مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الثَّالِثُ وَالسَّبعُونَ — المَولُودُ تَوًّا – هَل تُولَدُ الذَّاكِرَةُ مَعَ أَوَّلِ صَرخَة؟ – جِنسٌ غَيرُ مُحَدَّد — أَيُّ مَكَانٍ فِي العَالَم، الحَاضِر
________________________________________
لَم تَكُن الغُرفَةُ كَالغُرَفِ الأُخرَى فِي المُتحَف.
لَم يَكُن فِيهَا خِزَانَةٌ زُجَاجِيَّة، وَلَا لَوحٌ تَعرِيفِيٌّ مُزَخرَف، وَلَا ضَوءٌ أَصفَرُ مَائِلٌ يَسقُطُ عَلَى أَثَرٍ قَدِيمٍ كَمَا يَعرِفُهُ رُوَّادُ المُتحَفِ العَادِيُّون.
الغُرفَةُ كَانَت بَيضَاءَ تَمَامًا.
بَيضَاءَ بِشَكلٍ يُؤلِمُ العَينَ فِي البِدَايَةِ ثُمَّ يَمنَحُهَا رَاحَةً غَرِيبَةً لَا تَستَطِيعُ تَفسِيرَهَا، كَمَا يَشعُرُ المَرءُ حِينَ يَبكِي طَوِيلًا ثُمَّ يَتوَقَّفُ فَجأَةً وَيَجِدُ نَفسَهُ فَارِغًا وَمُرتَاحًا فِي آنٍ وَاحِد.
وَلَا شَيءَ فِي الغُرفَةِ إِلَّا صَوت.
صَوتٌ وَاحِد.
صَرخَة.
لَيسَت صَرخَةَ خَوفٍ أَو أَلَمٍ بِالمَعنَى الَّذِي يَعرِفُهُ البَالِغُون — ذَلِكَ الخَوفُ المُصَاغُ بِالكَلِمَاتِ وَالذِّكرَيَاتِ وَالأَسبَابِ المَعقُولَة — بَل شَيءٌ أَعمَقُ مِن ذَلِكَ وَأَقدَم، شَيءٌ يَسبُقُ كُلَّ تَسمِيَةٍ وَيَرفُضُ كُلَّ تَصنِيف:
صَوتُ كَيَانٍ يَصطَدِمُ لِلمَرَّةِ الأُولَى بِالهَوَاءِ البَارِد، وَيُدرِكُ — قَبلَ أَيِّ إِدرَاكٍ آخَر، قَبلَ الاسمِ وَقَبلَ الوَجهِ وَقَبلَ اللُّغَة — أَنَّهُ مَوجُود.
________________________________________
وَقَفَ سَامِرٌ فِي وَسَطِ البَيَاض، يَسمَعُ الصَّوتَ يَتَرَدَّدُ مِن جَمِيعِ الجِهَاتِ دُونَ أَن يَتَوَقَّف، كَأَنَّ الغُرفَةَ ذَاتَهَا تَحتَفِظُ بِهَذَا الصَّرخَةِ فِي ذَاكِرَتِهَا هِيَ، رَافِضَةً التَّخَلِّيَ عَن أَوَّلِ صَوتٍ سَمِعَتهُ.
فِكَّرَ سَامِرٌ لِلحَظَةٍ ثُمَّ سَأَل بِصَوتٍ خَفِيف:
— هَل أَنتَ… طِفل؟
جَاءَ الجَوَابُ مِن كُلِّ الجِهَاتِ فِي آنٍ وَاحِد، كَمَا يَأتِي صَوتُ النَّهرِ مِن كُلِّ مَكَانٍ حِينَ تَقِفُ فِي وَسَطِه:
— أَنَا اللَّحظَةُ الَّتِي تَسبُقُ كُلَّ تَعرِيف. لَم أُصبِح طِفلًا بَعد. أَنَا لَحظَةُ الصَّرخَةِ الأُولَى — لَا أَكثَرَ وَلَا أَقَل.
أَومَأَ سَامِرٌ بِرَأسِهِ وَهُوَ يُحَاوِلُ أَن يَجِدَ مَكَانًا يُثَبِّتُ فِيهِ بَصَرَهُ فِي هَذَا البَيَاضِ الطَّاغِي:
— لَم أَدخُل غُرفَةً كَهَذِهِ مِن قَبل. لَا تُوجَدُ جُثَّةٌ وَلَا أَثَر. لَا زَمَنٌ مُحَدَّد. كَأَنِّي دَخَلتُ عَالَمًا قَبلَ أَن يَقرِّرَ أَن يَكُون.
— لِأَنَّ مَا جِئتَ لِتَسمَعَهُ لَيسَ قِصَّة. هُوَ سُؤَالٌ يَسبُقُ كُلَّ القِصَص.
— مَا السُّؤَال؟
— هَل تُولَدُ الذَّاكِرَةُ مَعَ أَوَّلِ صَرخَة، أَم أَنَّهَا كَانَت هُنَاكَ قَبلَ ذَلِكَ بِكَثِير؟
________________________________________
تَوَقَّفَ سَامِرٌ. تَذَكَّرَ.
فِي بِدَايَةِ رِحلَتِهِ فِي هَذَا المُتحَفِ الغَرِيب، كَانَ قَد تَحَدَّثَ مَعَ كَيَانٍ آخَر — الجَنِين — الَّذِي سَكَنَ إِحدَى الغُرَفِ الأُولَى كَأُغنِيَةٍ صَامِتَةٍ لَا يَسمَعُهَا إِلَّا مَن يُصغِي بِانتِبَاه. قَالَ لَهُ الجَنِينُ حِينَهَا كَلَامًا لَا يَزَالُ يَتَرَدَّدُ فِي ذِهنِهِ:
— التَقَيتُ فِي هَذَا المُتحَفِ بِالجَنِين. قَالَ لِي إِنَّ ثَمَّةَ ذَاكِرَةً قَبلَ الوِلَادَة — ذَاكِرَةَ الجَسَدِ وَدَقَّاتِ القَلبِ وَالأَصوَاتِ المُصَفَّاةِ عَبرَ جِدَارِ الرَّحِم. كَأَنَّ الطِّفلَ قَبلَ وِلَادَتِهِ يَتَعَلَّمُ العَالَمَ مِن وَرَاءِ سِتَارٍ.
— الجَنِينُ عَلَى حَق. لَكِنَّ تِلكَ الذَّاكِرَةَ كَانَت لَاوَاعِيَة — ذَاكِرَةُ الجَسَدِ لَا ذَاكِرَةُ الـ«أَنَا». كَانَت الجُمُوعُ لَا المُفرَد، كَانَت النَّبضُ لَا الاسم. أَمَّا الصَّرخَة… فَالصَّرخَةُ حَدَثٌ آخَرُ تَمَامًا.
— مَاذَا تَعنِي؟ أَيُّ فَرقٍ بَينَ ذَاكِرَةِ الجَنِينِ وَذَاكِرَةِ الصَّرخَة؟
— فِي اللَّحظَةِ الَّتِي يُفَارِقُ فِيهَا الجَسَدُ الرَّحِمَ وَيَصطَدِمُ بِالهَوَاءِ البَارِد، يَحدُثُ شَيءٌ لَا يَستَطِيعُ الأَطِبَّاءُ شَرحَهُ كَامِلًا حَتَّى اليَوم. تَصَوَّر: الجِهَازُ العَصَبِيُّ يُطلِقُ أَعلَى مَوجَةٍ كَهرَبَائِيَّةٍ فِي تَارِيخِهِ القَصِير. لَيسَت استِجَابَةً لِخَطَر — الخَطَرُ الحَقِيقِيُّ كَانَ قَائِمًا طَوَالَ سَاعَاتِ الوِلَادَةِ وَلَم تُطلَق هَذِهِ الأَعلَى مِنَ الأَموَاج.
هِيَ شَيءٌ آخَر.
هِيَ انتِقَال.
قَاطَعَهُ سَامِر — وَقَد بَدَأَ يَشعُرُ بِشَيءٍ يَتَحَرَّكُ فِي صَدرِهِ كَحَصَاةٍ صَغِيرَةٍ تَتَدَحرَجُ:
— انتِقَالٌ مِن مَاذَا إِلَى مَاذَا؟
________________________________________
— مِن كَيَانٍ مُدَارٍ بِالكِيمِيَاءِ إِلَى كَيَانٍ يَبدَأُ فِي تَشكِيلِ عَالَمِهِ الخَاص. فِكَّر فِي الأَمرِ هَكَذَا: المَاءُ يَتَحَوَّلُ إِلَى بُخَارٍ حِينَ يَصِلُ إِلَى دَرَجَةِ حَرَارَةٍ بَعِينِهَا — كِلَاهُمَا مَاء، لَكِنَّ حَالَتَيهِمَا مُختَلِفَتَانِ جَوهَرِيًّا. الجَنِينُ وَالمَولُودُ كِلَاهُمَا الكَيَانُ ذَاتُه، لَكِنَّ الصَّرخَةَ هِيَ نُقطَةُ الغَلَيَان.
الصَّرخَةُ لَيسَت مُجَرَّدَ استِنشَاقِ هَوَاء — هِيَ الإِعلَانُ الأَوَّلُ عَن وُجُودٍ مُنفَصِل.
________________________________________
تَوَقَّفَ سَامِر. فَكَّر. ثُمَّ قَالَ بِشَيءٍ يُشبِهُ الحَيرَةَ الصَّادِقَة:
— لَكِنَّ المَولُودَ لَا يَتَذَكَّرُ هَذِهِ اللَّحظَة. حِينَ يَكبُرُ لَا يَذكُرُ وِلَادَتَه. كَأَنَّ اللَّحظَةَ الأُولَى مَمحُوَّةٌ مِن السِّجِلِّ الشَّخصِيِّ تَمَامًا.
— هَذَا هُوَ اللُّغز.
اللَّحظَةُ الأَكثَرُ كَثَافَةً فِي الحَيَاة — أَكثَرُ مِن أَيِّ لَحظَةٍ أُخرَى مِن حَيثُ الإِثَارَةُ العَصَبِيَّةُ وَشِدَّةُ التَّحَوُّل — هِيَ اللَّحظَةُ الوَحِيدَةُ الَّتِي لَا يَحتَفِظُ بِهَا الإِنسَانُ أَبَدًا.
— لِمَاذَا؟
________________________________________
جَاءَ الجَوَابُ هَادِئًا كَتَفسِيرٍ لِغَزٍّ قَدِيم:
— لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ — كَمَا يَعرِفُهَا البَالِغُون — تَحتَاجُ بِنيَة. تَحتَاجُ هِيبُوكَامبًا نَاضِجًا، وَهُوَ ذَلِكَ الجُزءُ مِنَ الدِّمَاغِ المَسؤُولُ عَن تَنظِيمِ الذِّكرَيَاتِ وَتَخزِينِهَا وَاستِرجَاعِهَا. تَحتَاجُ أَيضًا قِشرَةً أَمَامِيَّةً قَادِرَةً عَلَى التَّنظِيمِ وَالسَّردِ وَرَبطِ الأَحدَاثِ بَعضِهَا بِبَعض. هَذِهِ البُنَى لَم تَكتَمِل بَعدُ فِي لَحظَةِ الصَّرخَة. كَما يَشتَهِي القَصرُ المَبنِيُّ إِلَى نِصفِ ارتِفَاعِهِ أَن يَرسُمَ نَوَافِذَ لَمَّا تَكتَمِل.
لِذَلِكَ، كُلُّ مَا يَحدُثُ فِي تِلكَ اللَّحظَةِ يُسَجَّلُ فِي طَبَقَاتٍ أَعمَق — طَبَقَاتٌ لَا تُستَدعَى بِالكَلِمَاتِ وَلَا بِالصُّوَر، بَل بِالجَسَدِ وَالمَشَاعِرِ وَرُدُودِ الفِعلِ الَّتِي لَا يَعرِفُ الإِنسَانُ مَصدَرَهَا.
أَومَأَ سَامِرٌ وَعَلَى وَجهِهِ تَعبِيرٌ يَجمَعُ بَينَ الفَهمِ وَالدَّهشَة:
— إِذَن اللَّحظَةُ الأُولَى… مَحفُوظَةٌ لَكِن لَا يُمكِنُ الوُصُولُ إِلَيهَا؟
________________________________________
— مَحفُوظَةٌ فِي كُلِّ مَكَانٍ إِلَّا فِي الوَعي. وَهَذَا لَيسَ فَشَلًا فِي النِّظَام — هَذَا هُوَ النِّظَام.
الطَّرِيقَةُ الَّتِي تَتَنَفَّسُ بِهَا حِينَ تَخَاف — ذَلِكَ الضِّيقُ السَّرِيعُ الَّذِي يَقبِضُ عَلَى صَدرِكَ قَبلَ أَن تُدرِكَ السَّبَب.
الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَشتَدُّ بِهَا قَبضَتُكَ حِينَ تُفَاجَأ — كَأَنَّ الجَسَدَ يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ كَانَ مَرَّةً مَكَانًا لَا يُمسِكُ بِشَيء.
الرَّعشَةُ الَّتِي تَمُرُّ فِي ظَهرِكَ حِينَ تَسمَعُ صَوتًا مُفَاجِئًا فِي مَكَانٍ يَجِبُ أَن يَكُونَ صَامِتًا.
هَذِهِ كُلُّهَا أَصدَاءُ تِلكَ اللَّحظَةِ الأُولَى. أَصدَاءٌ تَعِيشُ فِيكَ دُونَ أَن تَحمِلَ اسمًا أَو تَارِيخًا.
صَمَتَ سَامِرٌ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِاكتِشَافٍ بَطِيء:
— تَقُولُ إِنَّ ذَاكِرَتَنَا الأُولَى لَيسَت فِكرَةً أَو صُورَة، بَل رَدُّ فِعل.
________________________________________
— تَقُولُ النِّيرُولُوجِيَا الحَدِيثَةُ مَا يُوَافِقُ هَذَا. التَّجَارِبُ الأُولَى جِدًّا — قَبلَ النُّضجِ اللُّغَوِيّ، قَبلَ أَن يَتَعَلَّمَ الطِّفلُ تَسمِيَةَ مَا يَشعُرُ بِه — تُخَزَّنُ فِيمَا يُسَمِّيهِ العُلَمَاءُ الذَّاكِرَةَ الضِّمنِيَّةَ أَو الإِجرَائِيَّة.
تَخَيَّل أَنَّكَ تَعلَّمتَ رُكُوبَ الدَّرَّاجَةِ حِينَ كُنتَ صَغِيرًا. الآن لَا تَتَذَكَّرُ كَيفَ تَعَلَّمتَ — لَا تَتَذَكَّرُ السُّقُوطَ الأَوَّل، وَلَا يَدَ أَبِيكَ عَلَى المُقعَد، وَلَا اللَّحظَةَ الَّتِي تَوَازَنتَ فِيهَا لِأَوَّلِ مَرَّة. لَكِنَّ جَسَدَكَ يَتَذَكَّر. اِصعَد عَلَيهَا الآنَ وَستَجِدُ نَفسَكَ تَتَوَازَنُ دُونَ أَن تُفَكِّر. هَذِهِ هِيَ الذَّاكِرَةُ الإِجرَائِيَّة.
الذَّاكِرَةُ الضِّمنِيَّةُ تَعمَلُ بِالطَّرِيقَةِ ذَاتِهَا، لَكِنَّهَا تَحمِلُ أَعمَق: لَا يُمكِنُكَ أَن تَحكِيَهَا، لَكِنَّهَا تُشَكِّلُ كَيفَ تُحِبّ، كَيفَ تَثِق، كَيفَ تَستَجِيبُ لِلمَجهُول.
________________________________________
صَمَتَ مَكَانٌ مَا فِي البَيَاض.
ثُمَّ سَأَلَ سَامِر:
— وَكَيفَ تُفَسِّرُ هَذَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِيَومٍ مَفقُود؟
صَمتٌ قَصِير. كَأَنَّ الصَّوتَ يُعِيدُ تَشكِيلَ نَفسِهِ مِن جَدِيد.
— قُل لِي: هَل لَدَيكَ أَيَّامٌ فِي حَيَاتِكَ تَشعُرُ بِأَنَّهَا لَم تَحدُث حَقًّا — لَكِنَّكَ تَعرِفُ أَنَّهَا حَدَثَت؟ أَيَّامٌ تَفتَقِدُ أَثَرَهَا فِي الذَّاكِرَةِ الوَاعِيَة، لَكِنَّ أَثَرَهَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ فِي كَيفَ أَصبَحتَ الشَّخصَ الَّذِي أَنتَ عَلَيهِ الآن؟
اِبتَلَعَ سَامِرٌ رِيقَهُ.
— نَعَم. يَومٌ وَاحِدٌ بِالذَّات. السَّابِعَ عَشَرَ مِن تِشرِينَ الأَوَّل، عَامَ أَربَعَةٍ وَتِسعِين.
________________________________________
— رُبَّمَا لَم تُفقَد هَذِهِ الذِّكرَى. رُبَّمَا نَزَلَت إِلَى المَكَانِ الَّذِي تَسكُنُهُ ذَاكِرَةُ الوِلَادَة. إِلَى مَا قَبلَ اللُّغَةِ وَمَا قَبلَ السَّرد. إِلَى الطَّبَقَةِ الَّتِي تُشَكِّل، لَا الَّتِي تُخبِر.
— لَكِن لِمَاذَا يُخَزِّنُ الإِنسَانُ ذِكرَيَاتٍ بِهَذِهِ الطَّرِيقَة؟ مَا الفَائِدَةُ مِن ذَاكِرَةٍ لَا تَستَطِيعُ أَن تَقرَأَهَا؟
— لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ لَم تُخلَق لِتُقرَأ.
خُلِقَت لِتَحمِي.
الذَّاكِرَةُ الضِّمنِيَّةُ أَسرَعُ بِكَثِيرٍ مِنَ الذَّاكِرَةِ الوَاعِيَة. اِفتَرِض أَنَّكَ مَشَيتَ عَلَى طَرِيقٍ مُظلِمٍ وَسَمِعتَ خُطُوَاتٍ خَلفَك. قَبلَ أَن تُكمِلَ جُملَةَ «رُبَّمَا هَذَا خَطَر» فِي ذِهنِك، كَانَ قَلبُكَ قَد تَسَارَعَ وَكَانَت عَضَلَاتُكَ قَد تَوَتَّرَت وَكَانَت أَقدَامُكَ قَد بَدَأَت بِالتَّسَارُع. كَانَ ذَلِكَ الذَّاكِرَةُ الضِّمنِيَّة — هِيَ الَّتِي تُبعِدُكَ مِنَ الخَطَرِ قَبلَ أَن تُفَكِّر.
هِيَ الَّتِي تَجعَلُكَ تَثِقُ بِشَخصٍ دُونَ أَن تَعرِفَ لِمَاذَا.
هِيَ الَّتِي تَدفَعُكَ لِلحُزنِ دُونَ مُنَاسَبَةٍ وَاضِحَة.
إِنَّهَا نِظَامُ إِنذَارٍ مُبَكِّرٍ يَضرِبُ بِجُذُورِهِ فِي عُمقِ الزَّمَن.
________________________________________
اِبتَعَدَ سَامِرٌ خُطوَةً وَكَأَنَّهُ يُحَاوِلُ الخُرُوجَ مِنَ الصَّوت. ثُمَّ وَجَدَ أَنَّ الصَّوتَ يُغَلِّفُ المَكَانَ بِالكَامِل، لَا مَهرَبَ مِنهُ وَلَا جِدَارَ يَضَعُهُ بَينَهُ وَبَينَه.
— أَتَسَاءَلُ أَحيَانًا إِن كَانَ اليَومُ المَفقُودُ مُخَزَّنًا فِي جَسَدِي دُونَ أَن أَعرِف. حِينَ أُفَكِّرُ فِي تِلكَ الفَترَةِ مِن حَيَاتِي أَشعُرُ بِشَيء… شَيءٌ لَيسَ ذِكرَى لَكِنَّهُ لَيسَ نِسيَانًا تَامًّا. شَيءٌ فِي المُنتَصَف، كَكَلِمَةٍ عَلَى طَرَفِ اللِّسَانِ لَا تُسلِّمُ نَفسَهَا.
— هَذَا بِالضَّبطِ هُوَ مَا يَشعُرُ بِهِ مَن يَحمِلُ ذِكرَى ضِمنِيَّة.
ثِقَلٌ دُونَ صُورَة.
مَعرِفَةٌ دُونَ كَلِمَات.
الجَسَدُ يَعرِفُ مَا يَرفُضُ العَقلُ الاعتِرَافَ بِه.
وَسَأَلَ سَامِر:
— وَهَل يُمكِنُ لِهَذِهِ الذِّكرَى أَن تَعُود؟
________________________________________
— أَحيَانًا.
لَيسَ دَائِمًا كَصُورَةٍ وَاضِحَة، كَمَا نُشَاهِدُ المَشَاهِدَ عَلَى شَاشَةٍ. لَكِن كَإِحسَاس.
أَحيَانًا كَرَائِحَةٍ مُفَاجِئَةٍ تَحمِلُ وَزنَ عَالَمٍ كَامِل — رَائِحَةُ مَطَرٍ عَلَى تُرَابٍ أَو رَائِحَةُ خُبزٍ يَخرُجُ مِن تَنُّورٍ قَدِيم تُعِيدُكَ فَجأَةً إِلَى لَحظَةٍ لَم تَتَذَكَّر أَنَّكَ نَسِيتَهَا.
أَحيَانًا كَصَوتٍ يُوقِفُ التَّنَفُّسَ لِثَانِيَة — لَا تَعرِفُ لِمَاذَا وَلَا تَعرِفُ مَتَى سَمِعتَهُ مِن قَبل.
الذَّاكِرَةُ الضِّمنِيَّةُ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ الحَوَاسِّ لَا بِلُغَةِ القِصَص. وَهَذَا هُوَ مَا يَجعَلُهَا فِي أَحيَانٍ كَثِيرَةٍ أَصدَقَ مِن أَيِّ قِصَّةٍ رَوَيتَهَا عَن نَفسِك.
________________________________________
— أُرِيدُ أَن أَسأَلَكَ شَيئًا مُختَلِفًا. أَنتَ لَحظَةُ بِدَايَة. كُلُّ إِنسَانٍ مَرَّ بِك. لَكِنَّ لَا أَحَدَ يَتَذَكَّرُك. لَا تَشعُرُ بِشَيءٍ حِيَالَ هَذَا؟
صَمتٌ طَوِيلٌ نِسبِيًّا. ثُمَّ:
— أَنَا لَحظَةٌ تَسبُقُ المَشَاعِرَ أَيضًا. لَكِن لَو سَأَلتَنِي بِلُغَةِ الفَلسَفَةِ لَا الأَعصَاب:
رُبَّمَا هَذَا هُوَ الشَّكلُ الأَعمَقُ لِلوُجُود. أَن تَكُونَ فِي كُلِّ شَخص — فِي طَرِيقَةِ تَنَفُّسِهِ وَخَوفِهِ وَحُبِّهِ وَعَثرَاتِهِ — دُونَ أَن يَعلَم. لَستُ فِي ذَاكِرَتِه.
أَنَا فِي كِيَانِه.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى البَيَاضِ حَولَهُ وَقَالَ بِهُدُوءِ مَن يَعيشُ التَّنَاقُضَ دُونَ أَن يَأبَى الاعتِرَافَ بِه:
— هَذَا مُبهِجٌ وَمُحزِنٌ فِي الوَقتِ نَفسِه.
— كُلُّ الحَقَائِقِ الكُبرَى كَذَلِك.
________________________________________
وَهُنَا حَدَثَ شَيءٌ لَم يَحدُث فِي أَيِّ غُرفَةٍ أُخرَى طِوَالَ رِحلَتِهِ فِي المُتحَف:
سَامِرٌ لَم يُغَادِرِ الغُرفَة.
الغُرفَةُ غَادَرَتهُ.
اِنسَحَبَ البَيَاضُ بِبُطءٍ وَرِقَّةٍ كَأَنَّهُ لَم يَكُن يَومًا عَازِمًا عَلَى البَقَاء — كَسِتَارٍ شَفَّافٍ يُرفَعُ لِيَكشِفَ خَشَبَةَ المَسرَحِ بَعدَ اكتِمَالِ الفَصل. وَعَادَ المُتحَفُ بِأَضوَائِهِ الصَّفرَاءِ الدَّافِئَةِ وَأَبوَابِهِ الكَثِيرَةِ وَزُجَاجِهِ الَّذِي يَحبِسُ الزَّمَن.
كَأَنَّ تِلكَ اللَّحظَةَ الأُولَى لَا تُحتَمَلُ طَوِيلًا — تُمنَحُ وَتُسحَبُ قَبلَ أَن تُشَكِّلَ وَزنًا حَقِيقِيًّا، تَمَامًا كَمَا يَحدُثُ مَعَ كُلِّ وِلَادَة.
اِلتَفَتَ سَامِرٌ فَوَجَدَ فِي يَدِهِ شَيئًا لَم يَكُن هُنَاكَ مِن قَبل:
قِطعَةٌ صَغِيرَةٌ مِن قُمَاشٍ أَبيَض، نَاعِمٌ كَجِلدِ المَولُود.
لَا تَعرِيفَ عَلَيهَا.
لَا تَارِيخ.
فَقَط بَيَاضٌ أَصِيلٌ يَسبُقُ كُلَّ مَا جَاءَ بَعدَه.
أَضَافَهَا إِلَى مَا يَحمِل، وَمَشَى.
