مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ الحَادِي وَالأَرْبَعُونَ: مِيشِيلُ فُوكُو – مِيشِيلُ فُوكُو (ذَكَرٌ، خَمْسٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً) | بَارِيسُ، ١٩٨٠ م – «مَنْ يَمْلِكُ السُّلْطَةَ يَكْتُبُ ذَاكِرَةَ الجَمِيعِ»
— — —
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ تَبْدُو فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ مَكَانًا مَأْلُوفًا، مَكْتَبًا جَامِعِيًّا كَالَّذِي رَأَى سَامِرٌ مِثْلَهُ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ مِنْ قَبْلُ.
رُفُوفٌ تَمْتَدُّ مِنَ الأَرْضِ إِلَى السَّقْفِ، مَحْشُوَّةٌ بِكُتُبٍ تَبْدُو وَكَأَنَّهَا لَا تُقَلَّبُ بَلْ تُعَاشُ، يَبْدُو عَلَيْهَا أَثَرُ الاسْتِعْمَالِ الحَقِيقِيِّ لَا أَثَرُ الزِّينَةِ.
وَرَجُلٌ فِي الخَامِسَةِ وَالخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ يَجْلِسُ خَلْفَ مَكْتَبٍ مُزْدَحِمٍ بِالأَوْرَاقِ وَالكُتُبِ، كَأَنَّ الفَوْضَى نَفْسَهَا كَانَتْ نِظَامًا لَا يَفْهَمُهُ إِلَّا صَاحِبُهُ.
رَأْسُهُ أَصْلَعُ تَمَامًا، وَعَيْنَاهُ خَلْفَ إِطَارٍ بَسِيطٍ مِنَ النَّظَّارَاتِ تَحْمِلَانِ حِدَّةً فِكْرِيَّةً وَفُضُولًا يَبْدُو وَكَأَنَّهُ لَا يَهْدَأُ، فُضُولُ مَنْ يَرَى فِي كُلِّ شَيْءٍ سُؤَالًا لَمْ يُطْرَحْ بَعْدُ.
لَمْ يَنْتَظِرِ الرَّجُلُ أَنْ يَفْتَحَ سَامِرٌ فَاهُ.
قَالَ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ لَكْنَةً فَرَنْسِيَّةً وَوُضُوحًا فِكْرِيًّا:
ـ ادْخُلْ.
دَعْنِي أَسْأَلَكَ سُؤَالًا مُبَاشِرًا قَبْلَ أَنْ تُعَرِّفَ بِنَفْسِكَ:
مَنِ الَّذِي قَرَّرَ أَنَّ يَوْمَكَ بِالذَّاتِ هُوَ «المَفْقُودُ»، بَدَلًا مِنْ أَنْ نَعْتَبِرَ كُلَّ الأَيَّامِ الأُخْرَى هِيَ «المَفْقُودَةَ»، وَيَوْمَكَ هَذَا وَحْدَهُ هُوَ «الحَاضِرُ بِقُوَّةٍ» فِي غِيَابِهِ؟
شَعَرَ سَامِرٌ بِارْتِبَاكٍ حَقِيقِيٍّ.
لَمْ يَكُنْ هَذَا السُّؤَالُ مِمَّا يَتَوَقَّعُهُ أَحَدٌ كَتَحِيَّةٍ، وَلَا هُوَ سُؤَالٌ يَسْهُلُ رَدُّهُ بِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ.
ـ أَنَا سَامِرٌ.
مَاذَا تَقْصِدُ بِالضَّبْطِ؟
ابْتَسَمَ الرَّجُلُ ابْتِسَامَةً تُشْبِهُ ابْتِسَامَةَ مَنْ وَجَدَ بَابًا مُغْلَقًا وَيَعْرِفُ أَيْنَ يَقَعُ مِفْتَاحُهُ:
ـ أَنَا مِيشِيلُ فُوكُو.
وَأَطْرَحُ عَلَيْكَ سُؤَالًا يَكْشِفُ افْتِرَاضًا تَأْخُذُهُ كَأَمْرٍ مُسَلَّمٍ بِهِ دُونَ أَنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ:
أَنَّكَ تَمْلِكُ ذَاكِرَةً «طَبِيعِيَّةً» كَامِلَةً مُتَّصِلَةً، وَأَنَّ يَوْمَكَ هَذَا «اسْتِثْنَاءٌ» مَفْقُودٌ مِنْهَا.
لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي يُشْغِلُنِي هُوَ هَذَا: مَنِ الَّذِي قَرَّرَ، فِعْلِيًّا وَلَيْسَ مَجَازًا، مَا هِيَ الذَّاكِرَةُ «الطَّبِيعِيَّةُ»، وَمَا الَّذِي يُعْتَبَرُ «فَقْدًا» يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا القَلَقِ؟
وَقَفَ سَامِرٌ لَحْظَةً، ثُمَّ قَالَ وَهُوَ يُحَاوِلُ الإِمْسَاكَ بِخَيْطِ هَذِهِ الفِكْرَةِ الَّتِي تَنْزَلِقُ:
ـ هَذَا سُؤَالٌ غَرِيبٌ جِدًّا.
أَلَيْسَ فَقْدَانُ الذَّاكِرَةِ فَقْدَانًا بِبَسَاطَةٍ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَمَّنْ «يُقَرِّرُ» تَسْمِيَتَهُ كَذَلِكَ؟
أَلَا يُوجَدُ شَيْءٌ غَائِبٌ مِنْ ذَاكِرَتِي بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ الإِطَارِ الَّذِي أَفْهَمُهُ مِنْ خِلَالِهِ؟
هَزَّ فُوكُو رَأْسَهُ بِرِفْقٍ، كَمُدَرِّسٍ يَرَى طَالِبًا يَقْتَرِبُ مِنَ الفِكْرَةِ لَكِنَّهُ لَمْ يَصِلْ إِلَيْهَا بَعْدُ:
ـ لَيْسَ بِهَذِهِ البَسَاطَةِ يَا سَامِرُ.
أَمْضَيْتُ حَيَاتِي أَدْرُسُ كَيْفَ أَنَّ مَفَاهِيمَ تَبْدُو «طَبِيعِيَّةً» أَوْ «مَوْضُوعِيَّةً» تَمَامًا، كَالجُنُونِ وَالمَرَضِ وَالجَرِيمَةِ وَحَتَّى الجِنْسَانِيَّةِ، هِيَ فِي الحَقِيقَةِ بُنًى اجْتِمَاعِيَّةٌ صَاغَتْهَا سُلْطَاتٌ مُعَيَّنَةٌ عَبْرَ التَّارِيخِ، وَخَدَمَتْ أَغْرَاضًا مُعَيَّنَةً لِتِلْكَ السُّلْطَاتِ.
خُذْ مَثَلًا الجُنُونَ.
فِي القُرُونِ الوُسْطَى، كَانَ «المَجْنُونُ» يَتَجَوَّلُ بِحُرِّيَّةٍ نِسْبِيَّةٍ، بَلْ كَانَ يُعَامَلُ أَحْيَانًا كَمَنْ يَرَى مَا لَا يَرَاهُ غَيْرُهُ، كَمَنْ يُلَامِسُ حَقِيقَةً مُخْفِيَّةً.
ثُمَّ جَاءَتِ المَصَحَّاتُ وَالتَّشْخِيصَاتُ وَالعِلَاجَاتُ، وَتَحَوَّلَ الجُنُونُ مِنْ ظَاهِرَةٍ إِنْسَانِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ إِلَى «مَرَضٍ» يَجِبُ حَصْرُهُ وَعِلَاجُهُ وَإِزَالَتُهُ.
فَمَنِ الَّذِي قَرَّرَ أَنَّ تِلْكَ الحَالَةَ «مَرَضٌ»؟
وَمَنِ اسْتَفَادَ مِنْ هَذَا التَّصْنِيفِ؟
شَعَرَ سَامِرٌ بِدُوَّارٍ فِكْرِيٍّ خَفِيفٍ.
لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ أَنْ يَصِلَ إِلَى هَذِهِ القَاعَةِ وَيَجِدُ أَحَدًا يَتَسَاءَلُ عَنْ مَشْرُوعِيَّةِ قَلَقِهِ نَفْسِهِ.
ـ كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِذَاكِرَتِي الفَرْدِيَّةِ؟
أَنَا لَا أَتَحَدَّثُ عَنِ الجُنُونِ وَلَا عَنِ المُؤَسَّسَاتِ الطِّبِّيَّةِ.
أَتَحَدَّثُ عَنْ يَوْمٍ وَاحِدٍ غَابَ مِنْ حَيَاتِي.
نَظَرَ إِلَيْهِ فُوكُو بِحِدَّةٍ فِكْرِيَّةٍ:
ـ فَكِّرْ فِي الأَمْرِ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ:
مَنِ الَّذِي قَرَّرَ أَنَّ «الذَّاكِرَةَ الكَامِلَةَ المُتَّصِلَةَ» هِيَ المَعْيَارُ الصِّحِّيُّ الطَّبِيعِيُّ لِلإِنْسَانِ، وَأَنَّ أَيَّ فَجْوَةٍ فِيهَا هِيَ «اضْطِرَابٌ» يَسْتَحِقُّ القَلَقَ وَالعِلَاجَ؟
رُبَّمَا هَذَا المَعْيَارُ نَفْسُهُ نِتَاجُ خِطَابٍ طِبِّيٍّ وَنَفْسِيٍّ مُعَيَّنٍ، تَطَوَّرَ عَبْرَ قُرُونٍ مِنَ السُّلْطَةِ المُؤَسَّسِيَّةِ.
فِي ثَقَافَاتٍ أُخْرَى وَعُصُورٍ أُخْرَى، كَانَتِ الفَجَوَاتُ فِي الذَّاكِرَةِ تُفَسَّرُ تَفْسِيرَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا: تَجْرِبَةٌ رُوحِيَّةٌ، أَوْ لَقَاءٌ مَعَ عَالَمٍ آخَرَ، أَوْ إِشَارَةٌ تَسْتَحِقُّ التَّأْوِيلَ لَا التَّشْخِيصَ.
لَيْسَتِ الذَّاكِرَةُ «الكَامِلَةُ» حَقِيقَةً مَوْضُوعِيَّةً مُطْلَقَةً عَنِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ.
هِيَ بِنَاءٌ ثَقَافِيٌّ وَتَارِيخِيٌّ وَسِيَاسِيٌّ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدُوَّارٍ فِكْرِيٍّ أَعْمَقَ هَذِهِ المَرَّةَ، يَتَحَدَّى افْتِرَاضَاتِهِ الأَسَاسِيَّةَ مِنْ جَذُورِهَا.
ـ هَذَا يَبْدُو وَكَأَنَّكَ تَنْفِي وُجُودَ مُشْكِلَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لَدَيَّ مِنَ الأَسَاسِ.
هَلْ تَقُولُ إِنَّ يَوْمِي المَفْقُودَ لَيْسَ مُشْكِلَةً فِعْلِيَّةً، بَلْ مُجَرَّدُ تَسْمِيَةٍ صَنَعَهَا خِطَابٌ مُعَيَّنٌ؟
رَفَعَ فُوكُو يَدَهُ بِرِفْقٍ، إِشَارَةً إِلَى التَّرَيُّثِ:
ـ لَا، لَا أَنْفِي مُعَانَاتَكَ الحَقِيقِيَّةَ عَلَى الإِطْلَاقِ.
مَعَانَاتُكَ حَقِيقِيَّةٌ تَمَامًا بِالنِّسْبَةِ لَكَ، وَلَا أَحَدَ يَمْلِكُ الحَقَّ فِي نَفْيِهَا.
مَا أُحَاوِلُ فِعْلَهُ هُوَ دَعْوَتُكَ لِلتَّسَاؤُلِ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ عَنِ الإِطَارِ الَّذِي تَفْهَمُ مِنْ خِلَالِهِ تِلْكَ المُعَانَاةَ.
رُبَّمَا القَلَقُ نَفْسُهُ، حَوْلَ ضَرُورَةِ امْتِلَاكِ ذَاكِرَةٍ «كَامِلَةٍ» وَ«مُتَّصِلَةٍ»، هُوَ نَفْسُهُ نِتَاجُ خِطَابٍ اجْتِمَاعِيٍّ مُعَيَّنٍ، لَا حَقِيقَةٌ مُطْلَقَةٌ عَنِ الطَّبِيعَةِ البَشَرِيَّةِ.
فَالإِنْسَانُ لَمْ يَكُنْ دَائِمًا يَرَى فِي الفَجَوَاتِ وَالانْقِطَاعَاتِ شَيْئًا يَجِبُ إِصْلَاحُهُ.
هَذَا التَّوَقُّعُ بِالذَّاتِ لَهُ تَارِيخٌ، وَلَهُ سِيَاقٌ، وَلَهُ أَصْحَابُ مَصْلَحَةٍ.
ـ مَاذَا تَقْتَرِحُ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ؟
فَكَّرَ فُوكُو طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ، كَأَنَّهُ كَانَ يَزِنُ كُلَّ كَلِمَةٍ بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ:
ـ أَقْتَرِحُ أَنْ تَتَسَاءَلَ بِجُرْأَةٍ أَكْبَرَ: مَنِ المُسْتَفِيدُ مِنْ تَصْنِيفِ فَقْدِ يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَاكِرَتِكَ كَـ«مُشْكِلَةٍ» خَطِيرَةٍ تَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا القَلَقِ؟
هَلْ هِيَ مُؤَسَّسَاتٌ طِبِّيَّةٌ تَرْغَبُ فِي تَشْخِيصِكَ وَعِلَاجِكَ وَتَحْوِيلِكَ إِلَى حَالَةٍ قَابِلَةٍ لِلتَّدَخُّلِ؟
هَلْ هِيَ تَوَقُّعَاتٌ اجْتِمَاعِيَّةٌ حَوْلَ مَا يَعْنِيهِ أَنْ تَكُونَ «إِنْسَانًا سَوِيًّا» بِذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ مُوَثَّقَةٍ وَمُنَظَّمَةٍ؟
أَمْ أَنَّ القَلَقَ يَنْبُعُ مِنْ مَصْدَرٍ آخَرَ تَمَامًا، مَصْدَرٍ أَعْمَقَ وَأَصْدَقَ، تَسْتَحِقُّ أَنْ تَسْتَكْشِفَهُ بَعِيدًا عَنِ الافْتِرَاضَاتِ الجَاهِزَةِ الَّتِي قَدَّمَهَا لَكَ الآخَرُونَ؟
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ مُعَقَّدَةٍ تَتَشَكَّلُ ببُطْءٍ فِي ذِهْنِهِ، كَصُورَةٍ تَظْهَرُ تَدْرِيجِيًّا فِي مِحْلُولٍ تَحْمِيضِيٍّ.
كَانَ شَيْءٌ مَا يَقُولُ لَهُ مِنَ الدَّاخِلِ إِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ نَفْسَهُ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ قَبْلُ: مِنْ أَيْنَ جَاءَ قَلَقُهُ تَحْدِيدًا؟
هَلْ كَانَ قَلَقًا نَابِعًا مِنْ شَيْءٍ حَقِيقِيٍّ يُحِسُّهُ مِنَ الدَّاخِلِ، أَمْ قَلَقًا عَلَّمَهُ إِيَّاهُ شَيْءٌ مِنْ خَارِجِهِ دُونَ أَنْ يُدْرِكَ؟
ـ هَذَا يَجْعَلُنِي أُعِيدُ النَّظَرَ فِي طَبِيعَةِ قَلَقِي نَفْسِهِ، لَا فَقَطْ فِي يَوْمِي المَفْقُودِ.
كَأَنَّكَ تَقُولُ لِي: لَا تَبْحَثْ فَقَطْ عَمَّا حَدَثَ، بَلِ اسْأَلْ أَيْضًا لِمَاذَا تُقَلِّقُكَ الفَجْوَةُ بِهَذِهِ الدَّرَجَةِ أَصْلًا.
أَوْمَأَ فُوكُو بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ وَاضِحٍ:
ـ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحَاوِلُ تَحْفِيزَهُ.
لَيْسَ إِجَابَةً جَاهِزَةً سَرِيعَةً تُرِيحُكَ وَتَطْوِي المَوْضُوعَ.
بَلْ تَسَاؤُلًا جَذْرِيًّا عَنِ البُنَى الَّتِي تُشَكِّلُ فَهْمَكَ لِمُشْكِلَتِكَ مِنَ الأَسَاسِ.
أَحْيَانًا، تَفْكِيكُ السُّؤَالِ نَفْسِهِ أَهَمُّ مِنَ البَحْثِ عَنْ إِجَابَةٍ مُبَاشِرَةٍ لَهُ.
السُّؤَالُ الَّذِي لَا يَكُفُّ عَنِ الإِزْعَاجِ أَحْيَانًا أَثْمَنُ مِنَ الإِجَابَةِ الَّتِي تُسْكِتُهُ.
ـ هَلْ تُؤْمِنُ أَنَّ هُنَاكَ «حَقِيقَةً» مَوْضُوعِيَّةً لِيَوْمِي، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ كُلِّ هَذِهِ البُنَى الاجْتِمَاعِيَّةِ وَالخِطَابَاتِ المُخْتَلِفَةِ؟
هَلْ حَدَثَ شَيْءٌ مَا فِي ذَلِكَ اليَوْمِ وُجُودًا مُسْتَقِلًّا عَنْ كُلِّ تَأْوِيلٍ، أَمْ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هُوَ خِطَابٌ وَبِنَاءٌ وَتَأْوِيلٌ فَقَطْ؟
نَظَرَ فُوكُو إِلَيْهِ بِحِدَّةٍ فَلْسَفِيَّةٍ، كَمَنْ يُقَدِّرُ السُّؤَالَ وَيُحَذِّرُ مِنَ الإِجَابَةِ السَّرِيعَةِ عَلَيْهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
ـ سُؤَالٌ صَعْبٌ جِدًّا، تَتَجَادَلُ حَوْلَهُ فَلْسَفَاتٌ كَثِيرَةٌ وَلَا تَزَالُ.
مَا أُؤْمِنُ بِهِ هُوَ أَنَّ وُصُولَنَا إِلَى أَيِّ «حَقِيقَةٍ» دَائِمًا مَا يَكُونُ مُوَسَّطًا عَبْرَ خِطَابَاتٍ وَأُطُرٍ مَعْرِفِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، لَا وُصُولًا مُبَاشِرًا نَقِيًّا وَمَوْضُوعِيًّا تَمَامًا.
هَذَا لَا يَعْنِي أَنَّ لَا وُجُودَ لِحَقِيقَةٍ عَلَى الإِطْلَاقِ.
بَلْ يَعْنِي أَنَّ طَرِيقَةَ فَهْمِنَا لَهَا مُعَقَّدَةٌ وَمَشْرُوطَةٌ دَائِمًا بِسِيَاقَاتِ السُّلْطَةِ وَالمَعْرِفَةِ المُحِيطَةِ بِنَا.
الحَقِيقَةُ لَيْسَتْ مَا نَرَاهُ بِعَيْنٍ شَفَّافَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الإِطَارِ.
الحَقِيقَةُ هِيَ مَا نَرَاهُ دَائِمًا مِنْ خِلَالِ إِطَارٍ مَا.
وَالوَعْيُ بِالإِطَارِ لَيْسَ تَشْكِيكًا فِي الحَقِيقَةِ، بَلْ هُوَ أَصْدَقُ الطُّرُقِ لِلاقْتِرَابِ مِنْهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِرْهَاقٍ فِكْرِيٍّ حَقِيقِيٍّ.
لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الإِرْهَاقَ الَّذِي يَدْفَعُكَ إِلَى الانْسِحَابِ.
كَانَ الإِرْهَاقَ الَّذِي يَأْتِيكَ حِينَ تَجِدُ أَنَّ مُحَاوِرَكَ كَسَرَ شَيْئًا فِي بِنَاءِ يَقِينِكَ، وَأَنْتَ لَا تَزَالُ تَنْظُرُ إِلَى الفَتْحَةِ الَّتِي أَحْدَثَهَا مَبْهُوتًا، لَا تَعْرِفُ بَعْدُ مَاذَا يَدْخُلُ مِنْهَا.
وَفِي نَفْسِ الوَقْتِ، كَانَ ثَمَّةَ انْفِتَاحٌ جَدِيدٌ يَتَشَكَّلُ، كَأَنَّ شَيْئًا تَصَلَّبَ داخله مَنْذُ أَمَدٍ بَدَأَ يَلِينُ.
ـ شُكْرًا لَكَ، رَغْمَ أَنَّنِي أَحْتَاجُ وَقْتًا طَوِيلًا لِأَسْتَوْعِبَ كُلَّ هَذَا بِعُمْقٍ كَافٍ.
ابْتَسَمَ فُوكُو ابْتِسَامَةً فِكْرِيَّةً أَخِيرَةً، ابْتِسَامَةَ مَنْ يَرَى مُهِمَّتَهُ قَدْ أَدَّاهَا لَا بِإِعْطَاءِ إِجَابَةٍ بَلْ بِزَرْعِ سُؤَالٍ:
ـ هَذَا طَبِيعِيٌّ تَمَامًا.
الفَلْسَفَةُ الجَيِّدَةُ نَادِرًا مَا تُهْضَمُ بِسُرْعَةٍ.
اذْهَبِ الآنَ يَا سَامِرُ، وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا السُّؤَالَ الجَذْرِيَّ:
مَنْ يَمْلِكُ السُّلْطَةَ عَلَى تَعْرِيفِ مَا هُوَ «طَبِيعِيٌّ» وَمَا هُوَ «مَفْقُودٌ» فِي قِصَّةِ حَيَاتِكَ؟
وَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَسْتَعِيدَ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ السُّلْطَةِ لِنَفْسِكَ، وَتُقَرِّرَ أَنْتَ مَا الَّذِي يَعْنِيهِ يَوْمُكَ بِدَلًا مِنْ أَنْ تَدَعَ الآخَرِينَ يُقَرِّرُونَهُ عَنْكَ؟
بَدَأَ المَكْتَبُ الجَامِعِيُّ بِرُفُوفِهِ الكَثِيرَةِ يَتَلَاشَى ببُطْءٍ، كَمَا تَتَلَاشَى ذِكْرَى حِوَارٍ مُثِيرٍ حِينَ تُحَاوِلُ الإِمْسَاكَ بِهَا بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
تَلَاشَتِ الكُتُبُ وَالأَوْرَاقُ وَالضَّوْءُ المَصْفَرُّ لِلمَكْتَبِ الجَامِعِيِّ، وَعَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ المَعْهُودِ.
كَانَ يَحْمِلُ فِي رَأْسِهِ ثِقَلًا فِكْرِيًّا جَدِيدًا، لَيْسَ ثِقَلَ الإِجَابَاتِ المُثْقِلَةِ، بَلْ ثِقَلَ الأَسْئِلَةِ الَّتِي تَرْفُضُ الاسْتِقْرَارَ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ البَابِ الأَخِيرِ فِي هَذَا المِحْوَرِ، يَحْمِلُ فِي يَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَحْمِلْهُ مِنْ قَبْلُ: نَقْشٌ لِشَاشَةٍ رَقْمِيَّةٍ صَغِيرَةٍ مُضِيئَةٍ، تَتَلَأْلَأُ فِي فَضَاءِ الرِّوَاقِ كَشُعْلَةٍ صَغِيرَةٍ مِنْ نَوْعٍ جَدِيدٍ.
ـ القَاعَةُ الأَخِيرَةُ فِي مِحْوَرِ الفَلْسَفَةِ تَنْتَظِرُكَ يَا سَامِرُ.
فِيهَا صَوْتُ شَابَّةٍ مِنْ جِيلٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنْ كُلِّ مَنْ قَابَلْتَهُمْ.
جِيلٌ يَطْرَحُ سُؤَالًا جَدِيدًا كُلِّيًّا لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا فِي أَيِّ عَصْرٍ سَابِقٍ: هَلِ الذَّاكِرَةُ المَحْفُوظَةُ عَلَى الأَجْهِزَةِ الرَّقْمِيَّةِ ذَاكِرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، أَمْ مُجَرَّدُ ظِلٍّ بَاهِتٍ لَهَا؟
وَقَفَ سَامِرٌ لَحْظَةً أَمَامَ البَابِ الأَخِيرِ، يَنْظُرُ إِلَى الضَّوْءِ الرَّقْمِيِّ الصَّغِيرِ فِي يَدِ العَجُوزِ.
كَانَ وَاضِحًا أَنَّ هَذَا البَابَ يَقُودُ إِلَى مَكَانٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا عَنِ الغُرَفِ الَّتِي دَخَلَهَا مِنْ قَبْلُ.
إِلَى عَصْرٍ لَا حُجُرُ فِيهِ وَلَا رِيشُ كِتَابَةٍ وَلَا أَضْوَاءُ شُمُوعٍ.
إِلَى عَصْرِهِ هُوَ.
ـ لِنُوَاصِلْ.
