متحف الأيام المفقودة 46

مُتْحَفُ الأَيَّامِ الْمَفْقُودَة
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالأَرْبَعُون: طَبِيبَةُ الزَّهَايْمَر – طَوكِيو — خَرِيفُ عَامِ أَلْفَيْنِ وَعِشْرِين | «حِينَ تَمُوتُ الذَّاكِرَةُ قَبْلَ الْجَسَد»
────────────────────────
كَانَتِ الرَّائِحَةُ هِيَ أَوَّلَ مَا لَاحَظَهُ سَامِرٌ حِينَ دَفَعَ الْبَابَ الْأَبْيَضَ بِرِفْقٍ وَوَلَجَ إِلَى الْقَاعَةِ التَّالِيَة.
رَائِحَةُ الْمُطَهِّرَاتِ الطِّبِّيَّةِ الْخَفِيفَةِ، الْمُمَازِجَةِ بِعِطْرٍ نَبَاتِيٍّ خَفِيٍّ كَأَنَّ أَحَدَهُمْ وَضَعَ بَاقَةَ زَنْبَقٍ صَغِيرَةً عَلَى عَتَبَةِ النَّافِذَةِ ثُمَّ نَسِيَهَا.
لَمْ تَكُنِ الْغُرْفَةُ كَبِيرَةً، بَلْ كَانَتْ تَمِيلُ إِلَى مَا يَصِفُهُ الْيَابَانِيُّونَ بِـ”وَابِي” — أَيِ الْجَمَالِ الَّذِي يَسْكُنُ فِي الْبَسَاطَةِ الْمُتَعَمَّدَة. مَصَابِيحُ الْأَسْقُفِ لَمْ تَكُنْ تُبْهِرُ الْعَيْنَ، بَلْ كَانَتْ تُمَهِّدُ لَهَا الطَّرِيقَ، كَمَا يُمَهِّدُ الْغَسَقُ لِلنَّوْمِ.
خَلْفَ مَكْتَبٍ خَشَبِيٍّ صَغِيرٍ، كَانَتْ تَجْلِسُ امْرَأَةٌ فِي الْحَادِيَةِ وَالْخَمْسِين مِنْ عُمُرِهَا. كَانَ شَعْرُهَا الدَّاكِنُ الَّذِي خَطَّهُ الشَّيْبُ مَضْفُورًا بِعِنَايَةٍ، وَكَانَتْ نَظَّارَتُهَا الرَّفِيعَةُ قَدِ انْزَلَقَتْ قَلِيلًا نَحْوَ طَرَفِ أَنْفِهَا مِنْ طُولِ الْقِرَاءَة. أَمَامَهَا رُزَمٌ مِنَ الْمَلَفَّاتِ مُرَتَّبَةٌ بِإِتْقَانٍ يُشِيرُ إِلَى عَادَةٍ رَاسِخَةٍ لَا إِلَى رَغْبَةٍ فِي إِبْهَارِ الزَّائِرِين.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ فَرَأَى فِي عَيْنَيْهَا مَا يَرَاهُ الْمَرْءُ عِنْدَ مَنْ حَمَلُوا أَلَمَ الْآخَرِينَ طَوِيلًا: تَعَبٌ مِهَنِيٌّ عَمِيقٌ تَحْتَهُ طَبَقَةٌ لَا تَنْكَسِرُ مِنَ الرِّقَّةِ الْإِنْسَانِيَّة. كَأَنَّ الْقَلْبَ قَرَّرَ يَوْمًا مَا أَنْ يَبْقَى هَشًّا رَغْمَ كُلِّ مَا رَأَى.
— أَهْلًا بِكَ. اعْذُرْ تَعَبِي؛ فَقَدْ كَانَ يَوْمًا طَوِيلًا مَعَ مَرْضَايَ.
أَلْقَى سَامِرٌ التَّحِيَّةَ وَهُوَ يَسْحَبُ الْكُرْسِيَّ الصَّغِيرَ أَمَامَهَا بِحَذَر:
— أَنَا سَامِر. مَا تَخَصُّصُكِ بِالضَّبْطِ؟
أَمَاطَتْ نَظَّارَتَهَا وَمَسَحَتِ الْعَدَسَتَيْنِ بِطَرَفِ مِعْطَفِهَا الْأَبْيَضِ فِي حَرَكَةٍ آلِيَّةٍ طَالَمَا كَرَّرَتْهَا:
— أُعَالِجُ مَرْضَى الزَّهَايْمَرِ وَمَرْضَى الْخَرَفِ بِشَكْلٍ عَام. أُرَافِقُهُمْ فِي رِحْلَةٍ صَعْبَةٍ جِدًّا، حَيْثُ تَتَلَاشَى ذَاكِرَتُهُمْ وَهُوِيَّتُهُمْ تَدْرِيجِيًّا، بَيْنَمَا تَسْتَمِرُّ أَجْسَادُهُمْ فِي الْحَيَاةِ بِلَا تَرَدُّدٍ وَلَا وَعْيٍ بِمَا يَجْرِي.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ يَنْزِلُ عَلَيْهِ كَحِجَارَةٍ لَيِّنَةٍ؛ تَخُزُّكَ لَكِنَّهَا لَا تَكْسِرُك. كَانَ يَعْرِفُ مِنَ الذَّاكِرَةِ الْمَفْقُودَةِ الَّتِي يَبْحَثُ عَنْهَا كَيْفَ يَشْعُرُ الْمَرْءُ حِينَ تُصْبِحُ الْهُوِيَّةُ سُؤَالًا لَا جَوَابًا.
— هَذَا يَبْدُو عَمَلًا مُؤْلِمًا جِدًّا عَاطِفِيًّا.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِصِدْقٍ لَا يَتَرَدَّدُ:
— هُوَ كَذَلِكَ، نَعَمْ، بِطُرُقٍ كَثِيرَة. أَرَى أُنَاسًا كَانُوا يَوْمًا أَسَاتِذَةً جَامِعِيِّين، وَأُمَّهَاتٍ رَبَّيْنَ أُسَرًا بِأَكْمَلِهَا، وَفَنَّانِينَ نَحَتُوا عَلَى الرُّخَامِ وَرَسَمُوا عَلَى الْقِمَاشِ، وَرِيَاضِيِّينَ كَانُوا يُشَقُّونَ الْهَوَاءَ بِقُوَّةٍ — كُلُّ هَؤُلَاءِ يَفْقِدُونَ تَدْرِيجِيًّا الْقُدْرَةَ عَلَى التَّعَرُّفِ حَتَّى عَلَى أَقْرَبِ أَحِبَّائِهِمْ، عَلَى تَذَكُّرِ أَسْمَائِهِمُ الْخَاصَّة، عَلَى فَهْمِ أَيْنَ هُمْ أَوْ مَنْ هُمْ. تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَرَى أُمَّكَ تَنْظُرُ إِلَيْكَ كَأَنَّكَ غَرِيبٌ طَارِئٌ لَا صِلَةَ لَهُ بِهَا.
— كَيْفَ تَتَعَامَلِينَ مَعَ هَذَا الثِّقَلِ الْعَاطِفِيِّ يَوْمِيًّا؟
فَكَّرَتْ طَوِيلًا — وَكَانَ صَمْتُهَا مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَمْلَأُ الْغُرْفَةَ لَا يُفَرِّغُهَا — ثُمَّ قَالَتْ:
— بِصُعُوبَةٍ كَبِيرَةٍ، وَلَا أُنْكِرُ هَذَا. لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ، عَبْرَ سَنَوَاتِ مُمَارَسَتِي، شَيْئًا مُهِمًّا جِدًّا: حَتَّى حِينَ تَتَلَاشَى الذَّاكِرَةُ الْوَاعِيَةُ تَمَامًا تَقْرِيبًا، هُنَاكَ شَيْءٌ آخَرُ يَبْقَى — أَعْمَقُ وَأَكْثَرُ مُقَاوَمَةً لِلزَّوَالِ مِمَّا نَظُنّ.
— مَا هُوَ؟
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً حَزِينَةً عَمِيقَةً كَأَنَّهَا أَخْرَجَتْهَا مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ:
— الْمَشَاعِر. لَاحَظْتُ مِرَارًا وَتَكْرَارًا أَنَّ مَرْضَى الزَّهَايْمَرِ، حَتَّى فِي مَرَاحِلَ مُتَقَدِّمَةٍ جِدًّا — حِينَ لَا يَتَذَكَّرُونَ اسْمَكَ وَلَا يَعْرِفُونَ أَيْنَ هُمْ — لَا يَزَالُونَ قَادِرِينَ عَلَى الشُّعُورِ بِالْحُبِّ، بِالْأَمَانِ، بِالْقَلَقِ. حِينَ يَكُونُ شَخْصٌ عَزِيزٌ قَرِيبًا مِنْهُمْ، يَشْعُرُونَ بِهِ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَسْتَطِيعُوا تَفْسِيرَ سَبَبِ هَذَا الشُّعُورِ بِوَعْيِهِمُ الْمَنْطِقِيّ. مَرِيضَةٌ فِي التَّسْعِينَ، لَا تَعْرِفُ اسْمَ ابْنِهَا، لَكِنَّهَا تَبْتَسِمُ حِينَ يَدْخُلُ الْغُرْفَةَ قَبْلَ أَنْ تَرَاهُ. رَجُلٌ لَا يَتَذَكَّرُ أَيَّ حَفْلَةِ زَفَافٍ جَمَعَتْهُ بِزَوْجَتِهِ، لَكِنَّ يَدَهُ تَتَشَبَّثُ بِيَدِهَا حِينَ تَقْتَرِبُ مِنْهُ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ عَمِيقَةٍ تَمَسُّ حَدَّ شَيْءٍ شَخْصِيٍّ فِيه:
— هَذَا يَعْنِي أَنَّ الذَّاكِرَةَ الْعَاطِفِيَّةَ أَعْمَقُ مِنَ الذَّاكِرَةِ الْوَاعِيَةِ الْمَنْطِقِيَّة؟
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحَمَاسٍ مِهَنِيٍّ صَادِق:
— هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُخْبِرُنَا بِهِ الْعِلْمُ وَالْمُلَاحَظَةُ السَّرِيرِيَّةُ مَعًا. هُنَاكَ نِظَامٌ دِمَاغِيٌّ مُخْتَلِفٌ نَوْعًا مَا يَتَعَامَلُ مَعَ الذَّاكِرَةِ الْعَاطِفِيَّةِ الَّتِي يَسْكُنُ فِيهَا جُزْءٌ يُسَمَّى “اللَّوْزَة” — وَهُوَ مَنْطِقَةٌ عَمِيقَةٌ فِي الدِّمَاغِ تَتَخَزَّنُ فِيهَا الِانْطِبَاعَاتُ الْعَاطِفِيَّةُ — مُقَارَنَةً بِالذَّاكِرَةِ الْوَاعِيَةِ لِلْحَقَائِقِ وَالتَّفَاصِيلِ، وَالَّتِي تَعْتَمِدُ عَلَى مَنَاطِقَ أُخْرَى أَشَدَّ هَشَاشَةً أَمَامَ الزَّهَايْمَر. هَذَا النِّظَامُ الْعَاطِفِيُّ أَكْثَرُ مُقَاوَمَةً، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْحَالَاتِ، لِلتَّدَهْوُرِ الَّذِي يُصِيبُ الذَّاكِرَةَ الْوَاعِيَةَ الْمَنْطِقِيَّة.
— كَيْفَ يَتَعَلَّقُ هَذَا بِيَوْمِيَ الْمَفْقُودِ تَحْدِيدًا؟
فَكَّرَتْ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِعِنَايَةٍ — وَكَانَتِ الْعِنَايَةُ هَذِهِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا هَدِيَّةً:
— رُبَّمَا هَذَا يُفَسِّرُ، جُزْئِيًّا، لِمَاذَا تَشْعُرُ بِثِقَلٍ عَاطِفِيٍّ تِجَاهَ يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ، حَتَّى دُونَ أَنْ تَمْلِكَ التَّفَاصِيلَ الْوَاعِيَةَ الْكَامِلَةَ عَنْه. رُبَّمَا جُزْءًا مِنَ الذَّاكِرَةِ الْعَاطِفِيَّةِ لِذَلِكَ الْيَوْمِ لَا يَزَالُ حَيًّا فِيكَ، كَنَارٍ خَبَتْ لَهَبُهَا لَكِنَّهَا لَمْ تَنْطَفِئْ جَمْرُهَا، حَتَّى لَوْ لَمْ تَصِلِ التَّفَاصِيلُ الْمَنْطِقِيَّةُ الْوَاعِيَةُ إِلَى وَعْيِكَ بِالْكَامِل.
— هَذَا يُشْبِهُ مَا قَالَهُ لِي إِمْحُوتَبُ عَنِ الْجَسَدِ الَّذِي يَتَذَكَّرُ مَا يَنْسَاهُ الْعَقْل.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ — لَمْ تُبَالِغْ فِيهِ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرُونَ:
— مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ أَنَّ طَبِيبًا قَدِيمًا جِدًّا وَصَلَ إِلَى نَفْسِ الْفَهْمِ الْأَسَاسِيِّ الَّذِي يُؤَكِّدُهُ عِلْمُ الْأَعْصَابِ الْحَدِيثُ، عَبْرَ مُلَاحَظَةٍ دَقِيقَةٍ لَا تَحْتَاجُ بِالضَّرُورَةِ لِأَدَوَاتٍ تِقْنِيَّةٍ مُعَقَّدَة. هَذَا يُذَكِّرُنِي دَائِمًا بِأَنَّ الذَّكَاءَ الْبَشَرِيَّ أَقْدَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ أَجْهِزَتِنَا. الْعَقْلُ الْمُتَأَمِّلُ رُبَّمَا رَأَى مَا احْتَاجَ الْعِلْمُ آلَافَ السِّنِينَ لِيُثْبِتَه.
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالًا صَعْبًا شَعَرَ بِثِقْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ:
— كَيْفَ تَتَعَامَلِينَ مَعَ عَائِلَاتِ الْمَرْضَى، حِينَ يَفْقِدُونَ أَحِبَّاءَهُمْ تَدْرِيجِيًّا، بَيْنَمَا لَا يَزَالُ أُولَئِكَ الْأَحِبَّاءُ أَحْيَاءً جَسَدِيًّا؟
نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِحُزْنٍ عَمِيقٍ صَادِقٍ، حُزْنٍ لَا يَتَعَلَّمُهُ الْإِنْسَانُ مِنَ الْكُتُبِ بَلْ مِنَ الْجُلُوسِ إِلَى جَانِبِ مَنْ يَفْقِدُ ذَاتَهُ:
— هَذَا أَصْعَبُ جُزْءٍ فِي عَمَلِي، بِصَرَاحَةٍ كَامِلَة. أَحْيَانًا أُسَمِّيهِ “الْحَدَادَ الْمُعَلَّق”؛ حَيْثُ يَحْزَنُ أَفْرَادُ الْعَائِلَةِ عَلَى فَقْدَانِ مَنْ يُحِبُّونَهُ، بَيْنَمَا هُوَ لَا يَزَالُ جَالِسًا أَمَامَهُمْ، جَسَدِيًّا حَاضِرًا، لَكِنَّهُ بِطَرِيقَةٍ مَا غَائِبٌ عَنْ نَفْسِهِ ذَاتِهَا. اسْمَعْ؛ لَمَسْتُ يَدَ زَوْجَةٍ عَجُوزٍ ذَاتَ مَرَّةٍ، كَانَتْ تُمَشِّطُ شَعْرَ زَوْجِهَا الَّذِي لَا يَعْرِفُهَا، وَحِينَ سَأَلْتُهَا لِمَاذَا تَفْعَلُ هَذَا، قَالَتْ: “لِأَنَّهُ يُحِبُّ هَذَا الشُّعُورَ، حَتَّى لَوْ نَسِيَ أَنَّهُ يُحِبُّهُ.”
— هَذَا يَبْدُو أَصْعَبَ مِنَ الْمَوْتِ الْمُبَاشِرِ نَفْسِهِ، بِطَرِيقَةٍ مَا.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِصِدْقٍ مُؤْلِم:
— كَثِيرٌ مِنَ الْعَائِلَاتِ يُخْبِرُونَنِي بِهَذَا بِالضَّبْط. الْمَوْتُ الْمُبَاشِرُ، رَغْمَ أَلَمِهِ الشَّدِيدِ، يَحْمِلُ نِهَايَةً وَاضِحَةً؛ يُمْكِنُ لِلْحَدَادِ أَنْ يَبْدَأَ وَيَكْتَمِلَ عَبْرَه. لَكِنَّ فَقْدَانَ الذَّاكِرَةِ التَّدْرِيجِيَّ يَخْلُقُ نَوْعًا مِنَ الْغُمُوضِ الْمُسْتَمِرِّ، حَيْثُ لَا يَعْرِفُ الْأَحِبَّاءُ مَتَى بِالضَّبْطِ “فَقَدُوا” مَنْ يُحِبُّونَهُ فِعْلِيًّا، لِأَنَّ الْجَسَدَ لَا يَزَالُ حَيًّا أَمَامَهُمْ يَتَنَفَّسُ وَيَأْكُلُ وَيَنَام.
— مَاذَا تَنْصَحِينَ هَذِهِ الْعَائِلَاتِ أَنْ تَفْعَلَ؟
فَكَّرَتْ طَوِيلًا — خِبْرَةُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ تَظْهَرُ فِي إِجَابَتِهَا كَمَا يَظْهَرُ الِاتِّزَانُ فِي صَوْتِ مَنْ رَأَى كَثِيرًا وَلَمْ يُصَبْ بِالتَّبَلُّدِ:
— أَنْصَحُهُمْ أَنْ يُرَكِّزُوا عَلَى اللَّحَظَاتِ الْحَاضِرَةِ الصَّغِيرَةِ، مَهْمَا بَدَتْ مَحْدُودَةً. لَمْسَةُ يَدٍ تُقَالُ بِهَا “أَنَا هُنَا”، ابْتِسَامَةٌ عَابِرَةٌ حَتَّى لَوْ لَمْ تَحْمِلْ تَعَرُّفًا وَاعِيًا كَامِلًا، أُغْنِيَةٌ قَدِيمَةٌ مِنَ الزَّمَنِ الَّذِي كَانَتِ الذَّاكِرَةُ فِيهِ سَلِيمَة — لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ الْمُوسِيقِيَّةَ أَيْضًا أَشَدُّ مُقَاوَمَةً مِنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الذَّاكِرَةِ أَمَامَ الزَّهَايْمَر. هَذِهِ اللَّحَظَاتُ، رَغْمَ مَحْدُودِيَّتِهَا، حَقِيقِيَّةٌ وَذَاتُ قِيمَةٍ؛ وَلَا يَجِبُ التَّقْلِيلُ مِنْ شَأْنِهَا فَقَطْ لِأَنَّهَا لَا تَأْتِي مَعَ ذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ مُصَاحِبَةٍ لَهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ عَمِيقَةٍ تَرْبِطُ هَذَا بِحَالَتِهِ الْخَاصَّةِ — خَيْطٌ رَفِيعٌ لَكِنَّهُ مُتِين:
— هَذَا يَجْعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي عَلَاقَتِي بِنَفْسِي، حَتَّى بِدُونِ يَوْمِيَ الْمَفْقُودِ. رُبَّمَا عَلَيَّ أَنْ أُرَكِّزَ أَكْثَرَ عَلَى اللَّحَظَاتِ الْحَاضِرَةِ، بَدَلًا مِنَ الِانْشِغَالِ الْكَامِلِ بِفَجْوَةِ الْمَاضِي.
أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِإِعْجَابٍ صَادِق:
— هَذَا اسْتِنْتَاجٌ حَكِيمٌ جِدًّا يَا سَامِر. الْحُضُورُ الْكَامِلُ فِي اللَّحَظَةِ الرَّاهِنَةِ لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ عَمِيقَةٌ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ اكْتِمَالِ أَوْ نُقْصَانِ ذَاكِرَتِنَا لِلْمَاضِي. نَحْنُ نَمِيلُ فِي هَذَا الْعَصْرِ إِلَى الِاعْتِقَادِ بِأَنَّ الذَّاكِرَةَ هِيَ هُوِيَّتُنَا كُلُّهَا؛ لَكِنَّ مَرْضَايَ يُعَلِّمُونَنِي كُلَّ يَوْمٍ أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا آخَرَ يَسْكُنُنَا، يَسْبِقُ الذَّاكِرَةَ وَيَتَجَاوَزُهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَرْجِمُهُ إِلَى كَلِمَاتٍ مَحْدُودَة:
— شُكْرًا لَكِ عَلَى هَذَا الْمَنْظُورِ الْإِنْسَانِيِّ الْعَمِيقِ، رَغْمَ صُعُوبَةِ عَمَلِكِ الْيَوْمِيِّ الَّذِي لَا يَرَاهُ أَحَدٌ مِنَ الْخَارِجِ بِحَقِّ حَجْمِهِ.
ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً حَزِينَةً لَكِنَّهَا دَافِئَةٌ كَالشَّمَعَةِ فِي لَيْلٍ بَارِد:
— اذْهَبِ الْآنَ يَا سَامِر. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: حَتَّى حِينَ تَتَلَاشَى الذَّاكِرَةُ الْوَاعِيَةُ، شَيْءٌ عَمِيقٌ فِيكَ يَبْقَى، يَسْتَحِقُّ أَنْ يُحْتَرَمَ وَيُقَدَّرَ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنِ اكْتِمَالِ السِّجِلِّ الْوَاعِي لِتَارِيخِكَ الشَّخْصِيِّ أَوْ نُقْصَانِهِ.
بَدَأَتْ غُرْفَةُ الْعِيَادَةِ الْهَادِئَةِ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، كَمَا يَتَلَاشَى الضَّبَابُ الصَّبَاحِيُّ حِينَ تُقَرِّرُ الشَّمْسُ أَنَّ وَقْتَ الْغَيْبَةِ قَدِ انْتَهَى. رَوَائِحُ الْمُطَهِّرَاتِ تَخَفَّتَتْ، وَأَضْوَاءُ السَّقْفِ الْهَادِئَةُ تَرَاجَعَتْ أَمَامَ ضَوْءِ الرِّوَاقِ الْمَعْتَادِ الَّذِي كَانَ سَامِرٌ يَعْرِفُهُ جَيِّدًا بِالْفِعْل.
عَادَ سَامِرٌ إِلَى نَفْسِهِ وَهُوَ يَقِفُ فِي الرِّوَاقِ الطَّوِيل. كَانَ الْعَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِحَلَزُونٍ مُزْدَوَجٍ بَسِيطٍ يُشْبِهُ شَكْلَ الْحَمْضِ النَّوَوِيِّ الَّذِي صَارَ رَمْزَهُ الْعِلْمِيَّ الْأَكْثَرَ شُهْرَةً فِي الْقَرْنِ الْعِشْرِين.
— الْقَاعَةُ التَّالِيَةُ يَا سَامِرُ — قَالَ الْعَجُوزُ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ دَائِمًا تِلْكَ النَّبْرَةَ الَّتِي تَقِفُ فِي الْمَنْطِقَةِ بَيْنَ الْوَعْدِ وَالتَّحْذِيرِ — تَحْمِلُ صَوْتَ رَجُلٍ يَدْرُسُ شَيْئًا مُذْهِلًا: كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَ جِينَاتُنَا الْمَوْرُوثَةُ مِنْ أَجْدَادِنَا آثَارًا لِصَدَمَاتٍ عَاشُوهَا هُمْ، قَبْلَ أَنْ نُولَدَ نَحْنُ حَتَّى.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى النَّقْشِ الْحَلَزُونِيِّ الْمُزْدَوَجِ طَوِيلًا. الْجَسَدُ يَحْمِلُ مَا لَمْ تَعِشْهُ أَنْتَ.
فَتَحَ الْبَابَ.

متحف الأيام المفقودة 47