متحف الأيام المفقودة 78

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَةِ
الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ – الْمَرْأَةُ الْمِئَوِيَّةُ – مَا الَّذِي تَخْتَارُ الذَّاكِرَةُ إِبْقَاءَهُ بَعْدَ مِئَةِ عَامٍ؟ – أُنْثَى — مِئَتَانِ وَاثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً — فَرَنْسَا، ٢٠٢٣م
—————————-
لَمْ يَكُنْ فِي الْغُرْفَةِ ضَوْءٌ اصْطِنَاعِيٌّ.
النَّافِذَةُ الْكَبِيرَةُ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى حَدِيقَةٍ فَرَنْسِيَّةٍ قَدِيمَةٍ كَانَتِ الْمَصْدَرَ الْوَحِيدَ لِلنُّورِ — أَشْجَارٌ طَوِيلَةٌ شَامِخَةٌ، وَمَمَرَّاتٌ حَجَرِيَّةٌ تَعْلُوهَا طَحَالِبُ الزَّمَانِ، وَزُهُورٌ بَيْضَاءُ هَادِئَةٌ كَأَنَّهَا لَا تُوجَدُ إِلَّا لِمُصَاحَبَةِ الصَّمْتِ.
وَالضَّوْءُ الدَّاخِلُ مِنَ النَّافِذَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِعَيْنِهَا كَانَ ذَهَبِيًّا ثَقِيلًا، كَمَا يَكُونُ الضَّوْءُ حِينَ يُشِيعُ نَهَارًا وَيُوَدِّعُهُ بَبُطْءٍ، غَيْرَ مُتَعَجِّلٍ وَلَا آسِفٍ.
وَفِي الْكُرْسِيِّ الذِّرَاعِيِّ الْمُوَاجِهِ لِلنَّافِذَةِ — الَّذِي اسْتَقَرَّ كَأَنَّهُ لَمْ يُصْنَعْ إِلَّا لِهَذَا الْمَكَانِ وَلِهَذِهِ الْمَرْأَةِ — جَلَسَتِ الْعَجُوزُ.
مِئَةٌ وَاثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً.
لَمْ يَكُنِ الرَّقْمُ مُجَرَّدَ عَدَدٍ يَرِدُ فِي سِجِلٍّ مَدَنِيٍّ أَوْ شَهَادَةِ مِيلَادٍ.
كَانَ الرَّقْمُ حُضُورًا مَلْمُوسًا مُتَجَسِّدًا: فِي طَرِيقَةِ جُلُوسِهَا — وَكَأَنَّ الْجَاذِبِيَّةَ نَفْسَهَا تَوَافَقَتْ مَعَ عِظَامِهَا عَلَى هُدْنَةٍ طَوِيلَةٍ — وَفِي بَشَرَتِهَا الَّتِي صَارَتْ شَفَّافَةً كَالرَّقِّ الْقَدِيمِ الَّذِي تَمَشَّى فِيهِ الضَّوْءُ حَتَّى كَادَتِ الْعُرُوقُ تُحْكِي حِكَايَتَهَا، وَفِي يَدَيْهَا الْمُتَشَابِكَتَيْنِ عَلَى حِضْنِهَا بِهُدُوءٍ بَالِغٍ كَأَنَّهُمَا تَعْتَنِقَانِ شَيْئًا لَا يُرَى وَلَا يُقَالُ.
لَكِنَّ عَيْنَيْهَا — عَيْنَيْهَا بِالذَّاتِ — كَانَتَا يَقِظَتَيْنِ بِشَكْلٍ يُدْهِشُ وَيُحَيِّرُ، كَأَنَّ الزَّمَنَ أَفْنَى كُلَّ مَا أَرَادَ مِنَ الْجَسَدِ وَوَقَفَ عَاجِزًا أَمَامَ تِلْكَ الْعَيْنَيْنِ الرَّمَادِيَّتَيْنِ الثَّابِتَتَيْنِ.
قَالَ سَامِرٌ بِصَوْتٍ خَافِتٍ كَمَنْ لَا يُرِيدُ تَكْسِيرَ شَيْءٍ:
— مَدَامْ مَارْغَرِيت؟
رَدَّتِ الْعَجُوزُ دُونَ أَنْ تَلْتَفِتَ، كَأَنَّهَا كَانَتْ تَنْتَظِرُ:
— نَعَمْ.
ثُمَّ أَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ فِيهَا دُعَابَةٌ خَفِيفَةٌ:
— اجْلِسْ مِنْ فَضْلِكَ.
ثُمَّ:
— لَا أُحِبُّ أَنْ أَرْفَعَ رَأْسِي كَثِيرًا — الرَّقَبَةُ لَمْ تَعُدْ تَتَسَامَحُ مَعَ الزَّوَايَا.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ وَجَلَسَ أَمَامَهَا عَلَى كُرْسِيٍّ خَشَبِيٍّ بَسِيطٍ.
قَالَ:
— شُكْرًا لِاسْتِقْبَالِكِ.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ لَا يَخْلُو مِنْ حَسْمٍ:
— أَسْتَقْبِلُ مَنْ أُرِيدُ.
ثُمَّ:
— وَأَنْتَ طَلَبْتَ بِأَدَبٍ.
وَأَضَافَتْ بَعْدَ وَقْفَةٍ قَصِيرَةٍ:
— هَذَا نَادِرٌ.
سَأَلَهَا سَامِرٌ وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الدَّهَشَةَ الصَّادِقَةَ:
— مِئَةٌ وَاثْنَتَا عَشْرَةَ سَنَةً — كَيْفَ يَبْدُو الْعَالَمُ مِنْ هَذَا الِارْتِفَاعِ؟
صَمَتَتْ لَحْظَةً.
ثُمَّ قَالَتْ بِطَمَأْنِينَةٍ مَنْ يَرْوِي مَا رَأَى بِأُمِّ عَيْنَيْهِ:
— كَالْبَحْرِ حِينَ تَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ شَاهِقٍ.
— تَرَى الْحَجْمَ الْحَقِيقِيَّ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
— الْأَمْوَاجُ الَّتِي بَدَتْ ضَخْمَةً وَأَنْتَ فِيهَا تَبْدُو صَغِيرَةً جِدًّا مِنْ فَوْقٍ.
لَمْ يَتَكَلَّمْ سَامِرٌ لِحَظَاتٍ.
ثُمَّ سَأَلَ:
— وَالذَّاكِرَةُ؟
أَجَابَتْ كَمَنْ يَقُولُ أَمْرًا طَالَ تَأَمُّلُهُ:
— الذَّاكِرَةُ اخْتَارَتْ لِنَفْسِهَا.
— هَذَا مَا يَفْعَلُهُ الزَّمَنُ الطَّوِيلُ — يُصَفِّي.
— مَا بَقِيَ لَيْسَ كُلَّ مَا حَدَثَ، بَلْ مَا أَصَرَّ عَلَى الْبَقَاءِ.
قَالَ سَامِرٌ بِتَرَدُّدٍ خَفِيفٍ:
— وَهَلِ الذَّاكِرَةُ تُصَفِّي بِعَدَالَةٍ؟
ابْتَسَمَتِ الْعَجُوزُ ابْتِسَامَةً فِيهَا مَا يُشْبِهُ الرِّثَاءَ اللَّطِيفَ لِسُذَاجَةِ السُّؤَالِ:
— لَا.
— تُصَفِّي بِمَنْطِقِهَا الْخَاصِّ.
— تَحْتَفِظُ بِالْمَشَاعِرِ أَكْثَرَ مِنَ الْوَقَائِعِ.
ثُمَّ قَالَتْ وَكَأَنَّهَا تُقَدِّمُ أَدِلَّةً مِنْ مَحْفُوظَاتِ قَلْبِهَا:
— أَتَذَكَّرُ كَيْفَ شَعَرْتُ يَوْمَ زَفَافِي تَمَامًا — كُلَّ رَعْشَةٍ، كُلَّ فَرَحَةٍ، كُلَّ خَوْفٍ خَبَّأْتُهُ خَلْفَ ابْتِسَامَتِي — لَكِنَّ تَفَاصِيلَ مَا قِيلَ فِي حَفْلِ الْعَشَاءِ ذَهَبَتْ مِنْ ذِهْنِي مُنْذُ عُقُودٍ.
— أَتَذَكَّرُ لَوْنَ فُسْتَانِ أُمِّي حِينَ وُضِعَتْ فِي نَعْشِهَا — كَانَ أَزْرَقَ بِلَوْنِ السَّمَاءِ الشِّتَائِيَّةِ — لَكِنَّنِي لَا أَتَذَكَّرُ كَلِمَاتِ الْعَزَاءِ الَّتِي قِيلَتْ حَوْلِي وَأَنَا وَاقِفَةٌ بِجَانِبِهَا.
صَمَتَ سَامِرٌ وَكَأَنَّهُ يَسْتَوْعِبُ.
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ:
— الْمَشَاعِرُ أَبْقَى مِنَ الْكَلِمَاتِ.
أَجَابَتْ بِلَا تَرَدُّدٍ:
— الْمَشَاعِرُ هِيَ الْكَلِمَاتُ الْحَقِيقِيَّةُ.
— الْبَاقِي تَرْجَمَةٌ.
أَرَادَ سَامِرٌ أَنْ يَفْهَمَ أَكْثَرَ، فَقَالَ:
— هَلْ تَسْتَطِيعِينَ أَنْ تُخْبِرِينِي — فِي كُلِّ هَذَا الْعُمْرِ — مَا الَّذِي اخْتَارَتْهُ الذَّاكِرَةُ مِنَ التَّارِيخِ الْكَبِيرِ؟
— عِشْتِ الْحَرْبَ الْعَالَمِيَّةَ الثَّانِيَةَ وَالْحَرْبَ الْبَارِدَةَ وَسُقُوطَ الْجِدَارِ وَدُخُولَ الْأَلْفِيَّةِ الْجَدِيدَةِ.
تَأَمَّلَتِ الْعَجُوزُ النَّافِذَةَ لَحْظَةً.
ثُمَّ قَالَتْ:
— أَتَذَكَّرُ التَّارِيخَ الْكَبِيرَ مِنْ خِلَالِ التَّفَاصِيلِ الصَّغِيرَةِ.
— لَا أَتَذَكَّرُ «الْحَرْبَ» — أَتَذَكَّرُ صَوْتَ الْغَارَاتِ اللَّيْلِيَّةِ وَكَيْفَ كَانَتْ جَدَّتِي تُمْسِكُ يَدِي تَحْتَ السَّرِيرِ دُونَ أَنْ تَقُولَ شَيْئًا — يَدُهَا كَانَتْ بَارِدَةً وَكَانَتْ صَادِقَةً.
— لَا أَتَذَكَّرُ «سُقُوطَ الْجِدَارِ» كَحَدَثٍ تَارِيخِيٍّ — أَتَذَكَّرُ جَارِي الْأَلْمَانِيَّ الشَّرْقِيَّ الَّذِي بَكَى أَمَامِي لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِهِ، هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي ظَنَنْتُ أَنَّهُ يُخَبِّئُ دُمُوعَهُ مَنْذُ طُفُولَتِهِ — رَأَيْتُهُ يَبْكِي وَشَعَرْتُ أَنَّ شَيْئًا فِي الْعَالَمِ انْكَسَرَ انْكِسَارًا جَمِيلًا.
قَالَ سَامِرٌ وَكَأَنَّهُ يُكَمِّلُ فِكْرَتَهَا:
— التَّارِيخُ يَسْكُنُ فِي اللَّحَظَاتِ الشَّخْصِيَّةِ.
صَوَّبَتِ الْعَجُوزُ بَصَرَهَا نَحْوَهُ وَكَأَنَّهَا تَرَى فِيهِ شَيْئًا لَفَتَ انْتِبَاهَهَا:
— التَّارِيخُ لَا مَعْنَى لَهُ إِلَّا فِي اللَّحَظَاتِ الشَّخْصِيَّةِ.
— الْكُتُبُ تَكْتُبُ الْأَرْقَامَ وَالْخُطَبَ وَالْمَعَارِكَ.
— الذَّاكِرَةُ تَحْتَفِظُ بِالدُّمُوعِ وَالْأَيْدِي وَالرَّوَائِحِ.
الْتَفَتَتِ الْمَرْأَةُ قَلِيلًا نَحْوَ النَّافِذَةِ.
كَانَ الضَّوْءُ قَدْ تَغَيَّرَ نِسْبِيًّا خِلَالَ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ — أَصْبَحَ أَكْثَرَ مَيْلًا، يَسِيرُ نَحْوَ جَانِبِ الْغُرْفَةِ الْأَيْسَرِ كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ الِانْسِحَابَ بِلُطْفٍ.
ثُمَّ قَالَتْ فَجْأَةً:
— وَأَنْتَ — مَا الَّذِي جَاءَ بِكَ إِلَى هُنَا؟
قَالَ سَامِرٌ بِصِدْقٍ لَا يَخْلُو مِنْ حَيَاءٍ:
— يَوْمٌ مَفْقُودٌ.
— يَوْمٌ مِنْ حَيَاتِي لَا أَتَذَكَّرُهُ.
رَمَقَتْهُ بِنَظْرَةٍ تَنْطَوِي عَلَى كَثِيرٍ:
— يَوْمٌ وَاحِدٌ فَقَطْ؟
قَالَ وَكَأَنَّهُ يَعْتَذِرُ عَنْ قِلَّةِ أَيَّامِهِ الْمَفْقُودَةِ:
— يَوْمٌ وَاحِدٌ مُحَدَّدٌ يُقْلِقُنِي أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ.
قَالَتْ بِطُمَأْنِينَةِ مَنْ تَجَاوَزَ الْقَلَقَ مِنْ زَمَنٍ بَعِيدٍ:
— عِنْدِي أَيَّامٌ كَثِيرَةٌ فَقَدْتُهَا.
— سَنَوَاتٌ بِأَكْمَلِهَا لَمْ تَتْرُكْ أَثَرًا وَاضِحًا.
— وَفِي الْبِدَايَةِ كَانَ هَذَا يُقْلِقُنِي.
— ثُمَّ تَوَقَّفْتُ عَنِ الْقَلَقِ.
سَأَلَ سَامِرٌ:
— لِمَاذَا؟
قَالَتْ:
— لِأَنَّنِي أَدْرَكْتُ أَنَّ النِّسْيَانَ لَيْسَ فَشَلًا — هُوَ انْتِقَاءٌ طَبِيعِيٌّ.
— الدِّمَاغُ يَتَخَلَّصُ مِمَّا لَا يَحْتَاجُهُ لِلْبَقَاءِ.
— مِثْلَمَا تَتَخَلَّصُ الشَّجَرَةُ مِنْ أَوْرَاقِهَا فِي الْخَرِيفِ.
— لَيْسَ مَوْتًا — تَهَيُّؤٌ.
قَالَ سَامِرٌ وَفِي صَوْتِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِلْحَاحِ الصَّادِقِ:
— لَكِنْ مَاذَا لَوْ كَانَ الْيَوْمُ الْمَفْقُودُ مُهِمًّا؟
— مَاذَا لَوْ كَانَ يَحْمِلُ شَيْئًا أَحْتَاجُ لِفَهْمِهِ؟
لَمْ تَتَعَجَّلِ الْعَجُوزُ فِي إِجَابَتِهَا.
تَأَمَّلَتِ السُّؤَالَ كَأَنَّهَا تَزِنُهُ بِمِيزَانٍ دَقِيقٍ.
ثُمَّ قَالَتْ:
— إِنْ كَانَ مُهِمًّا حَقًّا — فَأَثَرُهُ مَوْجُودٌ.
— رُبَّمَا لَا تَرَاهُ مُبَاشَرَةً.
— لَكِنَّ الْأَيَّامَ الْمُهِمَّةَ لَا تَخْتَفِي تَمَامًا.
— تَتَحَوَّلُ إِلَى طَرِيقَةٍ تُفَكِّرُ، إِلَى شَيْءٍ تَتَجَنَّبُهُ، إِلَى قَرَارٍ اتَّخَذْتَهُ دُونَ أَنْ تَعْرِفَ لِمَاذَا.
— الْأَثَرُ قَائِمٌ حَتَّى حِينَ تَغِيبُ الصُّورَةُ.
ثُمَّ أَضَافَتْ وَكَأَنَّهَا تُفَسِّرُ بِمِثَالٍ مِنْ حَيَاتِهَا:
— كُنْتُ فِي شَبَابِي أُحِبُّ رَجُلًا وَلَمْ أَقُلْ لَهُ ذَلِكَ.
— لَا أَتَذَكَّرُ الْيَوْمَ الَّذِي قَرَّرْتُ فِيهِ الصَّمْتَ.
— لَكِنَّنِي طَوَالَ حَيَاتِي كُنْتُ أَمِيلُ إِلَى أَنْ أَقُولَ مَا أُرِيدُ قَبْلَ أَنْ يَفُوتَ الْأَوَانُ.
— الْيَوْمُ الَّذِي لَا أَتَذَكَّرُهُ صَنَعَ فِيَّ امْرَأَةً لَا تَكْتُمُ.
صَمَتَ سَامِرٌ وَنَظَرَ إِلَى النَّافِذَةِ.
ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
— هَذَا مَا قَالَهُ أَشْخَاصٌ آخَرُونَ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
ابْتَسَمَتِ الْعَجُوزُ:
— لِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ قَدِيمَةٌ.
— الْحَقَائِقُ الْقَدِيمَةُ يَكْتَشِفُهَا كُلُّ جِيلٍ مِنْ جَدِيدٍ وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ اكْتَشَفَهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ.
وَأَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ دَافِئَةٍ:
— هَذَا جَمِيلٌ فِي الْوَاقِعِ.
سَأَلَهَا سَامِرٌ بِتَلَطُّفٍ:
— هَلْ خِفْتِ يَوْمًا مِنْ فُقْدَانِ ذَاكِرَتِكِ؟
قَالَتْ بِلَا تَرَدُّدٍ:
— فِي التِّسْعِينَ خِفْتُ.
— شَعَرْتُ بِبَعْضِ الضَّبَابِ — الْأَسْمَاءُ تَتَأَخَّرُ، التَّوَارِيخُ تَتَدَاخَلُ، الْوُجُوهُ تَحْتَاجُ لَحْظَةً أَطْوَلَ حَتَّى تَسْتَقِرَّ فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ.
— ثُمَّ تَقَبَّلْتُ.
— مَا بَقِيَ هُوَ مَا يَكْفِينِي.
— وَمَا يَكْفِينِي أَغْنَى بِكَثِيرٍ مِمَّا كُنْتُ أَظُنُّ.
قَالَ سَامِرٌ بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ:
— وَمَاذَا يَكْفِيكِ؟
أَجَابَتْ وَكَأَنَّهَا تُعَدِّدُ كُنُوزَهَا الْحَقِيقِيَّةَ:
— وُجُوهُ النَّاسِ الَّذِينَ أَحْبَبْتُهُمْ.
— طَعْمُ التُّفَّاحِ فِي حَدِيقَةِ بَيْتِ الطُّفُولَةِ — كَانَتْ تُفَّاحَةً صَغِيرَةً حَامِضَةً لَا يَبِيعُهَا أَحَدٌ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِيهَا أَحَدٌ.
— صَوْتُ مَطَرٍ كَانَ يَأْتِي فِي الْخَرِيفِ وَيُبْقِينِي دَاخِلَ الْبَيْتِ أَقْرَأُ وَأَشْعُرُ أَنَّ الْعَالَمَ خَارِجَ النَّافِذَةِ لَا يَخُصُّنِي.
— ابْنَتِي حِينَ كَانَتْ طِفْلَةً تُمْسِكُ بِأُصْبُعِي وَتَمْشِي دُونَ أَنْ تَنْظُرَ — تَثِقُ أَنَّنِي سَأُرْشِدُهَا.
— هَذِهِ الثِّقَةُ كَانَتْ أَجْمَلَ شَيْءٍ أَحْسَسْتُهُ فِي حَيَاتِي.
قَالَ سَامِرٌ بِتَأَمُّلٍ:
— هَذِهِ تَفَاصِيلُ صَغِيرَةٌ جِدًّا.
قَالَتِ الْعَجُوزُ بِحَزْمٍ لَطِيفٍ:
— التَّفَاصِيلُ الصَّغِيرَةُ هِيَ الْحَيَاةُ.
— الْبَاقِي حَوَادِثُ.
صَمَتَ سَامِرٌ طَوِيلًا.
كَانَ الصَّمْتُ مُرِيحًا كَمَا لَمْ يَكُنْ أَيُّ صَمْتٍ مُرِيحًا مُنْذُ زَمَنٍ.
ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ:
— وَإِنْ طَلَبْتُ مِنْكِ أَنْ تُعْطِيَنِي حِكْمَةً وَاحِدَةً مِنْ مِئَةٍ وَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً — حِكْمَةً عَنِ الذَّاكِرَةِ؟
لَمْ تُجِبْ فَوْرًا.
تَرَكَتِ السُّؤَالَ يَسْتَقِرُّ فِي الْغُرْفَةِ كَمَا يَسْتَقِرُّ الْغُبَارُ فِي الضَّوْءِ.
وَالضَّوْءُ الذَّهَبِيُّ مَالَ مَيْلًا أَكْبَرَ وَكَأَنَّهُ يُصْغِي مَعَ سَامِرٍ.
ثُمَّ قَالَتْ:
— لَا تُقَاتِلْ مَا تَتَذَكَّرُ وَلَا مَا تَنْسَى.
— كِلَاهُمَا يَعْمَلُ مِنْ أَجْلِكَ حَتَّى حِينَ يُؤْلِمُ.
— الذَّاكِرَةُ الَّتِي تُقَاتِلُهَا تُصْبِحُ أَقْوَى.
— وَالنِّسْيَانُ الَّذِي تُقَاتِلُهُ يُصْبِحُ وَسْوَاسًا.
— الْحِكْمَةُ فِي الْإِذْعَانِ الْوَاعِي — أَنْ تُلَاحِظَ مَا تَحْمِلُ وَمَا تَرَكْتَ، دُونَ أَنْ تَجْعَلَ أَيًّا مِنْهُمَا سِجْنًا.
خَرَجَ سَامِرٌ وَالضَّوْءُ فِي الْحَدِيقَةِ قَدْ مَالَ تَمَامًا نَحْوَ الْمَسَاءِ.
الْأَشْجَارُ أَلْقَتْ ظِلَالًا طَوِيلَةً عَلَى الْمَمَرَّاتِ الْحَجَرِيَّةِ — ظِلَالٌ رَفِيعَةٌ مُتَمَدِّدَةٌ كَأَنَّهَا أَصَابِعُ تُشِيرُ إِلَى غَيْرِ اتِّجَاهٍ.
كَرَّرَ فِي ذِهْنِهِ كَلِمَةً سَمِعَهَا لِلتَّوِّ: «الْإِذْعَانُ الْوَاعِي».
لَيْسَ الِاسْتِسْلَامَ لِلنِّسْيَانِ وَلَا الْهَوَسَ بِاسْتِرْدَادِ كُلِّ شَيْءٍ.
بَلِ الْجُلُوسَ مَعَ مَا هُوَ مَوْجُودٌ وَمَعَ مَا غَابَ — دُونَ أَنْ يَتَحَوَّلَ أَيٌّ مِنْهُمَا إِلَى سَجَّانٍ.
فَكَّرَ: كَمْ مِنَ النَّاسِ يُمْضُونَ حَيَاتَهُمْ يُحَاوِلُونَ التَّذَكُّرَ بِقُوَّةٍ مَا لَا يُرِيدُ أَنْ يُتَذَكَّرَ، أَوْ يُحَاوِلُونَ نِسْيَانَ مَا يُصِرُّ عَلَى الْبَقَاءِ؟
وَرُبَّمَا كَانَتِ الْحِكْمَةُ الْحَقِيقِيَّةُ أَنْ تُتْرَكَ الذَّاكِرَةُ تَعْمَلَ عَمَلَهَا — كَالشَّجَرَةِ الَّتِي تُسْقِطُ مَا تُسْقِطُ وَتُمْسِكُ مَا تُمْسِكُ، لَا بِإِرَادَةِ صَاحِبِهَا، بَلْ بِإِرَادَةِ الْفُصُولِ.
وَلِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي رِحْلَتِهِ دَاخِلَ الْمُتْحَفِ شَعَرَ سَامِرٌ أَنَّهُ يَقْتَرِبُ — لَيْسَ مِنَ الْيَوْمِ الْمَفْقُودِ — بَلْ مِنْ طَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا لِلْعَلَاقَةِ مَعَهُ.
الْيَوْمُ الْمَفْقُودُ لَمْ يَكُنْ رُبَّمَا غَيَابًا يَجِبُ سَدُّهُ — بَلْ كَانَ فَرَاغًا تَرَكَتْهُ الذَّاكِرَةُ عَمْدًا لِسَبَبٍ مَا، كَمَا تَتْرُكُ اللَّوْحَةُ فَرَاغَاتٍ لَا تَمْلَؤُهَا الْأَلْوَانُ لِأَنَّ الْبَيَاضَ نَفْسَهُ جُزْءٌ مِنَ الْمَعْنَى.

متحف الأيام المفقودة 79