَّكِ لَسْتِ هُنَا وَحْدَكِ.
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
الجُمْلَةُ لَمْ تَكُنِ اتِّهَامًا، وَلَا سُؤَالًا مُبَاشِرًا. لٰكِنَّهَا كَانَتْ قَرِيبَةً جِدًّا مِنْ شَيْءٍ لَا يُقَالُ عَادَةً فِي البُيُوتِ الدِّمَشْقِيَّةِ الَّتِي تَعَلَّمَتِ التَّعَايُشَ مَعَ مِثِلِ هَذِهِ الحَالَاتِ.
— أَنَا هُنَا.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ.
لٰكِنَّهُ لَمْ يَرُدَّ. وَهٰذَا الصَّمْتُ كَانَ أَثْقَلَ مِنْ أَيِّ نِقَاشٍ. لِأَنَّ النِّقَاشَ يَعْنِي أَنَّ الطَّرَفَيْنِ مَا زَالَا يُؤْمِنَانِ بِجَدْوَى الكَلَامِ.
________________________________________
وَوَائِلٌ الَّذِي لَمْ يَرُدَّ، هَلْ كَانَ يَعْرِفُ أَكْثَرَ مِمَّا يُظْهِرُ؟ أَمْ كَانَ الصَّمْتُ دِفَاعًا لَا اعْتِرَافًا؟ الرِّجَالُ أَيْضًا يَعِيشُونَ فِي بُيُوتٍ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ طَابِقٍ، وَيَخْتَارُونَ أَحْيَانًا أَلَّا يَصْعَدُوا إِلَى الطَّابِقِ الَّذِي يَخْشَوْنَ مَا فِيهِ.
________________________________________
فِي اللَّيْلِ، جَلَسَتْ سَمَرُ وَحْدَهَا. الهَاتِفُ أَمَامَهَا.
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ جَدِيدَةٌ مُنْذُ يَوْمَيْنِ. لٰكِنَّ هٰذَا لَمْ يَعُدْ مُهِمًّا كَمَا كَانَ سَابِقًا. لِأَنَّ العَلَاقَةَ لَمْ تَعُدْ تُقَاسُ بِعَدَدِ الرَّسَائِلِ، بَلْ بِمَا تَتْرُكُهُ فِي الفَرَاغِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَيَاتِهَا، فِي تِلْكَ المَسَافَةِ الشَّفَّافَةِ الَّتِي لَا يَرَاهَا أَحَدٌ لٰكِنَّهَا مَوْجُودَةٌ.
ثُمَّ وَصَلَ إِشْعَارٌ.
“أُفَكِّرُ أَحْيَانًا أَنَّنَا لَمْ نَبْدَأْ شَيْئًا… بَلْ فَتَحْنَا شَيْئًا كَانَ مَوْجُودًا بِالفِعْلِ.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَمْ تُضِفْ جَدِيدًا، لٰكِنَّهَا ثَبَّتَتْ شَيْئًا كَانَ يَتَحَرَّكُ مُنْذُ البِدَايَةِ: أَنَّ مَا يَحْدُثُ لَيْسَ حَدَثًا طَارِئًا وَارِدًا مِنَ الخَارِجِ، بَلْ كَشْفٌ تَدْرِيجِيٌّ لِشَيْءٍ كَانَ مَخْبَّأً فِي طَبَقَاتِ حَيَاتِهِمَا السَّابِقَةِ، فِي كُلِّ ذٰلِكَ الصَّمْتِ المُتَرَاكِمِ، فِي كُلِّ تِلْكَ الأَسْئِلَةِ الَّتِي آثَرَتْ أَلَّا تَسْأَلَهَا.
هَلْ نَحْنُ مَسْؤُولُونَ عَنْ مَا وَجَدْنَاهُ، أَمْ عَنِ الطَّرِيقَةِ الَّتِي تَعَامَلْنَا بِهَا مَعَهُ؟
كَتَبَتْ بَعْدَ لَحْظَةٍ:
“وَإِذَا كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَنَا… هَلْ نَحْنُ مَسْؤُولُونَ عَنْهُ أَمْ عَنْ شَكْلِهِ فَقَطْ؟”
أَرْسَلَتْ. ثُمَّ وَضَعَتِ الهَاتِفَ جَانِبًا.
لٰكِنَّ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَكُنِ الصَّمْتُ بَعْدَهَا فَرَاغًا. كَانَ امْتِلَاءً خَفِيفًا، كَأَنَّ شَيْئًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ بَدَأَ يَأْخُذُ مَكَانَهُ تَدْرِيجِيًّا دُونَ أَنْ يَطْلُبَ إِذْنًا مِنْ أَحَدٍ.
________________________________________
وَفِي مَكَانٍ مَا مِنْ سُورِيَّةَ المُمتَدَّةِ بِجُغْرَافِيَّتِهَا وَتَارِيخِهَا وَجِرَاحِهَا، كَانَتْ قِصَصٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ تَحْدُثُ فِي صَمْتٍ. نِسَاءٌ وَرِجَالٌ يَكْتَشِفُونَ فِي سَنَوَاتِ الأَزْمَةِ الطَّوِيلَةِ أَنَّ الحَرْبَ لَمْ تُدَمِّرِ الجُدْرَانَ الخَارِجِيَّةَ وَحْدَهَا، بَلْ كَشَفَتْ أَيْضًا عَنِ الجُدْرَانِ الدَّاخِلِيَّةِ، تِلْكَ الَّتِي بَنَيْنَاهَا بِبُطْءٍ حَوْلَ أَنْفُسِنَا دُونَ أَنْ نَدْرِي. وَحِينَ تَنْهَارُ الجُدْرَانُ الخَارِجِيَّةُ، تُصْبِحُ الجُدْرَانُ الدَّاخِلِيَّةُ أَكْثَرَ وُضُوحًا وَأَكْثَرَ ثِقَلًا.
_______________________________________
الفصل السابع عشر
لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ فَوْرًا.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَقِيسُ غِيَابَهُ بِالوَقْتِ، بَلْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا: هَلْ مَا زَالَ هُنَاكَ “اتِّصَالٌ مُحْتَمَلٌ” أَمْ لَا؟ وَهٰذَا التَّحَوُّلُ فِي طَرِيقَةِ القِيَاسِ وَحْدَهُ كَانَ يَقُولُ شَيْئًا عَنِ المَسَافَةِ الَّتِي قَطَعَتْهَا مُنْذُ الرِّسَالَةِ الأُولَى.
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، بَدَأَتْ سَمَرُ تُلَاحِظُ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ وَاضِحًا مِنْ قَبْلُ: أَنَّ حُضُورَهَا فِي حَيَاتِهَا اليَوْمِيَّةِ أَصْبَحَ أَكْثَرَ انْتِبَاهًا وَأَقَلَّ تِلْقَائِيَّةً. كَأَنَّ جُزْءً مِنْهَا صَارَ يُرَاقِبُ الجُزْءَ الآخَرَ، كَشَاهِدٍ فِي دَاخِلِهَا يُدَوِّنُ مُلَاحَظَاتِهِ بِصَمْتٍ.
________________________________________
فِي أَحَدِ الصَّبَاحَاتِ، أَثْنَاءَ عَمَلِهَا فِي المَطْبَخِ، تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً أَمَامَ كُوبِ المَاءِ:
هَلْ كُنْتُ أَحْتَاجُ هٰذَا التَّغْيِيرَ قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ كُلُّ هٰذَا؟
لَمْ تَكُنْ تَقْصِدُ “التَّغْيِيرَ” بِمَعْنَاهُ الكَبِيرِ الصَّاخِبِ، بَلْ ذٰلِكَ الِاهْتِزَازَ الخَفِيفَ فِي الإِحْسَاسِ بِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ كَمَا كَانَتْ تَمَامًا، تِلْكَ الفِكْرَةُ المُقْلِقَةُ وَالمُحَرِّرَةُ فِي آنٍ وَاحِدٍ: أَنَّ شَيْئًا مَا فِيهَا قَدِ اسْتَيْقَظَ، سَوَاءٌ أَرَادَتْ ذٰلِكَ أَمْ لَا.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ أَكْثَرَ صَمْتًا مِنَ المُعْتَادِ هُوَ الآخَرُ. جَلَسَ أَمَامَهَا، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ لَحْظَةٍ:
— لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَشْرَحُ هٰذَا… لٰكِنَّكِ تَبْدِينَ أَبْعَدَ.
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا. لِأَنَّ الكَلِمَةَ لَمْ تَعُدْ “مَجَازًا” بِالنِّسْبَةِ لَهَا، بَلْ تَوْصِيفٌ دَقِيقٌ لِشَيْءٍ لَا يُمْكِنُ لَمْسُهُ.
— أَنَا لَسْتُ بَعِيدَةً.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ.
لٰكِنَّهُ لَمْ يُنَاقِشْ. وَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْرِفُ أَنَّ النِّقَاشَ لَنْ يُغَيِّرَ شَيْئًا مِنَ المَسَافَةِ غَيْرِ المَرْئِيَّةِ الَّتِي بَدَأَتْ تَتَكَوَّنُ. أَحْيَانًا الصَّمْتُ لَيْسَ اسْتِسْلَامًا، بَلْ هُوَ آخِرُ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ الحِفَاظِ عَلَى مَا تَبَقَّى.
________________________________________
وَكَانَ فِي الحَيِّ ذَاتِهِ أَبُو فِرَاسٍ، رَجُلٌ فِي الخَمْسِينَ أَمْضَى سَنَوَاتِه فِي دِمَشْقَ يُدِيرُ عَمَلَهُ الصَّغِيرَ بِكُلِّ مَا يَمْلِكُ مِنْ صَبْرٍ. رَجُلٌ سَمِعَ قِصَصًا كَثِيرَةً عَنْ بُيُوتٍ تَصَدَّعَتْ فِي زَمَنِ الحَرْبِ لِأَسْبَابٍ تَتَعَلَّقُ أو لَا عِلَاقَةَ لَهَا بِالحَرْبِ مُبَاشَرَةً. كَانَ يَقُولُ دَائِمًا: “الأَزْمَةُ مَا كَسَرَتِ البُيُوتَ فَقَطْ، هِيَ كَمَان كَشَفَتِ الشُّقُوقَ اللِّي كَانَتْ مَوْجُودَةً”. وَكَانَ عَلَى حَقٍّ بِطَرِيقَتِهِ البَسِيطَةِ الحَكِيمَةِ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا، بَعْدَ أَنْ نَامَ الجَمِيعُ، جَلَسَتْ سَمَرُ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ. تَرَكَتِ الهَاتِفَ أَمَامَهَا كَشَيْءٍ يَنْتَظِرُ، لَا يُطْلَبُ مِنْهُ الإِسْرَاعُ. ثُمَّ فَتَحَتْهُ.
كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ قَصِيرَةٌ:
“أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ مَا بَيْنَنَا لَيْسَ عِلَاقَةً… بَلْ سُؤَالٌ لَا يَتَوَقَّفُ عَنِ النُّمُوِّ.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
لَمْ تَرُدَّ. لَيْسَ لِأَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مَاذَا تَقُولُ، بَلْ لِأَنَّهَا بَدَأَتْ تُدْرِكُ أَنَّ أَيَّ إِجَابَةٍ سَتُصْبِحُ جُزْءً مِنَ السُّؤَالِ نَفْسِهِ. الإِجَابَةُ الَّتِي تُوقِفُ السُّؤَالَ لَيْسَتْ إِجَابَةً حَقِيقِيَّةً، بَلْ هِيَ هُرُوبٌ مِنْ شَكْلٍ آخَرَ.
مَرَّتْ دَقَائِقُ. ثُمَّ كَتَبَتْ:
“رُبَّمَا لِأَنَّ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ لَا تُرِيدُ إِجَابَةً… بَلْ أَنْ تُرَى فَقَطْ.”
أَرْسَلَتْ. ثُمَّ أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ.
________________________________________
لٰكِنَّ هٰذِهِ المَرَّةَ، لَمْ يَكُنِ الإِغْلَاقُ نِهَايَةً. بَلْ كَانَ بِدَايَةَ شُعُورٍ جَدِيدٍ يَصْعُبُ تَسْمِيَتُهُ: أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَعُدْ “تَوَاصُلًا” بِالمَعْنَى المُعْتَادِ لِلكَلِمَةِ، بَلْ أَصْبَحَ مَسَاحَةً مُشْتَرَكَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ تَتَّسِعُ كُلَّمَا حَاوَلَ أَحَدُهُمَا تَعْرِيفَهَا وَتَضْيِيقَهَا.
________________________________________
وَكَانَ اللَّيْلُ فِي دِمَشْقَ كَمَا هُوَ دَائِمًا: يَحْمِلُ النَّاسَ إِلَى أَسْئِلَتِهِمُ الَّتِي لَا يَجْرُؤُونَ عَلَى طَرْحِهَا نَهَارًا. وَالنَّوْمُ لَا يَمْحُو الأَسْئِلَةَ، بَلْ يُعِيدُهَا بِحُلَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الصَّبَاحِ. وَسَمَرُ الَّتِي سَتَسْتَيْقِظُ غَدًا وَتُعِدُّ القَهْوَةَ وَتُرَتِّبُ المَطْبَخَ، سَتَحْمِلُ مَعَهَا ذٰلِكَ السُّؤَالَ الَّذِي “لَا يُرِيدُ إِجَابَةً، بَلْ أَنْ يُرَى فَقَطْ”.
وَهَلْ أَنْ تُرَى الأَسْئِلَةُ كَافٍ؟
هَلْ يَكْفِي الإِنْسَانَ أَنْ يَعِيشَ مَعَ أَسْئِلَتِهِ دُونَ أَنْ يُلْزِمَهَا بِالإِجَابَةِ؟
وَإِلَى مَتَى؟
________________________________________
هٰذِهِ هِيَ الأَسْئِلَةُ الَّتِي لَمْ تُوَجِّهْهَا سَمَرُ لِأَحَدٍ. لَا لِكَرِيمٍ، وَلَا لِوَائِلٍ، وَلَا لِهَنَاءَ أُخْتِهَا، وَلَا حَتَّى لِنَفْسِهَا فِي أَوْقَاتِ الصَّحْوِ الكَامِلِ. لِأَنَّ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ تَعِيشُ حَيَّةً مَا بَقِيَتْ دُونَ إِجَابَةٍ. وَحِينَ تُجِيبُ عَنْهَا، إِمَّا أَنْ تَعِيشَ بِهَا أَوْ تَمُوتَ مَعَهَا.
وَسَمَرُ، فِي هٰذَا اللَّيْلِ الدِّمَشْقِيِّ الهَادِئِ، لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً بَعْدُ لِأَيٍّ مِنَ الخِيَارَيْنِ.
________________________________________
فِي اليَوْمِ التَّالِي، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَدٌّ.
لٰكِنَّ هٰذَا الصَّمْتَ لَمْ يَعُدْ غَرِيبًا. بَلْ صَارَ جُزْءً مِنَ النِّظَامِ الجَدِيدِ الَّذِي لَا يُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهِ، كَقَانُونٍ غَيْرِ مَكْتُوبٍ يَسْرِي بَيْنَ طَرَفَيْنِ دُونَ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَيْهِ بِالكَلَامِ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، كَانَتْ سَمَرُ تَشْعُرُ بِشَيْءٍ مُخْتَلِفٍ: لَيْسَ قَلَقًا، وَلَا انْتِظَارًا مُضْنِيًا. بَلْ إِحْسَاسٌ بِأَنَّ شَيْئًا مَا يَتَشَكَّلُ خَلْفَ هٰذَا الصَّمْتِ، كَالغُيُومِ الَّتِي تَتَجَمَّعُ بِبُطْءٍ قَبْلَ المَطَرِ، لَا تُعْلِنُ نِيَّتَهَا لٰكِنَّهَا لَا تُخْفِيهَا.
________________________________________
فِي الخَارِجِ، كَانَتِ الحَيَاةُ تَمْضِي بِشَكْلٍ عَادِيٍّ جِدًّا، لِدَرَجَةٍ بَدَتْ مَعَهَا غَيْرَ قَابِلَةٍ لِلتَّصْدِيقِ. مَا زَالَ وَائِلٌ يَتَحَدَّثُ عَنْ أُمُورِ العَمَلِ. المَنْزِلُ يَعْمَلُ كَمَا يَجِبُ. كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكَانِهِ.
لٰكِنَّ سَمَرَ لَاحَظَتْ أَنَّهَا بَدَأَتْ تَنْظُرُ إِلَى الأَشْيَاءِ وَكَأَنَّهَا تَعْرِفُهَا دُونَ أَنْ تَكُونَ قَادِرَةً عَلَى الشُّعُورِ بِهَا بِالكَامِلِ. كَمَنْ يَقْرَأُ كَلِمَةً يَحْفَظُهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ ثُمَّ يَجْلِسُ فَجْأَةً يَتَسَاءَلُ عَنْ مَعْنَاهَا.
هَلْ هٰذَا مَا يُسَمِّيهِ النَّاسُ الِاغْتِرَابَ عَنِ الحَيَاةِ العَادِيَّةِ؟ أَمْ هُوَ بِبَسَاطَةٍ أَنْ تَكْبُرَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَا تَعِيشُهُ مَسَافَةٌ بِمِقْدَارِ فِكْرَةٍ؟
________________________________________
فِي المَسَاءِ، سَأَلَهَا وَائِلٌ:
— هَلْ تُرِيدِينَ السَّفَرَ قَلِيلًا قَرِيبًا؟
كَانَ السُّؤَالُ بَسِيطًا. لٰكِنَّ وَقْعَهُ لَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ. تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً طَوِيلَةً قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
— رُبَّمَا.
نَظَرَ إِلَيْهَا.
— “رُبَّمَا” لَيْسَتْ إِجَابَةً.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً.
— لٰكِنَّهَا أَحْيَانًا أَقْرَبُ شَيْءٍ إِلَى الحَقِيقَةِ.
لَمْ يُعَلِّقْ.
________________________________________
وَفِي دَاخِلِ وَائِلٍ، فِي ذٰلِكَ المَكَانِ الَّذِي لَا يُصَرِّحُ بِهِ لِأَحَدٍ، كَانَ هُنَاكَ إِدْرَاكٌ صَامِتٌ يَكْبُرُ: أَنَّ “الِاقْتِرَابَ” الَّذِي يَحْدُثُ مَعَهَا لَمْ يَعُدْ قَابِلًا لِلتَّجَاهُلِ بِسُهُولَةٍ. رَجُلٌ يَعِيشُ مَعَ امْرَأَةٍ يُحِبُّهَا يَعْرِفُ حِينَ تَنْزَلِقُ مِنْهُ قَلِيلًا، وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ مَا يَعْرِفُهُ. وَالتَّسْمِيَةُ أَحْيَانًا هِيَ آخِرُ مَا يُرِيدُ، لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تُلْزِمُ.
وَكَانَ وَائِلٌ، فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ، يُؤَخِّرُ التَّسْمِيَةَ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ سَمَرُ عَلَى الأَرْضِ هٰذِهِ المَرَّةَ، لَا عَلَى السَّرِيرِ. كَأَنَّ المَكَانَ نَفْسَهُ صَارَ يَحْتَاجُ تَغْيِيرًا، كَأَنَّ الجُلُوسَ فِي مَكَانٍ مُخْتَلِفٍ قَدْ يُنْتِجُ تَفْكِيرًا مُخْتَلِفًا.
الهَاتِفُ أَمَامَهَا. لَمْ تَفْتَحْهُ فَوْرًا.
كَأَنَّهَا تُؤَخِّرُ لَحْظَةَ الِاعْتِرَافِ بِأَنَّ هٰذَا الجُزْءَ مِنْ حَيَاتِهَا لَمْ يَعُدْ مُنْفَصِلًا عَنْ بَاقِي اليَوْمِ. لَمْ يَعُدْ “حَدِيقَةً سِرِّيَّةً” تَدْخُلُهَا حِينَ تَشَاءُ وَتَخْرُجُ مِنْهَا. بَلْ صَارَ جُزْءً مِنَ الهَوَاءِ الَّذِي تَتَنَفَّسُهُ.
ثُمَّ وَصَلَ إِشْعَارٌ.
“أُفَكِّرُ أَنَّ اللِّقَاءَ لَمْ يَكُنْ بِدَايَةً… بَلْ نُقْطَةَ لَا رُجُوعٍ صَغِيرَةً جِدًّا لَمْ نُلَاحِظْهَا فِي وَقْتِهَا.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَمْ تَعُدْ جَدِيدَةً فِي مَعْنَاهَا، لٰكِنَّهَا كَانَتْ أَخْطَرَ مِنْ قَبْلُ، لِأَنَّهَا بَدَأَتْ تَبْدُو صَحِيحَةً، لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ نَظَرِيَّةً تُنَاقَشُ بَلْ وَصْفًا لِمَا حَدَثَ بِالفِعْلِ.
كَتَبَتْ:
“وَإِذَا كَانَتْ نُقْطَةَ لَا رُجُوعٍ… فَهَلْ يُمْكِنُ أَنْ نَتَصَرَّفَ وَكَأَنَّنَا لَمْ نَعْبُرْهَا؟”
أَرْسَلَتْ. ثُمَّ وَضَعَتِ الهَاتِفَ.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهَا.
لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّسَائِلِ فَقَطْ. بَلْ فِي حَيَاتِهَا كُلِّهَا: هَلْ مَا زَالَتْ تَعِيشُ مَا كَانَ قَبْلَ تِلْكَ “النُّقْطَةِ”، أَمْ أَنَّهَا فَقَطْ تُحَاوِلُ تَقْلِيدَ ذٰلِكَ الشَّكْلِ؟
________________________________________
وَكَانَتْ دِمَشْقُ فِي الخَارِجِ تَحْمِلُ تَارِيخَهَا الثَّقِيلَ بِصَمْتٍ اعْتَادَتْ عَلَيْهِ. مَدِينَةٌ مَرَّتْ بِنُقَاطِ لَا رُجُوعٍ كَثِيرَةٍ فِي سَنَوَاتِ الأَزْمَةِ، وَتَعَلَّمَتْ أَنْ تَمْضِي رَغْمَ ذٰلِكَ، أَنْ تَبْنِيَ فَوْقَ الأَنْقَاضِ أَوْ بِجَانِبِهَا، أَنْ تُكْمِلَ. وَسَمَرُ، ابْنَةُ هٰذِهِ المَدِينَةِ، كَانَتْ تَتَعَلَّمُ شَيْئًا مُشَابِهًا عَلَى مُسْتَوًى أَخَصَّ: أَنَّ الإِنْسَانَ أَيْضًا يَمْضِي بَعْدَ نُقَاطِ اللَّارُجُوعِ، لٰكِنَّهُ لَا يَمْضِي كَمَا كَانَ قَبْلَهَا.
________________________________________
الفَصْلُ الثَّامِنُ عَشَرَ
فِي الصَّبَاحِ، كَانَ الضَّوْءُ مُخْتَلِفًا قَلِيلًا. أَوْ رُبَّمَا هِيَ الَّتِي بَدَأَتْ تَرَى الضَّوْءَ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ.
جَلَسَتْ فِي المَطْبَخِ، القَهْوَةُ أَمَامَهَا، دُونَ أَنْ تَشْرَبَهَا مُبَاشَرَةً. الهَاتِفُ بِجَانِبِهَا، لَا قَرِيبًا بِشَكْلٍ قَلِقٍ، وَلَا بَعِيدًا بِشَكْلٍ مَقْصُودٍ. فَقَطْ مَوْجُودٌ، كَجُزْءٍ مِنْ أَثَاثِ حَيَاتِهَا.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الهَادِئَةِ، أَدْرَكَتْ شَيْئًا بَسِيطًا لٰكِنَّهُ غَيْرُ مُرِيحٍ: أَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تُفَكِّرُ فِي “هَلْ سَيَرُدُّ؟” بَلْ فِي “كَيْفَ سَيَسْتَمِرُّ هٰذَا إِذَا اسْتَمَرَّ؟”
وَالفَرْقُ بَيْنَ السُّؤَالَيْنِ هُوَ الفَرْقُ بَيْنَ الِانْتِظَارِ وَالتَّخْطِيطِ. وَحِينَ تَبْدَأُ بِالتَّخْطِيطِ لِشَيْءٍ لَمْ تُقَرِّرْهُ رَسْمِيًّا، فَأَنْتَ قَدْ قَرَّرْتَهُ.
________________________________________
فِي العَمَلِ اليَوْمِيِّ، كَانَتْ أَكْثَرَ هُدُوءً مِنَ المُعْتَادِ. تُنْجِزُ مَا يَجِبُ، تَقُولُ مَا يَجِبُ، وَتَتْرُكُ مَا لَا يَجِبُ دُونَ لَمْسٍ. لٰكِنَّ هُنَاكَ طَبَقَةً إِضَافِيَّةً فِي كُلِّ حَرَكَةٍ: وَعْيٌ صَغِيرٌ بِأَنَّ هُنَاكَ جُزْءً آخَرَ مِنْهَا لَا يَتَحَرَّكُ فِي نَفْسِ الِاتِّجَاهِ.
وَرُبَّمَا لَاحَظَتْ زَمِيلَتُهَا نُورٌ فِي المَكْتَبِ ذٰلِكَ التَّغَيُّرَ الخَفِيفَ فِي نَبْرَتِهَا، فِي طَرِيقَةِ جُلُوسِهَا، فِي ذٰلِكَ الغِيَابِ الخَفِيفِ فِي عَيْنَيْهَا بَيْنَ مُهِمَّةٍ وَأُخْرَى. نُورٌ الَّتِي تَعْرِفُ سَمَرَ مُنْذُ سَنَوَاتٍ وَتُحِبُّهَا بِصَمْتٍ كَمَا تُحِبُّ النِّسَاءُ الذَّكِيَّاتُ بَعْضَهُنَّ. لٰكِنَّهَا لَمْ تَسْأَلْ. لِأَنَّ النِّسَاءَ الذَّكِيَّاتِ يَعْرِفْنَ مَتَى لَا يَسْأَلْنَ.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، عَادَ وَائِلٌ مُتَأَخِّرًا قَلِيلًا. جَلَسَ، ثُمَّ قَالَ:
— لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا، لٰكِنِّي أَشْعُرُ أَنَّ بَيْنَنَا شَيْئًا غَيْرَ مُكْتَمِلٍ.
لَمْ تَسْأَلْهُ مَاذَا يَقْصِدُ. لِأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ كَانَ سَيَجْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ أَكْثَرَ وُضُوحًا مِمَّا تَحْتَمِلُ اللَّحْظَةُ. لٰكِنَّهَا بَعْدَ لَحْظَةٍ قَالَتْ:
— مَاذَا تَقْصِدُ؟
— لَا شَيْءَ مُحَدَّدٌ… فَقَطْ شُعُورٌ.
________________________________________
وَهٰذَا تَحْدِيدًا مَا كَانَ يَجْعَلُ الأُمُورَ أَكْثَرَ صُعُوبَةً: أَنَّ مَا يَحْدُثُ لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ إِلَى تَفْسِيرٍ وَاضِحٍ لِيَكُونَ حَقِيقِيًّا. الشُّعُورُ الَّذِي لَا يُسَمَّى أَحْيَانًا أَكْثَرُ دِقَّةً وَإِصَابَةً مِنَ الَّذِي يُشْرَحُ وَيُحَلَّلُ.
________________________________________
وَكَانَ وَائِلٌ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ يَقِفُ عَلَى حَافَةٍ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ: حَافَةِ الرَّجُلِ الَّذِي يُدْرِكُ أَنَّ شَيْئًا مَا يَجْرِي خَارِجَ مَجَالِهِ المَرْئِيِّ، وَيُقَرِّرُ أَلَّا يَمُدَّ يَدَهُ لِيَتَحَقَّقَ، خَوْفًا مِمَّا قَدْ يَلْمِسُ. وَهٰذَا الخَوْفُ لَمْ يَكُنْ جُبْنًا، بَلْ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الحُبِّ، مُحَاوَلَةٌ يَائِسَةٌ لِلحِفَاظِ عَلَى مَا تَبَقَّى مِنْ شَيْءٍ بَدَأَ يَتَشَقَّقُ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا، بَعْدَ أَنْ هَدَأَ البَيْتُ، جَلَسَتْ عَلَى السَّرِيرِ. الهَاتِفُ لَمْ يُلْمَسْ فَوْرًا. بَقِيَتْ تَنْظُرُ إِلَيْهِ كَشَيْءٍ لَمْ يَعُدْ “نَافِذَةً” تُطِلُّ مِنْهَا عَلَى عَالَمٍ آخَرَ، بَلْ صَارَ جُزْءً مِنْ غُرْفَةٍ أُخْرَى دَاخِلَهَا، غُرْفَةٌ لَا مِفْتَاحَ لَهَا مِنَ الخَارِجِ.
ثُمَّ فَتَحَتْهُ. كَانَتْ هُنَاكَ رِسَالَةٌ:
“أَعْتَقِدُ أَنَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي نُقْطَةِ اللَّارُجُوعِ… بَلْ فِي أَنَّنَا بَدَأْنَا نَعِيشُ وَكَأَنَّنَا عَبَرْنَاهَا فِعْلًا.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ. هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَكْتُبْ فَوْرًا. لِأَنَّ الجُمْلَةَ لَمْ تَعُدْ تَطْرَحُ سُؤَالًا، بَلْ تَصِفُ وَاقِعًا بَدَأَ يَتَشَكَّلُ بِالفِعْلِ، دُونَ مُوَافَقَةٍ وَاضِحَةٍ مِنْ أَحَدٍ، دُونَ لَحْظَةٍ يُمْكِنُ الإِشَارَةُ إِلَيْهَا وَقَوْلُ “هُنَا قَرَّرْنَا”.
بَعْدَ وَقْتٍ طَوِيلٍ، كَتَبَتْ:
“رُبَّمَا لِأَنَّ بَعْضَ العُبُورِ لَا يُشْعَرُ بِهِ وَقْتَ حُدُوثِهِ.”
أَرْسَلَتْ. ثُمَّ أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ بِبُطْءٍ.
لٰكِنَّ الإِغْلَاقَ لَمْ يَعُدْ يَعْنِي نِهَايَةَ التَّوَاصُلِ، بَلْ بِدَايَةَ إِدْرَاكٍ جَدِيدٍ: أَنَّ مَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَعُدْ حَدَثًا يَحْدُثُ ثُمَّ يَنْتَهِي، بَلْ صَارَ حَالَةً تَسْتَمِرُّ حَتَّى حِينَ لَا يُقَالُ فِيهَا شَيْءٌ، كَالنَّهْرِ الَّذِي يَجْرِي حَتَّى فِي اللَّيْلِ حِينَ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ.
________________________________________
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، بَدَأَتْ سَمَرُ تُلَاحِظُ شَيْئًا مُخْتَلِفًا فِي تَفَاصِيلِهَا الصَّغِيرَةِ. لَيْسَ حَدَثًا وَاضِحًا، بَلْ تَغَيُّرٌ فِي الإِيقَاعِ. كَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَصْبَحَ يَحْتَاجُ لَحْظَةً إِضَافِيَّةً قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ: قَبْلَ الرَّدِّ، قَبْلَ الحَرَكَةِ، قَبْلَ الكَلَامِ. كَأَنَّ هُنَاكَ مُرَاجِعًا صَامِتًا يَقْرَأُ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يُصْدِرَ مُوَافَقَتَهُ.
حَتَّى صَمْتُهَا مَعَ وَائِلٍ لَمْ يَعُدْ طَبِيعِيًّا بِالكَامِلِ. صَارَ صَمْتًا “وَاعِيًا”، صَمْتَ مَنْ تَعْرِفُ أَنَّهَا صَامِتَةٌ.
________________________________________
وَفِي أَحَدِ المَسَاءِاتِ، بَيْنَمَا كَانَ يُتَابِعُ الأَخْبَارَ، قَالَ وَائِلٌ دُونَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا مُبَاشَرَةً:
— إِذَا كَانَ هُنَاكَ شَيْءٌ يُزْعِجُكِ… أُرِيدُ أَنْ أَعْرِفَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَأَخَّرَ.
لَمْ تَرُدَّ فَوْرًا. لَيْسَ لِأَنَّهَا لَمْ تَفْهَمْ، بَلْ لِأَنَّهَا شَعَرَتْ أَنَّ الجُمْلَةَ لَا تَخُصُّ اللَّحْظَةَ وَحْدَهَا، بَلْ تَمْتَدُّ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ فِي حَيَاتِهَا لَا يُقَالُ بِاسْمِهِ.
— لَا يُوجَدُ شَيْءٌ مُحَدَّدٌ.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ.
لٰكِنَّهَا شَعَرَتْ أَنَّ هٰذِهِ الإِجَابَةَ لَمْ تَعُدْ كَافِيَةً لِأَيِّ طَرَفٍ، حَتَّى لَهَا هِيَ. لِأَنَّ الكَلَامَ الصَّحِيحَ فِي المَكَانِ الخَطَأِ لَا يُعَالِجُ شَيْئًا، بَلْ يُضِيفُ طَبَقَةً أُخْرَى مِنَ الزَّيْفِ فَوْقَ مَا هُوَ مَوْجُودٌ.
________________________________________
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، جَلَسَتْ وَحْدَهَا أَطْوَلَ مِنَ المُعْتَادِ. الهَاتِفُ أَمَامَهَا، لٰكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ مِحْوَرَ اللَّحْظَةِ بِالكَامِلِ. بَلْ أَصْبَحَ جُزْءً مِنْ مَشْهَدٍ أَوْسَعَ: حَيَاتَانِ تَسِيرَانِ بِالتَّوَازِي دُونَ أَنْ تَلْتَقِيَا عَلَنًا، لٰكِنَّهُمَا لَمْ تَعُودَا مُنْفَصِلَتَيْنِ تَمَامًا. كَخَطَّيْنِ مُتَوَازِيَيْنِ فِي الهَنْدَسَةِ الإِقْلِيدِيَّةِ: لَا يَلْتَقِيَانِ، لٰكِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَعْرِفُ أَنَّ الآخَرَ مَوْجُودٌ.
فَتَحَتِ الرَّسَائِلَ. كَانَ هُنَاكَ نَصٌّ جَدِيدٌ:
“أُفَكِّرُ أَنَّ مَا يَحْدُثُ بَيْنَنَا لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ إِلَى تَبْرِيرٍ… بَلْ إِلَى فَهْمٍ لِمَا سَنَفْعَلُهُ بِهِ.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً. لِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تَتَحَدَّثُ عَنْ شُعُورٍ، بَلْ عَنْ مَسْؤُولِيَّةٍ. وَهٰذَا القَفْزُ مِنَ “الشُّعُورِ” إِلَى “المَسْؤُولِيَّةِ” كَانَ قَفْزَةً لَا يُمْكِنُ التَّظَاهُرُ بِعَدَمِ رُؤْيَتِهَا.
كَتَبَتْ بَعْدَ وَقْتٍ:
“وَإِذَا لَمْ نَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا… هَلْ يَبْقَى كَمَا هُوَ؟”
أَرْسَلَتْ.
________________________________________
وَ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَكُنْ تَنْتَظِرُ رَدًّا فَقَطْ. بَلْ كَانَتْ تُدْرِكُ شَيْئًا غَيْرَ مُرِيحٍ: أَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَعُدْ بَيْنَهُمَا وَحْدَهُمَا. بَلْ بَدَأَ يَمْتَدُّ إِلَى حَيَاتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ تَتَحَرَّكَانِ فِي اتِّجَاهٍ لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ طَوِيلًا دُونَ أَنْ يَتْرُكَ أَثَرًا وَاضِحًا.
وَالأَثَرُ الوَاضِحُ، هٰذَا مَا كَانَتْ تَخْشَاهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ. لَيْسَ اللِّقَاءَاتِ، وَلَا الرَّسَائِلَ، بَلِ اليَوْمَ الَّذِي سَيُصْبِحُ فِيهِ مَا تَعِيشُهُ مَرْئِيًّا لِمَنْ حَوْلَهَا، غَيْرَ قَابِلٍ لِلْإِنْكَارِ.
________________________________________
الفَصْلُ التَّاسِعُ عَشَرَ
وَفِي الحَيِّ ذَاتِهِ، الجَارَةُ أُمُّ طَارِقٍ، المَرْأَةُ السِّتِّينِيَّةُ الَّتِي فَقَدَتِ ابْنَهَا فِي السَّنَوَاتِ الأَخِيرَةِ وَبَاتَتْ تَعِيشُ وَحْدَهَا مَعَ ذَاكِرَةٍ ثَقِيلَةٍ وَعَيْنَيْنِ تَرَيَانِ كَثِيرًا. امْرَأَةٌ مِثْلُ أُمِّ طَارِقٍ تُلْقِي السَّلَامَ كُلَّ صَبَاحٍ وَتَعْرِفُ مِنْ طَرِيقَةِ السَّلَامِ كَيْفَ حَالُ صَاحِبَتِهِ. لَوِ الْتَقَتْ بِسَمَرَ هٰذِهِ الأَيَّامَ لَقَالَتْ لَهَا بِتِلْكَ النَّبْرَةِ الدِّمَشْقِيَّةِ القَدِيمَةِ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الحِكْمَةِ وَالحَنَانِ: “يَا بِنْتِي، اللِّي مَا بِتِقْدَرِي تَقُولِيهِ بِالكَلَامِ، اللهُ يُعِينِكِ تَعِيشِيهِ بِالعَدْلِ.” لٰكِنَّ سَمَرَ لَمْ تَلْتَقِ بِأُمِّ طَارِقٍ مُصَادَفَةً مُؤَخَّرًا، لِأَنَّهَا بَاتَتْ تَخْتَارُ مَسَارَاتٍ تَتَجَنَّبُ فِيهَا أماكِنَ مَنْ يَعْرِفُونَهَا جَيِّدًا.
________________________________________
وَفِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، أَثْنَاءَ إِعْدَادِهَا لِلْفُطُورِ، نَظَرَتْ سَمَرُ إِلَى كُوبِ القَهْوَةِ طَوِيلًا.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ البِدَايَةِ، لَمْ تُفَكِّرْ فِي الرَّسَائِلِ.
بَلْ فَكَّرَتْ فِي شَيْءٍ أَبْسَطَ وَأَخْطَرَ:
إِلَى مَتَى يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى شَيْءٌ بِهٰذَا الحَجْمِ… بِلَا شَكْلٍ فِي الوَاقِعِ؟
________________________________________
فِي ذٰلِكَ اليَوْمِ، لَمْ يَصِلْ أَيُّ رَدٍّ. لٰكِنَّ الغِيَابَ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَكُنْ صَامِتًا بِالكَامِلِ. كَانَ يَحْمِلُ شَيْئًا يُشْبِهُ التَّمَهُّلَ، كَأَنَّ الجِهَةَ الأُخْرَى لَا تَتَهَرَّبُ، بَلْ تُفَكِّرُ. وَالتَّفْكِيرُ قَبْلَ الكَلَامِ كَانَ عَلَامَةً عَلَى أَنَّ مَا سَيُقَالُ لَنْ يَكُونَ سَهْلًا.
وَمَعَ ذٰلِكَ، لَمْ تَعُدْ سَمَرُ فِي وَضْعِ الِانْتِظَارِ القَدِيمِ. صَارَ الِانْتِظَارُ نَفْسُهُ أَقَلَّ مَرْكَزِيَّةً، كَحَاجَةٍ تَعَلَّمَتْ أَنْ تَضَعَهَا فِي المَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ.
________________________________________
فِي الصَّبَاحِ، أَثْنَاءَ تَرْتِيبِ المَنْزِلِ، تَوَقَّفَتْ عِنْدَ رَفٍّ بَسِيطٍ فِي المَطْبَخِ. لَا سَبَبَ وَاضِحٌ. لٰكِنَّ فِكْرَةً وَاحِدَةً ظَهَرَتْ بِشَكْلٍ مُفَاجِئٍ:
إِذَا تَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ الآنَ… مَاذَا يَبْقَى مِنْهُ فِي دَاخِلِي؟
لَمْ تُحَاوِلِ الإِجَابَةَ. لِأَنَّ الإِجَابَةَ لَمْ تَعُدْ نَظَرِيَّةً. وَلِأَنَّ الإِجَابَةَ الحَقِيقِيَّةَ لِسُؤَالٍ كَهٰذَا تَحْتَاجُ شَجَاعَةً لَمْ تَكُنْ مُتَأَكِّدَةً أَنَّهَا تَمْلِكُهَا بَعْدُ.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ أَكْثَرَ قُرْبًا مِنَ المُعْتَادِ. جَلَسَ بِجَانِبِهَا وَقَالَ:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ شَيْئًا بِصَرَاحَةٍ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ. هٰذَا النَّوْعُ مِنَ الجُمَلِ لَمْ يَعُدْ عَادِيًّا.
— تَفَضَّلْ.
تَرَدَّدَ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ:
— هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ الآنَ؟
________________________________________
سُؤَالٌ بَسِيطٌ. لٰكِنَّ وَزْنَهُ كَانَ غَيْرَ بَسِيطٍ إِطْلَاقًا.
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا. لِأَنَّ “السَّعَادَةَ” لَمْ تَعُدْ كَلِمَةً وَاضِحَةً دَاخِلَهَا. بَلْ صَارَتْ شَيْئًا يَحْتَاجُ شَرْحًا لَا نِهَايَةَ لَهُ، خَرِيطَةً تَضُمُّ مَنَاطِقَ مُتَعَدِّدَةً لَا يُمْكِنُ وَصْفُهَا بِجَوَابٍ وَاحِدٍ.
— لَا أَعْرِفُ.
قَالَتْ أَخِيرًا.
لَمْ يَكُنْ جَوَابًا يُرْضِي أَحَدًا، حَتَّى هِيَ.
هَزَّ رَأْسَهُ بِبُطْءٍ.
— هٰذَا مَا كُنْتُ أَخْشَاهُ.
________________________________________
سَكَتَ.
لٰكِنَّ الصَّمْتَ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَكُنْ مُرِيحًا لِأَيِّ طَرَفٍ. كَانَ صَمْتَ مَنْ وَصَلَ إِلَى حَافَةٍ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَرَاجَعُ عَنْهَا، وَلَا كَيْفَ يَتَقَدَّمُ.
وَوَائِلٌ الَّذِي قَالَ “هٰذَا مَا كُنْتُ أَخْشَاهُ” كَانَ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ سُؤَالًا لَمْ يَطْرَحْهُ: مَا الَّذِي كَانَ يَخْشَاهُ بِالضَّبْطِ؟ هَلْ كَانَ يَخْشَى إِجَابَتَهَا، أَمْ كَانَ يَخْشَى أَنَّهُ يَعْرِفُ الإِجَابَةَ أَصْلًا؟ الرَّجُلُ الَّذِي يَخَافُ مِنْ إِجَابَةِ امْرَأَتِهِ عَلَى سُؤَالِ “هَلْ أَنْتِ سَعِيدَةٌ” لَيْسَ رَجُلًا لَا يُبَالِي. بَلْ هُوَ رَجُلٌ يُبَالِي كَثِيرًا، لٰكِنَّهُ لَا يَعْرِفُ مَاذَا يَفْعَلُ بِمَا يُبَالِي بِهِ.
________________________________________
فِي اللَّيْلِ، جَلَسَتْ سَمَرُ فِي الغُرْفَةِ وَحْدَهَا. الهَاتِفُ أَمَامَهَا.
لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِشْعَارٌ جَدِيدٌ. لٰكِنَّهَا فَتَحَتِ المُحَادَثَةَ القَدِيمَةَ. وَقَرَأَتْ بِصَوْتٍ دَاخِلِيٍّ مُخْتَلِفٍ: كُلَّ الرَّسَائِلِ الَّتِي بَدَتْ يَوْمًا حِوَارًا بَيْنَ شَخْصَيْنِ، أَصْبَحَتِ الآنَ سِجِلًّا لِتَحَوُّلٍ لَمْ يَكْتَمِلْ بَعْدُ، سِجِلًّا لِرِحْلَةٍ لَا تَعْرِفُ وَجْهَتَهَا.
ثُمَّ وَصَلَ إِشْعَارٌ أَخِيرًا:
“أَعْتَقِدُ أَنَّ مَا نَعِيشُهُ الآنَ لَمْ يَعُدْ بَيْنَنَا فَقَطْ… بَلْ بَيْنَ كُلِّ مَا نَعْرِفُهُ عَنْ حَيَاتِنَا وَمَا بَدَأْنَا نَشُكُّ فِيهِ.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ طَوِيلًا. ثُمَّ كَتَبَتْ:
“وَهَلِ الشَّكُّ بِدَايَةُ طَرِيقٍ… أَمْ عَلَامَةٌ أَنَّنَا عَبَرْنَاهُ بِالفِعْلِ؟”
أَرْسَلَتْ.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَضَعِ الهَاتِفَ بَعِيدًا هٰذِهِ المَرَّةَ. بَقِيَ فِي يَدِهَا.
لِأَنَّ شَيْئًا فِي دَاخِلِهَا كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ: لَمْ تَعُدِ العَلَاقَةُ تُدَارُ مِنَ الخَارِجِ عَبْرَ رَسَائِلَ تُرْسَلُ وَتُقْرَأُ. بَلْ بَدَأَتْ تُحَسُّ كَشَيْءٍ يَتَحَرَّكُ دَاخِلَ شَكْلِ حَيَاتِهَا نَفْسِهَا، بِبُطْءٍ دَقِيقٍ، دُونَ إِعْلَانٍ، وَدُونَ إِذْنٍ.
________________________________________
لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ بِسُرْعَةٍ كَمَا فِي السَّابِقِ.
لٰكِنَّ هٰذَا الغِيَابَ لَمْ يَكُنْ صَمْتًا عَادِيًّا. كَانَ أَقْرَبَ إِلَى ثِقْلٍ غَيْرِ مُعْلَنٍ، كَأَنَّ الجُمْلَةَ الأَخِيرَةَ فَتَحَتْ بَابًا لَا يُغْلَقُ بِسُهُولَةٍ، بَابًا يَعْرِفُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّ مَا خَلْفَهُ يَخْتَلِفُ عَمَّا كَانَا يَتَحَدَّثَانِ عَنْهُ حَتَّى الآنَ.
فِي صَبَاحِ اليَوْمِ التَّالِي، كَانَتْ سَمَرُ تَمْشِي فِي البَيْتِ دُونَ هَدَفٍ وَاضِحٍ. تَفْتَحُ الخَزَائِنَ ثُمَّ تُغْلِقُهَا دُونَ حَاجَةٍ. تُرَتِّبُ شَيْئًا تَمَّ تَرْتِيبُهُ بِالفِعْلِ. كَأَنَّ الجَسَدَ يُحَاوِلُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ الحَيَاةَ مَا زَالَتْ تَعْمَلُ وَفْقَ نِظَامِهَا القَدِيمِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَعُدِ الدَّاخِلُ مُقْتَنِعًا تَمَامًا.
وَهٰذَا التَّنَاقُضُ بَيْنَ الجَسَدِ الَّذِي يُرَتِّبُ وَالعَقْلِ الَّذِي لَا يَرَى فَائِدَةَ التَّرْتِيبِ، هُوَ أَحَدُ أَكْثَرِ أَشْكَالِ الإِرْهَاقِ النَّفْسِيِّ خَفَاءً وَإِيلَامًا.
________________________________________
ثُمَّ وَصَلَ إِشْعَارٌ.
فَتَحَتِ الهَاتِفَ دُونَ تَرَدُّدٍ هٰذِهِ المَرَّةَ.
“أُفَكِّرُ أَنَّ الِاسْتِمْرَارَ بِهٰذَا الشَّكْلِ لَمْ يَعُدْ مُمْكِنًا دُونَ أَنْ نَكُونَ وَاضِحَيْنِ مَعَ أَنْفُسِنَا.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَمْ تَعُدْ “شُعُورًا”، وَلَا “تَأَمُّلًا”، وَلَا سُؤَالًا فَلْسَفِيًّا يُطْرَحُ لِيَبْقَى مَفْتُوحًا. بَلْ كَانَتْ مُقَدِّمَةً لِشَيْءٍ آخَرَ، لِشَيْءٍ يَطْلُبُ مَوْقِفًا.
جَلَسَتْ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ فِي ذِهْنِهَا عَنْ “مَا الَّذِي سَيَحْدُثُ بَيْنَهُمَا”، بَلْ عَنْ شَيْءٍ أَعْمَقَ وَأَكْثَرَ إِرْبَاكًا: “مَا الَّذِي سَيُطْلَبُ مِنِّي أَنْ أَخْتَارَهُ؟”
وَالِاخْتِيَارُ كَانَ مَا كَانَتْ تُؤَخِّرُهُ بِكُلِّ تِلْكَ الأَسْئِلَةِ الجَمِيلَةِ وَالرَّسَائِلِ الذَّكِيَّةِ وَالصَّمْتَاتِ المَدْرُوسَةِ.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ هَادِئًا بِشَكْلٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ. جَلَسَ أَمَامَهَا وَقَالَ:
— أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَكِ أَكْثَرَ، لٰكِنِّي لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَصِلُ إِلَيْكِ الآنَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ طَوِيلًا.
وَلَمْ يَكُنْ فِي نَظْرَتِهَا دِفَاعٌ، وَلَا رَفْضٌ، وَلَا حَتَّى ارْتِبَاكٌ وَاضِحٌ. بَلْ إِدْرَاكٌ بَطِيءٌ أَنَّ السُّؤَالَ مُتَأَخِّرٌ قَلِيلًا عَنْ شَيْءٍ بَدَأَ بِالفِعْلِ، كَمَنْ يُحَاوِلُ إِمْسَاكَ مَاءٍ سَبَقَ أَنْ سَالَ.
— أَنَا لَسْتُ بَعِيدَةً عَنْكَ.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ.
تَوَقَّفَ.
— لٰكِنَّكِ أَيْضًا لَسْتِ قَرِيبَةً كَمَا كُنْتِ.
لَمْ تُجِبْ.
لِأَنَّ الإِجَابَةَ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَعُدْ تَشْرَحُ حَالَةً، بَلْ تَعْتَرِفُ بِتَغَيُّرِهَا. وَبَيْنَ الشَّرْحِ وَالِاعْتِرَافِ مَسَافَةٌ يَعْرِفُهَا كُلُّ مَنْ وَقَفَ يَوْمًا أَمَامَ شَيْءٍ لَا يُمْكِنُ إِعَادَتُهُ إِلَى مَا كَانَ.
________________________________________
وَكَانَ مَا يَعِيشُهُ السُّورِيُّونَ فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ قَدْ عَلَّمَ النَّاسَ؛ ضِمْنَ مَا عَلَّمَهُمْ، أَنَّ التَّغَيُّرَ لَا يَحْتَاجُ دَائِمًا إِلَى حَدَثٍ كَبِيرٍ وَاحِدٍ. أَحْيَانًا يَكْفِي تَرَاكُمُ الأَيَّامِ الصَّغِيرَةِ، تَرَاكُمُ الصَّمْتَاتِ وَالأَسْئِلَةِ غَيْرِ المُجَابَةِ وَالأَحْلَامِ الَّتِي تُؤَجَّلُ، حَتَّى تَجِدَ يَوْمًا أَنَّكَ لَمْ تَعُدْ كَمَا كُنْتَ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ بِالضَّبْطِ مَتَى تَغَيَّرْتَ. وَالبُيُوتُ الَّتِي صَمَدَتْ فِي وَجْهِ الأَحدَاثِ لَمْ تَصْمُدْ دَاخِلَهَا دَائِمًا بِنَفْسِ القَدْرِ.
________________________________________
فِي اللَّيْلِ، جَلَسَتْ سَمَرُ عَلَى السَّرِيرِ دُونَ إِضَاءَةٍ قَوِيَّةٍ. الهَاتِفُ بَيْنَ يَدَيْهَا. المُحَادَثَةُ مَفْتُوحَةٌ.
ثُمَّ كَتَبَتْ:
“وَمَاذَا يَعْنِي أَنْ نَكُونَ وَاضِحَيْنِ مَعَ أَنْفُسِنَا… إِذَا كَانَ الوُضُوحُ سَيُغَيِّرُ كُلَّ مَا بَنَيْنَاهُ؟”
تَوَقَّفَتْ قَبْلَ الإِرْسَالِ.
هٰذِهِ المَرَّةَ، كَانَ التَّرَدُّدُ مُخْتَلِفًا. لَيْسَ خَوْفًا مِنَ الرَّدِّ، بَلْ إِدْرَاكًا أَنَّ أَيَّ وُضُوحٍ قَادِمٍ لَنْ يَبْقَى مَحْصُورًا فِي الرَّسَائِلِ بَعْدَ الآنَ. الوُضُوحُ الحَقِيقِيُّ يَسْكُبُ نَفْسَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، يُغَيِّرُ الطَّرِيقَةَ الَّتِي تَنْظُرُ بِهَا إِلَى السَّقْفِ صَبَاحًا، وَالطَّرِيقَةَ الَّتِي تَقُولُ بِهَا “صَبَاحَ الخَيْرِ” لِمَنْ يَجْلِسُ أَمَامَكَ عَلَى طَاوِلَةِ الإِفْطَارِ.
أَرْسَلَتْ.
ثُمَّ أَطْفَأَتِ الشَّاشَةَ.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَضَعِ الهَاتِفَ جَانِبًا.
لِأَنَّهَا شَعَرَتْ، بِوُضُوحٍ، أَنَّ الخَطَّ الفَاصِلَ الَّذِي كَانَتْ تَقِفُ عَلَيْهِ مُنْذُ البِدَايَةِ بَدَأَ يَتَحَوَّلُ مِنْ فِكْرَةٍ إِلَى أَرْضٍ تَمِيلُ فِعْلِيًّا تَحْتَ قَدَمَيْهَا.
________________________________________
الفصل العشرون
لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَنَمْ كَمَا فِي السَّابِقِ. لَمْ يَكُنِ الأَرَقُ قَلَقًا وَلَا انْتِظَارًا، بَلْ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى يَقَظَةٍ دَاخِلِيَّةٍ مُسْتَمِرَّةٍ، كَأَنَّ عَقْلَهَا لَمْ يَعُدْ يَقْبَلُ فِكْرَةَ الإِطْفَاءِ الكَامِلِ، كَأَنَّ ثَمَّةَ مُعَالَجَةً تَجْرِي فِيهِ حَتَّى فِي غِيَابِ الوَعْيِ.
فِي الصَّبَاحِ، كَانَ كُلُّ شَيْءٍ فِي البَيْتِ يَعْمَلُ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ.
لٰكِنَّهَا كَانَتْ تُلَاحِظُ التَّفَاصِيلَ كَأَنَّهَا تَرَاهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ: صَوْتُ البَابِ، تَرْتِيبُ الأَكْوَابِ، طَرِيقَةُ الضَّوْءِ عَلَى الطَّاوِلَةِ. كُلُّ شَيْءٍ ثَابِتٌ، لٰكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ مُتَأَكِّدَةً مِنْ ثَبَاتِهَا هِيَ دَاخِلَهُ.
________________________________________
ثُمَّ وَصَلَ إِشْعَارٌ.
فَتَحَتِ الهَاتِفَ بِبُطْءٍ.
“الوُضُوحُ لَيْسَ مَا يُغَيِّرُ الأَشْيَاءَ… بَلْ مَا يَكْشِفُ مَا كَانَ يَتَغَيَّرُ صَمْتًا.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
وَضَعَتِ الهَاتِفَ عَلَى الطَّاوِلَةِ. ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ فَوْرًا. لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ فَرْقٌ وَاضِحٌ بَيْنَ “أَنْ تَقْرَأَ” وَ”أَنْ تُفَكِّرَ”. صَارَا فِعْلًا وَاحِدًا.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، كَانَ وَائِلٌ أَكْثَرَ صَمْتًا مِنَ المُعْتَادِ. جَلَسَ مَعَهَا دُونَ حَدِيثٍ طَوِيلٍ. ثُمَّ قَالَ فَجْأَةً:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ مَرَّةً أَخِيرَةً بِصَرَاحَةٍ… هَلْ مَا زِلْنَا فِي نَفْسِ المَكَانِ؟
لَمْ تَرُدَّ مُبَاشَرَةً.
لِأَنَّ السُّؤَالَ لَمْ يَكُنْ عَنِ المَكَانِ، بَلْ عَنِ الزَّمَنِ الَّذِي يَعِيشَانِ فِيهِ، عَنْ مَا إِذَا كَانَا مَا زَالَا يَعِيشَانِ فِي نَفْسِ الفَصْلِ مِنْ نَفْسِ الرِّوَايَةِ.
— نَحْنُ فِي نَفْسِ الحَيَاةِ… لٰكِنْ لَيْسَ فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
نَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا.
هٰذِهِ الجُمْلَةُ لَمْ يُجِبْ عَلَيْهَا. لٰكِنَّهَا بَقِيَتْ بَيْنَهُمَا كَشَيْءٍ لَا يَحْتَاجُ تَعْلِيقًا لِيَكُونَ حَقِيقِيًّا، كَشَيْءٍ وُضِعَ عَلَى الطَّاوِلَةِ وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَظَاهَرَ بِأَنَّهُ لَا يَرَاهُ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا، أَغْلَقَتِ البَابَ. جَلَسَتْ. الهَاتِفُ أَمَامَهَا.
ثُمَّ كَتَبَتْ:
“إِذَا كَانَ مَا يَتَغَيَّرُ فِينَا سَابِقًا لِكُلِّ مَا نَعِيشُهُ… فَهَلْ نَحْنُ مُتَأَخِّرَانِ عَنْ أَنْفُسِنَا؟”
تَوَقَّفَتْ قَبْلَ الإِرْسَالِ.
هٰذِهِ المَرَّةَ، لَمْ يَعُدِ التَّرَدُّدُ لَحْظَةً عَابِرَةً، بَلْ أَصْبَحَ إِدْرَاكًا أَنَّ كُلَّ جُمْلَةٍ تَكْتُبُهَا الآنَ لَمْ تَعُدْ تَخُصُّهَا وَحْدَهَا. كُلُّ كَلِمَةٍ تَحْمِلُ مَعَهَا ظِلَالًا لِأَشْخَاصٍ آخَرِينَ، لِبَيْتٍ وَرَجُلٍ وَحَيَاةٍ بَنَتْهَا سَنَةً بَعْدَ سَنَةٍ.
أَرْسَلَتْ.
________________________________________
ثُمَّ وَضَعَتِ الهَاتِفَ بَعِيدًا قَلِيلًا.
لٰكِنَّ هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَعُدِ البُعْدُ يَعْنِي انْفِصَالًا، بَلْ اسْتِعْدَادًا لِشَيْءٍ لَمْ يَعُدْ يُمْكِنُ تَأْجِيلُهُ طَوِيلًا:
أَنْ يُسَمَّى مَا يَحْدُثُ… أَوْ أَنْ يُعَاشَ حَتَّى النِّهَايَةِ بِلَا اسْمٍ.
________________________________________
وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الخِيَارَيْنِ كَانَ يَحْمِلُ ثَمَنَهُ الخَاصَّ.
التَّسْمِيَةُ تَعْنِي المُوَاجَهَةَ، وَالمُوَاجَهَةُ تَعْنِي الِاخْتِيَارَ، وَالِاخْتِيَارُ تَعْنِي الخَسَارَةَ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ، لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ فِي حَيَاةٍ كَهٰذِهِ لَا يَعْنِي الكَسْبَ الكَامِلَ لِأَيِّ طَرَفٍ.
وَالْعَيْشُ بِلَا اسْمٍ يَعْنِي الِاسْتِمْرَارَ فِي ذٰلِكَ الِازْدِوَاجِ المُرْهِقِ، الوُجُودَ فِي مَكَانَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ، الحُضُورَ الجَسَدِيَّ فِي مَكَانٍ وَالحُضُورَ الحَقِيقِيَّ فِي مَكَانٍ آخَرَ، حَتَّى يَوْمٍ لَا تَعُودُ تَتَذَكَّرُ أَيْنَ كَانَتْ فِي الأَصْلِ.
وَسَمَرُ، الَّتِي تَعَلَّمَتْ مِنْ مَدِينَتِهَا أَنْ تَصْمُدَ وَتَسْتَمِرَّ، كَانَتْ تُدْرِكُ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الهَادِئَةِ أَنَّ ثَمَّةَ صُمُودًا يُدَمِّرُ وَصُمُودًا يَبْنِي. وَأَنَّ مَعْرِفَةَ الفَرْقِ بَيْنَهُمَا هِيَ رُبَّمَا أَصْعَبُ مَا يُطْلَبُ مِنْ إِنْسَانٍ.
مَرَّتْ سَاعَاتٌ طَوِيلَةٌ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ الرَّدُّ.
لٰكِنَّ سَمَرَ لَمْ تَعُدْ تَقِيسُ التَّأْخِيرَ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ فِي البِدَايَةِ. صَارَ الصَّمْتُ نَفْسُهُ جُزْءً مِنَ الجُمْلَةِ، لَيْسَ غِيَابًا عَنْهَا. كَمَسَافَةِ مَا بَيْنَ نُوتَتَيْنِ مُوسِيقِيَّتَيْنِ، لَهَا مَعْنَاهَا، وَوَزْنُهَا، وَضَرُورَتُهَا.
حِينَ اهْتَزَّ الهَاتِفُ أَخِيرًا، لَمْ تَتَحَرَّكْ بِسُرْعَةٍ. بَلْ نَظَرَتْ إِلَيْهِ أَوَّلًا، كَأَنَّهَا تَتَأَكَّدُ أَنَّ اللَّحْظَةَ حَقِيقِيَّةٌ وَلَيْسَتْ مُجَرَّدَ اسْتِمْرَارٍ لِلتَّفْكِيرِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ.
فَتَحَتِ الرِّسَالَةَ.
“رُبَّمَا لَا نَكُونُ مُتَأَخِّرِينَ عَنْ أَنْفُسِنَا… بَلْ عَنِ الحَيَاةِ الَّتِي كُنَّا نَظُنُّ أَنَّنَا نَعِيشُهَا.”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
لَمْ يَكُنْ فِي الجُمْلَةِ دَعْوَةٌ، وَلَا قَرَارٌ، وَلَا حَتَّى اتِّجَاهٌ وَاضِحٌ. بَلْ شَيْءٌ أَخْطَرُ: اعْتِرَافٌ بِأَنَّ المَسَارَ القَدِيمَ لَمْ يَعُدْ صَالِحًا لِوَصْفِ مَا يَحْدُثُ. وَهٰذَا النَّوْعُ مِنَ الِاعْتِرَافِ لَا يُرِيحُ، بَلْ يُلْزِمُ.
وَضَعَتِ الهَاتِفَ عَلَى السَّرِيرِ. ثُمَّ أَعَادَتْ فَتْحَهُ فَوْرًا. كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تَتَأَكَّدَ أَنَّ المَعْنَى لَمْ يَتَغَيَّرْ بَيْنَ النَّظْرَةِ الأُولَى وَالثَّانِيَةِ.
هَلْ يَتَغَيَّرُ المَعْنَى حِينَ نَبْتَعِدُ عَنْهُ؟ وَهَلْ نَبْتَعِدُ عَنِ المَعْنَى حِينَ نَخَافُ مِنْهُ؟
________________________________________
وَكَانَتْ لَمَى، صَدِيقَتُهَا الَّتِي هَاجَرَتْ إِلَى إِسْطَنْبُولَ، قَدْ أَرْسَلَتْ رِسَالَةً صَوْتِيَّةً قَصِيرَةً فِي الصَّبَاحِ: “سَمَر حَبِيبَتِي، كَيْفِكِ؟ مَنْشَغِل بَالِي كَتِير عَلَيْكِ.” وَسَمَرُ لَمْ تَرُدَّ بَعْدُ. لِأَنَّ “كَيْفِكِ” فِي هٰذِهِ الأَيَّامِ سُؤَالٌ لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُجِيبُ عَنْهُ بِأَمَانَةٍ دُونَ أَنْ تَفْتَحَ بَابًا لَا تَعْرِفُ كَيْفَ تُغْلِقُهُ.
________________________________________
فِي الخَارِجِ، كَانَ اليَوْمُ يَمْضِي بِشَكْلٍ عَادِيٍّ. لٰكِنَّ دَاخِلَهَا لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ “عَادِيٌّ” يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ بِسُهُولَةٍ. كَأَنَّ كَلِمَةَ “العَادِيِّ” نَفْسِهَا فَقَدَتْ عُنْوَانَهَا.
________________________________________
فِي المَسَاءِ، جَلَسَ وَائِلٌ أَمَامَهَا أَطْوَلَ مِنَ المُعْتَادِ. لَا حَدِيثَ عَنْ عَمَلٍ، وَلَا تَفَاصِيلَ يَوْمِيَّةٍ كَثِيرَةٍ. فَقَطْ وُجُودٌ. وَهٰذَا الوُجُودُ الصَّامِتُ كَانَ يَقُولُ أَشْيَاءَ لَا تَحْتَمِلُ الكَلَامَ.
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ:
— لَا أُرِيدُ أَنْ أَضْغَطَ عَلَيْكِ… لٰكِنِّي أَحْتَاجُ أَنْ أَفْهَمَ مَا الَّذِي يَحْدُثُ بَيْنَنَا.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ.
هٰذِهِ المَرَّةُ لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ جَدِيدًا، لٰكِنَّهَا كَانَتْ هِيَ الجَدِيدَةَ فِي قُدْرَتِهَا عَلَى سَمَاعِهِ. كَأَنَّ الأُذُنَ نَفْسَهَا تَعَلَّمَتْ أَنْ تَسْمَعَ الأَشْيَاءَ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
— أَحْيَانًا… لَا يَكُونُ هُنَاكَ “مَا يَحْدُثُ” وَاضِحٌ.
سَكَتَتْ.
ثُمَّ أَضَافَتْ:
— بَلْ يَكُونُ هُنَاكَ شَيْءٌ يَتَغَيَّرُ دُونَ أَنْ نَعْرِفَ مَتَى بَدَأَ.
________________________________________
وَهٰذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَالَتْهَا سَمَرُ، كَمْ مِنْ زَوْجَةٍ قَالَتْهَا بِطَرِيقَتِهَا الخَاصَّةِ؟ كَمْ مِنِ امْرَأَةٍ وَقَفَتْ فِي تِلْكَ المَسَافَةِ الضَّيِّقَةِ بَيْنَ الِاعْتِرَافِ وَالإِنْكَارِ وَقَالَتْ شَيْئًا وَسَطًا، شَيْئًا صَحِيحًا لٰكِنَّهُ لَيْسَ كُلَّ الحَقِيقَةِ؟ الحَقِيقَةُ الكَامِلَةُ أَثْقَلُ مِنْ أَنْ تُقَالَ دُفْعَةً وَاحِدَةً، فَتُقَالُ عَلَى أَقْسَاطٍ صَغِيرَةٍ، كُلُّ قِسْطٍ بِحَجْمِ مَا تَحْتَمِلُهُ اللَّحْظَةُ.
________________________________________
لَمْ يَرُدَّ وَائِلٌ فَوْرًا. لِأَنَّ الجُمْلَةَ لَمْ تَكُنْ تَفْسِيرًا، بَلْ وَصْفًا لِحَالَةٍ مُشْتَرَكَةٍ لَمْ يَعُدْ يُمْكِنُ إِنْكَارُهَا بِسُهُولَةٍ. وَإِنْكَارُ مَا لَا يُنْكَرُ تَعَبٌ مِنْ نَوْعٍ خَاصٍّ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا لَيْلًا، جَلَسَتْ عَلَى طَرَفِ السَّرِيرِ. الهَاتِفُ بَيْنَ يَدَيْهَا، لٰكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ مَرْكَزَ المَشْهَدِ، بَلْ جُزْءً مِنْهُ فَقَطْ، كَمُمَثِّلٍ ثَانَوِيٍّ فِي مَشْهَدٍ أَصْبَحَ أَكْبَرَ مِنْهُ.
ثُمَّ كَتَبَتْ:
“إِذَا لَمْ نَعُدْ نَعْرِفُ مَتَى بَدَأَ التَّغَيُّرُ… فَهَلْ مَا زَالَ مِنْ حَقِّنَا أَنْ نَخْتَارَ شَكْلَهُ الآنَ؟”
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ المَرَّةُ لَمْ تَعُدِ المَسْأَلَةُ فِي “الإِرْسَالِ أَوْ لَا”، بَلْ فِي إِدْرَاكٍ بَسِيطٍ وَمُخِيفٍ: أَنَّ الِاخْتِيَارَ نَفْسَهُ قَدْ لَا يَكُونُ بَدَايَةً، بَلْ مُجَرَّدَ مُحَاوَلَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ لِتَسْمِيَةِ شَيْءٍ بَدَأَ بِالفِعْلِ وَأَخَذَ شَكْلَهُ فِي مَكَانٍ آخَرَ دُونَ إِعْلَانٍ.
________________________________________
وَكَانَتْ دِمَشْقُ فِي الخَارِجِ تُكْمِلُ لَيْلَهَا بِدَوِيِّ إِيقَاعِهَا الَّذِي لَا تُوَقِفُهُ الأَسْئِلَةُ الكَبِيرَةُ وَلَا الصَّغِيرَةُ. مَدِينَةٌ تَعَلَّمَتْ أَنْ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَى إِعْلَانٍ لِيَكُونَ حَقِيقِيًّا.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَسَاءَلَتْ: مَاذَا كَانَتْ سَتَفْعَلُ لَوْ أَنَّهَا فِي مَكَانِ لَمَى فِي إِسْطَنْبُولَ؟ لَوْ أَنَّهَا هِيَ الَّتِي غَادَرَتْ وَصَدِيقَتُهَا هِيَ الَّتِي بَقِيَتْ فِي دِمَشْقَ تَعِيشُ هٰذَا كُلَّهُ؟ هَلْ كَانَتْ سَتَعْرِفُ مَا تَقُولُهُ؟ هَلْ كَانَتِ النَّصِيحَةُ مُمْكِنَةً مِنْ مَسَافَةٍ، أَمْ أَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ لَا يَفْهَمُهَا إِلَّا مَنْ يَقِفُ فِي المَكَانِ نَفْسِهِ؟
________________________________________
فِي المَسَاءِ، جَلَسَ وَائِلٌ بِجَانِبِهَا وَقَالَ:
— لَا أُرِيدُ إِجَابَةً مِثَالِيَّةً… أُرِيدُ حَقِيقَةً.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ. وَهٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رَغْبَةٌ فِي الهُرُوبِ مِنَ السُّؤَالِ، بَلْ إِدْرَاكٌ أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ يُمْكِنُ تَأْجِيلُهُ.
— الحَقِيقَةُ لَيْسَتْ شَيْئًا وَاحِدًا.
قَالَتْ.
سَكَتَتْ.
— بَلْ أَشْيَاءُ تَتَغَيَّرُ وَنَحْنُ نُحَاوِلُ اللَّحَاقَ بِهَا.
لَمْ يُعَلِّقْ.
لٰكِنَّ عَيْنَيْهِ لَمْ تَتْرُكْهَا. وَفِي تِلْكَ النَّظْرَةِ الطَّوِيلَةِ كَانَ كُلُّ شَيْءٍ: السُّؤَالُ الَّذِي يُؤَخِّرُ طَرْحَهُ، وَالخَوْفُ الَّذِي يَعْرِفُهُ وَيُخْفِيهِ، وَالحُبُّ الَّذِي لَمْ يَتَوَقَّفْ لٰكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ كَيْفَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فِي هٰذَا الهَوَاءِ الجَدِيدِ.
________________________________________
هٰذَا مَا فَعَلَتْهُ سَنَوَاتُ الحَربِ بِكَثِيرٍ مِنَ الأَزْوَاجِ، لَمْ تُدَمِّرِ الحُبَّ بِالضَّرُورَةِ، لٰكِنَّهَا أَضَافَتْ إِلَيْهِ طَبَقَاتٍ مِنَ الإِرْهَاقِ وَالغِيَابِ وَالأَسْئِلَةِ المُؤَجَّلَةِ، حَتَّى أَصْبَحَ الحُبُّ يَحْتَاجُ جَهْدًا إِضَافِيًّا لِلْوُصُولِ إِلَى نَفْسِهِ. وَمَنْ لَا يَمْلِكُ ذٰلِكَ الجَهْدَ لَا يَمْلِكُ التَّقْصِيرَ بِالضَّرُورَةِ، بَلْ رُبَّمَا يَمْلِكُ إِرْهَاقًا لَمْ يَخْتَرْهُ.
________________________________________
فِي غُرْفَتِهَا، بَعْدَ أَنْ نَامَ البَيْتُ، جَلَسَتْ سَمَرُ عَلَى الأَرْضِ هٰذِهِ المَرَّةَ. الهَاتِفُ أَمَامَهَا.
فَتَحَتِ المُحَادَثَةَ. كَتَبَتْ:
“إِذَا كَانَ البَقَاءُ دُونَ اخْتِيَارٍ هُوَ أَيْضًا اخْتِيَارًا… فَمَا الفَرْقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَنْ يَخْتَارُ بِوُضُوحٍ؟”
تَوَقَّفَتْ.
هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ يَعُدِ التَّرَدُّدُ فِي الكِتَابَةِ، بَلْ فِي الِاعْتِرَافِ بِمَا تَعْنِيهِ الجُمْلَةُ فِعْلًا: أَنَّ الحِيَادَ نَفْسَهُ مَوْقِفٌ، وَأَنَّ عَدَمَ القَرَارِ قَرَارٌ، وَأَنَّ الهُرُوبَ الجَمِيلَ هُوَ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الوُصُولِ.
أَرْسَلَتْ.
ثُمَّ أَغْلَقَتِ الهَاتِفَ بِبُطْءٍ.
لٰكِنَّهَا لَمْ تَتَحَرَّكْ مِنْ مَكَانِهَا. لِأَنَّ شَيْئًا كَانَ قَدْ تَغَيَّرَ بِالفِعْلِ: لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَسَارَانِ وَاضِحَانِ أَمَامَهَا، بَلْ مَسَارٌ وَاحِدٌ يَتَقَدَّمُ بِهُدُوءٍ نَحْوَ شَكْلٍ لَمْ يَعُدْ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ عَنْهُ دُونَ أَثَرٍ.
وَكُلُّ مَا كَانَ قَبْلَ ذٰلِكَ يَبْدُو، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، كَمُقَدِّمَةٍ طَوِيلَةٍ لِحَقِيقَةٍ لَمْ تَعُدْ تَحْتَاجُ إِلَى شَرْحٍ. لَا لأَنَّهَا أَوضَحَتْ كُلَّ شَيْءٍ، بَلْ لِأَنَّهَا أَوْقَفَتْ وَهْمَ الِاحْتِمَالَاتِ المُتَعَدِّدَةِ الَّتِي كَانَتْ تُبْقِيهَا فِي مَكَانِهَا.
وَفِي سُكُونِ الغُرْفَةِ، لَمْ يَعُدْ الصَّمْتُ مُجَرَّدَ غِيَابِ صَوْتٍ، بَلْ صَارَ شَكْلًا جَدِيدًا مِنَ الإِدْرَاكِ: أَنْ بَعْضَ الأَشْيَاءِ لَا تَتَغَيَّرُ بِالصَّدْمَةِ، بَلْ بِالِانْزِلَاقِ البَطِيءِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، حَتَّى تَجِدَ نَفْسَهَا ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَكَانٍ لَمْ تَعُدْ فِيهِ تُشْبِهُ مَا كَانَت عَلَيْه قَبْلَهُ.
وَسَمَرُ، فِي ذٰلِكَ السُّكُونِ، لَمْ تَكُنْ تَفْهَمُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلٰكِنَّهَا كَانَتْ تَفْهَمُ بِمِقْدَارٍ كَافٍ لِتُدْرِكَ أَنَّ المَسَارَ الوَاحِدَ الَّذِي تَرَاهُ أَمَامَهَا لَمْ يَعُدْ مِنَ المُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ.
