مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الفَصْلُ السَّادِسُ وَالخَمْسُونَ: المُوسِيقِيَّةُ الصَّمَّاءُ – «الذَّاكِرَةُ الحِسِّيَّةُ فَوْقَ الحَوَاسِّ» — أُنْثَى، ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً — فِيِينَّا، عَامُ 1820 مِ.
________________________________________
كَانَتِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ صَالَةً مُوسِيقِيَّةً أَنِيقَةً، تَفُوحُ مِنْهَا رَائِحَةُ الخَشَبِ القَدِيمِ وَشَمْعِ المَصَابِيحِ المُحْتَرِقِ بِبُطْءٍ. كَانَتْ السُّتَائِرُ القَرْمَزِيَّةُ مُسْدَلَةً نِصْفَ إِسْدَالٍ، فَتَتَسَلَّلُ مِنْ بَيْنِهَا خُيُوطٌ شَاحِبَةٌ مِنْ ضَوْءِ نَهَارٍ لَا يُمْكِنُ تَحْدِيدُ مَصْدَرِهِ الحَقِيقِيِّ، إِذْ كَانَ سَامِرٌ يَعْلَمُ، فِي عُمْقِهِ، أَنَّ هَذَا المُتْحَفَ لَا يَخْضَعُ لِشُرُوقٍ أَوْ غُرُوبٍ مِنْ نَوْعٍ مَأْلُوفٍ. فِي وَسَطِ القَاعَةِ كَانَ يَقِفُ بِيَانُو كَبِيرٌ، أَسْوَدُ، ذُو سَطْحٍ مَصْقُولٍ يَعْكِسُ ظِلَالَ الأَشْيَاءِ مِنْ حَوْلِهِ كَأَنَّهُ بُحَيْرَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الكُحْلِ. وَأَمَامَهُ كَانَتْ تَجْلِسُ امْرَأَةٌ فِي الثَّالِثَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهَا، ظَهْرُهَا مُسْتَقِيمٌ كَخَطِّ نَوْتَةٍ مَرْسُومٍ بِعِنَايَةٍ فَوْقَ سَطْرٍ مُوسِيقِيٍّ، وَيَدَاهَا تَتَحَرَّكَانِ فَوْقَ المَفَاتِيحِ بِثِقَةٍ مُذْهِلَةٍ. وَكَانَتْ تِلْكَ الثِّقَةُ، فِي ذَاتِهَا، أَوَّلَ مَا أَدْهَشَ سَامِرَ: ثِقَةُ مَنْ يَعْرِفُ الطَّرِيقَ فِي الظَّلَامِ أَفْضَلَ مِمَّنْ يَعْرِفُهُ فِي النُّورِ. لَاحَظَ سَامِرٌ، بِسُرْعَةٍ تُشْبِهُ لَدْغَةَ بَرْقٍ صَامِتٍ، أَنَّهَا لَا تَسْتَجِيبُ لِأَيِّ صَوْتٍ يَصْدُرُ مِنَ الغُرْفَةِ: لَا لِصَرِيرِ البَابِ، وَلَا لِخَطْوَتِهِ الحَذِرَةِ عَلَى البِلَاطِ، وَلَا حَتَّى لِسُعَالٍ خَفِيفٍ تَعَمَّدَ إِصْدَارَهُ كَنَوْعٍ مِنَ الِاخْتِبَارِ الصَّامِتِ.
اقْتَرَبَ سَامِرٌ بِحَذَرٍ، خَطْوَةً بَعْدَ خَطْوَةٍ، كَمَنْ يَدْخُلُ عَالَماً مُحَاطاً بِزُجَاجٍ هَشٍّ لَا يُرَى. لَمَسَ كَتِفَهَا بِرِفْقٍ لِيَجْذِبَ انْتِبَاهَهَا، فَالْتَفَتَتْ فَوْراً، وَكَأَنَّ جَسَدَهَا كُلَّهُ قَدْ تَحَوَّلَ إِلَى أُذُنٍ وَاحِدَةٍ مَفْتُوحَةٍ عَلَى ذَبْذَبَاتِ العَالَمِ. ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً دَافِئَةً، ثُمَّ أَشَارَتْ بِيَدِهَا إِلَى مَقْعَدٍ قَرِيبٍ، بِحَرَكَةٍ هَادِئَةٍ تَنْبِضُ بِالضِّيَافَةِ. قَالَتْ، وَصَوْتُهَا يَحْمِلُ نَبْرَةً غَرِيبَةً، كَأَنَّهَا تَتَكَلَّمُ مِنْ دَاخِلِ صَدَى بَعِيدٍ: ـ أَهْلاً بِكَ. أَعْتَذِرُ، لَا أَسْتَطِيعُ سَمَاعَ خُطُوَاتِكَ، لَكِنَّنِي أَشْعُرُ بِاهْتِزَازَاتِ الأَرْضِ حِينَ يَقْتَرِبُ أَحَدٌ. جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى المَقْعَدِ، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَذَكَّرَ كُلَّ مَا قَرَأَهُ يَوْماً عَنْ التَّخَاطُبِ مَعَ الصُّمِّ، فَتَحَدَّثَ بِبُطْءٍ، حَرْفاً بَعْدَ حَرْفٍ، لِيَسْهُلَ عَلَيْهَا قِرَاءَةُ شَفَتَيْهِ: ـ أَنَا سَامِرٌ. أَرَى أَنَّكِ تَعْزِفِينَ، رَغْمَ… أَكْمَلَتِ الجُمْلَةَ عَنْهُ، بِابْتِسَامَةٍ فِيهَا صَلَابَةٌ مُعْتَادَةٌ، صَلَابَةُ مَنِ اضْطَرَّ أَنْ يُكَرِّرَ الشَّرْحَ ذَاتَهُ مِئَاتَ المَرَّاتِ حَتَّى صَارَ كَجُزْءٍ مِنْ اسْمِهَا: ـ رَغْمَ أَنَّنِي صَمَّاءُ تَمَاماً، نَعَمْ. فَقَدْتُ سَمْعِي تَدْرِيجِيّاً مُنْذُ سَنَوَاتٍ، حَتَّى اخْتَفَى تَمَاماً قَبْلَ عَامَيْنِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِدَهْشَةٍ عَمِيقَةٍ تَتَسَلَّقُ صَدْرَهُ كَمَوْجَةٍ بَارِدَةٍ: ـ كَيْفَ تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تُؤَلِّفِي مُوسِيقَى، دُونَ أَنْ تَسْمَعِيهَا عَلَى الإِطْلَاقِ؟ أَشَارَتْ إِلَى البِيَانُو، ثُمَّ إِلَى صَدْرِهَا، ثُمَّ إِلَى الأَرْضِ تَحْتَ قَدَمَيْهَا، فِي حَرَكَةٍ ثُلَاثِيَّةٍ بَدَتْ كَطَقْسٍ صَغِيرٍ مُتَكَرِّرٍ: ـ لَمْ أَعُدْ أَسْمَعُ بِأُذُنِي، لَكِنَّنِي “أَسْمَعُ” بِطُرُقٍ أُخْرَى كَثِيرَةٍ. أَشْعُرُ بِاهْتِزَازَاتِ النَّوْتَاتِ عَبْرَ يَدِي عَلَى المَفَاتِيحِ، عَبْرَ جَسَدِي كُلِّهِ حِينَ يُلَامِسُ البِيَانُو. أَتَذَكَّرُ، بِدِقَّةٍ شَدِيدَةٍ جِدّاً، كَيْفَ كَانَ صَوْتُ كُلِّ نَوْتَةٍ قَبْلَ أَنْ أَفْقِدَ سَمْعِي، وَأَبْنِي مُوسِيقَايَ الجَدِيدَةَ عَلَى تِلْكَ الذَّاكِرَةِ الصَّوْتِيَّةِ الدَّاخِلِيَّةِ العَمِيقَةِ.
وَلِكَيْ يَقْتَرِبَ سَامِرٌ أَكْثَرَ مِنْ فَهْمِ مَا تَقُولُهُ، تَخَيَّلَ، فِي لَمْحَةٍ سَرِيعَةٍ، مِثَالاً بَسِيطاً مَرَّ بِهِ فِي حَيَاتِهِ: ذَاكَ النَّجَّارُ العَجُوزُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُ فِي حَيِّهِ القَدِيمِ، وَالَّذِي فَقَدَ بَصَرَهُ فِي شَيْخُوخَتِهِ، لَكِنَّهُ ظَلَّ يَنْحَتُ الخَشَبَ بِدِقَّةٍ مُذْهِلَةٍ، مُعْتَمِداً عَلَى ذَاكِرَةِ يَدَيْهِ وَحْدَهُمَا، عَلَى مَلَمَسِ الخَشَبِ، عَلَى وَزْنِ كُلِّ ضَرْبَةِ إِزْمِيلٍ تَذَكَّرَهَا عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ مِنْ زَمَنٍ كَانَتْ عَيْنَاهُ تُرَافِقَانِ يَدَيْهِ. قَالَ سَامِرٌ، وَهُوَ يَرْبِطُ بَيْنَ الصُّورَتَيْنِ: ـ هَذَا يَبْدُو مُذْهِلاً وَمُؤْلِماً فِي آنٍ. أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِصِدْقٍ، وَكَانَتْ عَيْنَاهَا، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، تَحْمِلَانِ مَزِيجاً مِنَ الأَلَمِ القَدِيمِ وَالسَّلَامِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ مُصَالَحَةٍ طَوِيلَةٍ مَعَ الذَّاتِ: ـ هُوَ كَذَلِكَ، فِعْلاً. فِي البِدَايَةِ، حِينَ بَدَأَ سَمْعِي يَتَلَاشَى، شَعَرْتُ بِرُعْبٍ حَقِيقِيٍّ، كَأَنَّ هُوِيَّتِي كَامِلَةً، كَمُوسِيقِيَّةٍ، سَتَنْتَهِي مَعَهُ. لَكِنَّنِي اكْتَشَفْتُ، رُوَيْداً رُوَيْداً، شَيْئاً مُخْتَلِفاً تَمَاماً عَمَّا تَوَقَّعْتُ.
ـ مَاذَا اكْتَشَفْتِ؟ ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً عَمِيقَةً، كَمَنْ يَفْتَحُ صُنْدُوقَ كُنُوزٍ صَغِيراً ظَلَّ مَخْفِيّاً سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً: ـ اكْتَشَفْتُ أَنَّ المُوسِيقَى الحَقِيقِيَّةَ لَا تَعِيشُ فَقَطْ فِي الأُذُنِ، بَلْ فِي ذَاكِرَةِ الجَسَدِ كُلِّهِ، فِي الإِحْسَاسِ الدَّاخِلِيِّ العَمِيقِ بِالإِيقَاعِ وَالتَّنَاغُمِ، حَتَّى فِي الخَيَالِ الصَّوْتِيِّ الَّذِي يَبْنِيهِ عَقْلُنَا دُونَ الحَاجَةِ لِمُدْخَلَاتٍ سَمْعِيَّةٍ مُبَاشِرَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ. وَأَضَافَتْ، كَمَنْ يَشْرَحُ المَعْنَى بِمِثَالٍ يَلْمِسُ القَارِئَ العَادِيَّ قَبْلَ المُوسِيقِيِّ المُتَخَصِّصِ: ـ تَخَيَّلْ، يَا سَامِرُ، أَنَّكَ تَتَذَكَّرُ صَوْتَ أُمِّكَ تُنَادِيكَ مِنْ شُرْفَةِ البَيْتِ فِي طُفُولَتِكَ. لَوْ أُصِبْتَ بِالصَّمَمِ غَداً، لَنْ يَخْتَفِيَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِنْ دَاخِلِكَ، بَلْ سَيَبْقَى يَطَنُّ فِي ذِهْنِكَ، حَيّاً، حَتَّى تَسْتَطِيعَ أَنْ “تَسْمَعَهُ” بِخَيَالِكَ فِي أَيِّ لَحْظَةٍ تَشَاءُ. هَذَا تَمَاماً مَا أَفْعَلُهُ مَعَ كُلِّ نَوْتَةٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ تُلَامِسُ مُشْكِلَتَهُ مُلَامَسَةً مُبَاشِرَةً، فَكَأَنَّ خَيْطاً غَيْرَ مَرْئِيٍّ بَدَأَ يَتَمَدَّدُ بَيْنَ كَلَامِهَا وَيَوْمِهِ المَفْقُودِ: ـ هَذَا يُشْبِهُ مَا أَحْتَاجُ أَنْ أَفْهَمَهُ عَنْ يَوْمِي المَفْقُودِ. رُبَّمَا هُنَاكَ “ذَاكِرَةٌ” لَهُ، لَا تَعْتَمِدُ عَلَى القَنَاةِ المُعْتَادَةِ، ذَاكِرَتِي الوَاعِيَةِ المُبَاشِرَةِ، بَلْ عَلَى قَنَوَاتٍ أُخْرَى لَمْ أَسْتَكْشِفْهَا بَعْدُ. أَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا بِحَمَاسٍ، وَعَيْنَاهَا تَلْمَعَانِ بِفَهْمٍ عَمِيقٍ، كَمَنْ وَجَدَ فِي غَرِيبٍ مَا قَطَعَ نِصْفَ العَالَمِ لِيَفْهَمَهُ: ـ بِالضَّبْطِ هَذَا مَا تَعَلَّمْتُهُ أَنَا بِأَقْسَى طَرِيقَةٍ مُمْكِنَةٍ. حِينَ فَقَدْتُ قَنَاتِي الحِسِّيَّةَ الرَّئِيسِيَّةَ، اضْطَرَرْتُ لِأَكْتَشِفَ قَنَوَاتٍ أُخْرَى دَاخِلِيَّةً كُنْتُ أُهْمِلُهَا تَمَاماً مِنْ قَبْلُ. رُبَّمَا عَلَيْكَ أَنْتَ أَيْضاً أَنْ تَسْتَكْشِفَ “قَنَوَاتٍ” أُخْرَى لِذَاكِرَتِكَ، غَيْرَ الذَّاكِرَةِ الوَاعِيَةِ المُبَاشِرَةِ الَّتِي اعْتَدْتَ الِاعْتِمَادَ عَلَيْهَا فَقَطْ.
ـ كَيْفَ فَعَلْتِ هَذَا عَمَلِيّاً، فِيمَا يَخُصُّ مُوسِيقَاكِ؟ أَشَارَتْ إِلَى البِيَانُو، وَهِيَ تُمَرِّرُ أَصَابِعَهَا فَوْقَ المَفَاتِيحِ دُونَ أَنْ تَعْزِفَ، كَمَنْ تُحَيِّي صَدِيقاً قَدِيماً: ـ بَدَأْتُ بِالِانْتِبَاهِ بِعُمْقٍ أَكْبَرَ لِإِحْسَاسَاتٍ جَسَدِيَّةٍ كُنْتُ أَتَجَاهَلُهَا سَابِقاً: اهْتِزَازُ الخَشَبِ تَحْتَ أَصَابِعِي، نَبْضٌ مُوسِيقِيٌّ دَاخِلِيٌّ أَشْعُرُ بِهِ فِي صَدْرِي وَأَنَا أُؤَلِّفُ، حَتَّى تَذَكُّرٌ دَقِيقٌ جِدّاً لِكَيْفِيَّةِ شُعُورِ كُلِّ نَوْتَةٍ مُوسِيقِيَّةٍ قَبْلَ فُقْدَانِ سَمْعِي، أَسْتَحْضِرُهُ وَأَبْنِي عَلَيْهِ مُوسِيقَى جَدِيدَةً لَمْ أَسْمَعْهَا قَطُّ بِأُذُنِي الخَارِجِيَّةِ. ثُمَّ صَمَتَتْ لِلَحْظَةٍ، وَأَضَافَتْ مِثَالاً آخَرَ، كَمَنْ تُحِبُّ أَنْ تُوَضِّحَ المَعْنَى مِنْ زَاوِيَةٍ ثَانِيَةٍ تُغْلِقُ كُلَّ بَابٍ لِلَّبْسِ: ـ مِثْلَ مَنْ يَفْقِدُ بَيْتاً عَزِيزاً عَلَيْهِ فِي حَرِيقٍ، فَيَظُنُّ أَنَّهُ خَسِرَ كُلَّ ذِكْرَى عَاشَهَا فِيهِ، ثُمَّ يَكْتَشِفُ، بَعْدَ زَمَنٍ، أَنَّ تِلْكَ الذِّكْرَيَاتِ لَمْ تَكُنْ فِي جُدْرَانِ البَيْتِ، بَلْ فِي قَلْبِهِ، وَأَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْنِيَ بَيْتاً جَدِيداً يَحْمِلُ رُوحَ القَدِيمِ، حَتَّى دُونَ أَنْ يُشَابِهَهُ فِي حَجَرٍ وَاحِدٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِلْهَامٍ عَمِيقٍ يَتَسَلَّلُ إِلَى دَاخِلِهِ كَنُورٍ خَافِتٍ يَتَدَرَّجُ فِي غُرْفَةٍ مُظْلِمَةٍ: ـ هَلْ تَشْعُرِينَ أَنَّ مُوسِيقَاكِ الجَدِيدَةَ، الَّتِي تُؤَلِّفِينَهَا بَعْدَ فُقْدَانِ سَمْعِكِ، مُخْتَلِفَةٌ عَنْ مُوسِيقَاكِ السَّابِقَةِ؟ فَكَّرَتْ طَوِيلاً قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ، وَكَانَ صَمْتُهَا أَطْوَلَ مِنْ صَمْتِ سَائِرِ المُجِيبِينَ، كَأَنَّهَا تَسْتَشِيرُ صَدْرَهَا قَبْلَ أَنْ تَسْتَشِيرَ لِسَانَهَا: ـ نَعَمْ، مُخْتَلِفَةٌ جِدّاً. أَعْمَقُ بِطَرِيقَةٍ مَا، أَكْثَرُ اتِّصَالاً بِشَيْءٍ دَاخِلِيٍّ جَوْهَرِيٍّ، أَقَلُّ اعْتِمَاداً عَلَى مَا “يَبْدُو جَيِّداً” بِالمَعْنَى السَّطْحِيِّ المُبَاشِرِ، وَأَكْثَرُ اتِّصَالاً بِمَا “يَشْعُرُ بِأَنَّهُ حَقِيقِيٌّ” فِي أَعْمَاقِ رُوحِي.
ـ هَذَا يَمْنَحُنِي أَمَلاً أَنَّ اسْتِكْشَافِي لِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ لِفَهْمِ يَوْمِي المَفْقُودِ قَدْ يَكْشِفُ شَيْئاً أَعْمَقَ مِمَّا كُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ أَصْلاً. ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً دَافِئَةً، كَأَنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ نَفْسِهَا، الَّذِي لَا يَدْخُلُ هَذِهِ القَاعَةَ، قَدْ تَسَلَّلَ مِنْ خِلَالِ مَلَامِحِهَا: ـ هَذَا احْتِمَالٌ جَمِيلٌ جِدّاً، يَا سَامِرُ. أَحْيَاناً، فُقْدَانُ قَنَاةٍ مُعَيَّنَةٍ، مَهْمَا بَدَا مُؤْلِماً وَمُرْعِباً فِي البِدَايَةِ، يَفْتَحُ البَابَ لِاكْتِشَافِ عُمْقٍ جَدِيدٍ كُلِّيّاً لَمْ يَكُنْ لِيُكْتَشَفَ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى أَبَداً. وَتَابَعَتْ، كَمَنْ تَخَافُ أَنْ يُفْهَمَ كَلَامُهَا دَعْوَةً سَاذَجَةً لِتَمَجِيدِ الفَقْدِ: ـ لَا أَقُولُ هَذَا تَزْيِيناً لِلْأَلَمِ، فَالأَلَمُ يَبْقَى أَلَماً، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ نَكْذِبَ عَلَى أَنْفُسِنَا بِشَأْنِهِ. لَكِنِّي أَقُولُ إِنَّ الأَلَمَ وَالِاكْتِشَافَ يُمْكِنُ أَنْ يَسِيرَا مَعاً، كَيَدَيْنِ تُمْسِكُ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى وَهُمَا تَعْبُرَانِ جِسْراً وَاحِداً.
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالاً أَخِيراً، سُؤَالاً شَعَرَ أَنَّهُ يَحْمِلُ وَزْناً أَكْبَرَ مِنْ كُلِّ مَا سَبَقَهُ: ـ هَلْ تَفْتَقِدِينَ السَّمْعَ؟ حَتَّى مَعَ كُلِّ هَذَا الفَهْمِ العَمِيقِ الجَدِيدِ؟ نَظَرَتْ بَعِيداً لِلَحْظَةٍ، حُزْنٌ صَادِقٌ يَمْتَزِجُ بِقَبُولٍ عَمِيقٍ، كَمَنْ يَتَأَمَّلُ بَحْراً يَعْرِفُ أَنَّهُ لَنْ يَسْبَحَ فِيهِ مَرَّةً أُخْرَى، لَكِنَّهُ مَا زَالَ يَجِدُ فِيهِ جَمَالاً يَسْتَحِقُّ التَّأَمُّلَ: ـ نَعَمْ، أَفْتَقِدُهُ، خَاصَّةً حِينَ أَتَذَكَّرُ أَصْوَاتاً مُعَيَّنَةً أَحْبَبْتُهَا: صَوْتُ المَطَرِ، ضَحْكَةُ طِفْلٍ، حَتَّى صَوْتُ تَصْفِيقِ الجُمْهُورِ بَعْدَ عَزْفِي. لَكِنَّنِي تَعَلَّمْتُ أَنْ أَحْمِلَ هَذَا الفُقْدَانَ جَنْباً إِلَى جَنْبٍ مَعَ الِاكْتِشَافِ الجَدِيدِ، دُونَ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ بِالضَّرُورَةِ. ثُمَّ أَضَافَتْ، بِنَبْرَةٍ تُشْبِهُ نَصِيحَةَ أُمٍّ لِابْنِهَا: ـ تَخَيَّلْ كَفَّتَيْ مِيزَانٍ، يَا سَامِرُ، فِي كَفَّةٍ الفُقْدَانُ، وَفِي الأُخْرَى الِاكْتِشَافُ، وَلَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ تَرْجَحَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى لِتَعِيشَ حَيَاتَكَ. يَكْفِي أَنْ تَتْرُكَ المِيزَانَ يَتَأَرْجَحُ بِهُدُوءٍ، دُونَ أَنْ تُجْبِرَهُ عَلَى الِاسْتِقْرَارِ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ وَإِعْجَابٍ، وَبِشُعُورٍ غَرِيبٍ بِالامْتِنَانِ، كَمَنْ خَرَجَ مِنْ غُرْفَةٍ طِبِّيَّةٍ بَعْدَ تَشْخِيصٍ صَعْبٍ، لِيَجِدَ أَنَّ الحَقِيقَةَ، مَهْمَا كَانَتْ ثَقِيلَةً، أَفْضَلُ مِنْ الضَّبَابِ: ـ شُكْراً لَكِ، عَلَى هَذِهِ الشَّجَاعَةِ، وَعَلَى مُشَارَكَتِي حِكْمَتَكِ العَمِيقَةَ. ابْتَسَمَتِ ابْتِسَامَةً أَخِيرَةً، عَادَتْ يَدَاهَا إِلَى البِيَانُو، تَعْزِفُ لَحْناً لَمْ يَسْمَعْهُ سَامِرٌ بِأُذُنَيْهِ فَقَطْ، بَلْ شَعَرَ بِهِ بِطَرِيقَةٍ مَا فِي صَدْرِهِ أَيْضاً، كَأَنَّ القَاعَةَ كُلَّهَا قَدْ تَحَوَّلَتْ، لِلَحَظَاتٍ، إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ يَنْبِضُ مَعَ كُلِّ نَوْتَةٍ: ـ اذْهَبْ الآنَ، يَا سَامِرُ. وَاحْمِلْ مَعَكَ هَذَا: قَدْ تَكُونُ أَهَمُّ ذَاكِرَةٍ لِيَوْمِكَ لَيْسَتْ فِي عَقْلِكَ الوَاعِي، بَلْ فِي مَكَانٍ آخَرَ تَمَاماً، يَنْتَظِرُ مِنْكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ لُغَتَهُ الخَاصَّةَ.
بَدَأَتِ الصَّالَةُ المُوسِيقِيَّةُ الأَنِيقَةُ تَتَلَاشَى بِبُطْءٍ، تَذُوبُ حَوَافُّهَا كَمَا يَذُوبُ السُّكَّرُ فِي مَاءٍ سَاخِنٍ، وَصَوْتُ البِيَانُو يَتَرَاجَعُ، لَا لِأَنَّهُ يَخْفُتُ، بَلْ لِأَنَّهُ يَنْسَحِبُ إِلَى مَكَانٍ بَعِيدٍ فِي دَاخِلِ سَامِرَ نَفْسِهِ، حَتَّى عَادَ إِلَى الرِّوَاقِ المُعْتَادِ، بِجُدْرَانِهِ الحَجَرِيَّةِ البَارِدَةِ، وَأَصْدَاءِ خُطُوَاتٍ لَا يَعْرِفُ مَصْدَرَهَا. كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشاً لِفُرْشَاةِ رَسْمٍ بَسِيطَةٍ وَلَوْحَةٍ فَارِغَةٍ، وَجْهُهُ، كَالعَادَةِ، لَا يَحْمِلُ مَلَامِحَ وَاضِحَةً، وَإِنَّمَا نُوراً خَافِتاً يُشْبِهُ ضَوْءَ شَمْعَةٍ خَلْفَ سِتَارَةٍ رَقِيقَةٍ: ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ رَسَّامٍ، مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ العَالَمُ قِيمَةَ فَنِّهِ الحَقِيقِيَّةَ، وَلَمْ تُقْرَأ ذَاكِرَةُ لَوْحَاتِهِ بِالكَامِلِ إِلَّا بَعْدَ رَحِيلِهِ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ.
سَارَ سَامِرٌ خَلْفَ العَجُوزِ خَطَوَاتٍ قَلِيلَةً، وَهُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يُرَتِّبَ، فِي عَقْلِهِ، كُلَّ مَا سَمِعَهُ مِنَ المُوسِيقِيَّةِ الصَّمَّاءِ، وَكَانَ يَشْعُرُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ دُخُولِهِ هَذَا المُتْحَفَ الغَرِيبَ، أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ إِلَى هُنَا بَاحِثاً عَنْ إِجَابَةٍ وَاحِدَةٍ، بَلْ عَنْ سِلْسِلَةٍ مِنَ المَرَايَا، كُلُّ مَرَآةٍ مِنْهَا تُعِيدُ صَيَاغَةَ يَوْمِهِ المَفْقُودِ مِنْ زَاوِيَةٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهَا. وَتَذَكَّرَ، فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، جُمْلَةً قَالَهَا لَهُ مُعَلِّمٌ قَدِيمٌ فِي طُفُولَتِهِ، حِينَ كَانَ يَشْكُو مِنْ صُعُوبَةِ فَهْمِ دَرْسٍ مَا: “لَيْسَ كُلُّ مَا نَفْهَمُهُ يَدْخُلُ مِنَ البَابِ الَّذِي طَرَقْنَاهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ، يَا وَلَدِي. أَحْيَاناً يَدْخُلُ مِنْ نَافِذَةٍ لَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ.” وَفِيمَا كَانَتِ القَاعَةُ المُوسِيقِيَّةُ تَتَرَاجَعُ خَلْفَهُ تَماماً، حَمَلَ سَامِرٌ، بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرِ المَرْئِيَّتَيْنِ، شَيْئاً يُشْبِهُ نَوْتَةً مُوسِيقِيَّةً صَامِتَةً، نَوْتَةً لَا تُسْمَعُ بِالأُذُنِ، بَلْ تُحَسُّ بِالقَلْبِ، وَتَمَنَّى، فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ، أَنْ يَتَعَلَّمَ، قَبْلَ نِهَايَةِ هَذَا المُتْحَفِ الطَّوِيلِ، كَيْفَ يَقْرَأُ لُغَةَ القَنَوَاتِ الخَفِيَّةِ، تِلْكَ الَّتِي لَا تَنْتَظِرُ مِنَّا أَنْ نَفْقِدَ شَيْئاً لِنَكْتَشِفَهَا، وَإِنَّمَا تَنْتَظِرُ مِنَّا، فَقَطْ، أَنْ نُصْغِيَ.
________________________________________
