متحف الأيام المفقودة 21

مَتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الحَادِي وَالعِشْرُونَ: الرَّاهِبُ البُوذِيُّ – تِبَّتُ، العَامُ أَلْفٌ وَمِئَتَانِ لِلْمِيلَادِ
«هَلِ النِّيرْفَانَا ذَاكِرَةٌ كَامِلَةٌ، أَمْ إِلْغَاؤُهَا؟»
————————
أَوَّلًا: العَتَبَةُ
لَمْ يَكُنِ البَابُ بَابًا، بِالمَعْنَى الحَرْفِيِّ الَّذِي يَأْلَفُهُ النَّاسُ؛ لَمْ تَكُنْ لَهُ مِفْصَلَةٌ مِنْ حَدِيدٍ، وَلَا خَشَبٌ مَنْحُوتٌ عَلَى يَدَيْ نَجَّارٍ.
كَانَ مُجَرَّدَ مُسْتَطِيلٍ مِنَ الضَّوْءِ الأَبْيَضِ البَاهِتِ يُقْطَعُ عَمُودِيًّا بِخُيُوطٍ رَفِيعَةٍ، تَتَدَلَّى مِنْهَا قِطَعٌ صَغِيرَةٌ مِنَ النَّسِيجِ المُلَوَّنِ.
وَحِينَ تَجَاوَزَ سَامِرُ تِلْكَ الخُيُوطَ، أَحَسَّ بِهَا تَمْسَحُ وَجْهَهُ، كَأَنَّهَا أَيْدٍ طَيِّبَةٌ تُزِيحُ عَنْ كَاهِلِهِ شَيْئًا حَمَلَهُ طَوِيلًا دُونَ أَنْ يُدْرِكَ ثِقَلَهُ.
فِي اللَّحْظَةِ الأُولَى لَمْ يَرَ شَيْئًا بِوُضُوحٍ؛ ذٰلِكَ أَنَّ النُّورَ كَانَ فِضِّيًّا وَمُنْتَشِرًا فِي كُلِّ اتِّجَاهٍ، لَا مَصْدَرَ وَاضِحًا لَهُ.
ثُمَّ تَكَيَّفَتْ عَيْنَاهُ تَدْرِيجِيًّا، فَرَأَى المَكَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ: قَاعَةٌ لَا تُشْبِهُ القَاعَاتِ.
كَانَتْ أَشْبَهَ بِالجَبَلِ مِنَ الدَّاخِلِ؛ سَقْفُهَا حَجَرٌ أَصَمُّ تَتَدَلَّى مِنْهُ الرُّطُوبَةُ فِي قَطَرَاتٍ بَطِيئَةٍ، وَجُدْرَانُهَا صَخْرٌ مَحْفُورٌ فِيهِ حُفَرَاتٌ صَغِيرَةٌ، كُلٌّ مِنْهَا تَضُمُّ تِمْثَالًا صَغِيرًا لِشَخْصِيَّةٍ جَالِسَةٍ فِي تَأَمُّلٍ.
وَكَانَتِ الأَرْضُ خَشَبًا دَاكِنًا مَصْقُولًا بِالسِّنِينَ.
وَمِنْ نُقْطَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ فِي السَّقْفِ تَتَدَلَّى خُيُوطٌ طَوِيلَةٌ عُلِّقَتْ عَلَيْهَا أَعْلَامٌ مُسْتَطِيلَةٌ مِنَ القُمَاشِ المَطْبُوعِ بِكِتَابَاتٍ وَأَشْكَالٍ؛ أَعْلَامٌ زَرْقَاءُ وَحَمْرَاءُ وَخَضْرَاءُ وَصَفْرَاءُ وَبَيْضَاءُ، تَرْفْرِفُ بِحَرَكَةٍ لَطِيفَةٍ كُلَّمَا أَحَسَّتْ بِنَفَسٍ.
وَكَانَ الهَوَاءُ… الهَوَاءُ فِي تِلْكَ القَاعَةِ شَيْئًا آخَرَ تَمَامًا.
كَانَ بَارِدًا وَنَقِيًّا بِطَرِيقَةٍ تُشْعِرُ مَن يَسْتَنْشِقُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَنَفَّسْ حَقًّا مُنْذُ أَمَدٍ بَعِيدٍ؛ نَقَاءٌ يَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهِ رَائِحَةَ البَخُورِ المُحْتَرِقِ وَالخَشَبِ القَدِيمِ وَشَيْئًا آخَرَ لَا اسْمَ لَهُ، شَيْئًا يُذَكِّرُ بِالأَمَاكِنِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ الاسْتِعْجَالَ.
وَفِي عُمْقِ تِلْكَ القَاعَةِ، أَمَامَ نَافِذَةٍ صَغِيرَةٍ مُشَرَّعَةٍ عَلَى فَضَاءِ الجِبَالِ، جَلَسَ الرَّجُلُ.
لَمْ يَكُنِ الجُلُوسُ هُنَا مُجَرَّدَ وَضْعِيَّةٍ عَادِيَّةٍ.
كَانَتِ الطَّرِيقَةُ الَّتِي تَمَاسَكَتْ بِهَا أَعْضَاؤُهُ تَقُولُ إِنَّ هٰذَا الرَّجُلَ قَدْ رَسَّخَ جَسَدَهُ فِي هٰذَا المَكَانِ كَمَا تُرَسِّخُ الأَشْجَارُ جُذُورَهَا.
قَدَمَاهُ مُتَقَاطِعَتَانِ فِي هُدُوءٍ مُتْقَنٍ، وَرَاحَتَا يَدَيْهِ مَفْتُوحَتَانِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، كَأَنَّهُمَا تَسْتَقْبِلَانِ مَا يَأْتِي وَتَرْفُضَانِ لَا شَيْءَ.
ظَهْرُهُ مُسْتَقِيمٌ بِاعْتِدَالٍ لَا تَصَنُّعَ فِيهِ، وَعَيْنَاهُ نِصْفُ مُغْمَضَتَيْنِ، كَمَنْ يَرَى العَالَمَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ: مَا هُوَ خَارِجَهُ وَمَا هُوَ دَاخِلَهُ.
كَانَ فِي الخَامِسَةِ وَالخَمْسِينَ مِنْ عُمُرِهِ، وَذٰلِكَ العُمْرُ لَمْ يَتْرُكْهُ مُتَجَعِّدًا وَهَرِمًا، بَلْ حَفَرَ فِي مَلَامِحِهِ تَضَارِيسَ حَيَاةٍ عَاشَهَا بِعُمْقٍ غَيْرِ اعْتِيَادِيٍّ.
وَقَفَ سَامِرُ عَلَى العَتَبَةِ لَحْظَةً، حَائِرًا بَيْنَ أَنْ يُحْدِثَ صَوْتًا فَيُزَعْزِعَ هٰذَا الصَّمْتَ الثَّمِين، وَبَيْنَ أَنْ يَبْقَى وَاقِفًا إِلَى مَا لَا نِهَايَةَ.
لٰكِنَّ الرَّجُلَ، دُونَ أَنْ يَفْتَحَ عَيْنَيْهِ بِالكَامِلِ، قَالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ وَدَاخِلِيِّ الطَّابَعِ، كَأَنَّهُ يَجِيءُ مِنْ مَكَانٍ أَبْعَدَ مِنَ الحَنْجَرَةِ:
— ادْخُلْ بِهُدُوءٍ، يَا صَدِيقِي. الصَّمْتُ هُنَا لَيْسَ غِيَابًا، بَلْ حُضُورٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ.
ثَانِيًا: السُّؤَالُ الأَوَّلُ
جَلَسَ سَامِرُ بِحَذَرٍ أَمَامَهُ، مُحَاوِلًا أَنْ يُقَلِّدَ شَيْئًا مِنْ هَيْئَتِهِ دُونَ أَنْ يَتَظَاهَرَ.
وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، وَظَهْرَهُ مُنْتَصِبًا، وَتَنَفَّسَ بِعُمْقٍ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ.
ثُمَّ سَأَلَ:
— أَنَا سَامِرٌ. اسْمَحْ لِي أَنْ أَسْأَلَكَ سُؤَالًا قَدْ يَبْدُو غَرِيبًا فِي هٰذَا المَكَانِ: مَاذَا تَعْنِي النِّيرْفَانَا، بِالضَّبْطِ؟ هَلْ هِيَ ذَاكِرَةٌ كَامِلَةٌ أَمْ نِسْيَانٌ تَامٌّ؟
فَتَحَ الرَّاهِبُ عَيْنَيْهِ بِبُطْءٍ وَاضِحٍ، كَمَنْ يَرْفَعُ سِتَارًا ثَقِيلًا بِرِفْقٍ شَدِيدٍ حَتَّى لَا يُمَزِّقَهُ.
وَكَانَتْ فِي تِلْكَ العَيْنَيْنِ نَظْرَةٌ غَرِيبَةُ التَّرْكِيبِ؛ فِيهَا يَقَظَةٌ وَمَسَافَةٌ فِي آنٍ مَعًا.
نَظْرَةٌ لَا تَسْتَعْجِلُ الحُكْمَ وَلَا تَتَهَرَّبُ مِنْهُ.
— هٰذَا سُؤَالٌ يَسْتَحِقُّ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّأَمُّلِ، لَا إِجَابَةً سَرِيعَةً. لٰكِنْ دَعْنِي أُحَاوِلْ. النِّيرْفَانَا لَيْسَتْ نِسْيَانًا بِالصُّورَةِ الَّتِي رُبَّمَا تَتَخَيَّلُهَا، حَيْثُ يُمْحَى كُلُّ شَيْءٍ وَيُصْبِحُ العَقْلُ فَارِغًا تَمَامًا كَصَفْحَةٍ لَمْ تُكْتَبْ.
هِيَ أَعْمَقُ مِنْ ذٰلِكَ بِكَثِيرٍ.
— مَا هِيَ إِذَنْ؟
تَوَقَّفَ الرَّاهِبُ قَلِيلًا، لَا لِيُفَكِّرَ وَكَأَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الإِجَابَةَ، بَلْ لِيَخْتَارَ الكَلِمَاتِ الَّتِي تُقَرِّبُ المَعْنَى البَعِيدَ.
— هِيَ تَحَرُّرٌ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالذَّاكِرَةِ، لَا إِلْغَاءٌ لِلذَّاكِرَةِ نَفْسِهَا.
تَأَمَّلْ هٰذَا الفَرْقَ: حِينَ تُقَرِّرُ أَنَّكَ لَنْ تَتَعَلَّقَ بِكُرْسِيٍّ بِعَيْنِهِ، فَأَنْتَ لَا تُحْرِقُ الكُرْسِيَّ، بَلْ تُغَيِّرُ عَلَاقَتَكَ بِهِ.
كَذٰلِكَ النِّيرْفَانَا لَا تُعْدِمُ الذِّكْرَيَاتِ، بَلْ تُحَرِّرُكَ مِنْ سُلْطَتِهَا.
فِي تَعَالِيمِنَا، المُعَانَاةُ لَا تَنْشَأُ مِنَ الذَّاكِرَةِ، بَلْ مِنْ تَشَبُّثِنَا بِهَا، خَاصَّةً الذِّكْرَيَاتِ المُؤْلِمَةَ الَّتِي نُعِيدُ تَشْغِيلَهَا فِي عُقُولِنَا مِرَارًا وَتَكْرَارًا، كَمَنْ يَجْلِسُ أَمَامَ جُرْحٍ قَدِيمٍ وَيَكْشِطُهُ كُلَّ يَوْمٍ حَتَّى يَمْنَعَهُ مِنَ الِالْتِئَامِ.
قَالَ سَامِرُ، وَقَدْ لَمَسَ الكَلَامُ شَيْئًا فِيهِ دَقِيقًا:
— لٰكِنِّي لَسْتُ فِي حَالَةِ التَّشَبُّثِ بِذِكْرَى مُؤْلِمَةٍ، أَنَا فِي الحَالَةِ المُعَاكِسَةِ تَمَامًا: أَفْتَقِدُ ذِكْرَى أَحْتَاجُهَا.
ثَالِثًا: الذَّاكِرَةُ الَّتِي تَغِيبُ وَالذَّاكِرَةُ الَّتِي تُثْقِلُ
ابْتَسَمَ الرَّاهِبُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً لَمْ تُفَاجِئْهَا هٰذِهِ الجُمْلَةُ.
بَلْ عَلَى العَكْسِ، بَدَتْ كَأَنَّهَا أَكْمَلَتْ فِي ذِهْنِهِ فِكْرَةً كَانَ يُعِدُّهَا.
— هٰذَا، فِي الحَقِيقَةِ، نَفْسُ المُشْكِلَةِ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا.
أَنْتَ مُتَعَلِّقٌ بِفِكْرَةِ: «يَجِبُ أَنْ أَتَذَكَّرَ»، تَمَامًا كَمَا يَتَعَلَّقُ آخَرُونَ بِفِكْرَةِ: «لَنْ أَسْتَطِيعَ أَنْ أَنْسَى».
كِلَا التَّعَلُّقَيْنِ يُسَبِّبَانِ مُعَانَاةً.
تَمَكَّنَتِ الحَيْرَةُ مِنْ وَجْهِ سَامِرَ أَكْثَرَ:
— كَيْفَ يَكُونُ افْتِقَادُ شَيْءٍ وَرَغْبَةُ امْتِلَاكِهِ مُسَاوِيًا لِلتَّمَسُّكِ بِشَيْءٍ وَالخَوْفِ مِنْ فَقْدَانِهِ؟ هٰذَانِ نَقِيضَانِ.
— هُمَا نَقِيضَانِ فِي الشَّكْلِ، لٰكِنَّهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الجَوْهَرِ.
تَأَمَّلْ مِثَالًا بَسِيطًا:
رَجُلٌ لَا يُفَارِقُ صُورَةَ مَنْ أَحَبَّهَا وَمَاتَتْ، يُقَلِّبُ الصُّورَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلَّ لَيْلَةٍ وَيَبْكِي، يَبْنِي يَوْمَهُ عَلَى مِحْوَرِ تِلْكَ الخَسَارَةِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ النَّوْمَ دُونَ أَنْ يَضَعَ الصُّورَةَ عَلَى المِخَدَّةِ المُجَاوِرَةِ.
وَرَجُلٌ آخَرُ يَبْحَثُ عَنْ صُورَةٍ ضَائِعَةٍ لَا يَعْرِفُ وَجْهَهَا وَلَا تَفَاصِيلَهَا، لٰكِنَّهُ أَقْسَمَ أَلَّا يَهْدَأَ حَتَّى يَجِدَهَا، وَيَجْعَلُ رَاحَتَهُ مَشْرُوطَةً بِالعُثُورِ عَلَيْهَا، وَيَرَى كُلَّ يَوْمٍ يَمُرُّ دُونَ إِيجَادِهَا هَزِيمَةً جَدِيدَةً.
الرَّجُلَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي مَا يَحْمِلَانِهِ، لٰكِنَّهُمَا مُتَشَابِهَانِ فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي يَحْمِلَانِهِ بِهَا.
كِلَاهُمَا جَعَلَ سَلَامَهُ الدَّاخِلِيَّ مَرْهُونًا بِشَيْءٍ خَارِجٍ عَنْ إِرَادَتِهِ الكَامِلَةِ.
سَكَتَ سَامِرُ طَوِيلًا.
كَانَ يُدْرِكُ أَنَّ فِي الكَلَامِ حَقًّا يُصِيبُهُ مُبَاشَرَةً، لٰكِنَّ جُزْءًا مِنْهُ أَبَى الِاسْتِسْلَامَ بِسُهُولَةٍ.
— هَلْ تَقْصِدُ إِذَنْ أَنْ أَتَوَقَّفَ عَنِ البَحْثِ عَنْ يَوْمِيَ المَفْقُودِ؟
هَزَّ الرَّاهِبُ رَأْسَهُ بِرِفْقٍ شَدِيدٍ، كَمَنْ يُصَحِّحُ فَهْمًا مَعْكُوسًا:
— لَا، لَمْ أَقُلْ هٰذَا.
التَّأَمُّلُ لَا يَعْنِي التَّخَلِّيَ عَنِ الفِعْلِ، بَلْ يَعْنِي تَغْيِيرَ عَلَاقَتِكَ بِنَتِيجَةِ الفِعْلِ.
هُنَاكَ فَرْقٌ جَوْهَرِيٌّ بَيْنَ أَنْ تَبْحَثَ لِأَنَّ البَحْثَ نَفْسَهُ ذُو قِيمَةٍ، وَبَيْنَ أَنْ تَبْحَثَ لِأَنَّكَ مُقْتَنِعٌ أَنَّ السَّعَادَةَ مُسْتَحِيلَةٌ بِدُونِ الإِجَابَةِ.
الأَوَّلُ هُوَ حِكْمَةٌ، وَالثَّانِي هُوَ سِجْنٌ.
تَنَفَّسَ سَامِرُ بِبُطْءٍ.
— أَعْطِنِي مِثَالًا أَفْهَمُهُ.
فَكَّرَ الرَّاهِبُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ:
— هَبْ أَنَّ طَبِيبًا يَعْمَلُ فِي بُقْعَةٍ نَائِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ كُلِّ مُسْتَشْفًى، وَجَاءَهُ مَرِيضٌ فِي حَالَةٍ طَارِئَةٍ.
عَمِلَ الطَّبِيبُ بِكُلِّ مَا يَمْلِكُ مِنْ عِلْمٍ وَمَهَارَةٍ وَإِخْلَاصٍ، ثُمَّ بَقِيَتْ نَتِيجَةُ العِلَاجِ غَيْرَ مَضْمُونَةٍ.
الطَّبِيبُ الحَكِيمُ يَقُولُ فِي دَاخِلِهِ: «فَعَلْتُ مَا يُمْكِنُنِي فِعْلُهُ، وَالبَقِيَّةُ لَيْسَتْ بِيَدِي».
يَبْقَى مُنْتَبِهًا، يُتَابِعُ المَرِيضَ، وَيُعَدِّلُ العِلَاجَ إِنْ أَمْكَنَ، لٰكِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ نَفْسَهُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ.
أَمَّا الطَّبِيبُ المَأْسُورُ بِهَوَاجِسِهِ، فَحَتَّى لَوْ كَانَ أَكْثَرَ كَفَاءَةً، فَإِنَّهُ يُنْهِكُ طَاقَتَهُ فِي القَلَقِ حَتَّى يُصْبِحَ أَقَلَّ قُدْرَةً عَلَى المُسَاعَدَةِ الفِعْلِيَّةِ.
البَحْثُ عَنْ يَوْمِكَ المَفْقُودِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الطَّبِيبِ الأَوَّلِ: جَادًّا وَمُنْتَبِهًا، لٰكِنْ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِنَتِيجَةٍ.
رَابِعًا: حِينَ تَذُوبُ الحُدُودُ
شَعَرَ سَامِرُ بِدُوَارٍ فِكْرِيٍّ لَطِيفٍ؛ الدُّوَارُ الَّذِي يَأْتِي حِينَ تَبْدَأُ فِكْرَةٌ جَدِيدَةٌ بِإِزَاحَةِ فِكْرَةٍ قَدِيمَةٍ دُونَ أَنْ تَحُلَّ مَحَلَّهَا فَوْرًا، فَتَبْقَى النَّفْسُ فِي لَحْظَةِ فَرَاغٍ تَكَادُ تَكُونُ دُوَارًا.
— هٰذَا صَعْبٌ جِدًّا عَمَلِيًّا، حَتَّى لَوْ كَانَ مَنْطِقِيًّا نَظَرِيًّا.
ضَحِكَ الرَّاهِبُ ضَحْكَةً هَادِئَةً نَادِرَةً، كَأَنَّ الضَّحِكَ عِنْدَهُ احْتِيَاطِيٌّ لَا يُكْشَفُ إِلَّا فِي المَوَاقِفِ الَّتِي تَسْتَحِقُّهُ:
— بِالطَّبْعِ هُوَ صَعْبٌ.
أَمْضَيْتُ ثَلَاثِينَ عَامًا مِنَ التَّأَمُّلِ المُنَظَّمِ، وَمَا زِلْتُ أَتَعَلَّمُ كُلَّ يَوْمٍ كَيْفَ أُخَفِّفُ قَبْضَتِي عَلَى الأَشْيَاءِ دُونَ أَنْ أَتَخَلَّى عَنِ الِاهْتِمَامِ بِهَا.
هٰذَا تَوَازُنٌ دَقِيقٌ لَا يُتْقَنُ بِسُرْعَةٍ، كَمَا لَا يُتْقَنُ ضَرْبُ الأَوْتَارِ المُوسِيقِيَّةِ بِالضَّغْطِ الصَّحِيحِ دُونَ سَنَوَاتٍ مِنَ التَّدْرِيبِ.
—أَخْبِرْنِي أَكْثَرَ عَنِ النِّيرْفَانَا. هَلْ تَظُنُّ أَنَّ الذَّاكِرَةَ تَخْتَفِي فِيهَا؟
فَكَّرَ الرَّاهِبُ طَوِيلًا، وَكَأَنَّهُ لَا يُجِيبُ مِنَ المَخْزُونِ المَحْفُوظِ فِي ذَاكِرَتِهِ، بَلْ يَسْتَحْضِرُ تَجْرِبَةً دَاخِلِيَّةً حَيَّةً تَحْتَاجُ تَرْجَمَةً إِلَى الكَلَامِ.
—فِي أَعْمَقِ لَحَظَاتِ تَأَمُّلِي، أَحْيَانًا أَصِلُ إِلَى حَالَةٍ لَا أَشْعُرُ فِيهَا بِحُدُودٍ وَاضِحَةٍ بَيْنَ ذَاكِرَتِي وَذَاكِرَةِ كُلِّ مَنْ سَبَقَنِي؛ كُلِّ البَشَرِ، وَكُلِّ الكَائِنَاتِ الَّتِي عَاشَتْ وَمَضَتْ. فِي تِلْكَ اللَّحَظَاتِ لَا أَشْعُرُ أَنَّ ذَاكِرَتِي الفَرْدِيَّةَ اخْتَفَتْ، بَلْ أَشْعُرُ أَنَّهَا ذَابَتْ فِي شَيْءٍ أَوْسَعَ بِكَثِيرٍ، كَمَا تَذُوبُ قَطْرَةٌ تَسْقُطُ فِي نَهْرٍ: القَطْرَةُ لَمْ تُعْدَمْ، لَكِنَّهَا لَمْ تَعُدْ تُعَرِّفُ نَفْسَهَا بِحُدُودِهَا القَدِيمَةِ.
—هَذَا يَبْدُو مُخِيفًا بِطَرِيقَةٍ مَا. فَقْدَانُ الحُدُودِ الفَرْدِيَّةِ يَبْدُو كَنَوْعٍ مِنَ… الفَنَاءِ؟
أَوْمَأَ الرَّاهِبُ بِاعْتِرَافٍ صَادِقٍ:
—هُوَ مُخِيفٌ فِي البِدَايَةِ، نَعَمْ. الأَنَا تَخَافُ مِنَ الذَّوَبَانِ كَمَا يَخَافُ البِنَاءُ مِنَ الهَدْمِ؛ تَظُنُّ أَنَّ فَقْدَانَ الشَّكْلِ يَعْنِي فَقْدَانَ الوُجُودِ. لَكِنْ مَعَ المُمَارَسَةِ، تَكْتَشِفُ أَنَّ هَذَا الذَّوَبَانَ لَيْسَ فَنَاءً، بَلِ اتِّسَاعًا. تَخَيَّلْ قِطْعَةَ ثَلْجٍ فِي الشَّمْسِ؛ هِيَ لَا تُعْدَمُ، بَلْ تَتَحَوَّلُ إِلَى مَاءٍ يَسْقِي الأَرْضَ وَيَمْلَأُ الأَنْهَارَ وَيَرْتَفِعُ بُخَارًا إِلَى السَّحَابِ، ثُمَّ يَعُودُ مَطَرًا. لَمْ تَفْنَ، لَكِنَّهَا تَجَاوَزَتْ حُدُودَهَا القَدِيمَةَ إِلَى مَا هُوَ أَوْسَعُ. كَذَلِكَ الوَعْيُ فِي النِّيرْفَانَا لَا يَخْتَفِي، بَلْ يَكُفُّ عَنْ مَحْدُودِيَّتِهِ.
—هَلْ تَظُنُّ أَنَّ يَوْمِيَ المَفْقُودَ قَدْ يَكُونُ مَوْجُودًا فِي تِلْكَ الذَّاكِرَةِ الأَوْسَعِ، حَتَّى لَوْ لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ بِوَعْيِي الفَرْدِيِّ؟
ابْتَسَمَ الرَّاهِبُ ابْتِسَامَةً عَمِيقَةً، كَأَنَّ السُّؤَالَ وَصَلَ إِلَى مَكَانٍ حَسَّاسٍ فِي دَاخِلِهِ:
—هَذَا سُؤَالٌ جَمِيلٌ حَقًّا. لَا أَمْلِكُ يَقِينًا فَلْسَفِيًّا كَامِلًا حَوْلَهُ، لَكِنَّ حَدْسِي الرُّوحِيَّ يَقُولُ: لَا شَيْءَ يَضِيعُ تَمَامًا فِي هَذَا الكَوْنِ. كُلُّ لَحْظَةٍ عَاشَهَا وَعْيٌ مَا قَدْ تُودَعُ فِي نَسِيجِ الوُجُودِ بِطَرِيقَةٍ تَفُوقُ مَقَايِيسَنَا. رُبَّمَا يَوْمُكَ مَوْجُودٌ فِي مَكَانٍ مَا مِنَ الوَعْيِ الأَوْسَعِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَصِلْ إِلَى وَعْيِكَ الشَّخْصِيِّ المَحْدُودِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِسَكِينَةٍ غَرِيبَةٍ تَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ مِنْ جِهَةٍ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا. لَيْسَ الِارْتِيَاحَ الَّذِي يَأْتِي حِينَ تُحَلُّ مُشْكِلَةٌ، بَلِ الِارْتِيَاحَ الأَعْمَقَ الَّذِي يَأْتِي حِينَ تَتَغَيَّرُ المُشْكِلَةُ فِي نَظَرِكَ دُونَ أَنْ تَزُولَ.
—هَذَا يَمْنَحُنِي عَزَاءً، رَغْمَ أَنَّهُ لَيْسَ إِجَابَةً مُبَاشِرَةً.
—أَحْيَانًا، العَزَاءُ أَهَمُّ مِنَ الإِجَابَةِ المُبَاشِرَةِ، يَا سَامِرُ. خَاصَّةً حِينَ تَكُونُ الإِجَابَةُ المُبَاشِرَةُ غَيْرَ مُتَاحَةٍ أَصْلًا. العَزَاءُ لَيْسَ ضَعْفًا وَلَا هُرُوبًا، هُوَ التَّكَيُّفُ الحَكِيمُ مَعَ حُدُودِ مَا هُوَ مُمْكِنٌ. حِينَ يُخْفِقُ المُزَارِعُ فِي إِنْقَاذِ مَوْسِمٍ جَفَّتْ فِيهِ الأَرْضُ، لَيْسَ أَمَامَهُ إِلَّا أَنْ يُدْرِكَ مَا لَا يُمْلَكُ، وَيَسْتَعِدَّ لِمَوْسِمٍ جَدِيدٍ. هَذَا الإِدْرَاكُ هُوَ، فِي حَدِّ ذَاتِهِ، نَوْعٌ مِنَ الحِكْمَةِ، لَا نَوْعٌ مِنَ الهَزِيمَةِ.
خَامِسًا: كَيْفَ تَبْدَأُ
جَلَسَ سَامِرٌ فِي صَمْتٍ قَصِيرٍ. كَانَتِ القَاعَةُ حَوْلَهُ لَا تَزَالُ تَنْبِضُ بِهُدُوئِهَا الخَاصِّ، وَالأَعْلَامُ المُلَوَّنَةُ تَتَحَرَّكُ بِرِفْقٍ، وَكَأَنَّهَا تُصَفِّقُ تَصْفِيقًا صَامِتًا لِكُلِّ فِكْرَةٍ تُقَالُ وَتُفْهَمُ. ثُمَّ سَأَلَ:
—كَيْفَ أَبْدَأُ بِمُمَارَسَةِ هَذَا التَّحَرُّرِ مِنَ التَّعَلُّقِ، دُونَ أَنْ أُصْبِحَ لَا مُبَالِيًا بِكُلِّ شَيْءٍ؟ هَذَا هُوَ خَوْفِي الحَقِيقِيُّ: أَنْ أُفَرِّطَ فِي الِاتِّزَانِ حَتَّى أُصْبِحَ بَارِدَ القَلْبِ، لَا يُحَرِّكُنِي شَيْءٌ.
فَتَحَ الرَّاهِبُ عَيْنَيْهِ بِالكَامِلِ هَذِهِ المَرَّةَ، وَنَظَرَ إِلَى سَامِرٍ بِحَنَانِ مَنْ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ طَرَحَهُ عَلَى نَفْسِهِ ذَاتَ يَوْمٍ:
—هَذَا الخَوْفُ نَفْسُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّكَ لَنْ تَقَعَ فِي ذَلِكَ الفَخِّ. مَنْ يَتَسَاءَلُ عَنِ الفَرْقِ بَيْنَ السَّلَامِ وَالبُرُودِ لَا يَخْلِطُ بَيْنَهُمَا بِسُهُولَةٍ. التَّحَرُّرُ الحَقِيقِيُّ لَا يُجَفِّفُ الِاهْتِمَامَ، بَلْ يُنَقِّيهِ. هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ تُحِبَّ شَخْصًا وَبَيْنَ أَنْ تُدَمِّرَ نَفْسَكَ خَوْفًا مِنْ فَقْدَانِهِ. كِلَاهُمَا حُبٌّ، لَكِنَّ الأَوَّلَ يُغَذِّي الحَيَاةَ، وَالثَّانِيَ يُنْهِكُهَا.
ثُمَّ قَالَ:
—ابْدَأْ بِشَيْءٍ بَسِيطٍ جِدًّا، لَا يَحْتَاجُ إِلَى سَنَوَاتٍ مِنَ التَّدْرِيبِ. حِينَ يَأْتِيكَ القَلَقُ بِشَأْنِ يَوْمِكَ المَفْقُودِ، لَا تُحَارِبْهُ وَلَا تُطَارِدْهُ بَعِيدًا، لِأَنَّ مُحَارَبَةَ الأَفْكَارِ تَمْنَحُهَا قُوَّةً إِضَافِيَّةً؛ كَمَنْ يُدْفَعُ إِلَى حُفْرَةٍ، ثُمَّ يُحَاوِلُ الخُرُوجَ مِنْهَا بِالدَّفْعِ عَلَى جُدْرَانِهَا ذَاتِهَا. بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ، فَقَطْ لَاحِظْهُ. اعْتَرِفْ بِوُجُودِهِ كَمَا تَعْتَرِفُ بِسَحَابَةٍ تَمُرُّ فِي السَّمَاءِ؛ تَقُولُ بِهُدُوءٍ فِي دَاخِلِكَ: «هَذَا قَلَقٌ يَأْتِينِي الآنَ. أَرَاهُ. لَا يُعَرِّفُنِي، لَكِنَّهُ مَوْجُودٌ». ثُمَّ دَعْهُ يَمُرُّ. لَا تُغَذِّهِ بِالتَّسَاؤُلَاتِ القَهْرِيَّةِ، وَلَا تَطْرُدْهُ بِالإِنْكَارِ؛ فَمُجَرَّدُ رُؤْيَتِهِ رُؤْيَةً هَادِئَةً يَسْلُبُ مِنْهُ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ قُوَّتِهِ.
—يَبْدُو بَسِيطًا جِدًّا لِشَيْءٍ بِهَذَا العُمْقِ.
—المَسَافَةُ بَيْنَ البَسِيطِ وَالسَّهْلِ أَوْسَعُ مِمَّا تَتَخَيَّلُ. التَّنَفُّسُ بَسِيطٌ، لَكِنَّ تَنْظِيمَهُ فِي لَحْظَةِ الذُّعْرِ الشَّدِيدِ لَيْسَ سَهْلًا. تَنَاوُلُ الطَّعَامِ بَسِيطٌ، لَكِنَّ الأَكْلَ بِوَعْيٍ حَقِيقِيٍّ فِي كُلِّ لُقْمَةٍ لَيْسَ سَهْلًا. هَكَذَا المُرَاقَبَةُ الهَادِئَةُ؛ المَبْدَأُ بَسِيطٌ، لَكِنَّ المُمَارَسَةَ تَحْتَاجُ وَقْتًا وَصَبْرًا وَتَكْرَارًا. أَمْضَيْتُ أَنَا عَشْرَ سَنَوَاتٍ حَتَّى بَدَأْتُ أَسْتَطِيعُ فِعْلَ هَذَا بِثَبَاتٍ نِسْبِيٍّ، لَا ثَبَاتٍ كَامِلٍ.
سَادِسًا: الصَّمْتُ الأَخِيرُ
أَوْمَأَ سَامِرٌ بِرَأْسِهِ بِبُطْءٍ، كَمَنْ يُثَبِّتُ مَا سَمِعَهُ فِي مَكَانٍ دَاخِلِيٍّ آمِنٍ حَتَّى لَا يَتَسَرَّبَ. ثُمَّ قَالَ:
—شُكْرًا لَكَ.
لَمْ يَقُلِ الرَّاهِبُ شَيْئًا. أَغْمَضَ عَيْنَيْهِ مِنْ جَدِيدٍ بِالنَّفْسِ البُطْءِ الرَّهِيبِ الَّذِي فَتَحَهُمَا بِهِ، وَعَادَ إِلَى تَأَمُّلِهِ الصَّامِتِ، كَمَنْ يُدِيرُ ظَهْرَهُ بِلُطْفٍ لِلْعَالَمِ الخَارِجِيِّ لِيُقْبِلَ مِنْ جَدِيدٍ عَلَى عَالَمٍ أَوْسَعَ بِدَاخِلِهِ.
وَبَدَأَتْ قَاعَةُ الدَّيْرِ الجَبَلِيِّ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ مَحْسُوسٍ، الأَعْلَامُ المُلَوَّنَةُ تَذُوبُ أَوَّلًا، ثُمَّ الجُدْرَانُ الصَّخْرِيَّةُ، ثُمَّ الهَوَاءُ النَّقِيُّ البَارِدُ، حَتَّى وَجَدَ سَامِرٌ نَفْسَهُ فِي الرِّوَاقِ المُعْتَادِ مَرَّةً أُخْرَى، ذَلِكَ الرِّوَاقُ الَّذِي صَارَ يَشْعُرُ أَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ مَمَرٍّ بَيْنَ غُرَفٍ، بَلْ وَقَفَاتٌ بَيْنَ أَفْكَارٍ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ جَدِيدٍ، وَعَلَى ذَلِكَ البَابِ نَقْشٌ بَسِيطٌ: قَلْبٌ فِي دَائِرَةٍ تُحِيطُ بِهِ شُعْلَةٌ صَغِيرَةٌ.
—القَاعَةُ التَّالِيَةُ تَحْمِلُ صَوْتَ امْرَأَةٍ عَاشَتْ قَبْلَ الرَّاهِبِ بِقُرُونٍ طَوِيلَةٍ. سَتَتَحَدَّثُ عَنْ نَوْعٍ آخَرَ مِنَ التَّحَرُّرِ، لَيْسَ عَبْرَ التَّأَمُّلِ الهَادِئِ، بَلْ عَبْرَ الحُبِّ الجَارِفِ الَّذِي يَتَجَاوَزُ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى الذَّاكِرَةَ نَفْسَهَا.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ لَحْظَةً قَبْلَ الدُّخُولِ. شَيْءٌ مَا قَالَهُ الرَّاهِبُ لَمْ يُغَادِرْهُ؛ كَانَ لَا يَزَالُ يَسْمَعُ صَدَاهُ فِي مَكَانٍ بَيْنَ صَدْرِهِ وَعَقْلِهِ:
«ابْحَثْ، لِأَنَّ البَحْثَ لَهُ قِيمَةٌ فِي ذَاتِهِ».
كَانَ هَذَا يَبْدُو فِي البِدَايَةِ مُجَرَّدَ كَلَامٍ فَلْسَفِيٍّ. لَكِنَّهُ الآنَ، وَقَدْ تَسَرَّبَ إِلَيْهِ بِهُدُوءٍ خِلَالَ دَقَائِقِ تِلْكَ المُحَادَثَةِ، بَدَا وَكَأَنَّهُ مِفْتَاحٌ لِغُرْفَةٍ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّهَا مُغْلَقَةٌ.
مَدَّ يَدَهُ إِلَى مِقْبَضِ البَابِ وَأَدَارَهُ.

متحف الأيام المفقودة 22