مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ التَّاسِعُ عَشَرَ – الْمَرْأَةُ الْمَايَا – يُوكَاتَان — ٩٠٠ مِيلَادِيَّة
________________________________________
لَمْ يَكُنِ الْمَعْبَدُ مُجَرَّدَ بِنَاءٍ.
كَانَ جَبَلًا صَنَعَهُ الْبَشَرُ، دَرَجَةً دَرَجَةً، وَصَخْرَةً فَوْقَ صَخْرَةٍ، حَتَّى أَصْبَحَ يُنَافِسُ التِّلَالَ الطَّبِيعِيَّةَ فِي ارْتِفَاعِهِ، وَيَتَفَوَّقُ عَلَيْهَا فِي نِيَّتِهِ.
دَخَلَ سَامِرٌ مِنْ قَاعِدَتِهِ الْوَاسِعَةِ، وَوَجَدَ نَفْسَهُ فِي فَضَاءٍ يَخْتَلِفُ عَنْ كُلِّ مَا رَآهُ فِي رِحْلَتِهِ: لَا ضِيقَ الْمَمَرِّ الْجَبَلِيِّ فِي ثِيرْمُوبِيلَاي، وَلَا بُرُودَةَ الصَّحْرَاءِ اللَّيْلِيَّةِ.
هُنَا الْهَوَاءُ دَافِئٌ وَرَطْبٌ، يَحْمِلُ رَائِحَةَ الْبَخُورِ وَالطِّينِ الْجَافِّ وَالْحَجَرِ الْقَدِيمِ الَّذِي احْتَفَظَ بِحَرَارَةِ آلَافِ الْأَيَّامِ.
الْجُدْرَانُ مِنْ حَوْلِهِ لَيْسَتْ مَلْسَاءَ.
هِيَ مَكْتُوبَةٌ.
لَيْسَ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَكْتُبُ بِهَا النَّاسُ فِي زَمَنِ سَامِرٍ، كَلِمَاتٌ تَجْرِي فِي صُفُوفٍ أُفُقِيَّةٍ مُنْتَظِمَةٍ مِنَ الْيَسَارِ إِلَى الْيَمِينِ.
هَذِهِ الْجُدْرَانُ تَنْطِقُ بِلُغَةٍ أُخْرَى: وُجُوهٌ إِنْسَانِيَّةٌ تَمْزِجُ مَلَامِحَهَا بِمَلَامِحِ حَيَوَانَاتٍ، وَأَشْكَالٌ هِنْدَسِيَّةٌ تَتَدَاخَلُ مَعَ رُمُوزٍ فَلَكِيَّةٍ، وَأَرْقَامٌ مَبْنِيَّةٌ مِنْ نِقَاطٍ وَخُطُوطٍ وَدَوَائِرَ، تَتَكَرَّرُ وَتَتَنَوَّعُ وَتَتَعَقَّدُ فِي نِظَامٍ يَبْدُو لِلْعَيْنِ غَيْرِ الْمُدَرَّبَةِ كَفَوْضَى، لَكِنَّهُ فِي حَقِيقَتِهِ نِظَامٌ أَدَقُّ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا اخْتَرَعَهُ الْبَشَرُ لَاحِقًا.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ أَمَامَ أَحَدِ هَذِهِ النُّقُوشِ.
رَسْمٌ لِشَخْصِيَّةٍ تُمْسِكُ شَيْئًا يُشْبِهُ الْعَصَا، لَكِنَّهُ لَيْسَ عَصًا، يُحِيطُ بِهَا دَائِرَةٌ مِنْ رُمُوزٍ لَا يَعْرِفُهَا، وَتَحْتَهَا سِلْسِلَةٌ مِنَ النِّقَاطِ وَالْخُطُوطِ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَعُدُّ شَيْئًا مَا، وَتُسَجِّلُ شَيْئًا مَا، وَتَقُولُ شَيْئًا مَا بِلُغَةٍ تَعَلَّمَ الزَّمَنُ كَيْفَ يَحْفَظُهَا فِي الْحَجَرِ حَتَّى لَا تَضِيعَ.
صَوْتٌ مِنَ الْأَعْلَى قَطَعَ تَأَمُّلَهُ.
ـ أَهْلًا بِكَ، أَيُّهَا الْمُسَافِرُ.
أَشْعُرُ أَنَّكَ تَحْمِلُ سُؤَالًا عَنِ الْأَيَّامِ.
وَأَنَا تَحْدِيدًا مَنْ يُجِيبُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ.
رَفَعَ سَامِرٌ بَصَرَهُ نَحْوَ قِمَّةِ الْمَعْبَدِ.
عَلَى الْمِنَصَّةِ الْأَخِيرَةِ، عِنْدَ الدَّرَجَةِ الْأَعْلَى حَيْثُ تَنْتَهِي الْحِجَارَةُ وَيَبْدَأُ السَّمَاءُ مُبَاشَرَةً، وَقَفَتِ امْرَأَةٌ فِي مُنْتَصَفِ الْأَرْبَعِينِيَّاتِ، تَرْتَدِي ثَوْبًا أَبْيَضَ مُزَيَّنًا بِرُمُوزٍ فَلَكِيَّةٍ مَنْسُوجَةٍ بِخُيُوطٍ حَمْرَاءَ وَزَرْقَاءَ وَذَهَبِيَّةٍ.
يَدُهَا الْيُمْنَى مَرْفُوعَةٌ قَلِيلًا، كَأَنَّهَا تُمْسِكُ بِالْهَوَاءِ وَتَقِيسُهُ، وَعَيْنَاهَا مُصَوَّبَتَانِ نَحْوَ السَّمَاءِ بِتَرْكِيزِ مَنْ يُحَادِثُ شَيْئًا لَا يَرَاهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ.
صَعِدَ سَامِرُ الدَّرَجَاتِ بِبُطْءٍ.
كُلُّ دَرَجَةٍ أَوْسَعُ مِمَّا تَتَوَقَّعُهُ رُكْبَتَاهُ، كَأَنَّهَا مُصَمَّمَةٌ لِخُطُوَاتِ آلِهَةٍ، أَوْ لِأَجْسَادٍ بَشَرِيَّةٍ تَعَلَّمَتْ أَنْ تَصْعَدَ نَحْوَ السَّمَاءِ بِوَقَارٍ يَخْتَلِفُ عَنِ الِاسْتِعْجَالِ.
حِينَ وَصَلَ، الْتَفَتَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِ.
وَجْهُهَا هَادِئٌ بِهُدُوءِ مَنْ أَمْضَى عُقُودًا فِي تَعَلُّمِ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يَسْتَحِقُّ الْقَلَقَ وَمَا لَا يَسْتَحِقُّهُ.
ـ أَنَا سَامِرٌ.
ـ وَأَنَا قَارِئَةُ التَّقْوِيمِ، يَا سَامِرُ.
حَارِسَةُ حِسَابِ الْأَيَّامِ الْمُقَدَّسِ لِشَعْبِي، الْمَايَا.
اسْمٌ شَخْصِيٌّ لَيْسَ ضَرُورِيًّا فِي هَذَا السِّيَاقِ، لِأَنَّ الدَّوْرَ أَكْبَرُ مِنَ الِاسْمِ.
لَكِنْ إِنِ احْتَجْتَهُ، فَأَنَا إِيشْ بَالَامْ، أَيْ «امْرَأَةُ النَّمِرِ» بِلُغَتِي.
ـ إِيشْ بَالَامْ.
أَعَادَ سَامِرُ الِاسْمَ كَأَنَّهُ يُجَرِّبُهُ فِي فَمِهِ، يَتَحَسَّسُ وَزْنَهُ.
ـ كُلُّ يَوْمٍ بِالنِّسْبَةِ لَنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ عَلَامَةٍ عَلَى مُرُورِ الزَّمَنِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ شَرِيطٌ طَوِيلٌ يُقَطَّعُ إِلَى أَجْزَاءٍ مُتَسَاوِيَةٍ بِلَا فَرْقٍ بَيْنَهَا سِوَى الرَّقْمِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا.
لَا.
كُلُّ يَوْمٍ كِيَانٌ مُقَدَّسٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ، لَهُ اسْمُهُ الْخَاصُّ، وَطَاقَتُهُ الْخَاصَّةُ، وَعَلَاقَتُهُ الْمُعَيَّنَةُ بِالْآلِهَةِ وَالنُّجُومِ وَالْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ.
شَعَرَ سَامِرُ بِفُضُولٍ يَتَحَرَّكُ فِي صَدْرِهِ.
ـ كُلُّ يَوْمٍ لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ؟
لَيْسَ فَقَطْ رَقْمًا؟
ـ الرَّقْمُ أَفْقَرُ بِكَثِيرٍ مِنَ الِاسْمِ.
الرَّقْمُ يَقُولُ لَكَ: «أَنْتَ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ سِلْسِلَةٍ مُمْتَدَّةٍ».
الِاسْمُ يَقُولُ لَكَ: «أَنْتَ الْيَوْمَ فِي صُحْبَةِ قُوَّةٍ بِعَيْنِهَا، فِي مُفْتَرَقٍ بِعَيْنِهِ مِنْ مَسَالِكِ الْكَوْنِ».
أَشَارَتْ إِلَى الْجِدَارِ خَلْفَهَا، حَيْثُ نَقْشٌ يَمْتَدُّ بِطُولِ كَامِلِ الْمِنَصَّةِ: دَوَائِرُ مُتَشَابِكَةٌ، وَنِقَاطٌ وَخُطُوطٌ وَأَوْجُهٌ.
ـ نَحْنُ نَسْتَخْدِمُ تَقْوِيمَيْنِ يَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ: التْزُولْكِينْ، وَهُوَ تَقْوِيمٌ مُقَدَّسٌ مِنْ مِئَتَيْنِ وَسِتِّينَ يَوْمًا، كُلُّ يَوْمٍ فِيهِ يَحْمِلُ اسْمًا وَرَقْمًا مِنْ عِشْرِينَ اسْمًا وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَقْمًا تَتَشَابَكُ بِطَرِيقَةٍ لَا تَتَكَرَّرُ.
وَالْهَابْ، وَهُوَ التَّقْوِيمُ الشَّمْسِيُّ مِنْ ثَلَاثِمِئَةٍ وَخَمْسَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، مُقَسَّمٌ إِلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ تُسَمَّى أَيَّامَ الْأَبْوَابِ الْغَامِضَةِ فِي نِهَايَةِ الْعَامِ.
ـ وَمَاذَا يَحْدُثُ حِينَ يَلْتَقِي التَّقْوِيمَانِ؟
ـ كُلُّ يَوْمٍ فِي حَيَاتِكَ يَحْمِلُ تَوْقِيعًا فَرِيدًا، تَوْلِيفَةً خَاصَّةً مِنْ هَذَيْنِ التَّقْوِيمَيْنِ مَعًا، لَنْ تَتَكَرَّرَ إِلَّا بَعْدَ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ عَامًا كَامِلَةً.
هَذَا يَعْنِي أَنَّ كُلَّ يَوْمٍ تَعِيشُهُ فَرِيدٌ تَمَامًا، لَا يُشْبِهُ أَيَّ يَوْمٍ آخَرَ، حَتَّى لَوْ تَشَابَهَتْ أَحْدَاثُهُ الْخَارِجِيَّةُ.
الطَّقْسُ رُبَّمَا تَشَابَهَ.
وَالْمَهَامُّ رُبَّمَا تَشَابَهَتْ.
لَكِنَّ مَوْقِعَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي الْخَرِيطَةِ الْكَوْنِيَّةِ الْكُبْرَى مُخْتَلِفٌ تَمَامًا عَنْ أَيِّ يَوْمٍ آخَرَ.
صَمَتَ سَامِرُ.
كَانَ يُحَاوِلُ اسْتِيعَابَ مَا تَقُولُهُ، لَيْسَ فِكْرِيًّا فَحَسْبُ، بَلْ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى، بِطَرِيقَةٍ يَشْعُرُ بِهَا فِي بَطْنِهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَفْهَمُهَا فِي رَأْسِهِ.
فِي زَمَانِهِ، كَانَتِ الْأَيَّامُ تَمُرُّ كَمَا تَمُرُّ الْأَرْقَامُ: وَاحِدٌ، اثْنَانِ، ثَلَاثَةٌ.
لَا يَخْتَلِفُ الثَّانِي عَنِ التَّاسِعِ عَشَرَ إِلَّا فِي رَقْمِهِ.
هُنَا، تَقُولُ لَهُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ إِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَرْقَامِ شَخْصِيَّةٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَبَيْتٌ مُخْتَلِفٌ يَدْخُلُهُ الْإِنْسَانُ وَهُوَ يَدْخُلُ ذَلِكَ الْيَوْمَ بِالذَّاتِ.
ـ فِي زَمَانِي، فَقَدْتُ يَوْمًا وَاحِدًا بِالتَّحْدِيدِ.
السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ تِشْرِينَ الْأَوَّلِ عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَتِسْعِينَ.
يَوْمٌ اخْتَفَى مِنْ ذَاكِرَتِي تَمَامًا، كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
هَلْ لِهَذَا الْيَوْمِ، حَسَبَ نِظَامِكُمْ، مَعْنًى خَاصٌّ؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ إِيشْ بَالَامْ بِعَيْنَيْنِ يَمْتَلِئَانِ بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ، لَا مُجَامَلَةً.
بَدَأَتْ تَعْمَلُ بِأَصَابِعِهَا، حَرَكَاتٍ صَغِيرَةً دَقِيقَةً، كَأَنَّهَا تَحْسِبُ عَلَى عُقَدٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ، تُقَطِّعُ الزَّمَنَ وَتُعِيدُ تَجْمِيعَهُ فِي رَأْسِهَا بِطَرِيقَةٍ تَعَلَّمَتْهَا عَلَى مَدَى سِنِينَ طَوِيلَةٍ.
ـ تَقْوِيمُكُمُ الْغْرِيغُورِيُّ غَرِيبٌ عَلَيَّ، كَمَا أَنَّ تَقْوِيمَنَا غَرِيبٌ عَلَيْكَ.
لَكِنَّ الْمَبْدَأَ الَّذِي يَهُمُّكَ هُوَ هَذَا: فِي فَلْسَفَتِنَا، الْيَوْمُ الَّذِي تَفْقِدُهُ لَا يُصْبِحُ فَرَاغًا فِي نَسِيجِ الْوُجُودِ.
هُوَ يَوْمٌ مَا زَالَ قَائِمًا فِي الزَّمَنِ الْكَوْنِيِّ، يَحْمِلُ اسْمَهُ وَطَاقَتَهُ وَمَوْقِعَهُ فِي الدَّوْرَةِ الْكُبْرَى.
مَا اخْتَفَى لَيْسَ الْيَوْمَ نَفْسَهُ، بَلْ ذَاكِرَتُكَ أَنْتَ عَنْهُ.
وَهَذَا فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ ضَخْمٌ.
ـ كَيْفَ؟
ـ تَخَيَّلْ نَجْمَةً تُضِيءُ فِي السَّمَاءِ لَيْلَةً كَامِلَةً.
أَنْتَ كُنْتَ نَائِمًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَلَمْ تَرَهَا.
هَلْ تَوَقَّفَتْ عَنِ الْإِضَاءَةِ لِأَنَّكَ لَمْ تُشَاهِدْهَا؟
هَلِ اخْتَفَتْ مِنَ الْكَوْنِ لِأَنَّ عَيْنَيْكَ كَانَتَا مُغْمَضَتَيْنِ؟
يَوْمُكَ الْمَفْقُودُ أَضَاءَ، يَا سَامِرُ.
فَعَلَ مَا تَفْعَلُهُ الْأَيَّامُ، وَحَمَلَ النَّاسَ الَّذِينَ حَمَلَهُمْ، وَشَهِدَ مَا شَهِدَهُ، وَأَكْمَلَ دَوْرَتَهُ فِي النَّسِيجِ الْكَوْنِيِّ الْكَبِيرِ.
فَقَطْ أَنْتَ لَمْ تَكُنْ حَاضِرًا فِي ذَاكِرَتِكَ لِتُسَجِّلَهُ.
شَعَرَ سَامِرُ بِشَيْءٍ يَرْتَخِي فِي صَدْرِهِ.
رُبَّمَا كَانَ قَدْ حَمَلَ، بِلا وَعْيٍ، فِكْرَةً ثَقِيلَةً: أَنَّ فَقْدَانَهُ لِذَلِكَ الْيَوْمِ يَعْنِي أَنَّ الْيَوْمَ نَفْسَهُ كَانَ مَنْقُوصًا، نَاقِصًا، مُعَطَّلًا بِغِيَابِهِ هُوَ.
هَذِهِ الْمَرْأَةُ تَقُولُ لَهُ شَيْئًا آخَرَ تَمَامًا: الْيَوْمُ كَانَ كَامِلًا.
النَّقْصُ كَانَ فِي جَانِبِهِ هُوَ فَقَطْ.
ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَتْهُ لِي الدِّينَاصُورَةُ، فِي قَاعَةٍ سَابِقَةٍ جِدًّا مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، عَنْ أَنَّ الْكَوْنَ يُسَجِّلُ كُلَّ خَسَارَةٍ كَمَا هِيَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ حَجْمِهَا.
ابْتَسَمَتْ إِيشْ بَالَامْ ابْتِسَامَةً تَقُولُ إِنَّ الْحِكْمَةَ تَصِلُ إِلَى الْعُقُولِ الْمُخْتَلِفَةِ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَكِنَّهَا تَنْتَهِي فِي الْمَكَانِ ذَاتِهِ.
ـ رُبَّمَا.
بِطَرِيقَةٍ أَعْمَقَ قَلِيلًا.
نَحْنُ نُؤْمِنُ أَنَّ الزَّمَنَ لَيْسَ خَطًّا مُسْتَقِيمًا يَمْضِي مِنَ الْمَاضِي إِلَى الْمُسْتَقْبَلِ فِي اتِّجَاهٍ وَاحِدٍ، لَا يَتَكَرَّرُ وَلَا يَلْتَفِتُ.
الزَّمَنُ عِنْدَنَا دَوْرَاتٌ مُتَشَابِكَةٌ، تَتَكَرَّرُ بِأَنْمَاطٍ مُعَقَّدَةٍ، كَمَا تَتَكَرَّرُ فُصُولُ السَّنَةِ، لَكِنَّهَا فِي كُلِّ تَكْرَارٍ تَحْمِلُ طَبَقَةً جَدِيدَةً مِنَ الْمَعْنَى.
هَذَا يَعْنِي أَنَّ يَوْمَكَ الْمَفْقُودَ، حَتَّى لَوْ بَدَا لَكَ مُنْعَزِلًا وَمُرْبِكًا وَمُخِيفًا مِنْ مَوْقِعِكَ الْفَرْدِيِّ الضَّيِّقِ، هُوَ جُزْءٌ مِنْ نَمَطٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَرَاهُ كَامِلًا مِنْ حَيْثُ تَقِفُ.
ـ هَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ مَعْنًى، حَتَّى الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَبْدُو عَشْوَائِيَّةً أَوْ مَفْقُودَةً أَوْ مُحَطِّمَةً؟
فَكَّرَتْ إِيشْ بَالَامْ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ.
لَيْسَ تَفْكِيرَ مَنْ لَا يَمْلِكُ جَوَابًا، بَلْ تَفْكِيرَ مَنْ يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ جَوَابٍ وَاحِدٍ، وَيَخْتَارُ أَدَقَّهَا بِعِنَايَةٍ.
ـ نَحْنُ نُؤْمِنُ بِهَذَا.
لَكِنَّنِي أُرِيدُ أَنْ أُحَذِّرَكَ مِنْ خَطَرٍ يَخْتَبِئُ فِي هَذَا الْإِيمَانِ ذَاتِهِ، خَطَرٌ حَقِيقِيٌّ رَأَيْتُهُ يُصِيبُ النَّاسَ الَّذِينَ يَجِيئُونَ إِلَيَّ يَبْحَثُونَ عَنْ تَفْسِيرٍ لِكُلِّ شَيْءٍ فِي حَيَاتِهِمْ.
ـ مَا هَذَا الْخَطَرُ؟
ـ الْبَحْثُ الْمَهْوُوسُ عَنْ مَعْنًى لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلَى سِجْنٍ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ.
تَخَيَّلْ رَجُلًا خَسِرَ ابْنَهُ فَجْأَةً.
هُوَ فِي أَلَمِهِ يُرِيدُ أَنْ يَعْرِفَ: لِمَاذَا؟
مَا الْمَعْنَى؟
مَا الرِّسَالَةُ الْكَوْنِيَّةُ الَّتِي تَحْمِلُهَا هَذِهِ الْخَسَارَةُ؟
وَهَذَا الْبَحْثُ طَبِيعِيٌّ وَإِنْسَانِيٌّ، وَحَتَّى جَمِيلٌ أَحْيَانًا.
لَكِنْ حِينَ يُصْبِحُ الْبَحْثُ عَنِ الْمَعْنَى أَهَمَّ مِنْ مُعَايَشَةِ الْأَلَمِ نَفْسِهِ، وَحِينَ يُصْبِحُ التَّفْسِيرُ وَسِيلَةً لِلْهُرُوبِ مِنَ الْمُعَايَشَةِ الْكَامِلَةِ لِلْخَسَارَةِ، يَتَحَوَّلُ الْإِيمَانُ بِالْمَعْنَى إِلَى دِرْعٍ يَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ أَنْ يَحْزَنَ حُزْنًا حَقِيقِيًّا كَامِلًا.
صَمَتَ سَامِرٌ يَسْتَوْعِبُ هَذَا.
ـ إِذَنْ أَنْتِ تَقُولِينَ: ابْحَثْ عَنِ الْمَعْنَى، لَكِنْ لَا تَسْتَخْدِمِ الْبَحْثَ عَنِ الْمَعْنَى هَرَبًا مِنَ الشُّعُورِ بِالْفَقْدَانِ نَفْسِهِ؟
ـ أَنَا أَقُولُ: افْعَلْ كِلَيْهِمَا فِي وَقْتَيْهِمَا.
هُنَاكَ وَقْتٌ لِلْبُكَاءِ عَلَى مَا فُقِدَ، وَبُكَاءٌ حَقِيقِيٌّ كَامِلٌ بِلَا تَعَجُّلٍ نَحْوَ «الدَّرْسِ الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ».
وَهُنَاكَ وَقْتٌ آخَرُ لَاحِقٌ لِرُؤْيَةِ الْأَنْمَاطِ الْأَكْبَرِ.
أَنَا قَارِئَةُ تَقْوِيمٍ، يَا سَامِرُ.
أَمْضَيْتُ حَيَاتِي فِي قِرَاءَةِ النُّجُومِ وَالدَّوْرَاتِ وَالْأَنْمَاطِ الْكَوْنِيَّةِ الْكُبْرَى.
لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَيْضًا أَنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءَ تَبْقَى غَامِضَةً حَتَّى لِأَكْثَرِ الْقَارِئِينَ خِبْرَةً وَحِنْكَةً.
غُمُوضٌ لَيْسَ فَشَلًا فِي الْقِرَاءَةِ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ حَقِيقِيٌّ مِنْ طَبِيعَةِ الْوُجُودِ.
ـ هَذَا يُخَفِّفُ عَنِّي شَيْئًا.
كُنْتُ أَشْعُرُ بِضَغْطٍ خَفِيٍّ دَائِمٍ بِأَنَّنِي يَجِبُ أَنْ أَجِدَ تَفْسِيرًا كَامِلًا نِهَائِيًّا لِمَا حَدَثَ لِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، وَكَانَ فِي إِيمَاءَتِهَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الْإِذْنَ الرَّسْمِيَّ، كَأَنَّهَا تَمْنَحُهُ وَثِيقَةً غَيْرَ مَكْتُوبَةٍ.
ـ رُبَّمَا أَهَمُّ مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُقَدِّمَهُ لَكَ لَيْسَ إِجَابَةً كَامِلَةً عَنْ يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ.
بَلْ إِذْنًا، إِذْنًا حَقِيقِيًّا مُعْلَنًا، بِأَنْ تَعِيشَ مَعَ الْغُمُوضِ جُزْئِيًّا، بَيْنَمَا تُوَاصِلُ بَحْثَكَ دُونَ أَنْ يَسْتَهْلِكَكَ الْقَلَقُ بِالْكَامِلِ، حَتَّى لَا يَتَبَقَّى مِنْكَ شَيْءٌ لِتَعِيشَهُ فِي الْأَيَّامِ الْأُخْرَى.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى السَّمَاءِ.
كَانَتِ السَّمَاءُ هُنَا مُخْتَلِفَةً.
لَيْسَ فِي لَوْنِهَا، بَلْ فِي طَرِيقَةِ حُضُورِهَا.
فِي زَمَانِهِ، كَانَتِ السَّمَاءُ خَلْفِيَّةً لِحَيَاةِ النَّاسِ، شَيْئًا يُنْظَرُ إِلَيْهِ فِي لَحَظَاتِ الدَّهْشَةِ أَوِ الْحُزْنِ أَوِ الْعِشْقِ، ثُمَّ يُنْسَى.
هُنَا، بَدَتِ السَّمَاءُ كَأَنَّهَا الْحَاضِرُ الْأَوَّلُ وَلَيْسَتِ الْخَلْفِيَّةَ، كَأَنَّ الْبَشَرَ هُمْ مَنْ يَعِيشُونَ فِي خَلْفِيَّةِ قِصَّتِهَا.
ـ مَاذَا تَرَيْنَ الْآنَ، حِينَ تَنْظُرِينَ إِلَى النُّجُومِ؟
ابْتَسَمَتْ إِيشْ بَالَامْ ابْتِسَامَةً هِيَ الْأَوْسَعُ الَّتِي رَآهَا سَامِرُ مُنْذُ بَدَأَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ.
ابْتِسَامَةُ مَنْ وَجَدَ سُؤَالًا يَسْتَحِقُّ كُلَّ مَا تَعَلَّمَهُ.
ـ أَرَى نَمَطًا هَائِلًا، أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ حَيَاةِ فَرْدٍ وَاحِدٍ، بَلْ أَكْبَرَ مِنْ حَيَاةِ حَضَارَةٍ كَامِلَةٍ بِمَا فِيهَا حَضَارَتِي أَنَا.
أَرَى دَوْرَاتٍ تَتَكَرَّرُ عَبْرَ آلَافِ السِّنِينَ.
كُلُّ دَوْرَةٍ تَعُودُ بِمَا يُشْبِهُ مَا سَبَقَهَا، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا شَيْئًا جَدِيدًا لَمْ يَكُنْ فِي الدَّوْرَةِ قَبْلَهَا.
أَرَى نُجُومًا تُولَدُ وَتَمُوتُ، وَتَتْرُكُ فِي مَوْتِهَا مَادَّةً سَتُصْبِحُ يَوْمًا مَا كَوَاكِبَ وَأَجْسَادًا بَشَرِيَّةً، وَرُبَّمَا مَرَّةً أُخْرَى نُجُومًا.
وَفِي وَسَطِ كُلِّ هَذَا الْهَوْلِ، أَرَى يَوْمًا وَاحِدًا صَغِيرًا يَبْدُو ضَئِيلًا جِدًّا مِنْ بَعِيدٍ.
لَكِنَّهُ، مِنْ قُرْبِهِ، مِنْ قُرْبِكَ أَنْتَ يَا سَامِرُ، يَحْمِلُ وَزْنَ الْعَالَمِ كُلِّهِ تَقْرِيبًا.
ـ وَهَلْ هَذَا التَّنَاقُضُ، بَيْنَ الضَّآلَةِ الْكَوْنِيَّةِ وَالثِّقْلِ الشَّخْصِيِّ، لَهُ مَعْنًى، أَمْ هُوَ مُجَرَّدُ مُفَارَقَةٍ مُؤْلِمَةٍ نَعِيشُ بِهَا وَلَا نَجِدُ لَهَا حَلًّا؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ إِيشْ بَالَامْ بِحَنَانٍ عَمِيقٍ، حَنَانِ مَنْ رَأَتْ كَثِيرًا مِنَ الْبَشَرِ يَجِيئُونَ إِلَيْهَا بِأَثْقَالِهِمْ وَيَمْضُونَ.
ـ لَهُ مَعْنًى عَمِيقٌ جِدًّا، يَا سَامِرُ.
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ: أَنْتَ إِنْسَانٌ.
لَا نَجْمَةٌ، وَلَا كَوْنٌ كَامِلٌ، وَلَا إِلَهٌ يَرَى كُلَّ شَيْءٍ مِنْ فَوْقَ.
أَنْتَ كَائِنٌ يَعِيشُ مِنَ الدَّاخِلِ، لَا مِنَ الْخَارِجِ.
وَمِنَ الدَّاخِلِ، تَبْدُو الْأَشْيَاءُ الْقَرِيبَةُ ضَخْمَةً لِأَنَّهَا قَرِيبَةٌ، وَتَبْدُو الْأَشْيَاءُ الْبَعِيدَةُ صَغِيرَةً لِأَنَّهَا بَعِيدَةٌ.
هَذَا لَيْسَ خَطَأً فِي تَصْمِيمِكَ.
هَذِهِ طَبِيعَتُكَ بِالذَّاتِ.
مِنْ حَقِّكَ، بَلْ مِنْ طَبِيعَتِكَ الْإِنْسَانِيَّةِ الْأَصِيلَةِ، أَنْ تَشْعُرَ بِثِقْلِ مَا يَخُصُّكَ شَخْصِيًّا، حَتَّى لَوْ كَانَ ضَئِيلًا بِمِقْيَاسِ الْكَوْنِ الْوَاسِعِ.
لَا تَدَعِ اتِّسَاعَ الْكَوْنِ يُقَلِّلُ مِنْ شَرْعِيَّةِ أَلَمِكَ الشَّخْصِيِّ.
الْكَوْنُ الْوَاسِعُ وَالْأَلَمُ الضَّيِّقُ يَعِيشَانِ مَعًا، وَلَا يُلْغِي أَحَدُهُمَا الْآخَرَ.
شَعَرَ سَامِرُ بِدِفْءٍ حَقِيقِيٍّ يَتَحَرَّكُ فِي صَدْرِهِ.
دِفْءٌ لَمْ يَتَوَقَّعْهُ فِي هَذَا الْمَكَانِ الْحَجَرِيِّ الشَّاهِقِ الْمَفْتُوحِ عَلَى السَّمَاءِ.
كَأَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ تَمْنَحُهُ شَيْئًا كَانَ يَحْتَاجُهُ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ بِالضَّبْطِ اسْمَهُ: إِذْنًا بِأَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا كَامِلًا، بِأَثْقَالِهِ وَضِيقِهِ وَإِحْسَاسِهِ بِأَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا مَفْقُودًا يُسَاوِي الْعَالَمَ، دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِحَرَجٍ مِنْ هَذَا الْإِحْسَاسِ أَمَامَ اتِّسَاعِ الْكَوْنِ الصَّامِتِ.
ـ شُكْرًا لَكِ، إِيشْ بَالَامْ.
أَوْمَأَتْ.
بَدَأَتْ أَصَابِعُهَا تَعُودُ بِبُطْءٍ إِلَى حَرَكَتِهَا الْحِسَابِيَّةِ الْهَادِئَةِ، كَأَنَّ الْمُحَادَثَةَ انْتَهَتْ، لَكِنَّ الْعَمَلَ لَا يَنْتَهِي أَبَدًا.
ـ اذْهَبِ الْآنَ، يَا سَامِرُ.
وَيَوْمُكَ، ذَلِكَ الْيَوْمُ الْمَفْقُودُ مِنْ تِشْرِينَ الْأَوَّلِ، يَحْمِلُ اسْمًا خَاصًّا بِهِ فِي نَسِيجِ الْكَوْنِ، حَتَّى لَوْ لَمْ تَعْرِفْهُ أَنْتَ.
هَذَا وَحْدَهُ كَافٍ لِأَنْ يَجْعَلَهُ حَقِيقِيًّا.
وَحَقِيقِيٌّ يَكْفِي.
لَا يَحْتَاجُ الشَّيْءُ أَنْ تَتَذَكَّرَهُ لِكَيْ يَكُونَ قَدْ كَانَ.
بَدَأَ الْمَعْبَدُ يَتَلَاشَى.
أَوَّلًا النُّقُوشُ عَلَى الْجُدْرَانِ، تِلْكَ الْوُجُوهُ وَالْأَرْقَامُ وَالدَّوَائِرُ الْمُتَشَابِكَةُ.
ثُمَّ الدَّرَجَاتُ الْحَجَرِيَّةُ الْمُتَرَاصَّةُ إِلَى الْأَسْفَلِ.
ثُمَّ رَائِحَةُ الْبَخُورِ وَالطِّينِ الْجَافِّ.
ثُمَّ صَوْتُ الرِّيحِ فَوْقَ الْمِنَصَّةِ الْعَالِيَةِ.
حَتَّى بَقِيَ صَمْتٌ وَاحِدٌ نَظِيفٌ لَحْظَةً، كَصَمْتِ مَا بَعْدَ الْمُوسِيقَى حِينَ تَتَوَقَّفُ الْأَوْتَارُ، لَكِنَّ الصَّوْتَ مَا زَالَ فِي الْهَوَاءِ.
وَعَادَ سَامِرُ إِلَى الرِّوَاقِ.
كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ كَالْعَادَةِ، صَابِرًا بِطَرِيقَةِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْعَجَلَةَ، لِأَنَّ عِنْدَهُ عِلَاقَةً أُخْرَى بِالْوَقْتِ.
بِجَانِبِ الْبَابِ الْأَخِيرِ فِي هَذَا الْمِحْوَرِ، بَابٌ عَلَيْهِ نَقْشٌ لِسَفِينَةٍ شِرَاعِيَّةٍ بَسِيطَةٍ.
الشِّرَاعُ نِصْفُ مَطْوِيٍّ، كَأَنَّهَا فِي مُنْتَصَفِ رِحْلَةٍ.
لَا مُرْسِيَةٌ، وَلَا فِي عُرْضِ الْبَحْرِ الْأَعْمَقِ، بَلْ فِي مَكَانٍ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ.
نَظَرَ الْعَجُوزُ إِلَى وَجْهِ سَامِرٍ بِطَرِيقَتِهِ الْمُعْتَادَةِ.
قِرَاءَةٌ قَبْلَ كَلَامٍ.
ـ هَا أَنْتَ ذَا.
وَعَيْنَاكَ فِيهِمَا شَيْءٌ مُخْتَلِفٌ عَنْ قَبْلُ.
ـ أَعْطَتْنِي شَيْئًا كُنْتُ أَحْتَاجُهُ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ اسْمَهُ.
ـ هَذَا أَثْمَنُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْطَاهُ إِنْسَانٌ لِإِنْسَانٍ آخَرَ.
الْتَفَتَ سَامِرُ نَحْوَ الْبَابِ الْأَخِيرِ.
السَّفِينَةُ الشِّرَاعِيَّةُ فِي نِصْفِ الطَّرِيقِ.
ـ مَنْ فِي هَذِهِ الْقَاعَةِ؟
ـ الْقَاعَةُ الْأَخِيرَةُ فِي الْمِحْوَرِ الثَّانِي، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَجُلٍ رَبَطَ بَيْنَ شُعُوبٍ لَمْ تَكُنْ لِتَلْتَقِيَ أَبَدًا لَوْلَا شَجَاعَتُهُ فِي عُبُورِ الْبِحَارِ.
رَجُلٌ عَرَفَ أَنَّ الْأُفُقَ لَيْسَ نِهَايَةً، بَلْ دَعْوَةً.
وَأَنَّ مَا يَبْدُو حَافَّةَ الْعَالَمِ هُوَ أَوَّلُ الْعَالَمِ الْآخَرِ.
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ الْبَابِ.
