القَرْنُ الَّذِي أَحْرَقَ نَفْسَهُ

اَلْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ: حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ
— اَلْمُلْحَقُ السَّادِسُ
اَلْقَرْنُ الَّذِي أَحْرَقَ نَفْسَهُ
﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا ۛ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ — البقرة: ١٩٥
اَلْفَصْلُ الْأَوَّلُ: اَلرَّجُلُ فِي الْمَقْهَى
اَلْإِسْمَاعِيلِيَّةُ — ١٩٢٨م
كَانَتِ الْإِسْمَاعِيلِيَّةُ فِي شَهْرِ فِبْرَايِرَ تَمْتَلِكُ رَائِحَةً خَاصَّةً؛ رُطُوبَةَ الْبُحَيْرَةِ، وَبُخَارَ الشَّايِ، وَدُخَانَ السَّجَائِرِ الرَّخِيصَةِ الَّتِي يُدَخِّنُهَا مَنْ لَا يَمْلِكُونَ ثَمَنَ السَّجَائِرِ الْغَالِيَةِ.
رَائِحَةُ مَدِينَةٍ تَعِيشُ فِي جِوَارِ مُعَسْكَرٍ بِرِيطَانِيٍّ كَبِيرٍ؛ جِوَارٌ يُعَلِّمُهَا كُلَّ يَوْمٍ شَيْئًا عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَنْ يَمْلِكُ وَمَنْ لَا يَمْلِكُ، وَبَيْنَ مَنْ يَأْمُرُ وَمَنْ يُنَفَّذُ فِيهِ الْأَمْرُ.
كَانَ حَسَنُ الْبَنَّا فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
كَانَ مُعَلِّمًا فِي مَدْرَسَةٍ ابْتِدَائِيَّةٍ.
يَسْتَيْقِظُ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ، وَيُصَلِّي الْفَجْرَ، وَيَشْرَبُ شَايًا خَفِيفًا، ثُمَّ يَمْشِي إِلَى الْمَدْرَسَةِ.
يُعَلِّمُ الْأَطْفَالَ الْقِرَاءَةَ وَالْكِتَابَةَ وَالْحِسَابَ.
ثُمَّ يَعُودُ.
وَيَجْلِسُ.
وَيُفَكِّرُ.
وَكَانَ يُفَكِّرُ كَثِيرًا.
كَانَتِ الْعُيُونُ الَّتِي تَرَاهَا عَيْنَاهُ فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ تُحَدِّثُهُ عَنْ عَالَمٍ مُنْقَسِمٍ؛ ضُبَّاطٌ بِرِيطَانِيُّونَ يَسِيرُونَ فِي الشَّوَارِعِ بِخُطْوَةِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْأَرْضَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَهُ.
وَمِصْرِيُّونَ يَمْشُونَ بِجَانِبِهِمْ بِخُطْوَةِ مَنْ تَعَوَّدَ أَنْ يُفْسِحَ الطَّرِيقَ لِمَنْ يَمْشِي بِثِقَةٍ.
وَمَسَاجِدُ مَفْتُوحَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَمُغْلَقَةُ الرُّوحِ فِي بَقِيَّةِ الْأَيَّامِ، أَوْ هَكَذَا كَانَ يَرَى.
وَدِينٌ كَانَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُخْتَزَلُ فِي شَعَائِرَ، بَيْنَمَا تَسِيرُ الْحَيَاةُ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ.
هَذَا الَّذِي كَانَ يَرَاهُ لَمْ يَكُنْ يُزْعِجُهُ بِالْمَعْنَى الصَّاخِبِ.
بَلْ كَانَ يُؤْلِمُهُ بِالْمَعْنَى الْهَادِئِ الْعَمِيقِ؛ ذَلِكَ الْأَلَمُ الَّذِي يَسْكُنُ فِي الصَّدْرِ، لَا فِي الصَّوْتِ.
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ، مَسَاءِ يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ مِنْ شَهْرِ مَارِسَ، وَكَانَ الْهَوَاءُ خَفِيفًا كَمَا يَكُونُ فِي الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الصَّيْفُ بِثِقَلِهِ، جَلَسَ فِي الْمَقْهَى الصَّغِيرِ قُرْبَ الْمَحَطَّةِ.
لَمْ يَكُنْ يُخَطِّطُ لِشَيْءٍ.
هَذَا مَا قَالَهُ لَاحِقًا لِمَنْ سَأَلُوهُ:
«لَمْ أَكُنْ أُخَطِّطُ.
كُنْتُ أَشْرَبُ الشَّايَ، وَأَنْظُرُ، وَأَشْعُرُ بِشَيْءٍ يَضْغَطُ فِي صَدْرِي وَيُرِيدُ أَنْ يَخْرُجَ».
وَكَانَ حَوْلَ الطَّاوِلَةِ الْمُجَاوِرَةِ سِتَّةُ رِجَالٍ.
عُمَّالٌ فِي مِنْطَقَةِ قَنَاةِ السُّوَيْسِ؛ فِي أَيْدِيهِمْ آثَارُ الْعَمَلِ الْيَوْمِيِّ، وَفِي وُجُوهِهِمْ ذَلِكَ التَّعَبُ الَّذِي لَيْسَ تَعَبَ الْجَسَدِ وَحْدَهُ، بَلْ تَعَبُ مَنْ يَعْمَلُ وَلَا يَرَى لِعَمَلِهِ مَعْنًى يَكْفِي.
قَالَ أَحَدُهُمْ لِآخَرَ كَلَامًا عَنِ الْأَجْرِ، وَفِي الْكَلَامِ مَرَارَةٌ مَأْلُوفَةٌ.
نَظَرَ إِلَيْهِمُ الْبَنَّا.
ثُمَّ، وَهُوَ لَمْ يُقَرِّرْ ذَلِكَ كَمَا تُقَرَّرُ الْقَرَارَاتُ، بَلْ فَعَلَهُ كَمَا يَتَنَفَّسُ الْإِنْسَانُ حِينَ يَحْتَاجُ إِلَى الْهَوَاءِ، قَالَ:
— سَامِحُونِي.
سَمِعْتُ حَدِيثَكُمْ.
هَلْ تَسْمَحُونَ لِي أَنْ أَجْلِسَ مَعَكُمْ؟
نَظَرُوا إِلَيْهِ.
شَابٌّ بِوَجْهٍ صَادِقٍ، وَلَهْجَةٍ أَزْهَرِيَّةٍ هَادِئَةٍ.
لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا يُخِيفُ.
قَالَ أَحَدُهُمْ:
— تَفَضَّلْ.
لَمْ يَكُنْ خِطَابًا.
وَلَمْ يَكُنْ مِنْبَرًا.
وَلَمْ يَكُنْ حَتَّى حَدِيثًا مُعَدًّا.
كَانَ إِنْسَانًا يَشْعُرُ بِشَيْءٍ، وَيُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ هَلْ يَشْعُرُ غَيْرُهُ بِهِ أَيْضًا.
قَالَ:
— نَحْنُ نَعِيشُ، وَلَا نَعْرِفُ لِمَاذَا نَعِيشُ.
اَلدِّينُ عِنْدَنَا صَارَ شَعَائِرَ فَقَطْ؛ صَلَاةً، وَصِيَامًا، وَبَعْضَ الدُّعَاءِ.
لَكِنَّ الدِّينَ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ.
قَالَ الرَّجُلُ ذُو الْأَيْدِي الْخَشِنَةِ:
— وَمَاذَا كَانَ؟
قَالَ:
— كَانَ حَيَاةً كَامِلَةً.
كَيْفَ تَتَعَامَلُ مَعَ جَارِكَ.
وَكَيْفَ تُرَبِّي ابْنَكَ.
وَكَيْفَ تُدِيرُ عَمَلَكَ.
وَكَيْفَ تُدِيرُ شُؤُونَ بَلَدِكَ.
لَمْ يَكُنِ الدِّينُ غُرْفَةً فِي الْبَيْتِ؛ بَلْ كَانَ الْبَيْتَ كُلَّهُ.
قَالَ الرَّجُلُ:
— وَمَنْ أَخَذَ هَذَا مِنَّا؟
قَالَ الْبَنَّا، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الصِّدْقُ الَّذِي لَا يُصْطَنَعُ:
— اَلِاسْتِعْمَارُ أَخَذَ بَعْضَهُ.
وَأَخَذْنَا نَحْنُ بَعْضَهُ مِنْ أَنْفُسِنَا حِينَ آثَرْنَا الرَّاحَةَ عَلَى الْعَمَلِ.
وَحِينَ قَبِلْنَا أَنْ يَكُونَ الدِّينُ ثَوْبَ الْأَعْيَادِ فَقَطْ.
صَمَتَ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَ.
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ فِيهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ التَّعَرُّفَ إِلَى مَا لَمْ يَجِدْ لَهُ اسْمًا:
— وَمَا الْحَلُّ؟
قَالَ الْبَنَّا بِبَسَاطَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ آنَذَاكَ ثِقَلَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ، وَلَا مَا سَتَصْنَعُهُ عَلَى مَرِّ الزَّمَانِ:
— أَنْ نَعُودَ.
فِي تِلْكَ الْجَلْسَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَهَا أَنَّهَا لَحْظَةٌ تَارِيخِيَّةٌ، وَلَا هُوَ نَفْسُهُ، وُلِدَتْ فِكْرَةٌ صَارَتْ حَرَكَةً.
وَصَارَتِ الْحَرَكَةُ تَنْظِيمًا.
وَامْتَدَّ التَّنْظِيمُ فِي مِصْرَ وَخَارِجَهَا.
وَمَا بَدَأَ بِسِتَّةِ عُمَّالٍ حَوْلَ طَاوِلَةٍ خَشَبِيَّةٍ فِي مَقْهًى أَصْبَحَ، بَعْدَ عُقُودٍ، وَاحِدًا مِنْ أَكْثَرِ الْحَرَكَاتِ الْإِسْلَامِيَّةِ تَأْثِيرًا فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ، وَوَاحِدًا مِنْ أَكْثَرِهَا إِثَارَةً لِلْجَدَلِ.
لَكِنَّ مَا لَا يُرْوَى دَائِمًا هُوَ أَنَّ الْبَنَّا نَفْسَهُ كَانَ، فِي آخِرِ أَيَّامِهِ، يَشْعُرُ بِأَنَّ شَيْئًا قَدْ خَرَجَ عَنْ إِرَادَتِهِ.
قَبْلَ مَوتِهِ بِأَشْهُرٍ، قَالَ لِمَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ، فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ فِيهَا الْإِنْسَانُ بِصِدْقٍ؛ لِأَنَّهُ يَشْعُرُ بِثِقَلِ الزَّمَنِ عَلَى كَتِفَيْهِ:
— أَسَّسْتُ جَمَاعَةً، لَكِنَّ الْجَمَاعَةَ أَصْبَحَتْ أَكْبَرَ مِنِّي.
وَالْأَشْيَاءُ الَّتِي تَكْبُرُ صَاحِبَهَا تَتَحَرَّكُ، أَحْيَانًا، بِغَيْرِ قَصْدِهِ.
وَأَحْيَانًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوقِفَهَا، حَتَّى لَوْ أَرَادَ.
قَالَ مَنْ كَانَ بِجَانِبِهِ:
— وَهَلْ تَنْدَمُ؟
فَكَّرَ الْبَنَّا، وَكَانَ فِي تَفْكِيرِهِ ذَلِكَ الصَّمْتُ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الضَّعْفَ، بَلِ الْعُمْقَ.
ثُمَّ قَالَ:
— لَا أَنْدَمُ عَلَى الْفِكْرَةِ.
أَنْدَمُ عَلَى بَعْضِ مَا أُضِيفَ إِلَيْهَا دُونَ أَنْ أَنْتَبِهَ.
وَعَلَى بَعْضِ مَا أُخِذَ مِنْهَا دُونَ أَنْ أُلَاحِظَ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفِكْرَةِ وَمَا تَصِيرُ إِلَيْهِ، أَحْيَانًا، يَكُونُ بَوْنًا شَاسِعًا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ أَحَدٌ هَذَا الِاتِّسَاعَ.
اَلْفَصْلُ الثَّانِي: مَا تَصْنَعُهُ الْجُدْرَانُ
سِجْنُ الْقَنَاطِرِ — الْقَاهِرَةُ، ١٩٥٤م
كَانَ طُولُ الزِّنْزَانَةِ أَرْبَعَةَ أَمْتَارٍ، وَعَرْضُهَا مِتْرَيْنِ وَنِصْفَ مِتْرٍ.
هَذَا مَا قَاسَهُ سَيِّدُ قُطْبٍ بِخُطُوَاتِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى؛ خُطْوَتَانِ وَجِدَارٌ، خُطْوَتَانِ وَجِدَارٌ، وَفِي الْجِدَارِ شُقُوقٌ يَدْخُلُ مِنْهَا هَوَاءٌ وَأَصْوَاتٌ.
وَكَانَتِ الْأَصْوَاتُ هِيَ مَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ أُذُنَيْهِ.
كَانَ الْأَدِيبُ يَعْرِفُ الْكَلِمَاتِ.
دَرَسَ الْأَدَبَ، وَكَتَبَ عَنِ الْقُرْآنِ بِعَيْنَيِ الشَّاعِرِ الَّذِي يَرَى الصُّورَةَ قَبْلَ أَنْ يَرَى الْحُكْمَ.
وَكَانَ فِي كِتَابَاتِهِ الْأُولَى دِفْءٌ لَا يُخْطِئُهُ مَنْ يَقْرَأُهَا؛ كَأَنَّ اللُّغَةَ عِنْدَهُ كَانَتْ تُحِبُّ مَا تَصِفُهُ.
لَكِنَّ الْأَصْوَاتَ الَّتِي كَانَتْ تَصِلُهُ مِنْ وَرَاءِ الْجُدْرَانِ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْأُولَى لَمْ تَكُنْ أَصْوَاتَ لُغَةٍ.
بَلْ كَانَتْ أَصْوَاتَ أَلَمٍ بَشَرِيٍّ مُجَرَّدٍ مِنْ كُلِّ زِينَةٍ.
وَكَانَ يَعْرِفُ مَنْ أَصْدَرَهَا.
كَانُوا إِخْوَانَهُ.
قَضَى سِنِينَ فِي تِلْكَ الْجُدْرَانِ.
كَانَ الْجَسَدُ يَضْعُفُ، لَكِنَّ شَيْئًا آخَرَ كَانَ يَتَصَلَّبُ؛ لَيْسَ فِي الْإِيمَانِ، فَهَذَا لَمْ يَتَزَعْزَعْ، بَلْ فِي النَّظْرَةِ إِلَى الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ.
وَمَنْ يَقْرَأْ كِتَابَاتِهِ الْأُولَى وَكِتَابَاتِهِ الْأَخِيرَةَ يَرَ إِنْسَانًا وَاحِدًا تَغَيَّرَتِ الزَّاوِيَةُ الَّتِي يَنْظُرُ مِنْهَا.
كَانَتِ الْكِتَابَاتُ الْأُولَى تَفْتَحُ نَوَافِذَ.
وَكَانَتِ الْأَخِيرَةُ تُغْلِقُ، أَحْيَانًا، أَبْوَابًا.
وَكَتَبَ كِتَابَ معالم في الطريق مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْجُدْرَانِ.
كَتَبَهُ بِحِبْرٍ كَانَ يَحْصُلُ عَلَيْهِ بِصُعُوبَةٍ، وَعَلَى وَرَقٍ كَانَ يُهَرَّبُ إِلَيْهِ.
وَكَتَبَهُ كَمَا يَكْتُبُ مَنْ يَرَى وضُوحًا لَا يَرَاهُ مَنْ هُوَ فِي الْخَارِجِ؛ ذَلِكَ الْوُضُوحُ الْمُكْلِفُ الَّذِي يَمْنَحُهُ الْأَلَمُ أَحْيَانًا.
وَكَانَ فِيهِ كَلَامٌ عَنِ الْجَاهِلِيَّةِ.
وَالْجَاهِلِيَّةُ، فِي تَصَوُّرِهِ، لَيْسَتِ الْقَرُونَ السَّابِقَةَ لِلْإِسْلَامِ فَحَسْبُ.
بَلْ رَأَى أَنَّهَا قَدْ تَظْهَرُ حَيْثُ يُهْمَلُ هَدْيُ اللَّهِ فِي الْحَيَاةِ.
وَرَأَى أَنَّ الْمُسْلِمَ الْمُلْتَزِمَ قَدْ يَشْعُرُ بِالْغُرْبَةِ فِي بَعْضِ الْبِيئَاتِ الَّتِي يَعِيشُ فِيهَا.
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُتَخَيَّلِ، خَارِجَ الزَّمَنِ، الَّذِي تَلْتَقِي فِيهِ الْأَرْوَاحُ بِلَا حَوَاجِزَ، قَالَ سَيِّدُ قُطْبٍ:
— أَنَا كَتَبْتُ مَا كَتَبْتُ وَقَدْ رَأَيْتُ مَا رَأَيْتُ.
وَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي جَعَلَ مُسْلِمِينَ يُعَذِّبُونَ مُسْلِمِينَ بِاسْمِ السِّيَاسَةِ وَالصِّرَاعِ الْأُوديولُوجِيِّ؛ أَيُّ وَصْفٍ يَصْلُحُ لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ وَصْفًا قَاسِيًا؟
قَالَتْ سَارَةُ، الْفَقِيهَةُ الْمُعَاصِرَةُ الَّتِي دَرَسَتْ كُلَّ هَذَا، وَكَانَ فِي صَوْتِهَا ذَلِكَ الْمَزِيجُ النَّادِرُ مِنَ الِاحْتِرَامِ وَالْوُضُوحِ:
— وَهَذَا السُّؤَالُ فِيهِ مَنْطِقٌ لَا يُنْكَرُ.
مَنْ رَأَى مَا رَأَيْتَ يَحِقُّ لَهُ أَنْ يَطْرَحَ هَذَا السُّؤَالَ.
لَكِنَّ الْجَوَابَ الَّذِي وَصَلْتَ إِلَيْهِ…
قَاطَعَهَا:
— وَمَاذَا فِي جَوَابِي؟
قَالَتْ:
— جَوَابُكَ قَسَّمَ الْعَالَمَ، فِي فَهْمِ كَثِيرٍ مِنْ قُرَّائِهِ، إِلَى فِئَاتٍ حَادَّةٍ.
وَجَعَلَ الْجَاهِلِيَّةَ وَصْفًا يُطْلَقُ عَلَى مُجْتَمَعَاتٍ بِأَكْمَلِهَا.
وَالْمُجْتَمَعَاتُ لَيْسَتْ كُتَلًا وَاحِدَةً؛ فِيهَا الْمُؤْمِنُ، وَفِيهَا الْبَاحِثُ، وَفِيهَا مَنْ ضَلَّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَعُودَ.
وَالتَّصْنِيفُ الَّذِي يَمْحُو هَذَا التَّعَدُّدَ قَدْ يُنْتِجُ نَتَائِجَ لَمْ يَقْصِدْهَا صَاحِبُهُ.
صَمَتَ قُطْبٌ.
صَمْتًا لَيْسَ إِقْرَارًا وَلَا رَفْضًا، بَلْ صَمْتَ مَنْ يَسْمَعُ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ.
قَالَتْ:
— أَنَا لَا أُنْكِرُ مُعَانَاتَكَ.
وَلَا أُنْكِرُ أَنَّ مَا رَأَيْتَهُ كَانَ ظُلْمًا حَقِيقِيًّا.
لَكِنَّنِي أَقُولُ:
“إِنَّ الْأَلَمَ الْحَقِيقِيَّ قَدْ يَجْعَلُ الْكَلِمَاتِ أَحَدَّ مِمَّا يَنْبَغِي.
وَمَا كَانَ أَحَدَّ مِمَّا يَنْبَغِي، حِينَ يَقْرَؤُهُ بَعْدَكَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ مُسَوِّغٍ لِلْإِقْصَاءِ أَوِ الْعُنْفِ، قَدْ يُسَبِّبُ جُرُوحًا لَمْ تَقْصِدْهَا، وَلَا تَسْتَطِيعُ إِيقَافَهَا.”
قَالَ قُطْبٌ بَعْدَ لَحْظَةٍ، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْأَلَمُ الَّذِي لَا يَنْغَلِقُ، أَلَمُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ مَا آمَنَ بِهِ لَمْ يَصِلْ كَمَا أَرَادَ:
— وَأَنَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُوقِفَ مَا أَنْتَجَهُ كَلَامِي بَعْدَ أَنْ صَارَ فِي الْأَيْدِي.
قَالَتْ سَارَةُ:
— لَا أَحَدَ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا فَالْكَلِمَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ لَا تَنْتَهِي بِالْكِتَابَةِ.
بَلْ تَبْدَأُ مِنَ الْكِتَابَةِ، وَتَمْتَدُّ إِلَى كُلِّ مَنْ يَقْرَؤُهَا.
اَلْفَصْلُ الثَّالِثُ: دَفْتَرُ مُحَمَّدٍ
طَهْرَانُ — يَنَايِرُ ١٩٧٩م
كَانَ مُحَمَّدٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
كَانَ طَالِبًا جَامِعِيًّا.
كَانَ وَالِدُهُ أُسْتَاذًا ذَا تَوَجُّهٍ عِلْمَانِيٍّ، يُدَرِّسُ الْأَدَبَ الْفَارِسِيَّ، وَيُحِبُّ حافظ الشيرازي وَ”سعدي الشيرازي”، وَيَرَى فِي الشِّعْرِ عَالَمًا رُوحِيًّا يَكْفِيهِ.
وَكَانَتْ أُمُّهُ امْرَأَةً مُتَدَيِّنَةً هَادِئَةً، تُصَلِّي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَتَعْجِنُ الْخُبْزَ، وَتُرَبِّي أَطْفَالَهَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ قَرِيبٌ مِنَ النَّاسِ الْبُسَطَاءِ.
وَكَانَ هُوَ فِي الْمُنْتَصَفِ؛ يَحْمِلُ مِنَ الِاثْنَيْنِ، وَلَا يَرَى بَيْنَهُمَا تَنَاقُضًا.
وَكَانَ هَذَا فِي حَدِّ ذَاتِهِ شَيْئًا نَادِرًا، لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ نَادِرٌ.
فِي ذَلِكَ الشِّتَاءِ كَانَتِ الشَّوَارِعُ تَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ مِنْ قَبْلُ.
مَلَايِينُ النَّاسِ.
لَيْسَ لِأَنَّ أَحَدًا أَجْبَرَهُمْ، بَلْ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا ذَلِكَ.
وَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ يَخْرُجُ لِأَنَّهُ يُرِيدُ، وَمَنْ يَخْرُجُ لِأَنَّهُ خَائِفٌ، فَرْقٌ يَصْنَعُ التَّارِيخَ وَلَا يَنْسَاهُ التَّارِيخُ.
خَرَجَ مُحَمَّدٌ فِي اللَّيَالِي الْأُولَى.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيلِ مَاذَا يُرِيدُ.
كَانَ يَعْرِفُ الشُّعُورَ فَقَطْ.
شُعُورَ أَنَّ شَيْئًا يَجِبُ أَنْ يَتَغَيَّرَ.
وَأَنَّ هَذَا الشَّيْءَ مُمْكِنُ التَّغْيِيرِ.
وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ شَاهِدًا عَلَى تَارِيخِهِ فَحَسْبُ، بَلْ صَانِعٌ لَهُ أَيْضًا.
فِي تِلْكَ اللَّيَالِي كَتَبَ فِي دَفْتَرٍ أَزْرَقَ اشْتَرَاهُ مِنْ بَائِعٍ فِي شَارِعِ شارع انقلاب:
«شَعَرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَشْعُرْ بِهِ مِنْ قَبْلُ.
أَنَّ النَّاسَ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَصْنَعُوا شَيْئًا.
وَأَنَّ التَّارِيخَ لَا يُكْتَبُ مِنْ فَوْقَ فَقَطْ.
بَلْ يُكْتَبُ أَيْضًا فِي الشَّوَارِعِ.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَشْعُرُ أَنَّنِي جُزْءٌ مِنَ التَّارِيخِ، لَا مُتَفَرِّجٌ عَلَيْهِ».
مَرَّتِ السَّنَوَاتُ.
وَامْتَلَأَ الدَّفْتَرُ الْأَزْرَقُ.
ثُمَّ امْتَلَأَ دَفْتَرٌ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ.
وَكَانَ يَعُودُ أَحْيَانًا لِيَقْرَأَ مَا كَتَبَهُ فِي تِلْكَ اللَّيَالِي الْأُولَى.
وَيَجْلِسُ مَعَ كَلِمَاتِهِ طَوِيلًا.
بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ فَتَحَ الدَّفْتَرَ الْأَوَّلَ.
وَكَتَبَ أَسْفَلَ الصَّفْحَةِ الْأُولَى، بِخَطٍّ أَثْقَلَ مِنْ خَطِّ الشَّابِّ الَّذِي كَتَبَ فَوْقَهُ:
«مَا الَّذِي حَدَثَ؟
جِئْنَا نُرِيدُ الْعَدْلَ، فَصَارَ لَدَيْنَا قَضَاءٌ يُخِيفُ.
وَجِئْنَا نُرِيدُ الْكَرَامَةَ، فَصَارَتْ لَدَيْنَا رِقَابَةٌ لَمْ نَتَخَيَّلْهَا.
وَجِئْنَا نُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَصَارَ الْإِسْلَامُ وَاجِهَةً لِقَرَارَاتٍ لَا أَفْهَمُ عَلَاقَتَهَا بِالْإِسْلَامِ الَّذِي أَحْبَبْتُهُ.
لَا أَقُولُ إِنَّ الثَّوْرَةَ كَانَتْ خَطَأً.
أَقُولُ إِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِسُهُولَةٍ بَعْدَ الْآنِ.
وَهَذَا الْعَجْزُ عَنِ الْإِجَابَةِ، أَحْيَانًا، يَكُونُ أَصْدَقَ مِنَ الْجَوَابِ الْجَاهِزِ».
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ الْمُتَخَيَّلِ، خَارِجَ الزَّمَنِ، الْتَقَى مُحَمَّدٌ بِـ علي شريعتي، الْمُفَكِّرِ الْإِيرَانِيِّ الَّذِي حَلِمَ بِإِسْلَامٍ تَحَرُّرِيٍّ، وَتُوُفِّيَ قَبْلَ انْتِصَارِ الثَّوْرَةِ الْإِيرَانِيَّةِ بِنَحْوِ عَامَيْنِ.
وَكَأَنَّ الْقَدَرَ أَرَادَ، فِي السِّيَاقِ الرِّوَائِيِّ، أَنْ يُبْقِيَ حُلْمَهُ نَقِيًّا بِأَنْ أَخَذَهُ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَا صُنِعَ بِبَعْضِ أَفْكَارِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
— لَوْ كُنْتَ رَأَيْتَ مَا حَدَثَ، فَمَاذَا كُنْتَ سَتَقُولُ؟
قَالَ شَرِيعَتِي، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْأَلَمُ الْمَأْلُوفُ لِمَنْ تُخْتَطَفُ أَفْكَارُهُ بِاسْمِهَا وَتُوَجَّهُ نَحْوَ مَا لَمْ ينوِهِ:
— كُنْتُ سَأَقُولُ مَا قُلْتُهُ دَائِمًا.
إِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَأْتِي مِنْ فَوْقُ فَيُفْرَضُ.
بَلْ يَأْتِي مِنَ الْقَلْبِ وَيَنْبُعُ مِنْهُ.
وَإِنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ الْفَرْدِيَّةَ لَيْسَتْ شِعَارًا.
بَلْ هِيَ الْبِنْيَةُ التَّحْتِيَّةُ لِكُلِّ تَغْيِيرٍ حَقِيقِيٍّ.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
— لَكِنَّ أَفْكَارَكَ اسْتُخْدِمَتْ…
قَالَ شَرِيعَتِي:
— أَعْرِفُ.
وَهَذَا مَا يُؤْلِمُنِي.
كَتَبْتُ عَنْ إِسْلَامٍ يُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ.
وَأُخِذَ مِنْهُ مَا يُوَظَّفُ لِلتَّحْرِيكِ وَالتَّعْبِئَةِ.
وَتُرِكَ مَا يَحْمِي الْإِنْسَانَ مِنَ التَّحْرِيكِ نَفْسِهِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ:
— وَكَيْفَ نَمْنَعُ هَذَا؟
قَالَ شَرِيعَتِي، بِبُطْءٍ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ:
— لَا أَعْرِفُ كَيْفَ نَمْنَعُهُ كُلِّيًّا.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا.
إِنَّ الْفِكْرَ الَّذِي لَا يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ نَقْدَ نَفْسِهِ يُخْتَطَفُ بِسُهُولَةٍ.
وَأَمَّا الْفِكْرُ الَّذِي يَقُولُ:
«قَدْ أُخْطِئُ، وَهَذَا هُوَ مِعْيَارُ خَطَئِي»، فَهُوَ أَصْعَبُ اسْتِخْدَامًا فِيمَا لَمْ يَقْصِدْهُ صَاحِبُهُ.
لِأَنَّهُ يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ الشُّعْلَةَ الَّتِي تُحْرِقُ مَنْ يُسِيءُ قِرَاءَتَهُ.
اَلْفَصْلُ الرَّابِعُ: الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُعَلَّمْ مَا بَعْدَ الْقِتَالِ
قَرْيَةٌ فِي وِلَايَةِ لُوغَرَ، أَفْغَانِسْتَانُ — ١٩٨٩م
اِنْسَحَبَتِ الْقُوَّاتُ السُّوفْيِيتِيَّةُ مِنْ أَفْغَانِسْتَانَ فِي شَهْرِ فِبْرَايِرَ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ.
وَفِي الْأَيَّامِ الَّتِي تَلَتِ الِانْسِحَابَ، كَانَ الصَّمْتُ غَرِيبًا.
لَيْسَ الصَّمْتَ الَّذِي يَسْبِقُ شَيْئًا.
بَلِ الصَّمْتَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ شَيْءٍ كَانَ يُحَدِّدُ كُلَّ شَيْءٍ، ثُمَّ انْتَهَى.
كَانَ أَحْمَدُ فِي حُدُودِ الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَكَانَتِ الْجِبَالُ قَدْ أَفْقَدَتْهُ الدِّقَّةَ فِي تَذَكُّرِ السِّنِينَ.
فَعَشْرُ سَنَوَاتٍ فِي الْجِبَالِ تَفْعَلُ ذَلِكَ؛ تَمْحُو الْأَوْقَاتَ، وَتُبْقِي الْأَمَاكِنَ.
وَكَانَ جَسَدُهُ يَحْمِلُ نُدُوبَ تِلْكَ السِّنِينَ.
وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لَا تُغْلَقُ إِغْلَاقًا كَامِلًا مُنْذُ حَادِثَةٍ وَقَعَتْ عَامَ ١٩٨٤م، وَلَمْ يَكُنْ يَتَكَلَّمُ عَنْهَا.
جَلَسَ مَعَ قَرِيبِهِ يُوسُفَ فِي بَيْتِ أُمِّهِ، الَّذِي عَادَ إِلَيْهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سِتِّ سَنَوَاتٍ.
وَكَانَ الْبَيْتُ كَمَا تَرَكَهُ.
إِلَّا أَنَّ الْجُدْرَانَ بَدَتْ أَقْصَرَ.
أَوْ لَعَلَّهُ هُوَ الَّذِي صَارَ أَطْوَلَ.
أَوْ لَعَلَّ الْحَرْبَ تَجْعَلُ الْأَشْيَاءَ تَبْدُو مُخْتَلِفَةَ الْأَبْعَادِ.
قَالَ أَحْمَدُ:
— مَاذَا أَفْعَلُ الْآنَ؟
قَالَ يُوسُفُ، بِبَسَاطَةِ مَنْ لَمْ يَغِبْ:
— اِعْمَلْ.
اِزْرَعْ.
اِبْنِ.
قَالَ أَحْمَدُ، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الضَّيَاعُ الصَّادِقُ الَّذِي لَيْسَ خَوَرًا، بَلْ سُؤَالًا حَقِيقِيًّا لَا يَعْرِفُ جَوَابَهُ:
— عَشْرُ سَنَوَاتٍ عَلَّمَتْنِي أَنَّ مُهِمَّتِي هِيَ الْقِتَالُ.
وَأَنَّ هَذَا الْقِتَالَ عِبَادَةٌ.
وَأَنَّ مَا أَفْعَلُهُ هُوَ الْأَهَمُّ.
وَالْآنَ تَقُولُ لِي:
“اِزْرَعْ؟”
قَالَ يُوسُفُ:
— وَالزِّرَاعَةُ أَيْضًا عَمَلٌ صَالِحٌ وَجِهَادٌ فِي مَعْنَاهَا الْوَاسِعِ.
نَظَرَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ نَظْرَةً طَوِيلَةً.
ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ لَا يَتَظَاهَرُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ:
— لَكِنْ لَمْ يُعَلِّمْنِي أَحَدٌ ذَلِكَ.
عَلَّمُونِي الْآخَرَ.
وَمَا لَمْ يَتَعَلَّمْهُ الْإِنْسَانُ، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَرِعَهُ مِنَ الْعَدَمِ حِينَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
صَمَتَ يُوسُفُ.
قَالَ أَحْمَدُ بَعْدَ لَحْظَةٍ؛ لَيْسَ بِمَرَارَةٍ، بَلْ بِذَلِكَ الْهُدُوءِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ يَصِفُ الْإِنْسَانُ الْوَاقِعَ، لَا حِينَ يَشْكُو مِنْهُ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ مَنْ أَكُونُ حِينَ لَا تَكُونُ هُنَاكَ حَرْبٌ.
لِعَشْرِ سَنَوَاتٍ كَانَتِ الْحَرْبُ تُجِيبُ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ.
وَالْآنَ أَجْلِسُ فِي بَيْتِ أُمِّي، وَلَا أَعْرِفُ كَيْفَ يَمْضِي النَّهَارُ.
كَانَ ذَلِكَ الْحِوَارُ الصَّغِيرُ، الَّذِي لَا يَصِلُ إِلَى كُتُبِ التَّارِيخِ؛ لِأَنَّهُ جَرَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فِي قَرْيَةٍ مَجْهُولَةِ الِاسْمِ، يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ سُؤَالًا كَبِيرًا.
حِينَ يُبْنَى فَهْمُ الدِّينِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ؛ صُورَةِ الْمُوَاجَهَةِ وَالْقِتَالِ وَالصِّرَاعِ، مَاذَا يَفْعَلُ الْمُؤْمِنُ حِينَ تَنْتَهِي الْمُوَاجَهَةُ وَتَبْقَى الْحَيَاةُ؟
فَالْحَيَاةُ بِتَفَاصِيلِهَا الصَّغِيرَةِ؛ مِنْ زِرَاعَةٍ، وَبَيْعٍ، وَتَرْبِيَةٍ، وَصَبْرٍ يَوْمِيٍّ، وَعَدْلٍ مَعَ الْجَارِ، تَحْتَاجُ إِلَى فَهْمٍ لِلدِّينِ يَعِيشُ فِي الصَّغِيرِ قَبْلَ الْكَبِيرِ.
وَفِي اللَّحْظَةِ قَبْلَ الْمَلْحَمَةِ.
وَهَذَا الْإِسْلَامُ؛ إِسْلَامُ التَّزْكِيَةِ الْيَوْمِيَّةِ، وَإِسْلَامُ الْفَلَّاحِ الَّذِي يَرْكَعُ فِي الطِّينِ، كَانَ أَحْيَانًا أَقَلَّ حُضُورًا فِي بَعْضِ خِطَابَاتِ ذَلِكَ الْقَرْنِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يُغَيِّرَ كَثِيرًا مِنَ الْأَشْيَاءِ.
اَلْفَصْلُ الْخَامِسُ: نُورٌ وَصَبِيحَةُ سَبْتَمْبَرَ
بِرْلِينُ — الْحَادِي عَشَرَ مِنْ سَبْتَمْبَرَ ٢٠٠١م
كَانَتْ نُورُ مَحْمُودٍ فِي شَقَّتِهَا فِي أَحَدِ أَحْيَاءِ بِرْلِين، حِينَ رَأَتْ مَا رَآهُ الْعَالَمُ كُلُّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَبَعْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى، تِلْكَ الصَّدْمَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْكَلَامَ يَتَوَقَّفُ، وَالْجَسَدَ يَبْرُدُ، وَالْعَقْلَ يَرْفُضُ مَا تَرَى الْعَيْنُ، جَاءَهَا سُؤَالٌ لَمْ تَكُنْ تَتَوَقَّعُهُ مِنْ نَفْسِهَا.
لَمْ يَكُنِ السُّؤَالُ:
— مَنْ فَعَلَ هَذَا؟
بَلْ كَانَ:
— مَاذَا سَيَحْدُثُ لِي أَنَا؟
لِأَنَّهَا مُسْلِمَةٌ تَعِيشُ فِي بِرْلِين.
وَلِأَنَّ اسْمَهَا نُورٌ.
وَلِأَنَّهَا سَتَخْرُجُ غَدًا إِلَى شَارِعٍ لَنْ يَبْقَى، فِي شُعُورِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، كَمَا كَانَ قَبْلَ الْأَمْسِ.
خَرَجَتْ.
وَلَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ سَيِّئٌ بِالْمَعْنَى الصَّرِيحِ.
لَمْ يَصْرُخْ أَحَدٌ فِي وَجْهِهَا.
وَلَمْ يَعْتَدِ عَلَيْهَا أَحَدٌ.
لَكِنَّهَا لَاحَظَتْ شَيْئًا آخَرَ.
فِي نَظَرَاتِ بَعْضِ النَّاسِ فِي وَسَائِلِ النَّقْلِ.
وَفِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يُنْطَقُ بِهَا اسْمُهَا أَحْيَانًا فِي الْجَامِعَةِ.
وَفِي الْأَسْئِلَةِ الَّتِي بَاتَتْ تُوَجَّهُ إِلَيْهَا، كَأَنَّهَا مُمَثِّلَةٌ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُعَيَّنْ لِتَمْثِيلِهِ، وَلَمْ يَسْأَلْهَا أَحَدٌ إِنْ كَانَتْ تُرِيدُ ذَلِكَ.
كَتَبَتْ فِي يَوْمِيَّاتِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بِخَطٍّ لَا يُشْبِهُ خَطَّهَا الْمُعْتَادَ الْمُتَأَنِّيَ:
«مُنْذُ الْيَوْمِ أَصْبَحْتُ، فِي نَظَرِ بَعْضِ النَّاسِ، مُلْزَمَةً بِالتَّفْسِيرِ.
تَفْسِيرِ مَا فَعَلَهُ غَيْرِي.
كَأَنَّ الِانْتِمَاءَ إِلَى دِينٍ يَعْنِي الِانْتِمَاءَ إِلَى كُلِّ مَنْ يَنْتَمِي إِلَيْهِ.
وَهَذَا غَرِيبٌ وَظَالِمٌ.
وَأَنَا أَعْرِفُ أَنَّهُ غَرِيبٌ وَظَالِمٌ.
لَكِنَّهُ أَيْضًا وَاقِعٌ مَلْمُوسٌ.
وَالْوَاقِعُ لَا يَتَغَيَّرُ لِمُجَرَّدِ أَنَّنَا وَصَفْنَاهُ بِالظُّلْمِ».
فِي الْيَوْمِ نَفْسِهِ، وَفِي الْقَاهِرَةِ، فِي شَقَّةٍ بِشَارِعِ شارع جامعة الدول العربية، كَانَ جَمَالٌ يُشَاهِدُ التِّلْفَازَ مَعَ أَصْدِقَائِهِ.
وَحِينَ ارْتَطَمَتِ الطَّائِرَةُ الثَّانِيَةُ بِالْبُرْجِ الثَّانِي، وَاتَّضَحَ أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ حَادِثًا عَرَضِيًّا، خَيَّمَ عَلَى الْغُرْفَةِ صَمْتٌ مِنْ ذَلِكَ النَّوْعِ الَّذِي لَا يُشْبِهُ الصَّمْتَ الْعَادِيَّ.
كَأَنَّ الصُّورَةَ ابْتَلَعَتِ الْكَلَامَ.
ثُمَّ قَالَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ، وَهُوَ شَابٌّ يَحْمِلُ غَضَبًا مُتَرَاكِمًا مِنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ:
— يَسْتَحِقُّونَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ جَمَالٌ.
وَلَمْ تَكُنْ نَظْرَةَ غَضَبٍ.
بَلْ كَانَتْ نَظْرَةَ دَهْشَةٍ أَنْتَجَتْ سُؤَالًا.
قَالَ:
— هُنَاكَ نَاسٌ عَادِيُّونَ فِي تِلْكَ الْمَبَانِي.
مُوَظَّفُونَ، وَعُمَّالٌ، وَزُوَّارٌ.
لَا عَلَاقَةَ لَهُمْ بِصُنْعِ السِّيَاسَاتِ.
قَالَ الشَّابُّ:
— الْأَمْرِيكِيُّونَ جَمِيعًا مَسْؤُولُونَ عَنْ سِيَاسَةِ حُكُومَتِهِمْ.
قَالَ جَمَالٌ بِبُطْءٍ، وَكَانَ يُفَكِّرُ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ:
— وَإِذَا طُبِّقَ هَذَا الْمَنْطِقُ عَلَيْنَا، نَحْنُ الْعَرَبَ وَالْمُسْلِمِينَ، فَهَلْ نَكُونُ جَمِيعًا مَسْؤُولِينَ عَنْ كُلِّ مَا يَفْعَلُهُ كُلُّ مُسْلِمٍ فِي أَيِّ بُقْعَةٍ مِنَ الْأَرْضِ؟
صَمَتَ الشَّابُّ.
وَكَانَ صَمْتًا لَيْسَ اقْتِنَاعًا بَعْدُ، وَلَا رَفْضًا أَيْضًا.
ثُمَّ قَالَ جَمَالٌ:
— الْمَنْطِقُ الَّذِي تُبَرِّرُ بِهِ شَيْئًا سَيُحَاسِبُكَ غَيْرُكَ بِهِ يَوْمًا.
وَالْمِعْيَارُ الَّذِي تَقْبَلُهُ عَلَى غَيْرِكَ قَدْ يُطَبَّقُ عَلَيْكَ.
هَذَا لَيْسَ حَدِيثًا عَنِ الْأَخْلَاقِ فَحَسْبُ.
بَلْ عَنِ الْمَنْطِقِ أَيْضًا.
بَعْدَ أَسَابِيعَ، وَفِي مُحَاضَرَةٍ جَامِعِيَّةٍ، سَأَلَهَا أُسْتَاذُهَا الْأَلْمَانِيُّ عَنِ «الْمَوْقِفِ الْإِسْلَامِيِّ مِنَ الْإِرْهَابِ».
وَكَانَ السُّؤَالُ، فِي طَرِيقَةِ طَرْحِهِ، يُشْعِرُهَا كَأَنَّهَا مُمَثِّلَةٌ عَنْ جَمَاعَةٍ، لَا فَرْدٌ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ.
فَقَالَتْ بِهُدُوءٍ تخَالِطُهُ صَلَابَةٌ:
— أَنَا لَا أُمَثِّلُ الْإِسْلَامَ.
أَنَا بَاحِثَةٌ تَدْرُسُ الْإِسْلَامَ.
وَإِنْ أَرَدْتَ رَأْيِي الشَّخْصِيَّ، فَمَا حَدَثَ جَرِيمَةٌ.
وَلَا تَحْتَاجُ إِدَانَتُهَا إِلَى تَفْسِيرٍ دِينِيٍّ.
بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى احْتِرَامِ الْقَانُونِ وَحُرْمَةِ الْإِنْسَانِ.
وَالْقَانُونُ لَا يَنْظُرُ إِلَى دِينِ مُرْتَكِبِ الْجَرِيمَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ.
نَظَرَ إِلَيْهَا الْأُسْتَاذُ.
ثُمَّ قَالَ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الِاحْتِرَامَ الْمُتَأَخِّرَ:
— هَذَا جَوَابٌ جَيِّدٌ.
قَالَتْ، وَهِيَ تَجْمَعُ أَوْرَاقَهَا:
— لَا.
هَذَا جَوَابٌ عَادِلٌ.
وَأَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ الْعَدْلُ هُوَ الْمِعْيَارَ، لَا مُجَرَّدَ الْجَوَابِ الْجَيِّدِ.
اَلْفَصْلُ السَّادِسُ: الْمَيْدَانُ وَالدَّفْتَرُ
الْقَاهِرَةُ — يَنَايِرُ ٢٠١١م
كَانَتْ نُورُ فِي الْمَيْدَانِ.
لَمْ تَكُنْ تَبْحَثُ.
بَلْ كَانَتْ تَشْعُرُ.
وَأَحْيَانًا يَسْبِقُ الشُّعُورُ الْبَحْثَ، وَيَصِلُ إِلَى مَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ.
كَانَ حَوْلَهَا نَاسٌ لَا يُشْبِهُونَ صُورَةً وَاحِدَةً.
لَا الْإِسْلَامِيُّونَ وَحْدَهُمْ، وَلَا الْعِلْمَانِيُّونَ وَحْدَهُمْ.
بَلْ كَانُوا جَمِيعًا مَعًا فِي لَحْظَةٍ تَنَحَّتْ فِيهَا الِاخْتِلَافَاتُ جَانِبًا؛ لِأَنَّ شَيْئًا مُشْتَرَكًا كَانَ أَكْبَرَ مِنْهَا.
شَيْءٌ اسْمُهُ:
«يَكْفِي».
كَتَبَتْ فِي دَفْتَرِهَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أَشْعُرُ أَنَّ الْعَالَمَ الْعَرَبِيَّ يَتَكَلَّمُ بِصَوْتِهِ، لَا بِصَوْتِ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِاسْمِهِ.
اَلنَّاسُ هُنَا لَا يُرِيدُونَ نِظَامًا دِينِيًّا بِعَيْنِهِ، وَلَا نِظَامًا عِلْمَانِيًّا بِعَيْنِهِ.
إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ شَيْئًا أَبْسَطَ وَأَعْمَقَ:
أَنْ يَكُونُوا.
وَأَنْ تَكُونَ حَيَاتُهُمْ لَهُمْ، لَا لِغَيْرِهِمْ».
بَعْدَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، وَفِي الدَّفْتَرِ نَفْسِهِ، عَلَى صَفَحَاتٍ بَدَتْ أَثْقَلَ مِنَ الْوَرَقِ الْمُعْتَادِ، كَتَبَتْ:
«مَا الَّذِي حَدَثَ؟
فِي مِصْرَ وَصَلَ الْإِسْلَامِيُّونَ إِلَى الْحُكْمِ عَبْرَ الِانْتِخَابَاتِ، ثُمَّ أَطَاحَ بِهِمُ الْجَيْشُ.
وَشَهِدَتِ الْفَتْرَةُ أَعْمَالًا مِنَ الْعُنْفِ وَالِاسْتِقْطَابِ مِنْ أَطْرَافٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَكَانَ كُلُّ طَرَفٍ يَقُولُ إِنَّهُ يَحْمِي الشَّعْبَ.
وَفِي سُورِيَة تَشَظَّتْ قُوَى الْمُعَارَضَةِ الْمُسَلَّحَةِ، وَتَحَوَّلَتْ مدُنٌ كَثِيرَةٌ إِلَى أَنْقَاضٍ.
وَفِي لِيبْيَا دَخَلَتِ الدَّوْلَةُ فِي أَزْمَاتٍ عَمِيقَةٍ مِنَ الِانْقِسَامِ وَالصِّرَاعِ.
وَأَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ إِنَّ النَّاسَ الَّذِينَ خَرَجُوا كَانُوا مُخْطِئِينَ.
لِأَنَّنِي رَأَيْتُ أَعْيُنَهُمْ.
وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى خَطَإٍ فِي الرَّغْبَةِ فِي الْكَرَامَةِ وَالْحُرِّيَّةِ.
لَكِنَّ الْمُشْكِلَةَ كَانَتْ فِي شَيْءٍ آخَرَ.
فِي غِيَابِ مَا يَأْتِي بَعْدَ “لَا”.
نَعْرِفُ مَا لَا نُرِيدُ.
وَلَا نَعْرِفُ، بِالتَّفْصِيلِ الْكَافِي، مَا نُرِيدُ.
وَالثَّوْرَةُ الَّتِي تَعْرِفُ كَيْفَ تَهْدِمُ، وَلَا تَعْرِفُ مَا تَبْنِي، قَدْ تُوَرِّثُ الْأَنْقَاضَ لِمَنْ هَدَمَتْ مِنْ أَجْلِهِمْ».
اَلْفَصْلُ السَّابِعُ: الْأَسْئِلَةُ الَّتِي تَغَيَّرَتْ
مَدْرِيدُ — مُؤْتَمَرٌ أَكَادِيمِيٌّ، ٢٠١٤م
قَالَتْ سَارَةُ فِي الْمُؤْتَمَرِ، بِنَبْرَةِ مَنْ تَعَلَّمَتْ أَنَّ الصِّدْقَ أَهَمُّ مِنَ الرَّاحَةِ، وَأَهَمُّ مِنَ التَّصْفِيقِ:
— إِنَّ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ سَبْتَمْبَرَ لَمْ يُجِبْ عَنِ الْأَسْئِلَةِ.
بَلْ غَيَّرَهَا.
سَأَلَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ:
— كَيْفَ؟
قَالَتْ:
— قَبْلَهُ كَانَ السُّؤَالُ الرَّئِيسُ عِنْدَ كَثِيرِينَ:
“كَيْفَ يُطَبَّقُ الْإِسْلَامُ سِيَاسِيًّا؟
وَمَا شَكْلُ الدَّوْلَةِ الَّتِي تَنْبَثِقُ مِنْهُ؟”
أَمَّا بَعْدَهُ، فَصَارَ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ:
“مَا الَّذِي يَجْعَلُ إِنْسَانًا يَدَّعِي التَّدَيُّنَ يَقْتُلُ أَبْرِيَاءَ بِاسْمِ اللَّهِ؟
وَمَا الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْفِكْرِ وَالْعُنْفِ؟”
قَالَ طَالِبٌ:
— وَمَا جَوَابُكِ؟
قَالَتْ سَارَةُ:
— جَوَابِي أَنَّ الطَّرِيقَ مِنَ الْفِكْرِ إِلَى الْعُنْفِ لَيْسَ مُبَاشِرًا دَائِمًا.
بَلْ تَتَدَاخَلُ فِيهِ عَوَامِلُ مُتَعَدِّدَةٌ.
مِنْهَا إِحْسَاسَاتٌ تَارِيخِيَّةٌ بِالْإِهَانَةِ أَوِ الظُّلْمِ.
وَمِنْهَا الْيَأْسُ مِنَ التَّغْيِيرِ السِّلْمِيِّ.
ذَلِكَ الْيَأْسُ الَّذِي يَجْعَلُ كُلَّ بَابٍ مغْلَقًا، فَلَا يَبْدُو ثَمَّةَ مَخْرَجٌ إِلَّا الْبَابَ الَّذِي يُكْسَرُ.
وَمِنْهَا قِرَاءَاتٌ انْتِقَائِيَّةٌ لِلنُّصُوصِ تُضْفِي مَشْرُوعِيَّةً عَلَى الْعُنْفِ.
وَمِنْهَا أَيْضًا جَمَاعَاتٌ وَبِيئَاتٌ مُغْلَقَةٌ تُعَزِّزُ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ وَتُكَافِئُهَا.
تَوَقَّفَتْ.
وَكَانَ تَوَقُّفُهَا تَأْكِيدًا لَا تَرَدُّدًا.
ثُمَّ قَالَتْ:
— وَلَا يَكْفِي أَنْ نَقُولَ:
«هَذَا لَيْسَ مِنَ الْإِسْلَامِ»، ثُمَّ نَكْتَفِي بِذَلِكَ.
بَلْ يَجِبُ أَنْ نَسْأَلَ:
لِمَاذَا قَرَأَ بَعْضُ النَّاسِ الدِّينَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ؟
وَمَنْ أَنْتَجَ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ؟
وَمَا الظُّرُوفُ الَّتِي سَاعَدَتْ عَلَى انْتِشَارِهَا؟
وَلِمَاذَا لَمْ تُوَاجَهْ بِالنَّقْدِ الْكَافِي فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ؟
وَفِي الْجَلْسَةِ نَفْسِهَا قَالَتْ نُورٌ:
— وَأَنَا أُضِيفُ شَيْئًا آخَرَ.
“بَعْدَ سَبْتَمْبَرَ صَارَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْغَرْبِ يَعِيشُونَ ضَغْطًا مُضَاعَفًا.
ضَغْطًا مِنَ الدَّاخِلِ؛ سُؤَالُ الْهُوِيَّةِ، وَكَيْفِيَّةُ التَّدَيُّنِ فِي سِيَاقٍ يَخْتَلِفُ عَمَّا تَعَلَّمُوهُ مِنْ أُسَرِهِمْ.
وَضَغْطًا مِنَ الْخَارِجِ؛ الشُّعُورُ بِأَنَّهُمْ مَوْضِعُ رَقَابَةٍ أَوِ ارْتِيَابٍ بِسَبَبِ جَرَائِمَ لَمْ يَرْتَكِبُوهَا.”
سَأَلَ أَحَدُهُمْ:
— وَمَاذَا أَنْتَجَ هَذَا الضَّغْطُ الْمُضَاعَفُ؟
قَالَتْ:
— أَنْتَجَ أَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةً عِنْدَ أَشْخَاصٍ مُخْتَلِفِينَ.
فَبَعْضُهُمْ انْكَمَشَ عَلَى نَفْسِهِ.
وَبَعْضُهُمْ انْدَفَعَ إِلَى التَّطَرُّفِ الدِّفَاعِيِّ؛ كَأَنَّ الِاتِّهَامَ دَفَعَهُمْ نَحْوَ مَا اتُّهِمُوا بِهِ.
وَبَعْضُهُمْ أَعَادَ التَّسَاؤُلَ وَالْمُرَاجَعَةَ.
وَبَعْضُهُمْ تَرَكَ الدِّينَ.
وَبَعْضُهُمْ، وَهَؤُلَاءِ كَثِيرُونَ وَلَا يُرَوْنَ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَصِيحُونَ، وَاصَلُوا حَيَاتَهُمْ بِهُدُوءٍ.
وَوَجَدُوا فِي إِيمَانِهِمْ قُوَّةً، لَا خَوْفًا.
وَالَّذِينَ لَا يُرَوْنَ هُمْ، أَحْيَانًا، الْأَكْثَرُ تَمْثِيلًا لِمَا يَكُونُ عَلَيْهِ الدِّينُ حِينَ يَعِيشُهُ إِنْسَانٌ بِلَا مَسْرَحٍ، وَلَا جُمْهُورٍ.
اَلْفَصْلُ الثَّامِنُ: الْمَجْلِسُ الْكَبِيرُ — الْقَرْنُ يُحَاسِبُ نَفْسَهُ
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ، حَيْثُ لَا أَحَدَ يُدَافِعُ عَنْ مَوْقِعِهِ، وَلَا أَحَدَ يَرْبَحُ نِقَاشًا؛ لِأَنَّ النِّقَاشَ لَمْ يَعُدْ هُوَ الْهَدَفَ—
جَلَسُوا.
حَسَنُ الْبَنَّا، الَّذِي أَسَّسَ حَرَكَةً أَصْبَحَتْ أَكْبَرَ مِنْهُ.
وَسَيِّدُ قُطْبٍ، الَّذِي كَتَبَ مِنَ السِّجْنِ، وَقُرِئَ بِطُرُقٍ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا مِمَّا قَصَدَ.
وَعَلِيُّ شَرِيعَتِي، الَّذِي حَلِمَ بِإِسْلَامِ التَّحَرُّرِ.
وَمُحَمَّدٌ، الطَّالِبُ الْإِيرَانِيُّ الَّذِي عَاشَ الثَّوْرَةَ وَتَسَاءَلَ.
وَأَحْمَدُ، الْمُقَاتِلُ الْأَفْغَانِيُّ الَّذِي لَمْ يُعَلَّمْ مَا بَعْدَ الْقِتَالِ.
وَجَمَالٌ، الَّذِي كَانَ يَقِينًا ثُمَّ صَارَ سُؤَالًا.
وَنُورٌ، الَّتِي رَأَتِ الْمَيْدَانَ وَرَأَتْ مَا بَعْدَهُ.
وَسَارَةُ، الَّتِي تَدْرُسُ كُلَّ هَذَا وَتَبْحَثُ عَنْ مَنْطِقِهِ.
وَمَعَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ:
ابن خلدون.
الرَّجُلُ الَّذِي رَأَى صُعُودَ الدُّوَلِ وَسُقُوطَهَا، وَكَتَبَ فِي قَوَانِينِ الْعُمْرَانِ وَالتَّارِيخِ.
ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ يَنْظُرُ إِلَى التَّارِيخِ مِنْ عَلٍ، لَا لِأَنَّهُ فَوْقَهُ، بَلْ لِأَنَّهُ فَهِمَ بَعْضَ سُنَنِهِ.
قَالَ ابْنُ خَلْدُونَ، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْمَزِيجُ مِنَ الْفَهْمِ وَالْحُزْنِ الْهَادِئِ؛ حُزْنُ مَنْ يَرَى النَّمَطَ يَتَكَرَّرُ وَلَا يَسْتَطِيعُ إِيقَافَهُ:
— أَنَا لَا أَتَفَاجَأُ بِكَثِيرٍ مِمَّا حَدَثَ.
لِأَنَّنِي رَأَيْتُ أَنْسَاقًا مُشَابِهَةً لِهَذَا قَبْلَكُمْ بِقُرُونٍ.
اَلْحَرَكَةُ الَّتِي تَقُومُ عَلَى التَّعَبُّئَةِ الْجَمَاعِيَّةِ وَالْحَافِزِ الدِّينِيِّ قَدْ تَنْجَحُ فِي الْبِدَايَةِ؛ لِأَنَّ لَدَيْهَا حَمَاسًا لَا يَمْلِكُهُ خَصْمُهَا.
ثُمَّ تَصِلُ إِلَى السُّلْطَةِ.
وَحِينَ تَصِلُ إِلَى السُّلْطَةِ، تُوَاجِهُ مَا يُوَاجِهُهُ كُلُّ مَنْ يَتَوَلَّاهَا:
الْإِدَارَةَ.
وَالِاقْتِصَادَ.
وَالْمَالِيَّةَ الْعَامَّةَ.
وَالْمُعَارَضَةَ الدَّاخِلِيَّةَ وَالْخَارِجِيَّةَ.
وَكُلَّ تِلْكَ الْأُمُورِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَبْدُو هَامِشِيَّةً، وَقَدْ تَتَعَثَّرُ بِهَا دُوَلٌ كَبِيرَةٌ.
تَوَقَّفَ.
وَكَانَ فِي تَوَقُّفِهِ احْتِرَامٌ لِأَثَرِ الْكَلَامِ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ يُحْسِنُ الْمُوَاجَهَةَ يُحْسِنُ الْبِنَاءَ.
وَالشَّجَرَةُ الَّتِي لَا تَمُدُّ جُذُورَهَا عُمْقًا قَبْلَ أَنْ تَرْتَفِعَ فُرُوعُهَا، قَدْ تَقْتَلِعُهَا أَوَّلُ رِيحٍ شَدِيدَةٍ.
قَالَ الْبَنَّا:
— وَهَلْ كَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غَيْرُ ذَلِكَ؟
قَالَ ابْنُ خَلْدُونَ:
— كَانَ يُمْكِنُ.
لَوْ أَنَّ الْجُهُودَ الَّتِي بُذِلَتْ فِي بِنَاءِ التَّنْظِيمَاتِ، بُذِلَ مِثْلُهَا أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي بِنَاءِ الْإِنْسَانِ:
بِنَاءِ الْمَهَارَاتِ.
وَالْأَخْلَاقِ الْمِهْنِيَّةِ.
وَفَهْمِ الْإِدَارَةِ.
وَثَقَافَةِ الْمُؤَسَّسَاتِ.
لَكِنَّ هَذَا الْبِنَاءَ بَطِيءٌ.
وَالْبِنَاءُ الْبَطِيءُ لَا يُنْتِجُ خِطَابًا حَمَاسِيًّا.
أَمَّا الْخِطَابُ الْحَمَاسِيُّ فَيُعْطِي نَتَائِجَ سَرِيعَةً.
وَالنَّتَائِجُ السَّرِيعَةُ فِي التَّارِيخِ قَلَّمَا تَكُونُ عَمِيقَةً.
قَالَ قُطْبٌ، وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْجُرْحَ الَّذِي يُحَاوِلُ أَنْ يَخْتَفِيَ فَيَظْهَرُ رَغْمًا عَنْهُ:
— أَنَا كَتَبْتُ مِنَ السِّجْنِ.
وَالسِّجْنُ يُرِيكَ الظُّلْمَ بِوُضُوحٍ لَا يَرَاهُ مَنْ هُوَ فِي الْخَارِجِ.
وَحِينَ تَرَى الظُّلْمَ بِهَذَا الْوُضُوحِ، تُرِيدُ إِنْهَاءَهُ بِسُرْعَةٍ.
قَالَتْ سَارَةُ:
— وَالرَّغْبَةُ فِي إِنْهَاءِ الظُّلْمِ بِسُرْعَةٍ مَفْهُومَةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ.
وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ أَنْ يُدِينَ هَذَا الشُّعُورَ مِنْ خَارِجِ التَّجْرِبَةِ.
لَكِنَّهَا أَنْتَجَتْ، أَحْيَانًا، نُصُوصًا أَغْفَلَتْ أَنَّ الْمَسَارَاتِ السَّرِيعَةَ فِي التَّارِيخِ كَثِيرًا مَا تُنْتِجُ ظُلْمًا جَدِيدًا يَحُلُّ مَحَلَّ الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِعْجَالَ لَا يَكْفِي لِبِنَاءِ بَدِيلٍ حَقِيقِيٍّ.
قَالَ قُطْبٌ:
— وَكَيْفَ يَصْبِرُ الْإِنْسَانُ عَلَى الظُّلْمِ؟
قَالَتْ سَارَةُ:
— هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي لَا جَوَابَ لَهُ بِسُهُولَةٍ.
وَمَنْ يَدَّعِي أَنَّ لَدَيْهِ جَوَابَهُ الْجَاهِزَ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يُدْرِكْ عُمْقَ السُّؤَالِ.
لَكِنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ مُقَاوَمَةٍ تُنْتِجُ عَدْلًا وَمُقَاوَمَةٍ تُنْتِجُ ظُلْمًا جَدِيدًا يَكْمُنُ فِي الْوَسِيلَةِ قَبْلَ الْغَايَةِ.
وَفِي السُّؤَالِ الَّذِي يُطْرَحُ قَبْلَ كُلِّ قَرَارٍ:
هَلْ مَا سَأَفْعَلُهُ، إِذَا نَجَحَ، سَيَكُونُ خَيْرًا لِلنَّاسِ جَمِيعًا، لَا لِمَنْ أَنْتَمِي إِلَيْهِمْ فَقَطْ؟
قَالَ شَرِيعَتِي:
— آمَنْتُ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَسْؤُولٌ.
وَأَنَّ الْإِسْلَامَ يُحَرِّرُ وَلَا يَسْجُنُ.
وَكَتَبْتُ ذَلِكَ بِكُلِّ مَا أَمْلِكُ.
قَالَتْ نُورٌ:
— وَكِتَابَاتُكَ أَثَّرَتْ فِي جِيلٍ كَامِلٍ.
وَهَذَا التَّأْثِيرُ حَقِيقِيٌّ لَا يُنْكَرُ.
لَكِنَّهُ سَارَ فِي اتِّجَاهَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
بَعْضُهَا كَانَ مُنْسَجِمًا مَعَ رُوحِ مَا كَتَبْتَ.
وَبَعْضُهَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ.
قَالَ شَرِيعَتِي:
— وَهَذَا مَا لَا يَسْتَطِيعُ الْكَاتِبُ أَنْ يَمْنَعَهُ.
قَالَتْ نُورٌ:
— لَا يَسْتَطِيعُ مَنْعَهُ كُلِّيًّا.
لَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْنِيَ فِي نَصِّهِ مَا يُصَعِّبُ سُوءَ الِاسْتِخْدَامِ.
أَنْ يُبَيِّنَ الْحُدُودَ بِوُضُوحٍ.
وَأَنْ يُسَمِّيَ مَا يَخْشَاهُ.
وَأَنْ يَرْسُمَ صُورَةَ الْخَطَإِ بِوُضُوحٍ يُوَازِي وَضُوحَ صُورَةِ الصَّوَابِ.
اَلْفَصْلُ التَّاسِعُ: دَرْسُ الْقَرْنِ
قَالَتْ سَارَةُ، وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ مُحَاضَرَةً، بَلْ مُحَاوَلَةً صَادِقَةً لِلْفَهْمِ:
— مَا الَّذِي يُمْكِنُ اسْتِخْلَاصُهُ مِنْ هَذَا الْقَرْنِ بِأَمَانَةٍ؟
ثُمَّ أَجَابَتْ:
كُلُّ حَرَكَةٍ إِسْلَامِيَّةٍ فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِينَ بَدَأَتْ، فِي أَصْلِ دَعْوَاهَا، بِمَحَبَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِلدِّينِ، وَرَغْبَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي الْإِصْلَاحِ.
هَذَا لَا يَنْفِي الْأَخْطَاءَ الَّتِي وَقَعَتْ، وَلَا يُلْغِيهَا.
لَكِنَّ الْمَحَبَّةَ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي.
إِنَّهَا تَحْتَاجُ إِلَى حِكْمَةٍ، وَأَدَوَاتٍ، وَقُدْرَةٍ عَلَى الْمُرَاجَعَةِ.
وَالْمُرَاجَعَةُ لَيْسَتْ خِيَانَةً.
بَلْ هِيَ أَقْوَى أَدِلَّةِ الصِّدْقِ.
اَلْفِكْرُ الَّذِي لَا يَحْمِلُ نَقْدَهُ الذَّاتِيَّ فِي دَاخِلِهِ يَكُونُ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِسُوءِ الْفَهْمِ وَالِاسْتِخْدَامِ.
وَالنَّقْدُ الذَّاتِيُّ لَيْسَ ضَعْفًا.
بَلْ هُوَ مِنْ أَقْوَى وَسَائِلِ التَّحْصِينِ.
وَالْعُنْفُ الَّذِي يُمَارَسُ بِاسْمِ الدِّينِ، حَتَّى إِذَا وُجِدَتْ لَهُ سِيَاقَاتٌ تُفَسِّرُهُ، يُلْحِقُ بِصُورَةِ الدِّينِ ضَرَرًا قَدْ يَفُوقُ مَا يَتَوَهَّمُ أَصْحَابُهُ أَنَّهُمْ يُصْلِحُونَهُ.
لِأَنَّهُ يَحْجُبُ سَائِرَ الصُّوَرِ الْأُخْرَى.
وَمَا يَحْجُبُ غَيْرَهُ يَصِيرُ، فِي أَذْهَانِ كَثِيرٍ مِمَّنْ لَمْ يَعِيشُوا التَّجْرِبَةَ، هُوَ التَّارِيخَ كُلَّهُ.
وَالسُّلْطَةُ تُغَيِّرُ مَنْ يمْسِكُهَا.
وَلَيْسَ ذَلِكَ دَائِمًا نَحْوَ الْأَسْوَإِ.
لَكِنَّهُ دَائِمًا نَحْوَ مَزِيدٍ مِنَ التَّعْقِيدِ.
وَمَنْ لَمْ يُهَيَّأْ لِفَهْمِ هَذَا التَّعْقِيدِ، قَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ يَفْعَلُ مَا كَانَ يَرْفُضُهُ مِنْ قَبْلُ.
وَالْمُسْلِمُ فِي الْقَرْنِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ يَحْمِلُ إِرْثًا ثَقِيلًا.
وَهَذَا الْإِرْثُ لَا يُحْمَلُ بِالْإِنْكَارِ، وَلَا بِالدِّفَاعِ الْأَعْمَى.
بَلْ بِالْفَهْمِ، وَالْمُرَاجَعَةِ، وَالِاسْتِمْرَارِ فِي التَّعَلُّمِ.
لِأَنَّ مَنْ لَا يَفْهَمُ تَارِيخَهُ قَدْ يَجِدُ نَفْسَهُ مَحْمُولًا بِهِ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ.
قَالَ الْبَنَّا، وَكَانَتْ هَذِهِ آخِرَ كَلِمَاتِهِ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ:
— حِينَ أَسَّسْتُ الْجَمَاعَةَ، قُلْتُ: «الْإِسْلَامُ دِينٌ وَدَوْلَةٌ».
وَآمَنْتُ بِهَذَا.
ثُمَّ تَوَقَّفَ.
وَكَانَ فِي تَوَقُّفِهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْمُرَاجَعَةَ الْهَادِئَةَ.
ثُمَّ قَالَ:
— لَكِنَّنِي الْآنَ، بَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْتُ، أَسْأَلُ:
هَلْ قَصَدْتُ أَنْ تَمْلِكَ الدَّوْلَةُ الدِّينَ؟
أَمْ أَنْ يُسْهِمَ الدِّينُ فِي تَوْجِيهِ الدَّوْلَةِ؟
هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ.
فَرْقٌ يَبْدُو صَغِيرًا فِي الصِّيَاغَةِ، وَقَدْ يَكُونُ كَبِيرًا فِي النَّتَائِجِ.
قَالَتْ سَارَةُ:
— وَهَذَا الْفَرْقُ الدَّقِيقُ فِي الصِّيَاغَةِ يُعَلِّمُنَا أَنَّ الْكَلِمَاتِ لَيْسَتْ زِينَةً.
إِنَّهَا بِنَاءٌ.
وَالْبِنَاءُ قَدْ يَبْدُو صُلْبًا، ثُمَّ تَظْهَرُ عُيُوبُهُ عِنْدَ الِاخْتِبَارِ.
قَالَ الْبَنَّا:
— نَعَمْ.
وَالصِّيَاغَةُ مَسْؤُولِيَّةٌ لَا تَنْتَهِي بِصَاحِبِهَا.
خَاتِمَةٌ: النَّارُ وَالْقَنَاةُ
وَفِي ذَلِكَ الْمَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ، حَيْثُ لَا أَحَدَ يُدَافِعُ عَنْ مَوْقِعِهِ، وَلَا أَحَدَ يَرْبَحُ نِقَاشًا—
قَالَتْ نُورٌ شَيْئًا أَخِيرًا:
— الْقَرْنُ الَّذِي أَحْرَقَ نَفْسَهُ لَمْ يَكُنْ لِيَحْتَرِقَ لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ نَارٌ.
وَكَانَتِ النَّارُ حَقِيقِيَّةً:
حُبًّا حَقِيقِيًّا لِلدِّينِ.
وَأَلَمًا حَقِيقِيًّا مِنَ الظُّلْمِ.
وَأَمَلًا حَقِيقِيًّا فِي التَّغْيِيرِ.
لَكِنَّ النَّارَ، حِينَ لَا تَجِدُ قَنَاةً تَهْدِيهَا، قَدْ تُحْرِقُ مَنْ أَشْعَلَهَا قَبْلَ أَنْ تُضِيءَ مَا أَرَادَتْ إِضَاءَتَهُ.
وَاسْمُ هَذِهِ الْقَنَاةِ:
الْحِكْمَةُ.
وَالصَّبْرُ.
وَالِاسْتِعْدَادُ لِلِاعْتِرَافِ بِالْخَطَإِ وَتَصْحِيحِهِ.
وَالِاسْتِعْدَادُ لِأَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مُحِقًّا أَحْيَانًا.
وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا هُوَ الدَّرْسَ الَّذِي لَمْ يُتَعَلَّمْ بَعْدُ:
أَنَّ الْأَشْيَاءَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تُبْنَى بِسُرْعَةٍ.
بُنِيَتِ الْكُوفَةُ أَوَّلًا بِمَوَادَّ بَسِيطَةٍ، ثُمَّ تَطَوَّرَتْ.
وَبُنِيَتْ بغداد، وَازْدَهَرَتْ، ثُمَّ سَقَطَتْ، ثُمَّ عَادَتْ إِلَى الْحَيَاةِ فِي صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَكُلُّ بِنَاءٍ يَتَعَثَّرُ يُعَلِّمُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ، إِنْ أَرَادَ أَنْ يَتَعَلَّمَ.
وَهَذَا الشَّرْطُ الْأَخِيرُ— إِنْ أَرَادَ— هُوَ الَّذِي صَنَعَ الْفَرْقَ دَائِمًا.
وَلَا يَزَالُ.
وَفِي دَفْتَرِهَا الْأَزْرَقِ كَتَبَتْ نُورٌ فِي الصَّفْحَةِ الْأَخِيرَةِ— وَلَا يُعْرَفُ عَلَى وَجْهِ الدِّقَّةِ مَتَى كُتِبَتْ؛ لِأَنَّ التَّارِيخَ فِي أَعْلَى الصَّفْحَةِ كَانَ غَيْرَ مُكْتَمِلٍ، كَأَنَّهَا بَدَأَتْ كِتَابَتَهُ ثُمَّ عَدَلَتْ عَنْ إِتْمَامِهِ:
«اَلْقَرْنُ الَّذِي أَحْرَقَ نَفْسَهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ فِيهِ كَانُوا أَشْرَارًا.
بَلْ فَعَلَهُ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا شَيْئًا حَقِيقِيًّا، وَلَمْ يَمْلِكُوا بَعْدُ أَدَوَاتِ الْوُصُولِ إِلَيْهِ دُونَ احْتِرَاقٍ.
وَهَذَا الْفَرْقُ— بَيْنَ مَنْ يَحْتَرِقُ لِأَنَّهُ شِرِّيرٌ، وَمَنْ يَحْتَرِقُ لِأَنَّهُ يُرِيدُ وَلَا يَعْرِفُ كَيْفَ—
هُوَ كُلُّ الْفَرْقِ.
لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَا يُرْجَى مِنْهُ إِصْلَاحٌ.
أَمَّا الثَّانِي، فَإِذَا تَعَلَّمَ، كَانَ مِنْ أَقْدَرِ النَّاسِ عَلَى الْبِنَاءِ.
لِأَنَّهُ يَعْرِفُ ثَمَنَ الْحَرِيقِ».
نِهَايَةٌ
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾. — سُورَةُ الرَّعْدِ: ١١.

الصَّوْتُ الَّذِي لَمْ يُسْمَعْ