متحف الأيام المفقودة 34

مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفصل الرابع والثلاثون – ديكارت – هولندا — عامُ أَلفٍ وسِتِّمائةٍ وواحدٍ وأَربعينَ لِلميلاد
________________________________________
كانَتِ الغُرفةُ صَغيرةً، لكِنَّها كانَتْ مِنْ ذلكَ النَّوعِ مِنَ الغُرَفِ الصَّغيرةِ الّتي لا تَشعُرُ بِضيقِها أَبَدًا، لأَنَّ ما يَجري بِداخِلِها أَكبَرُ مِنْ جُدرانِها.
كانَ المَوقِدُ يَشتَعِلُ في الزّاويةِ بِهُدوءٍ مَحسوبٍ، كَمَنْ يَعرِفُ أَنَّ الدِّفءَ هُنا خِدمةٌ لا عَرضٌ، وأَنَّ صاحِبَ الغُرفةِ لا يَنتَبِهُ إليهِ أَصلًا.
وفي وَسطِ الغُرفةِ، أَمامَ طاوِلةٍ بَسيطةٍ مَكسُوَّةٍ بِأَوراقٍ مُتَراكِمةٍ، كانَ يَجلِسُ رَجُلٌ في السّابِعةِ والأَربَعينَ مِنْ عُمرِهِ، يَكتُبُ بِتَرَكُّزٍ شَديدٍ يُنسيهِ ما حَولَهُ، يَتَوَقَّفُ بَينَ الحينِ والآخَرِ، يَضَعُ القَلَمَ، يَنظُرُ في الفَراغِ أَمامَهُ بِعَينَينِ تَحمِلانِ قَلَقًا فِكريًّا حادًّا، ثُمَّ يَعودُ إلى الكِتابةِ كَمَنْ وَجَدَ جُملةً كانَ يَبحَثُ عَنها في مَكانٍ لا يَرى.
لَمْ يَنتَبِهْ إلى دُخولِ سامِرٍ في البَداءةِ.
أَوْ رُبَّما اِنتَبَهَ، لكِنَّهُ قَرَّرَ أَنْ يُكمِلَ الجُملةَ الّتي كانَ يَكتُبُها أَوَّلًا.
ثُمَّ، دونَ أَنْ يَرفَعَ رَأسَهُ عَنِ الأَوراقِ:
ـ اُدخُلْ، إِنْ كُنتَ تَستَطيعُ أَنْ تُثبِتَ لي أَنَّكَ مَوجودٌ حَقًّا.
وَقَفَ سامِرٌ.
ثُمَّ أَضافَ الرَّجُلُ بِنَبرةٍ تَحمِلُ اِبتِسامةً لا تَظهَرُ على وَجهِهِ:
ـ لا مُجَرَّدَ وَهمٍ يَخدَعُني بِهِ شَيطانٌ ماكِرٌ خَبيثٌ يُحكِمُ سَيطَرَتَهُ على حَواسِّي.
________________________________________
اِبتَسَمَ سامِرٌ رُغمَ نَفسِهِ.
كانَ قَدْ دَخَلَ قاعاتٍ كَثيرةً في هذِهِ الرِّحلةِ العَجيبةِ، وتَلَقّى تَرحيباتٍ مِنْ أَنواعٍ شَتّى، لكِنَّ أَحَدًا لَمْ يَطلُبْ مِنهُ إِثباتَ وُجودِهِ كَشَرطٍ لِلدُّخولِ.
قالَ:
ـ هذا سُؤالٌ غَريبٌ جِدًّا لِلتَّرحيبِ بِضَيفٍ.
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأسَهُ أَخيرًا.
كانَتْ عَيناهُ تَحمِلانِ فُضولًا حادًّا، نَوعَ الفُضولِ الّذي لا يَنامُ ولا يَرتاحُ، فُضولٌ يُعَذِّبُ صاحِبَهُ أَكثَرَ مِمّا يُمتِعُهُ.
قالَ:
ـ أَعتَذِرُ، لكِنَّني أُمضي أَيّامي الآنَ أُحاوِلُ أَنْ أَشُكَّ في كُلِّ شيءٍ مُمكِنِ الشَّكِّ فيهِ.
أَشارَ إلى الأَوراقِ أَمامَهُ:
ـ أُحاوِلُ أَنْ أَصِلَ إلى يَقينٍ واحِدٍ لا يُمكِنُ دَحضُهُ بِأَيِّ شَكٍّ مُمكِنٍ، مَهما كانَ طَريقةُ الشَّكِّ.
ثُمَّ أَضافَ بِهُدوءٍ فيهِ مَرارةٌ خَفيفةٌ:
ـ هذا يَجعَلُني أُرَحِّبُ بِالغُرَباءِ بِطَريقةٍ غَريبةٍ بَعضَ الشَّيءِ، كَما قُلتَ.
________________________________________
قالَ سامِرٌ، وهُوَ يَجلِسُ على الكُرسيِّ المُقابِلِ دونَ أَنْ يَنتَظِرَ دَعوةً:
ـ أَنا سامِرٌ.
ثُمَّ أَضافَ بِصِدقٍ لا يَتَكَلَّفُ:
ـ وأَنا، على الأَقَلِّ بِالنِّسبةِ لي، أَشعُرُ بِأَنَّني مَوجودٌ حَقًّا.
ضَحِكَ الرَّجُلُ ضَحكةً فِكريّةً مُقتَضَبةً، قَصيرةً كالبَرقِ لكِنَّها حَقيقيّةٌ:
ـ هذا، في الحَقيقةِ، جَوهَرُ ما تَوَصَّلتُ إليهِ أَنا أَيضًا.
وَضَعَ القَلَمَ على الطّاوِلةِ ببُطءٍ، كَمَنْ يَضَعُ سِلاحًا لَمْ يَعُدْ يَحتاجُهُ في هذِهِ اللَّحظةِ بِالذّاتِ:
ـ “أَنا أُفَكِّرُ، إِذَنْ أَنا مَوجودٌ.”
قالَها بِالطَّريقةِ الّتي يَقولُها مَنْ لَمْ يَصِلْ إليها مِنْ كِتابٍ، بَلْ حَفَرَها بِنَفسِهِ مِنْ صَخرةِ الشَّكِّ الكامِلِ:
ـ مَهما شَكَكتُ في كُلِّ شيءٍ آخَرَ حَولي، في وُجودِ جِسدي، في العالَمِ الخارِجيِّ، حَتّى في وُجودِ الإِلَهِ نَفسِهِ مُؤَقَّتًا كَتَجرِبةٍ فِكريّةٍ بَحتةٍ، لا أَستَطيعُ أَنْ أَشُكَّ في حَقيقةِ أَنَّني أُفَكِّرُ.
ثُمَّ أَضافَ بِنَبرةٍ تَحمِلُ ثِقَلَ اكتِشافٍ:
ـ لأَنَّ الشَّكَّ نَفسَهُ فِعلُ تَفكيرٍ.
________________________________________
قالَ سامِرٌ، وكانَ الفِكرُ يَتَشَكَّلُ في رَأسِهِ وهُوَ يَتَكَلَّمُ:
ـ أَعرِفُ هذِهِ المَقولةَ الشَّهيرةَ.
ثُمَّ تَوَقَّفَ ليَصيغَ ما يُريدُ قَولَهُ بِدِقَّةٍ:
ـ لكِنَّ سُؤالي يَتَعَلَّقُ بِشيءٍ أَعمَقَ.
نَظَرَ إلى الرَّجُلِ مُباشِرةً:
ـ ماذا عَنِ الذّاكِرةِ؟
وَقَفَ عِندَ السُّؤالِ لَحظةً ثُمَّ أَكمَلَ:
ـ هَلْ يُمكِنُني أَنْ أَقولَ: “أَنا أَتَذَكَّرُ، إِذَنْ أَنا مَوجودٌ”؟
________________________________________
تَوَقَّفَ ديكارت عَنِ الكِتابةِ تَمامًا.
وَضَعَ القَلَمَ.
نَظَرَ إلى سامِرٍ بِاهتِمامٍ شَديدٍ يَختَلِفُ عَنِ الاِهتِمامِ المُجامِلِ، اِهتِمامٌ مَنْ فَتَحَ أَمامَهُ بابٌ لَمْ يَرَهُ بِوُضوحٍ قَبلَ هذِهِ اللَّحظةِ بِالذّاتِ.
قالَ:
ـ سُؤالٌ مُثيرٌ جِدًّا.
ثُمَّ صَمَتَ لَحظةً، عَيناهُ تَتَحَرَّكانِ كَمَنْ يَقرَأُ نَصًّا غَيرَ مَرئيٍّ في الهَواءِ:
ـ دَعني أُفَكِّرُ فيهِ بِجِدِّيَّةٍ.
ثُمَّ بَدَأَ يَتَكَلَّمُ ببُطءٍ، كَمَنْ يَبني جِسرًا خَشَبةً خَشَبةً:
ـ الذّاكِرةُ مُختَلِفةٌ عَنِ التَّفكيرِ المُباشِرِ في لَحظَتِهِ.
وَضَعَ إِصبَعَهُ على الطّاوِلةِ كَمَنْ يُثَبِّتُ نُقطةً:
ـ تَفكيري الحاليُّ يَقينيٌّ بِشَكلٍ مُباشِرٍ، لا يَحتاجُ إلى وَسيطٍ بَينَ حُدوثِهِ ووَعيي بِهِ.
ثُمَّ رَفَعَ إِصبَعَهُ ووَضَعَهُ في مَكانٍ آخَرَ على الطّاوِلةِ، كَمَنْ يَفصِلُ نُقطتَينِ:
ـ لكِنَّ الذّاكِرةَ تَعتَمِدُ على ثِقةٍ مُعَيَّنةٍ بِأَنَّ ما أَتَذَكَّرُهُ حَدَثَ فِعلًا.
________________________________________
قالَ سامِرٌ، وكانَ يُحِسُّ أَنَّهُ يَلمِسُ شَيئًا يَخُصُّهُ هُوَ بِالذّاتِ:
ـ هَلْ تَقصِدُ أَنَّ ذاكِرَتي قَد تَكونُ خادِعةً، حَتّى لَو كانَ تَفكيري الحاليُّ يَقينيًّا؟
أَومَأَ ديكارت بِرَأسِهِ بِجِدِّيَّةٍ تامّةٍ:
ـ هذا اِحتِمالٌ فَلسَفيٌّ حَقيقيٌّ يَجِبُ أَنْ نَأخُذَهُ على مَحمَلِ الجِدِّ.
ثُمَّ بَدَأَ يَشرَحُ بِطَريقةِ مَنْ اعتادَ أَنْ يُعَلِّمَ نَفسَهُ قَبلَ أَنْ يُعَلِّمَ أَحَدًا آخَرَ:
ـ ذاكِرَتي عَنْ أَمسِ، وعَنِ العامِ الماضي، وحَتّى عَنْ طُفولَتي، تَعتَمِدُ كُلُّها على ثِقةٍ بِأَنَّ عَقلي يُخَزِّنُ المَعلوماتِ ويَستَدعيها بِدِقَّةٍ كافِيةٍ.
تَوَقَّفَ.
ثُمَّ قالَ السُّؤالَ الّذي يَبدو أَنَّهُ يُؤرِّقُهُ:
ـ لكِنْ كَيفَ أَتَأَكَّدُ مِنْ هذا بِيَقينٍ مُطلَقٍ، كَما تَأَكَّدتُ مِنْ وُجودِ تَفكيري الحاليِّ؟
________________________________________
شَعَرَ سامِرٌ بِقَلَقٍ مُتَجَدِّدٍ يَشُقُّ طَريقَهُ رُغمَ ما تَعَلَّمَهُ في القاعاتِ السّابِقةِ.
قالَ:
ـ هذا يَعني أَنَّ يَومي المَفقودَ قَد يَكونُ، بِطَريقةٍ فَلسَفيّةٍ عَميقةٍ، مُجَرَّدَ مِثالٍ مُتَطَرِّفٍ لِمُشكِلةٍ عامَّةٍ تُواجِهُ كُلَّ ذاكِرةٍ بَشَريّةٍ؟
اِبتَسَمَ ديكارت اِبتِسامةً فِكريّةً مُعجَبةً، اِبتِسامةَ أُستاذٍ يَسمَعُ تِلميذًا يَصِلُ بِنَفسِهِ إلى ما كانَ يُريدُ قَولَهُ:
ـ بِالضَّبطِ هذا ما أُحاوِلُ الإِشارةَ إليهِ.
ثُمَّ قالَ بِنَبرةٍ تَحمِلُ تَعزيةً فَلسَفيّةً حَقيقيّةً لا تَصَنُّعَ فيها:
ـ أَنتَ لَستَ في مَوقِفٍ فَريدٍ تَمامًا، يا سامِرُ.
وَضَعَ يَدَهُ على الأَوراقِ أَمامَهُ:
ـ كُلُّ إِنسانٍ، في الحَقيقةِ، يَعيشُ بِثِقةٍ غَيرِ مُؤَكَّدةٍ تَمامًا تُجاهَ ذاكِرَتِهِ.
ثُمَّ نَظَرَ إلى سامِرٍ مُباشِرةً:
ـ أَنتَ فَقَطْ واعٍ بِشَكلٍ أَكثَرَ حِدَّةً لِهذِهِ الحَقيقةِ الفَلسَفيّةِ العامَّةِ، بِسَبَبِ فُجوةٍ مُحَدَّدةٍ وواضِحةٍ في ذاكِرَتِكَ.
وهُنا كانَ في هذا الكَلامِ شيءٌ يُشبِهُ فَتحَ نافِذةٍ ضَيِّقةٍ في غُرفةٍ كانَ يَظُنُّها مُغلَقةً تَمامًا.
________________________________________
قالَ سامِرٌ، وكانَ يُريدُ أَنْ يَفهَمَ المَسارَ لا فَقَطِ النَّتيجةَ:
ـ كَيفَ وَصَلتَ أَنتَ إلى يَقينٍ، رُغمَ كُلِّ هذا الشَّكِّ العَميقِ؟
أَشارَ ديكارت إلى أَوراقِهِ:
ـ بِطَريقةٍ مَنهَجيّةٍ دَقيقةٍ.
ثُمَّ بَدَأَ يَشرَحُ كَمَنْ يَرسُمُ خَريطةً لِطَريقٍ سَلَكَهُ بِنَفسِهِ وما زالَ يَتَذَكَّرُ كُلَّ مَنعَطَفاتِهِ:
ـ بَدَأتُ بِالشَّكِّ في كُلِّ شيءٍ مُمكِنِ الشَّكِّ فيهِ، حَتّى وَصَلتُ إلى نُقطةٍ واحِدةٍ لا يُمكِنُ الشَّكُّ فيها على الإِطلاقِ: حَقيقةُ أَنَّني أُفَكِّرُ.
ثُمَّ أَضافَ:
ـ مِنْ تِلكَ النُّقطةِ الصُّلبةِ الوَحيدةِ، بَدَأتُ أَبني، بِحَذَرٍ شَديدٍ، يَقينًا تَدريجيًّا حَولَ أَشياءَ أُخرى: وُجودُ إِلَهٍ غَيرِ خادِعٍ، وُجودُ عالَمٍ خارِجيٍّ حَقيقيٍّ، وحَتّى ثِقةٌ مَعقولةٌ، وإِنْ غَيرَ مُطلَقةٍ، في ذاكِرَتي.
وَضَعَ يَدَهُ الأُخرى على الطّاوِلةِ وكَمَّلَ:
ـ مِثلَ بِناءِ دارٍ لا تَبدَأُ بِالأَسقُفِ، بَلْ بِالحَفرِ حَتّى تَجِدَ الصَّخرةَ الصَّلبةَ تَحتَ الطِّينِ، ثُمَّ تَبني فَوقَها بِصَبرٍ.
________________________________________
قالَ سامِرٌ:
ـ هَلْ تَنصَحُني أَنْ أَتَّبِعَ نَهجًا مُشابِهًا؟
ثُمَّ أَوضَحَ:
ـ أَنْ أَبدَأَ بِالشَّكِّ الكامِلِ، ثُمَّ أَبني يَقينًا تَدريجيًّا؟
فَكَّرَ ديكارت طَويلًا قَبلَ أَنْ يُجيبَ، وكانَ هذا التَّفكيرُ الطَّويلُ نَفسَهُ إِجابةً جُزئيّةً على السُّؤالِ:
ـ رُبَّما، لكِنْ بِحَذَرٍ شَديدٍ.
ثُمَّ قالَ بِأَمانةٍ يَندُرُ سَماعُها مِنَ المُعَلِّمينَ عَنْ حُدودِ مَناهِجِهِمْ:
ـ مَنهَجي الفَلسَفيُّ صُمِّمَ لِأَغراضٍ مُحَدَّدةٍ جِدًّا، فَلسَفيّةٍ بَحتةٍ.
ثُمَّ أَضافَ بِوُضوحٍ:
ـ لَيسَ بِالضَّرورةِ كَدَليلٍ عَمَليٍّ لِلحَياةِ اليَوميّةِ.
نَظَرَ إلى سامِرٍ بِجِدِّيَّةٍ عَمَليّةٍ تَختَلِفُ عَنِ الجِدِّيَّةِ الفَلسَفيّةِ:
ـ في حَياتِكَ العَمَليّةِ، يا سامِرُ، أَعتَقِدُ أَنَّ عَلَيكَ أَنْ تَجِدَ تَوازُنًا بَينَ شَيئَينِ.
وَضَعَ إِصبَعَينِ على الطّاوِلةِ كَمِيزانَينِ:
ـ شَكٌّ فَلسَفيٌّ صِحِّيٌّ، يَمنَعُكَ مِنَ الثِّقةِ العَمياءِ غَيرِ المُبَرَّرةِ.
ثُمَّ الإِصبَعُ الأُخرى:
ـ وثِقةٌ عَمَليّةٌ كافيةٌ تَسمَحُ لَكَ بِالعَيشِ والعَمَلِ دونَ شَلَلٍ تامٍّ بِسَبَبِ الشَّكِّ المُفرِطِ.
________________________________________
سَألَهُ سامِرٌ:
ـ كَيفَ يَبدو هذا التَّوازُنُ عَمَليًّا؟
نَظَرَ ديكارت إليهِ بِجِدِّيَّةٍ عَمَليّةٍ نادِرةٍ في رَجُلٍ يُمضي أَيّامَهُ في الشَّكِّ الفَلسَفيِّ:
ـ ثِقْ بِما تَتَذَكَّرُهُ مِنْ حَياتِكَ بِشَكلٍ عامٍّ.
قالَها وكأَنَّهُ يُعطيهِ قاعِدةَ بِناءٍ:
ـ فَهذا أَساسٌ ضَروريٌّ لِأَيِّ حَياةٍ عَمَليّةٍ مُمكِنةٍ.
ثُمَّ أَضافَ القاعِدةَ الثّانيةَ:
ـ لكِنِ اِحتَفِظْ بِفُسحةٍ مِنَ التَّواضُعِ الفِكريِّ تُجاهَ أَيِّ ذاكِرةٍ مُحَدَّدةٍ، خاصَّةً تِلكَ الّتي تَحمِلُ فُجواتٍ واضِحةً كَيَومِكَ المَفقودِ.
ثُمَّ قالَ الجُزءَ الّذي يَبدو أَنَّهُ الأَهَمَّ:
ـ لا تَبنِ يَقينًا مُطلَقًا حَولَ ما حَدَثَ فيهِ دونَ دَليلٍ كافٍ.
ثُمَّ الجُزءَ الّذي يُكمِلُهُ:
ـ لكِنْ أَيضًا لا تَدَعِ الشَّكَّ حَولَ ذلكَ اليَومِ المُحَدَّدِ يَتَسَرَّبُ إلى الشَّكِّ في كُلِّ ذاكِرَتِكَ الأُخرى، أَو في وُجودِكَ نَفسِهِ.
وَقَفَ ثُمَّ أَضافَ:
ـ الفَيَضانُ في نَهرٍ واحِدٍ لا يَعني أَنَّ كُلَّ الأَنهارِ فاضَتْ.
________________________________________
شَعَرَ سامِرٌ بِتَوازُنٍ فِكريٍّ جَديدٍ يَستَقِرُّ فيهِ ببُطءٍ، مِثلَ غُبارٍ يَتَراكَمُ على أَرضٍ صُلبةٍ بَعدَ أَنْ تَهَدَّأَ الريحُ.
قالَ:
ـ هذا يَبدو نَهجًا مُتَوازِنًا ومَعقولًا.
اِبتَسَمَ ديكارت اِبتِسامةً فِكريّةً أَخيرةً، اِبتِسامةً تَحمِلُ شيئًا يُشبِهُ الرَّضا لَيسَ عَنِ الإِجابةِ، بَلْ عَنِ السُّؤالِ نَفسِهِ:
ـ الفَلسَفةُ، في أَفضَلِ أَحوالِها، لا تَهدِفُ لِشَلِّكَ بِالشَّكِّ المُطلَقِ.
ثُمَّ قالَ ما يَبدو أَنَّهُ جَوهَرُ ما يُريدُ أَنْ يَترُكَهُ مَعَ سامِرٍ:
ـ بَلْ لِتَعليمِكَ كَيفَ تُفَكِّرُ بِدِقَّةٍ ووُضوحٍ أَكبَرَ، حَتّى وَسطَ الغُموضِ الحَتميِّ الّذي يُحيطُ بِبَعضِ جَوانِبِ الوُجودِ.
ثُمَّ عادَ إلى أَوراقِهِ.
لَمْ يَقُلْ وَداعًا.
لَمْ يَحتَجْ إلى ذلكَ.
________________________________________
بَدَأَتِ الغُرفةُ الدّافِئةُ ببُطءٍ تَتَلاشى.
المَوقِدُ الهادِئُ، والأَوراقُ المُتَراكِمةُ، والرَّجُلُ الّذي يَبني يَقينَهُ حَجَرةً حَجَرةً فَوقَ الصَّخرةِ الوَحيدةِ الّتي لا يُمكِنُ الشَّكُّ فيها، كُلُّ هذا تَلاشى ببُطءٍ مَهيبٍ.
حَتّى عادَ سامِرٌ إلى الرَّواقِ المُعتادِ.
________________________________________
كانَ العَجوزُ يَنتَظِرُهُ إلى جانِبِ بابٍ جَديدٍ يَحمِلُ نَقشًا لِدائِرةٍ تَتَكَرَّرُ بِلا نِهايةٍ، تَلتَهِمُ نَفسَها وتُعيدُ وِلادَتَها في آنٍ واحِدٍ.
قالَ العَجوزُ بِنَبرةٍ جادَّةٍ:
ـ القاعةُ التّاليةُ، يا سامِرُ، صَعبةٌ ومُكَثَّفةٌ جِدًّا.
تَوَقَّفَ لَحظةً، عَيناهُ على النَّقشِ الدّائِريِّ:
ـ سَتُقابِلُ فَيلَسوفًا في أَوجِ تَوَهُّجِهِ الفِكريِّ، يَطرَحُ عَلَيكَ سُؤالًا قَد يَكونُ أَصعَبَ سُؤالٍ فَلسَفيٍّ تُواجِهُهُ في كُلِّ رِحلَتِكَ.
نَظَرَ إلى سامِرٍ بِعَينَينِ تَحمِلانِ شَيئًا يُشبِهُ التَّحذيرَ المُخلِصَ:
ـ هَلْ تَقبَلُ أَنْ يَتَكَرَّرَ كُلُّ شيءٍ في حَياتِكَ، بِكُلِّ تَفاصيلِهِ، إلى الأَبَدِ؟
________________________________________

متحف الأيام المفقودة 35