متحف الأيام المفقودة 09

مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ التَّاسِعُ: إِمْحُوتِب «الطِّبُّ كَفَنِّ التَّذَكُّرِ بِالْجَسَدِ» – إِمْحُوتِب | ذَكَرٌ، خَمْسٌ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً | مِصْرُ، أَلْفَانِ وَسِتُّمِئَةٌ وَخَمْسُونَ قَبْلَ الْمِيلَادِ
________________________________________
تَغَيَّرَ الرِّوَاقُ فَجْأَةً.
لَمْ يَكُنْ تَغَيُّرًا تَدْرِيجِيًّا كَمَا يَحْدُثُ فِي الْأَحْلَامِ، حِينَ تَنْزَلِقُ الْأَشْيَاءُ مِنْ شَكْلٍ إِلَى آخَرَ دُونَ أَنْ يُحَسَّ بِالْفَارِقِ.
كَانَ تَغَيُّرًا حَاسِمًا، كَأَنَّ شَخْصًا مَا أَطْفَأَ مِصْبَاحًا فِي غُرْفَةٍ، وَأَشْعَلَ مِصْبَاحًا مُخْتَلِفًا فِي غُرْفَةٍ أُخْرَى.
اخْتَفَتِ الْأَبْوَابُ الْخَشَبِيَّةُ الْمُعْتَادَةُ، تِلْكَ الَّتِي رَأَى سَامِرُ وَجْهَهُ فِي انْعِكَاسَاتِهَا الْخَافِتَةِ مَرَّاتٍ عِدَّةً خِلَالَ جَوْلَتِهِ فِي الْمُتْحَفِ، وَاخْتَفَتْ مَعَهَا رَائِحَةُ الْخَشَبِ الْقَدِيمِ وَدِفْءُ الزُّجَاجِ الْمُلَوَّنِ.
وَجَدَ سَامِرُ نَفْسَهُ يَسِيرُ عَلَى حَجَرٍ كِلْسِيٍّ أَمْلَسَ، لَامِعٍ كَحَجَرٍ مَصْقُولٍ بِأَلْفِ يَدٍ، تَحْتَ أَعْمِدَةٍ ضَخْمَةٍ تَرْتَفِعُ إِلَى سَقْفٍ لَا يُرَى، مَنْحُوتَةٍ بِدِقَّةٍ خَارِقَةٍ، مُزَيَّنَةٍ بِنُقُوشٍ مَحْفُورَةٍ فِي حِجَارَتِهَا حَفْرًا عَمِيقًا: عُيُونٌ وَاسِعَةٌ، وَطُيُورٌ تَحْمِلُ أَسْرَارًا، وَنِسَاءٌ وَرِجَالٌ فِي أَوْضَاعٍ طُقُوسِيَّةٍ صَارِمَةٍ.
وَكَأَنَّ الْجُدْرَانَ كُلَّهَا تَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ لَا تُقْرَأُ بِالْعُيُونِ، بَلْ بِشَيْءٍ آخَرَ أَقْدَمَ مِنَ الْعَقْلِ.
فِي الْهَوَاءِ رَائِحَةُ بَخُورٍ ثَقِيلَةٌ، كَأَنَّهَا مَزِيجٌ مِنْ مُرٍّ وَلُبَانٍ وَزُيُوتٍ عِطْرِيَّةٍ اسْتُخْرِجَتْ مِنْ أَزْهَارٍ لَا تَنْمُو فِي الْعَالَمِ الَّذِي يَعْرِفُهُ.
كَانَتِ الرَّائِحَةُ قَرِيبَةً جِدًّا مِنْ رَائِحَةِ الْمَكْتَبَاتِ الْقَدِيمَةِ، لَكِنَّهَا أَكْثَرُ مِنْهَا حَيَاةً، كَأَنَّ شَيْئًا يَحْتَرِقُ بِبُطْءٍ فِي مَكَانٍ مَا، وَهُوَ مُحْتَرِقٌ يُنْتِجُ مَعْنًى لَا رَمَادًا.
الْتَفَتَ سَامِرُ خَلْفَهُ فَوَجَدَ الْعَجُوزَ.
كَانَ قَدِ اخْتَفَى لِلَحْظَةٍ، كَمَا يَخْتَفِي الظِّلُّ حِينَ تَتَزَحْزَحُ الشَّمْسُ.
وَحِينَ ظَهَرَ مُجَدَّدًا، كَانَ يَرْتَدِي ثَوْبًا كَتَّانِيًّا أَبْيَضَ بَسِيطًا يَصِلُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ.
وَكَأَنَّ الْمُتْحَفَ نَفْسَهُ كَانَ يُلْبِسُهُ لِبَاسًا يَلِيقُ بِكُلِّ شَخْصِيَّةٍ يَقْتَرِبُ مِنْهَا، كَمَا يُلْبِسُ الْمُخْرِجُ الْمَاهِرُ مُمَثِّلِيهِ مَلَابِسَهُمْ قَبْلَ الدُّخُولِ إِلَى الْمَشْهَدِ.
ابْتَسَمَ الْعَجُوزُ دُونَ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا.
وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدَّاخِلِ.
________________________________________
فِي وَسَطِ الْقَاعَةِ الْفَسِيحَةِ، تَحْتَ شُعَاعِ ضَوْءٍ يَهْبِطُ مِنْ فُتْحَةٍ فِي السَّقْفِ، كَأَنَّهُ نَزَلَ عَمْدًا لِيُضِيءَ ذَلِكَ الْمَكَانَ تَحْدِيدًا، كَانَ يَجْلِسُ رَجُلٌ فِي مُنْتَصَفِ الْأَرْبَعِينِيَّاتِ.
حَلِيقُ الرَّأْسِ حِلَاقَةً كَامِلَةً.
بَشَرَتُهُ دَاكِنَةٌ تَعْكِسُ الضَّوْءَ بِهُدُوءٍ.
يَرْتَدِي رِدَاءً أَبْيَضَ نَظِيفًا مَشْدُودًا عِنْدَ الْخَصْرِ بِحِزَامٍ مِنَ الْجِلْدِ الدَّاكِنِ.
أَمَامَهُ لَفَافَاتٌ مِنْ وَرَقِ الْبَرْدِيِّ مَفْتُوحَةٌ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ عَلَى سَطْحٍ حَجَرِيٍّ مُسْتَوٍ.
وَفِي يَدِهِ قَلَمٌ مَصْنُوعٌ مِنْ قَصَبَةٍ مَشْقُوقَةِ الطَّرَفِ.
يَكْتُبُ عَلَيْهَا بِرُمُوزٍ دَقِيقَةٍ، مُسْتَغْرِقًا فِي عَمَلِهِ اسْتِغْرَاقًا كَامِلًا، كَمَنْ يَتَحَدَّثُ إِلَى شَيْءٍ لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ.
لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ حِينَ اقْتَرَبَ سَامِرُ.
بَلْ أَنْهَى السَّطْرَ الَّذِي كَانَ يَكْتُبُهُ بِتَأَنٍّ وَاضِحٍ.
ثُمَّ وَضَعَ الْقَلَمَ جَانِبًا بِيَدٍ تَعْرِفُ أَيْنَ يَجِبُ أَنْ يَسْتَقِرَّ كُلُّ شَيْءٍ.
وَنَظَرَ إِلَى الزَّائِرِ بِعَيْنَيْنِ وَاسِعَتَيْنِ هَادِئَتَيْنِ.
لَا فِيهِمَا مُفَاجَأَةٌ، وَلَا تَرْحِيبٌ مُبَالَغٌ فِيهِ.
بَلْ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِالتَّقْدِيرِ الْهَادِئِ، كَطَبِيبٍ يَقْرَأُ مَرِيضًا قَبْلَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُ كَلِمَةً.
ـ أَهْلًا بِكَ أَيُّهَا الْغَرِيبُ.
اسْمِي إِمْحُوتِبُ، كَاتِبٌ وَطَبِيبٌ وَمُهَنْدِسٌ وَكَاهِنٌ أَعْلَى، فِي خِدْمَةِ الْمَلِكِ زُوسَرَ، حَفِظَتْهُ الْآلِهَةُ.
كَانَ الصَّوْتُ خَافِتًا، لَكِنَّهُ يَمْلَأُ الْمَكَانَ بِطَرِيقَةٍ غَرِيبَةٍ.
كَأَنَّ الْحِجَارَةَ مِنْ حَوْلِهِ كَانَتْ تَحْفَظُهُ وَتُعِيدُهُ.
انْحَنَى سَامِرُ بِاحْتِرَامٍ غَرِيزِيٍّ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلَهُ.
كَانَ الِاحْتِرَامُ أَقْوَى مِنْهُ.
ـ أَنَا سَامِرُ.
سَمِعْتُ اسْمَكَ مِنْ قَبْلُ.
أَظُنُّ أَنَّكَ مَشْهُورٌ جِدًّا فِي زَمَانِي.
حَتَّى إِنَّ بَعْضَهُمْ أَلَّهُوكَ لَاحِقًا.
جَعَلُوا مِنْكَ إِلَهًا لِلطِّبِّ وَالْحِكْمَةِ.
ابْتَسَمَ إِمْحُوتِبُ ابْتِسَامَةً خَافِتَةً وَمُتَوَاضِعَةً.
لَا فِيهَا خَجَلٌ، وَلَا فِيهَا غُرُورٌ.
بَلْ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحِكْمَةَ الْهَادِئَةَ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي يَعْرِفُ أَنَّ الْأَسْمَاءَ لَيْسَتْ هُوَ:
ـ هَذَا شَرَفٌ لَمْ أَطْلُبْهُ.
وَإِنْ كُنْتُ أَتَفَهَّمُ لِمَاذَا قَدْ يَحْدُثُ.
الْبَشَرُ دَائِمًا يُؤَلِّهُونَ مَا يَخَافُونَ أَنْ يَفْقِدُوهُ.
وَالشِّفَاءُ، يَا سَامِرُ، وَاحِدٌ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَخَافُهَا الْبَشَرُ أَكْثَرَ مِمَّا يُدْرِكُونَ.
تَوَقَّفَ لَحْظَةً.
ثُمَّ تَابَعَ:
ـ أَمْضَيْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا أُحَاوِلُ أَنْ أَفْهَمَ الْجَسَدَ.
أَنْ أَتَذَكَّرَ لَهُ مَا نَسِيَهُ هُوَ نَفْسُهُ عَنْ نَفْسِهِ.
________________________________________
جَلَسَ سَامِرُ عَلَى حَجَرٍ مُسْتَوٍ قَرِيبٍ، وَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي وَضْعِ طَالِبٍ يَجْلِسُ أَمَامَ مُعَلِّمٍ لَمْ يَتَوَقَّعْ لِقَاءَهُ:
ـ مَاذَا تَقْصِدُ بِـ«مَا نَسِيَهُ الْجَسَدُ عَنْ نَفْسِهِ»؟
أَشَارَ إِمْحُوتِبُ إِلَى لَفَائِفِ الْبَرْدِيِّ أَمَامَهُ.
كَانَتْ مَلِيئَةً بِرُسُومٍ تَشْرِيحِيَّةٍ بَسِيطَةٍ وَمُلَاحَظَاتٍ مُدَوَّنَةٍ.
وَأَمَامَ كُلِّ رَسْمٍ كَلِمَاتٌ وَرُمُوزٌ، كَأَنَّهَا مَحَاضِرُ تَحْقِيقٍ.
ـ انْظُرْ إِلَى هَذَا الرَّسْمِ.
هَذَا إِنْسَانٌ مُصَابٌ بِجُرْحٍ فِي سَاقِهِ.
سَاقُهُ تَعْرِفُ كَيْفَ تَشْفِي نَفْسَهَا: الدَّمُ يَتَجَلَّطُ، وَالْجِلْدُ يَلْتَئِمُ، وَالْعَظْمُ يَلْتَحِمُ.
هَذِهِ لَيْسَتْ مُعْجِزَةً.
هَذِهِ ذَاكِرَةٌ بِيُولُوجِيَّةٌ مَوْجُودَةٌ دَاخِلَ كُلِّ خَلِيَّةٍ فِي الْجَسَدِ.
لَكِنْ أَحْيَانًا يَحْدُثُ خَلَلٌ مَا: مَرَضٌ، إِرْهَاقٌ شَدِيدٌ، جُرْحٌ بَالِغُ الْعُمْقِ.
فَيُصْبِحُ الْجَسَدُ كَإِنْسَانٍ أُصِيبَ بِفَقْدَانِ ذَاكِرَةٍ مُؤَقَّتٍ.
هُوَ يَعْرِفُ نَظَرِيًّا كَيْفَ يَشْفِي نَفْسَهُ، لَكِنَّهُ نَسِيَ كَيْفَ يَبْدَأُ، أَوْ مِنْ أَيْنَ، أَوْ إِلَى أَيْنَ.
عَمَلِي، كَطَبِيبٍ، لَيْسَ أَنْ أَصْنَعَ شِفَاءً مِنَ الْعَدَمِ.
أَنَا لَسْتُ آلِهَةً.
بَلْ أَنْ أُذَكِّرَ الْجَسَدَ بِمَا يَعْرِفُهُ أَصْلًا.
سَكَتَ قَلِيلًا.
ثُمَّ أَضَافَ بِوُضُوحٍ تَامٍّ:
ـ تَمَامًا كَمَا تُذَكِّرُ شَخْصًا اضْطَرَبَ بَعْدَ حَادِثَةٍ أَنَّهُ يَعْرِفُ كَيْفَ يَمْشِي، وَكَيْفَ يَتَنَفَّسُ، وَكَيْفَ يَنَامُ.
أَنْتَ لَا تُعَلِّمُهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ مِنْ جَدِيدٍ.
أَنْتَ فَقَطْ تُمْسِكُ بِيَدِهِ حَتَّى يَتَذَكَّرَهَا بِنَفْسِهِ.
________________________________________
ـ هَذَا يَبْدُو فَلْسَفِيًّا أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ طِبِّيًّا بِالْمَعْنَى الَّذِي أَعْرِفُهُ.
نَظَرَ إِلَيْهِ إِمْحُوتِبُ بِاهْتِمَامٍ:
ـ فِي زَمَانِي، لَا فَرْقَ كَبِيرًا بَيْنَ الِاثْنَيْنِ.
الْفَيْلَسُوفُ وَالطَّبِيبُ يَطْرَحَانِ السُّؤَالَ ذَاتَهُ: لِمَاذَا يَحْدُثُ مَا يَحْدُثُ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ؟
الْفَارِقُ الْوَحِيدُ أَنَّ الطَّبِيبَ يَجْلِسُ قَرِيبًا جِدًّا مِنَ الْجَسَدِ، قَرِيبًا بِمَا يَكْفِي لِيَسْمَعَ مَا لَا يُقَالُ.
أَشَارَ إِلَى نَصٍّ مَكْتُوبٍ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ عَلَى أَحَدِ الْبَرْدِيَّاتِ:
ـ انْظُرْ هُنَا.
هَذَا وَصْفٌ لِحَالَةِ مَرِيضٍ جَاءَنِي مُنْذُ سَنَوَاتٍ.
عَامِلٌ أُصِيبَ بِضَرْبَةٍ عَلَى رَأْسِهِ أَثْنَاءَ بِنَاءِ أَحَدِ الْمَعَابِدِ.
حِينَ وَصَلَ إِلَيَّ كَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى وَسَاقُهُ الْيُسْرَى بِلَا حِرَاكٍ تَامٍّ، كَأَنَّهُمَا نَسِيَتَا وَظِيفَتَهُمَا.
لَكِنَّ الضَّرْبَةَ كَانَتْ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ رَأْسِهِ.
سَجَّلْتُ هَذَا بِدِقَّةٍ تَامَّةٍ، رَغْمَ أَنَّنِي لَمْ أَمْلِكْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ تَفْسِيرًا كَامِلًا لِهَذَا التَّقَاطُعِ الْغَرِيبِ.
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا يَعْرِفُهُ الْأَطِبَّاءُ الْيَوْمَ عَنِ الدِّمَاغِ.
كُلُّ نِصْفٍ مِنْهُ يَتَحَكَّمُ بِالْجَانِبِ الْمُقَابِلِ مِنَ الْجَسَدِ تَمَامًا.
تَوَقَّفَ إِمْحُوتِبُ عَنِ الْكِتَابَةِ، وَأَوْمَأَ بِعُمْقٍ، كَأَنَّهُ يُثَبِّتُ هَذِهِ الْمَعْلُومَةَ فِي طَبَقَةٍ دَاخِلِيَّةٍ مِنْ ذَاكِرَتِهِ:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا لَاحَظْتُهُ بِنَفْسِي.
دُونَ أَنْ أَفْهَمَ السَّبَبَ الْكَامِلَ.
لَكِنَّنِي وَقْتَهَا اتَّخَذْتُ قَرَارًا مُهِمًّا: لَنْ أَكْذِبَ.
لَنْ أَخْتَلِقَ تَفْسِيرًا لِأُرِيحَ الْمَرِيضَ أَوْ أُرْضِيَ تَلَامِيذِي.
مَا لَا أَفْهَمُهُ أَكْتُبْهُ كَمَا هُوَ، مَوْصُوفًا بِدِقَّةٍ، مُعَلَّقًا عَلَيْهِ بِصِدْقٍ.
وَأَتْرُكُ لِلزَّمَنِ أَنْ يُكْمِلَ مَا بَدَأْتُهُ.
ثُمَّ رَفَعَ قَلَمَ الْقَصَبِ وَنَظَرَ إِلَى سَامِرَ مُبَاشَرَةً:
ـ تَعَلَّمْتُ أَنَّ الْمُلَاحَظَةَ الدَّقِيقَةَ، حَتَّى بِلَا تَفْسِيرٍ كَامِلٍ، أَفْضَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ تَفْسِيرٍ سَرِيعٍ بِلَا مُلَاحَظَةٍ دَقِيقَةٍ.
كَمْ مِنْ طَبِيبٍ فِي كُلِّ الْعُصُورِ اخْتَرَعَ سَبَبًا لِمَا لَا يَعْرِفُهُ، فَأَضَرَّ بِمَرِيضِهِ ضَرَرًا مُضَاعَفًا:
مَرَّةً لِأَنَّهُ لَمْ يُعَالِجْهُ.
وَمَرَّةً لِأَنَّهُ أَعْطَاهُ وَهْمَ الْيَقِينِ.
________________________________________
ـ وَلِمَاذَا تَكْتُبُ كُلَّ هَذَا؟
أَلَا يَكْفِيكَ أَنْ تُعَالِجَ الْمَرْضَى وَتَنْتَقِلَ إِلَى التَّالِي؟
نَظَرَ إِلَيْهِ إِمْحُوتِبُ بِجِدِّيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ، كَأَنَّ هَذَا السُّؤَالَ بِالذَّاتِ هُوَ مَا كَانَ يَنْتَظِرُهُ:
ـ هَذَا هُوَ السُّؤَالُ الْأَهَمُّ الَّذِي طَرَحْتَهُ عَلَيَّ مُنْذُ دَخَلْتَ هَذِهِ الْقَاعَةَ.
قَامَ بِبُطْءٍ مِنْ مَكَانِهِ، وَسَارَ نَحْوَ الْجِدَارِ.
كَانَ الْجِدَارُ مَلِيئًا مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّقْفِ بِنُقُوشٍ هِيرُوغْلِيفِيَّةٍ مَحْفُورَةٍ بِعُمْقٍ.
أَمَرَّ يَدَهُ عَلَى بَعْضِهَا بِاحْتِرَامٍ كَبِيرٍ.
ـ أَنَا سَأَمُوتُ يَوْمًا.
هَذَا يَقِينِي الْوَحِيدُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ.
وَكُلُّ مَا تَعَلَّمْتُهُ مِنْ مُلَاحَظَةِ آلَافِ الْمَرْضَى عَبْرَ ثَلَاثِينَ سَنَةً مِنَ الْمُمَارَسَةِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَنْمَاطِ، وَكُلُّ هَذِهِ الِاسْتِثْنَاءَاتِ، وَكُلُّ هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الَّتِي فِيهَا فَهِمْتُ شَيْئًا لَمْ يَفْهَمْهُ أَحَدٌ قَبْلِي، سَيُفْقَدُ إِلَى الْأَبَدِ إِنْ لَمْ أَحْفَظْهُ بِطَرِيقَةٍ تَتَجَاوَزُ عُمْرِي الْفَرْدِيَّ.
عَادَ إِلَى مَكَانِهِ وَجَلَسَ:
ـ تَخَيَّلْ طَبِيبًا بَارِعًا عَاشَ وَعَالَجَ وَتَعَلَّمَ وَمَاتَ، دُونَ أَنْ يَكْتُبَ شَيْئًا.
كُلُّ مَا عَرَفَهُ انْتَهَى حِينَ انْتَهَى.
الْآنَ تَخَيَّلْ أَلْفَ طَبِيبٍ كَهَذَا عَبْرَ مِئَةِ سَنَةٍ.
كَمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ ضَاعَ؟
كَمْ مِنَ الْمَرْضَى مَاتُوا لَاحِقًا؛ لِأَنَّ طَبِيبَهُمْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْتَفِيدَ مِمَّا تَعَلَّمَهُ مَنْ جَاءَ قَبْلَهُ؟
ـ الْكِتَابَةُ كَذَاكِرَةٍ جَمَاعِيَّةٍ، إِذَنْ.
ـ بِالضَّبْطِ.
الْجَسَدُ الْوَاحِدُ يَنْسَى، وَيَمُوتُ، وَيَتَحَلَّلُ، وَيُصْبِحُ تُرَابًا تَحْتَ مَبْنًى كَهَذَا الْمَبْنَى.
لَكِنَّ الْكَلِمَةَ الْمَكْتُوبَةَ بِعِنَايَةٍ، عَلَى مَادَّةٍ جَيِّدَةٍ كَهَذَا الْبَرْدِيِّ، فِي مَكَانٍ آمِنٍ كَهَذِهِ الْمَعَابِدِ، يُمْكِنُ أَنْ تَنْتَقِلَ مِنْ يَدٍ إِلَى يَدٍ، وَمِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ، حَامِلَةً مَعَهَا كُلَّ مَا تَعَلَّمْنَاهُ بِأَلَمٍ شَدِيدٍ وَصَبْرٍ طَوِيلٍ.
ثُمَّ تَوَقَّفَ، وَأَضَافَ شَيْئًا يَبْدُو أَنَّهُ لَمْ يَقُلْهُ مِنْ قَبْلُ:
ـ لَكِنَّ الْكِتَابَةَ أَيْضًا نَوْعٌ مِنَ التَّوَاضُعِ.
حِينَ تَكْتُبُ مَا لَا تَفْهَمُهُ، وَتَقُولُ بِصِدْقٍ: «لَاحَظْتُ هَذَا وَلَمْ أَفْهَمْهُ بَعْدُ»، فَأَنْتَ تُقِرُّ بِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ أَكْبَرُ مِنْكَ.
أَنْتَ تَمُدُّ يَدَكَ إِلَى مَنْ سَيَأْتِي بَعْدَكَ، وَتَقُولُ: «أَكْمِلْ مِنْ حَيْثُ تَوَقَّفْتُ.
أَنَا فَعَلْتُ مَا اسْتَطَعْتُ».
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيْءٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ.
نَوْعٌ مِنَ الدِّفْءِ الْحَادِّ.
كَأَنَّ جُمْلَةً مَا وَصَلَتْ إِلَى مَكَانٍ كَانَ مُغْلَقًا فِي دَاخِلِهِ:
ـ هَذَا يُطَمْئِنُنِي بِطَرِيقَةٍ مَا.
أَنَا أَعْمَلُ فِي أَرْشِيفٍ.
أَحْفَظُ وَثَائِقَ الْآخَرِينَ، رَغْمَ أَنَّنِي أَنَا نَفْسِي فَقَدْتُ يَوْمًا مِنْ حَيَاتِي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُوَثِّقَهُ.
________________________________________
رَفَعَ إِمْحُوتِبُ حَاجِبَيْهِ بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ، وَوَضَعَ الْقَلَمَ جَانِبًا، وَكَأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ يَدَاهُ فَارِغَتَيْنِ:
ـ هَذَا مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ مِنْ وِجْهَةِ نَظَرٍ طِبِّيَّةٍ.
أَخْبِرْنِي، حِينَ تَفْقِدُ يَوْمًا مِنْ ذَاكِرَتِكَ، كَيْفَ تَشْعُرُ بِالْجَسَدِ؟
لَيْسَ فِي رَأْسِكَ، بَلْ فِي جَسَدِكَ.
هَلْ هُنَاكَ مَكَانٌ يَتَوَتَّرُ؟
هَلْ هُنَاكَ أَلَمٌ لَا تَعْرِفُ مَصْدَرَهُ الْوَاضِحَ؟
تَوَقَّفَ سَامِرُ.
جَاءَ السُّؤَالُ مِنْ زَاوِيَةٍ لَمْ يَتَوَقَّعْهَا، مِنِ اتِّجَاهٍ لَا يَعْتَادُ سَامِرُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهُ إِلَى مُشْكِلَتِهِ.
تَذَكَّرَ فَجْأَةً شُعُورًا غَامِضًا يُرَاوِدُهُ أَحْيَانًا.
لَا يَأْتِي إِلَّا فِي لَحَظَاتٍ بِعَيْنِهَا، حِينَ يَسْمَعُ تَارِيخًا مُعَيَّنًا أَوْ يَرَى صُورَةً مِنْ نَوْعٍ مُعَيَّنٍ.
ضِيقٌ خَفِيفٌ فِي الصَّدْرِ، لَا يَبْلُغُ دَرَجَةَ الْأَلَمِ، لَكِنَّهُ حَاضِرٌ، وَاضِحٌ لِمَنْ يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْمَعُ:
ـ نَعَمْ، فِي الْوَاقِعِ.
أَشْعُرُ أَحْيَانًا بِضِيقٍ فِي صَدْرِي حِينَ أَسْمَعُ تَارِيخًا مُعَيَّنًا، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ لِمَاذَا.
كَأَنَّ شَيْئًا هُنَاكَ يُحَاوِلُ أَنْ يَقُولَ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُ.
ابْتَسَمَ إِمْحُوتِبُ ابْتِسَامَةَ مَنْ يَعْرِفُ شَيْئًا قَدِيمًا جِدًّا، قَدِيمًا كَتِلْكَ الْجُدْرَانِ:
ـ هَذَا مَا كُنْتُ أُحَاوِلُ أَنْ أُعَلِّمَهُ لِتَلَامِيذِي قَبْلَ آلَافِ السِّنِينَ مِنْ زَمَانِكَ.
الْجَسَدُ يَتَذَكَّرُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ الْعَقْلُ الْوَاعِي أَنْ يَتَذَكَّرَهُ.
وَهَذَا لَيْسَ شِعْرًا وَلَا مَجَازًا.
هَذَا تَشْرِيحٌ دَقِيقٌ.
قَامَ وَمَشَى نَحْوَ لَفَافَةِ بَرْدِيٍّ أُخْرَى عَلَى جَانِبِ الْمِنْضَدَةِ:
ـ انْظُرْ.
عِنْدِي هُنَا وَصْفٌ لِرَجُلٍ فَقَدَ طِفْلَهُ فِي حَادِثَةِ غَرَقٍ.
كَانَ يَأْتِينِي شَهْرًا بَعْدَ شَهْرٍ بِأَلَمٍ فِي كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ لَا أَجِدُ لَهُ سَبَبًا فِي الْعَضَلَةِ وَلَا فِي الْعَظْمِ.
لَكِنَّنِي لَاحَظْتُ أَنَّ الْأَلَمَ يَشْتَدُّ كُلَّ سَنَةٍ فِي نَفْسِ الشَّهْرِ.
سَأَلْتُهُ: مَاذَا حَدَثَ فِي هَذَا الشَّهْرِ قَبْلَ سَنَتَيْنِ؟
صَمَتَ طَوِيلًا.
ثُمَّ قَالَ: «فِي هَذَا الشَّهْرِ غَرِقَ ابْنِي».
الْكَتِفُ لَمْ تَكُنْ مَرِيضَةً.
الْكَتِفُ كَانَتْ تَحْمِلُ حُزْنًا لَا يَعْرِفُ صَاحِبُهَا كَيْفَ يُفْصِحُ عَنْهُ بِكَلِمَاتٍ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرَ مُبَاشَرَةً:
ـ حِينَ يَعْجِزُ اللِّسَانُ عَنِ الْكَلَامِ، يَتَكَلَّمُ الْجَسَدُ بِلُغَتِهِ الْخَاصَّةِ: بِالتَّوَتُّرِ، وَالْأَلَمِ، وَالْخَدَرِ الْغَرِيبِ فِي مَكَانٍ لَا تُفَسِّرُهُ إِصَابَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَبِالْأَرَقِ الَّذِي لَا عَلَاقَةَ لَهُ بِالْكَافِيِينِ، وَبِالتَّعَبِ الَّذِي لَا يُذْهِبُهُ النَّوْمُ.
مُهِمَّتِي كَطَبِيبٍ لَمْ تَكُنْ فَقَطْ أَنْ أُعَالِجَ جُرُوحًا ظَاهِرَةً عَلَى الْجِلْدِ وَالْعَظْمِ وَالْعَضَلِ.
بَلْ أَنْ أَتَعَلَّمَ كَيْفَ أُصْغِي إِلَى هَذِهِ اللُّغَةِ الصَّامِتَةِ بِالْقَدْرِ ذَاتِهِ مِنَ الْجِدِّيَّةِ.
________________________________________
ـ كَيْفَ يُمْكِنُنِي أَنْ أُصْغِيَ إِلَيْهَا أَنَا؟
كَيْفَ أَفْهَمُ مَا يُحَاوِلُ جَسَدِي أَنْ يَقُولَهُ لِي عَنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ الْمَفْقُودِ؟
فَكَّرَ إِمْحُوتِبُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ.
وَكَانَ فِي تَفْكِيرِهِ طُولُ الصَّمْتِ الطَّبِيعِيِّ لِإِنْسَانٍ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِالدِّقَّةِ الَّتِي يَزِنُ بِهَا الصَّيْدَلَانِيُّ مُكَوِّنَاتِ دَوَاءٍ.
ـ لَا أَمْلِكُ دَوَاءً سِحْرِيًّا لِهَذَا، يَا سَامِرُ.
لَكِنْ فِي خِبْرَتِي الطَّوِيلَةِ تَعَلَّمْتُ شَيْئًا أَبْسَطَ وَأَعْمَقَ مِمَّا يَتَوَقَّعُ النَّاسُ.
الْجَسَدُ يَتَكَلَّمُ حِينَ نَمْنَحُهُ الصَّبْرَ، لَا حِينَ نُجْبِرُهُ عَلَى الْكَلَامِ بِالْقُوَّةِ.
حِينَ تُحَاوِلُ انْتِزَاعَ ذِكْرَى بِالْإِرَادَةِ الْمُبَاشِرَةِ، كَأَنْ تَجْلِسَ وَتَقُولَ: «سَأَتَذَكَّرُ الْآنَ»، فَأَنْتَ فِي الْغَالِبِ تُضِيفُ تَوَتُّرًا فَوْقَ تَوَتُّرٍ، وَتُرْسِلُ الْجَسَدَ إِلَى حَالَةِ دِفَاعٍ مُزْدَوِجَةٍ.
الْجَسَدُ يَفْتَحُ خَزَائِنَهُ الْمُغْلَقَةَ طَوْعًا، لَا كَرْهًا.
مَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَ وَرَقَةَ بَرْدِيٍّ صَغِيرَةً.
بَدَأَ يَكْتُبُ عَلَيْهَا:
ـ بِدَلًا مِنْ ذَلِكَ، اهْتَمَّ بِجَسَدِكَ كَمَا لَوْ كَانَ مَرِيضًا عَزِيزًا عَلَيْكَ: مَرِيضًا تُحِبُّهُ وَلَا تَمْلِكُ حَقَّ إِجْبَارِهِ.
نَمْ جَيِّدًا، لَيْسَ لِأَنَّ النَّوْمَ يَجْلِبُ الذِّكْرَيَاتِ، بَلْ لِأَنَّ الْإِرْهَاقَ يُغْلِقُ الْأَبْوَابَ.
تَنَفَّسْ بِعُمْقٍ حِينَ يَشْتَدُّ التَّوَتُّرُ عِنْدَ صَدْرِكَ.
خُذْ هَوَاءً طَوِيلًا مِنْ أَسْفَلِ الْبَطْنِ، لَا مِنْ أَعْلَى الصَّدْرِ.
هَذِهِ لَيْسَتْ فَلْسَفَةً.
هَذَا تَشْرِيحٌ.
التَّنَفُّسُ الْعَمِيقُ يُهَدِّئُ مَا سَيُسَمِّيهِ أَبْنَاؤُكَ بَعْدَ آلَافِ السِّنِينَ بِالْجِهَازِ الْعَصَبِيِّ.
كَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْجِسْمِ: «لَا خَطَرَ الْآنَ.
يُمْكِنُكَ أَنْ تَسْتَرْخِيَ.
يُمْكِنُكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ».
وَضَعَ الْقَلَمَ وَتَابَعَ:
ـ اسْتَمِعْ لِكُلِّ إِشَارَةٍ صَغِيرَةٍ دُونَ أَنْ تَخَافَهَا.
الْخَوْفُ مِنَ الْإِشَارَةِ يُضَاعِفُهَا.
رَجُلٌ يَخَافُ أَلَمَ كَتِفِهِ يُصْبِحُ أَلَمُهُ أَشَدَّ.
رَجُلٌ يَقْبَلُ أَلَمَ كَتِفِهِ وَيَسْأَلُهُ بِهُدُوءٍ: «مَاذَا تُحَاوِلُ أَنْ تَقُولَ؟» يَجِدُ أَحْيَانًا أَنَّ الْأَلَمَ يَقُودُهُ بِنَفْسِهِ إِلَى الْجَوَابِ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيْءٍ يَهْدَأُ فِي دَاخِلِهِ.
هُدُوءًا لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ قَبْلَ هَذِهِ اللَّحْظَةِ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَاجُهُ.
كَأَنَّ تَوَتُّرًا كَانَ مَشْدُودًا مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ ارْتَخَى قَلِيلًا.
لَيْسَ لِأَنَّ الْمُشْكِلَةَ حُلَّتْ.
بَلْ لِأَنَّ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنَ الْحَلِّ تَحَقَّقَ: الْمُشْكِلَةُ صَارَتْ مَفْهُومَةً.
وَمَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ يُمْكِنُ احْتِمَالُهُ.
ـ شُكْرًا لَكَ.
هَذَا أَشْبَهُ بِنَصِيحَةِ طَبِيبٍ حَقِيقِيٍّ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ قَبْلُ.
ـ هَذَا لِأَنَّنِي أَعْتَقِدُ أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُقَدِّمُهُ الطِّبُّ لَيْسَ فَقَطِ الشِّفَاءَ مِنَ الْمَرَضِ.
الشِّفَاءُ يَحْدُثُ أَحْيَانًا بِمُفْرَدِهِ.
الْأَعْظَمُ هُوَ الْمُرَافَقَةُ فِي الْفَهْمِ.
أَنْ يَجْلِسَ إِنْسَانٌ بِجَانِبِ إِنْسَانٍ آخَرَ وَيَقُولَ لَهُ: «جَسَدُكَ لَا يُعَذِّبُكَ.
جَسَدُكَ يُحَاوِلُ أَنْ يُخْبِرَكَ.
أَنَا هُنَا لِأُسَاعِدَكَ عَلَى الْإِصْغَاءِ».
أَنَا لَا أَعْرِفُ كُلَّ أَسْرَارِ الْجَسَدِ، وَلَنْ يَعْرِفَهَا أَحَدٌ كُلَّهَا.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ كَيْفَ أُصْغِي إِلَيْهِ بِاحْتِرَامٍ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ، كَأَنَّهُ يُكْمِلُ فِكْرَةً لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ:
ـ وَهَذَا الِاحْتِرَامُ لِلْجَسَدِ هُوَ الَّذِي جَعَلَنِي أَكْتُبُ.
لِأَنَّ مَنْ لَا يَكْتُبُ مَا يَتَعَلَّمُهُ لَا يَحْتَرِمُ مَنْ سَيَأْتِي بَعْدَهُ.
الْكِتَابَةُ هِيَ أَنْ تَقُولَ لِمَنْ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ: «أَنَا كُنْتُ هُنَا قَبْلَكَ، وَتَعَلَّمْتُ هَذَا بِالْأَلَمِ وَالصَّبْرِ، وَأَنَا أُهْدِيهِ إِلَيْكَ حَتَّى لَا تَبْدَأَ مِنَ الصِّفْرِ».
________________________________________
بَدَأَتْ رَائِحَةُ الْبَخُورِ تَخْفُتُ بِبُطْءٍ، كَأَنَّ شَيْئًا فِي الْمَكَانِ يَعْرِفُ أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِلِانْتِقَالِ.
الْأَعْمِدَةُ الْحَجَرِيَّةُ بَدَأَتْ تَفْقِدُ حِدَّتَهَا الْبَصَرِيَّةَ.
تَتَلَاشَى كَحُلْمٍ يَعْلَمُ صَاحِبُهُ أَنَّهُ يَحْلُمُ، وَأَنَّهُ بَعْدَ لَحَظَاتٍ سَيَصْحُو.
النُّقُوشُ عَلَى الْجُدْرَانِ ظَلَّتْ وَاضِحَةً حَتَّى اللَّحْظَةِ الْأَخِيرَةِ.
كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ: «نَحْنُ لَنْ نَخْتَفِي».
حِينَ عَادَ سَامِرُ إِلَى الرِّوَاقِ الْمُعْتَادِ، كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ الْمَدْخَلِ.
وَقَدْ عَادَ إِلَى ثِيَابِهِ الْأُورُوبِّيَّةِ الْمُعْتَادَةِ: الْبِنْطَالُ الرَّمَادِيُّ، وَالْمِعْطَفُ الدَّاكِنُ، وَنَظَّارَتَاهُ الْمُسْتَدِيرَتَانِ اللَّتَانِ تَعْكِسَانِ ضَوْءَ الْمَمَرِّ الْخَافِتِ.
لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ شَيْءٍ.
كَأَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ مَا جَرَى.
بَعْدَ خُطُوَاتٍ مِنَ الصَّمْتِ، قَالَ الْعَجُوزُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ:
ـ الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ تَحْمِلُ صَوْتَ امْرَأَةٍ عَاشَتْ بَعْدَ إِمْحُوتِبَ بِخَمْسِمِئَةِ سَنَةٍ تَقْرِيبًا، فِي أَرْضٍ بَيْنَ نَهْرَيْنِ.
هِيَ أَوَّلُ مَنْ فَعَلَتْ شَيْئًا غَيَّرَ مَصِيرَ الْبَشَرِيَّةِ كُلَّهَا: كَتَبَتْ كَلِمَاتِهَا الْخَاصَّةَ، لِنَفْسِهَا، بِيَدِهَا.
خَطَا سَامِرُ خَلْفَهُ بِبُطْءٍ.
وَفِي صَدْرِهِ ذَلِكَ الضِّيقُ الْقَدِيمُ.
لَكِنَّ الضِّيقَ الْآنَ بَدَا مُخْتَلِفًا قَلِيلًا.
لَمْ يَكُنْ غَائِبًا.
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ خَوْفًا بَعْدَ الْآنِ.
كَانَ يُشْبِهُ أَكْثَرَ مَا يُشْبِهُ كَلِمَةً يُحَاوِلُ شَخْصٌ تَذَكُّرَهَا عَلَى طَرَفِ لِسَانِهِ:
مَوْجُودَةٌ.
قَرِيبَةٌ.
فِي طَرِيقِهَا إِلَيْهِ.

متحف الأيام المفقودة 10