قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الفَصْلُ الثَّالِثُ
مَطْبَخُ سَلْمَى الجَدِيدُ
كَيْفَ تَتَحَوَّلُ رَبَّةُ بَيْتٍ دِمَشْقِيَّةٌ إِلَى امْرَأَةٍ تَتَعَلَّمُ مِنَ الصِّفْرِ
لَمْ يَكُنِ المَطْبَخُ المُشْتَرَكُ فِي مَرْكَزِ الإِيوَاءِ يُشْبِهُ أَيَّ مَطْبَخٍ عَرَفَتْهُ سَلْمَى مِنْ قَبْلُ. أَرْبَعُ طَاوِلَاتٍ مَعْدِنِيَّةٌ طَوِيلَةٌ، وَمَوْقِدٌ كَهْرَبَائِيٌّ بِسِتِّ عُيُونٍ يَتَقَاسَمُهُ فِي اليَوْمِ الوَاحِدِ أَكْثَرُ مِنْ عَشْرِ عَائِلَاتٍ، وَجَدْوَلُ مَوَاعِيدَ مُعَلَّقٌ عَلَى الحَائِطِ بِخَطِّ اليَدِ، يُحَدِّدُ لِكُلِّ عَائِلَةٍ نِصْفَ سَاعَةٍ لِلطَّهْوِ، لَا أَكْثَرَ وَلَا أَقَلَّ.
تَذَكَّرَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَقِفُ أَمَامَ هَذَا الجَدْوَلِ الغَرِيبِ، مَطْبَخَهَا فِي دِمَشْقَ: مَسَاحَةً وَاسِعَةً مُطِلَّةً عَلَى حَدِيقَةٍ صَغِيرَةٍ، وَرُفُوفًا مَلِيئَةً بِالتَّوَابِلِ الَّتِي جَمَعَتْهَا عَلَى مَدَى عِشْرِينَ عَامًا مِنَ الزَّوَاجِ، وَإِيقَاعًا لَا يَخْضَعُ لِسَاعَةِ أَحَدٍ سِوَى شَهِيَّةِ أَفْرَادِ بَيْتِهَا. أَمَّا هُنَا، فَقَدْ صَارَ الطَّهْوُ فِعْلًا مَحْكُومًا بِجَرَسٍ، وَبِعُيُونٍ غَرِيبَةٍ تُرَاقِبُ مِنْ بَعِيدٍ، وَبِضَرُورَةِ أَنْ تُنْهِيَ كُلَّ شَيْءٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ دَوْرُ العَائِلَةِ التَّالِيَةِ.
وَقَفَتْ سَلْمَى فِي صَفِّهَا الأَوَّلِ ذَلِكَ الصَّبَاحَ، تَحْمِلُ كِيسًا بِلَاسْتِيكِيًّا فِيهِ بَصَلَتَانِ وَحَفْنَةُ أَرُزٍّ وَقِطْعَةُ دَجَاجٍ صَغِيرَةٌ، تَنْتَظِرُ دَوْرَهَا كَأَنَّهَا تَنْتَظِرُ دَوْرَهَا فِي عِيَادَةِ طَبِيبٍ، لَا فِي مَطْبَخٍ.
قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ تَقِفُ خَلْفَهَا فِي الصَّفِّ، بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ مُهَذَّبَةٍ:
– أَهَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ تَطْبُخِينَ فِيهَا هُنَا؟
اِلْتَفَتَتْ سَلْمَى فَوَجَدَتِ امْرَأَةً أَنِيقَةً نِسْبِيًّا، تَحْمِلُ مِقْلَاةً صَغِيرَةً بِيَدِهَا، وَابْتِسَامَةً وَاثِقَةً عَلَى وَجْهِهَا.
– نَعَمْ، هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ. أَنَا سَلْمَى.
– أَهْلًا بِكِ. أَنَا مَنَالُ، مَنَالُ العَبْدِ اللَّهِ. زَوْجِي طَبِيبٌ، وَكُنَّا فِي دِمَشْقَ أَيْضًا، فِي مِنْطَقَةِ المَزَّةِ.
اِبْتَسَمَتْ سَلْمَى، وَشَعَرَتْ بِارْتِيَاحٍ غَرِيبٍ لِسَمَاعِ اسْمِ حَيٍّ تَعْرِفُهُ:
– نَحْنُ مِنْ بَابِ تُومَا. جِيرَانٌ قَرِيبُونَ تَقْرِيبًا، لَوْ حَسَبْنَا المَسَافَةَ بِالمَقَايِيسِ القَدِيمَةِ.
ضَحِكَتْ مَنَالُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً:
– هُنَا كُلُّ المَسَافَاتِ تَغَيَّرَتْ. بَابُ تُومَا وَالمَزَّةُ أَصْبَحَا عَلَى بُعْدِ جِدَارٍ وَاحِدٍ فِي مَطْبَخٍ مُشْتَرَكٍ.
سَأَلَتْهَا سَلْمَى، وَهِيَ تُلَاحِظُ ثِقَةَ مَنَالَ الوَاضِحَةَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المَكَانِ:
– مُنْذُ مَتَى وَأَنْتُمْ هُنَا؟
– مُنْذُ شَهْرٍ تَقْرِيبًا. تَكْفِي هَذِهِ المُدَّةُ لِتَتَعَلَّمِي كَيْفَ تَتَحَايَلِينَ عَلَى جَدْوَلِ المَطْبَخِ، وَأَيْنَ تَجِدِينَ أَرْخَصَ الأَسْوَاقِ، وَأَيُّ المُوَظَّفِينَ يَتَعَامَلُونَ بِلُطْفٍ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِامْتِنَانٍ لِهَذِهِ الغَرِيبَةِ الَّتِي تَحَدَّثَتْ إِلَيْهَا وَكَأَنَّهُمَا تَعْرِفَانِ بَعْضَهُمَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، لَا مُنْذُ دَقَائِقَ فَقَطْ.
• • •
حِينَ حَانَ دَوْرُ سَلْمَى أَخِيرًا، وَقَفَتْ أَمَامَ المَوْقِدِ، وَوَضَعَتِ المِقْلَاةَ، وَشَعَرَتْ لِلَحْظَةٍ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ مِنْ أَيْنَ تَبْدَأُ، وَكَأَنَّ يَدَيْهَا، اللَّتَيْنِ طَهَتَا آلَافَ الوَجَبَاتِ فِي بَيْتِهَا الدِّمَشْقِيِّ، نَسِيَتَا فَجْأَةً كَيْفَ تَتَحَرَّكَانِ فِي هَذَا المَكَانِ الغَرِيبِ.
لَاحَظَتْ مَنَالُ تَرَدُّدَهَا، فَاقْتَرَبَتْ وَسَأَلَتْ بِلُطْفٍ:
– أَتَحْتَاجِينَ إِلَى مُسَاعَدَةٍ؟
– لَا، أَنَا فَقَطْ… لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا أَشْعُرُ بِالِارْتِبَاكِ. كَأَنَّنِي أَطْبُخُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي.
قَالَتْ مَنَالُ، وَهِيَ تَضَعُ مِقْلَاتَهَا عَلَى العَيْنِ المُجَاوِرَةِ:
– هَذَا طَبِيعِيٌّ فِي الأَسَابِيعِ الأُولَى. المَطْبَخُ فِي بَيْتِنَا كَانَ امْتِدَادًا لَنَا، لِشَخْصِيَّتِنَا، لِقَرَارِنَا وَحْدَنَا. أَمَّا هُنَا، فَحَتَّى الطَّبْخُ صَارَ فِعْلًا جَمَاعِيًّا، تَحْتَ مُرَاقَبَةِ جَدْوَلٍ زَمَنِيٍّ وَنَاسٍ غُرَبَاءَ. يَأْخُذُ الأَمْرُ وَقْتًا حَتَّى تَشْعُرِي أَنَّ يَدَيْكِ مَا زَالَتَا يَدَيْكِ.
أَوْمَأَتْ سَلْمَى بِرَأْسِهَا، وَبَدَأَتْ تُقَطِّعُ البَصَلَ بِحَرَكَاتٍ بَطِيئَةٍ فِي أَوَّلِ الأَمْرِ، ثُمَّ بَدَأَتْ تَسْتَعِيدُ إِيقَاعَهَا القَدِيمَ تَدْرِيجِيًّا، وَكَأَنَّ حَدِيثَ مَنَالَ أَعَادَ إِلَيْهَا جُزْءًا مِنْ ثِقَتِهَا.
• • •
بَيْنَمَا كَانَتَا تَطْبُخَانِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، سَأَلَتْ مَنَالُ، بِصَوْتٍ خَافِتٍ أَقْرَبَ إِلَى السِّرِّ:
– وَزَوْجُكِ؟ كَيْفَ يَتَأَقْلَمُ؟
تَرَدَّدَتْ سَلْمَى قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
– بِصَرَاحَةٍ، لَا أَعْرِفُ بِالضَّبْطِ. هُوَ كَاتِبٌ، مُعْتَادٌ أَنْ يَكُونَ هُوَ مَنْ يَصِفُ العَالَمَ بِكَلِمَاتِهِ، لَا أَنْ يَقِفَ عَاجِزًا أَمَامَهُ. أَشْعُرُ أَنَّهُ صَامِتٌ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي.
قَالَتْ مَنَالُ، وَهِيَ تُحَرِّكُ المِقْلَاةَ أَمَامَهَا:
– زَوْجِي عَلَى العَكْسِ تَمَامًا. طَبِيبٌ، مُتَحَمِّسٌ لِكُلِّ خُطْوَةٍ، يُرِيدُ أَنْ يَبْدَأَ العَمَلَ غَدًا لَوِ اسْتَطَاعَ. أَحْيَانًا أَتَمَنَّى لَوْ كَانَ أَبْطَأَ قَلِيلًا، لِيُعْطِيَنَا وَقْتًا لِنَلْتَقِطَ أَنْفَاسَنَا قَبْلَ أَنْ يَقْتَحِمَ كُلَّ بَابٍ أَمَامَهُ.
اِبْتَسَمَتْ سَلْمَى:
– يَبْدُو أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَّا تَتَمَنَّى مِنْ زَوْجِهَا مَا يَنْقُصُهُ بِالضَّبْطِ.
ضَحِكَتْ مَنَالُ:
– رُبَّمَا هَذَا قَانُونٌ عَامٌّ فِي الزَّوَاجِ، لَا فِي المَنْفَى وَحْدَهُ.
سَأَلَتْهَا سَلْمَى، بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ:
– كَيْفَ تَتَعَامَلِينَ مَعَ فِرَاسَ حِينَ يَنْدَفِعُ بِسُرْعَةٍ نَحْوَ كُلِّ شَيْءٍ؟
فَكَّرَتْ مَنَالُ قَلِيلًا، وَهِيَ تُقَلِّبُ الطَّعَامَ فِي المِقْلَاةِ:
– أُحَاوِلُ أَلَّا أُوقِفَهُ، لَكِنَّنِي أَضَعُ لِنَفْسِي حُدُودًا وَاضِحَةً. أُخْبِرُهُ دَائِمًا: اذْهَبْ أَنْتَ وَاجْرِ بِالسُّرْعَةِ الَّتِي تُرِيدُهَا، لَكِنْ لَا تَتَوَقَّعْ أَنْ أَجْرِيَ خَلْفَكَ بِالإِيقَاعِ نَفْسِهِ. لِكُلٍّ مِنَّا سُرْعَتُهُ الخَاصَّةُ فِي هَذَا المَكَانِ الجَدِيدِ.
قَالَتْ سَلْمَى بِصَوْتٍ شِبْهِ مَسْمُوعٍ، أَقْرَبَ إِلَى حَدِيثِ النَّفْسِ مِنْهُ إِلَى مُخَاطَبَةِ مَنَالَ:
– أَعْجَبَتْنِي هَذِهِ الفِكْرَةُ. أَنَا لَمْ أَجْرُؤْ بَعْدُ عَلَى أَنْ أَضَعَ حُدُودًا وَاضِحَةً كَهَذِهِ مَعَ هَمَّامٍ. أَشْعُرُ أَنَّنِي أَتَكَيَّفُ مَعَ إِيقَاعِهِ، بَطِيئًا كَانَ أَمْ سَرِيعًا، أَكْثَرَ مِمَّا أَفْرِضُ إِيقَاعِي الخَاصَّ.
قَالَتْ مَنَالُ بِلُطْفٍ:
– رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِتُجَرِّبِي ذَلِكَ. المَنْفَى فُرْصَةٌ غَرِيبَةٌ، يَا سَلْمَى: كُلُّ قَوَاعِدِ اللُّعْبَةِ القَدِيمَةِ سَقَطَتْ مَعَنَا فِي الطَّرِيقِ، وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يُرَاقِبُنَا بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي كَانَتْ عَائِلَاتُنَا الكَبِيرَةُ تُرَاقِبُنَا بِهَا هُنَاكَ. يُمْكِنُنَا أَنْ نَكْتُبَ قَوَاعِدَ جَدِيدَةً، إِنْ أَرَدْنَا فِعْلًا.
صَمَتَتْ سَلْمَى قَلِيلًا، تَتَأَمَّلُ هَذِهِ الفِكْرَةَ وَكَأَنَّهَا تَسْمَعُهَا لِلْمَرَّةِ الأُولَى رَغْمَ بَسَاطَتِهَا الظَّاهِرَةِ:
– أَظُنُّ أَنَّنِي كُنْتُ أَخْشَى، طَوَالَ هَذِهِ السَّنَوَاتِ، أَنَّ كِتَابَةَ قَوَاعِدَ جَدِيدَةٍ تَعْنِي بِالضَّرُورَةِ كَسْرَ شَيْءٍ قَدِيمٍ كُنْتُ أُحِبُّهُ. لَكِنْ رُبَّمَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَكْتُبَ قَوَاعِدَ جَدِيدَةً، وَأَحْتَفِظَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ بِمَا أَحْبَبْتُهُ مِنَ القَدِيمِ، دُونَ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ إِمَّا هَذَا أَوْ ذَاكَ تَمَامًا.
اِبْتَسَمَتْ مَنَالُ، وَهِيَ تَضَعُ آخِرَ قِطْعَةِ خُضَارٍ فِي كِيسِهَا:
– هَذَا بِالضَّبْطِ مَا أُحَاوِلُ أَنْ أَفْعَلَهُ أَنَا أَيْضًا، يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ دَائِمًا إِنْ كُنْتُ أَنْجَحُ فِيهِ أَمْ لَا.
• • •
بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ سَلْمَى مِنْ طَهْوِ وَجْبَتِهَا، حَمَلَتِ الصِّينِيَّةَ إِلَى الطَّاوِلَةِ حَيْثُ كَانَتْ رَهَفُ تَجْلِسُ تَتَصَفَّحُ هَاتِفَهَا، وَكَرِيمٌ يَقْرَأُ نَشْرَةً عَنِ الجَامِعَاتِ المَحَلِّيَّةِ، وَهَمَّامٌ يُقَلِّبُ أَوْرَاقًا حَصَلَ عَلَيْهَا مِنْ مَكْتَبِ التَّسْجِيلِ.
وَضَعَتِ الصِّينِيَّةَ أَمَامَهُمْ، وَقَالَتْ بِنَبْرَةٍ تَحْمِلُ فَخْرًا خَافِتًا:
– هَذِهِ أَوَّلُ وَجْبَةٍ أَطْبُخُهَا فِي هَذَا المَكَانِ. لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَتْ سَتَكُونُ بِالطَّعْمِ نَفْسِهِ.
تَذَوَّقَ هَمَّامٌ لُقْمَةً، وَقَالَ بِصِدْقٍ:
– الطَّعْمُ نَفْسُهُ، لَكِنْ رُبَّمَا أَنَا مَنْ تَغَيَّرَ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِابْتِسَامَةٍ مُتَسَائِلَةٍ:
– مَاذَا تَقْصِدُ؟
– أَقْصِدُ أَنَّنِي تَذَوَّقْتُ الطَّبَقَ نَفْسَهُ، لَكِنَّنِي شَعَرْتُ بِامْتِنَانٍ أَكْبَرَ تُجَاهَهُ. كَأَنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي كُنَّا نَأْخُذُهَا هُنَاكَ كَأَمْرٍ مُسَلَّمٍ بِهِ، صَارَتْ هُنَا شَيْئًا نُقَدِّرُهُ بِوَعْيٍ جَدِيدٍ فِي كُلِّ مَرَّةٍ.
قَالَتْ رَهَفُ، دُونَ أَنْ تَرْفَعَ نَظَرَهَا عَنْ هَاتِفِهَا:
– أَنَا فَقَطْ أَشْتَاقُ إِلَى طَعْمِ الأَكْلِ عِنْدَ جَدَّتِي. لَا شَيْءَ هُنَا يُشْبِهُهُ تَمَامًا، حَتَّى لَوْ كَانَتِ المُكَوِّنَاتُ نَفْسَهَا.
قَالَتْ سَلْمَى، بِحَنَانٍ يُمَازِجُهُ أَسًى خَفِيفٌ:
– رُبَّمَا لِأَنَّ جَدَّتَكِ كَانَتْ تُضِيفُ مُكَوِّنًا لَا يُوجَدُ فِي أَيِّ سُوقٍ هُنَا: الوَقْتَ الطَّوِيلَ الَّذِي كَانَتْ تَقْضِيهِ فِي الطَّبْخِ دُونَ أَنْ تُفَكِّرَ فِي جَدْوَلِ مَوَاعِيدَ مُعَلَّقٍ عَلَى الحَائِطِ.
اِسْتَمَعَ كَرِيمٌ إِلَى الحَدِيثِ دُونَ أَنْ يُعَلِّقَ فِي البِدَايَةِ، ثُمَّ قَالَ فَجْأَةً:
– أَنَا شَخْصِيًّا لَا أَشْتَاقُ إِلَى الطَّعَامِ بِقَدْرِ مَا أَشْتَاقُ إِلَى فِكْرَةِ أَنْ يَكُونَ لَنَا بَيْتٌ لَا نَتَقَاسَمُ فِيهِ المَطْبَخَ مَعَ عَشْرِ عَائِلَاتٍ أُخْرَى. مَتَى، بِرَأْيِكُمْ، سَنَنْتَقِلُ إِلَى شُقَّةٍ خَاصَّةٍ بِنَا؟
أَجَابَ هَمَّامٌ، وَهُوَ يَضَعُ الشَّوْكَةَ جَانِبًا:
– قَالُوا لَنَا فِي المَكْتَبِ إِنَّ الِانْتِظَارَ قَدْ يَسْتَغْرِقُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، حَسَبَ تَوَفُّرِ الشُّقَقِ المُنَاسِبَةِ لِعَدَدِ أَفْرَادِ العَائِلَةِ.
تَنَهَّدَتْ رَهَفُ:
– ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ أُخْرَى فِي غُرْفَةٍ وَاحِدَةٍ؟
قَالَتْ سَلْمَى، مُحَاوِلَةً أَنْ تُخَفِّفَ مِنْ ثِقَلِ الجُمْلَةِ:
– ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ لَيْسَتْ طَوِيلَةً إِذَا قَارَنَّاهَا بِالطَّرِيقِ الَّذِي قَطَعْنَاهُ فِعْلًا. لَقَدْ تَعَلَّمْنَا أَنْ نَنْتَظِرَ أَشْيَاءَ أَصْعَبَ مِنْ هَذِهِ.
نَظَرَ إِلَيْهَا هَمَّامٌ بِامْتِنَانٍ صَامِتٍ، مُعْجَبًا بِقُدْرَتِهَا عَلَى تَحْوِيلِ كُلِّ شَكْوَى إِلَى مَنْظُورٍ أَهْدَأَ، تِلْكَ القُدْرَةِ الَّتِي بَدَأَ يُلَاحِظُهَا فِيهَا أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ مُنْذُ وُصُولِهِمْ، وَالَّتِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهَا تَمْلِكُهَا بِهَذَا الوُضُوحِ مِنْ قَبْلُ.
قَالَ كَرِيمٌ، غَيْرَ مُقْتَنِعٍ تَمَامًا بِتَهْدِئَةِ أُمِّهِ:
– أَعْرِفُ يَا أُمِّي أَنَّ الصَّبْرَ فَضِيلَةٌ، لَكِنْ أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّنَا نَتَحَلَّى بِالصَّبْرِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي، وَكَأَنَّنَا اعْتَدْنَا الِانْتِظَارَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى صَارَ الِانْتِظَارُ نَفْسُهُ هُوِيَّةً إِضَافِيَّةً نَحْمِلُهَا مَعَنَا.
قَالَ هَمَّامٌ، وَقَدْ لَامَسَهُ تَعْلِيقُ ابْنِهِ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ:
– رُبَّمَا أَنْتَ مُحِقٌّ جُزْئِيًّا. لَكِنْ هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ انْتِظَارٍ مَفْرُوضٍ عَلَيْنَا مِنْ ظُرُوفٍ خَارِجَةٍ عَنْ إِرَادَتِنَا، وَانْتِظَارٍ نَخْتَارُهُ نَحْنُ بِأَنْفُسِنَا خَوْفًا مِنِ اتِّخَاذِ قَرَارٍ. الِانْتِظَارُ عَلَى الشُّقَّةِ مِنَ النَّوْعِ الأَوَّلِ. أَمَّا بَعْضُ تَرَدُّدَاتِي أَنَا، فَهِيَ مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي، وَأَعْتَرِفُ بِذَلِكَ أَمَامَكُمُ اللَّيْلَةَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ الجَمِيعُ بِصَمْتٍ، مُتَفَاجِئِينَ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَافِ المُبَاشِرِ غَيْرِ المُعْتَادِ مِنْهُ.
أَضَافَتْ رَهَفُ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ رِقَّةً مِنَ المُعْتَادِ:
– شُكْرًا لِأَنَّكَ قُلْتَ هَذَا يَا أَبِي. أَشْعُرُ أَنَّكَ نَادِرًا مَا تَعْتَرِفُ بِشَيْءٍ كَهَذَا أَمَامَنَا مُبَاشَرَةً.
اِبْتَسَمَ هَمَّامٌ ابْتِسَامَةً خَجُولَةً قَلِيلًا:
– رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِأَتَعَلَّمَ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ أَكْثَرَ.
سَأَلَتْ رَهَفُ فَجْأَةً، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى أُمِّهَا:
– أُمِّي، هَلْ تُفَكِّرِينَ أَحْيَانًا فِي العَوْدَةِ إِلَى العَمَلِ كَصَيْدَلَانِيَّةٍ هُنَا؟
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى عَنِ الأَكْلِ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّ السُّؤَالَ لَامَسَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِلْحَدِيثِ عَنْهُ بِهَذِهِ السُّرْعَةِ:
– أُفَكِّرُ فِيهِ كَثِيرًا، بِصَرَاحَةٍ. لَكِنَّ مُعَادَلَةَ الشَّهَادَةِ تَحْتَاجُ وَقْتًا، وَدَوْرَةَ اللُّغَةِ أَوَّلًا، وَبَعْدَهَا رُبَّمَا امْتِحَانًا مِهَنِيًّا. الطَّرِيقُ طَوِيلٌ.
قَالَ هَمَّامٌ، بِصِدْقٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ التَّصْحِيحِ الذَّاتِيِّ:
– أَعْرِفُ أَنَّنِي لَمْ أَسْأَلْكِ عَنْ هَذَا كَثِيرًا فِي الأَسَابِيعِ الأَخِيرَةِ. كُنْتُ مَشْغُولًا بِمَخَاوِفِي الخَاصَّةِ عَنِ العَمَلِ وَالكِتَابَةِ، وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ حُلْمِكِ أَنْتِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى نَظْرَةً فِيهَا تَقْدِيرٌ حَقِيقِيٌّ:
– لَا بَأْسَ. لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ يَسْأَلَنِي أَحَدٌ فِي الأَيَّامِ الأُولَى، فَالجَمِيعُ مَشْغُولٌ بِالبَقَاءِ وَاقِفًا أَوَّلًا.
• • •
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، بَدَأَتْ سَلْمَى تَتَعَلَّمُ إِيقَاعًا جَدِيدًا تَمَامًا لِحَيَاتِهَا اليَوْمِيَّةِ. اسْتَيْقَظَتْ فِي الخَامِسَةِ صَبَاحًا لِتَحْجِزَ دَوْرَهَا فِي المَطْبَخِ قَبْلَ الِازْدِحَامِ، وَتَعَلَّمَتْ مِنْ مَنَالَ كَيْفَ تَشْتَرِي الخُضَارَ مِنَ السُّوقِ الأُسْبُوعِيِّ بِأَسْعَارٍ أَفْضَلَ، وَكَيْفَ تَتَحَدَّثُ مَعَ مُوَظَّفِي الِاسْتِقْبَالِ بِجُمَلٍ بَسِيطَةٍ تَكْفِي لِتَفْهَمَ وَتُفْهِمَ.
لَاحَظَتْ أَيْضًا أُمُورًا صَغِيرَةً لَمْ تَكُنْ لِتَنْتَبِهَ إِلَيْهَا مِنْ قَبْلُ: أَنَّ أَصْحَابَ الأَكْشَاكِ هُنَا يَزِنُونَ البِضَاعَةَ بِدِقَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ دُونَ أَنْ يُضِيفُوا حَبَّةَ طَمَاطِمَ إِضَافِيَّةً كَمَا اعْتَادَتْ فِي سُوقِ الحَمِيدِيَّةِ، وَأَنَّ الزَّبَائِنَ يَقِفُونَ فِي طَوَابِيرَ مُنَظَّمَةٍ دُونَ أَنْ يَتَدَافَعُوا، وَأَنَّ كَلِمَةَ الشُّكْرِ تُقَالُ فِي كُلِّ مُعَامَلَةٍ صَغِيرَةٍ وَكَأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الثَّمَنِ نَفْسِهِ. شَعَرَتْ فِي البِدَايَةِ أَنَّ هَذِهِ الدِّقَّةَ تَفْتَقِرُ إِلَى الدِّفْءِ الَّذِي اعْتَادَتْهُ، لَكِنَّهَا بَدَأَتْ تَدْرِيجِيًّا تَكْتَشِفُ فِيهَا نَوْعًا مُخْتَلِفًا مِنَ الِاحْتِرَامِ، احْتِرَامًا لَا يَحْتَاجُ إِلَى ابْتِسَامَةٍ كَبِيرَةٍ لِيَكُونَ صَادِقًا.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، بَيْنَمَا كَانَتَا تَقِفَانِ فِي طَابُورِ السُّوقِ الأُسْبُوعِيِّ، سَأَلَتْ سَلْمَى مَنَالَ:
– هَلْ تَشْعُرِينَ أَحْيَانًا أَنَّكِ أَصْبَحْتِ شَخْصًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَمَّا كُنْتِ عَلَيْهِ؟
فَكَّرَتْ مَنَالُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
– أَشْعُرُ أَنَّنِي أَصْبَحْتُ أَكْثَرَ يَقَظَةً. فِي دِمَشْقَ، كُنْتُ أَعِيشُ فِي بَيْتٍ كَبِيرٍ، بِخَدَمٍ، وَبِرُوتِينٍ يَوْمِيٍّ مُرِيحٍ. أَمَّا هُنَا، فَأَنَا مَنْ تَطْبُخُ، وَمَنْ تُفَاوِضُ عَلَى الأَسْعَارِ، وَمَنْ تَتَعَلَّمُ اللُّغَةَ، وَمَنْ تُحَاوِلُ أَنْ تَفْهَمَ نِظَامَ المَدَارِسِ لِأَوْلَادِي. أَشْعُرُ أَنَّنِي اكْتَشَفْتُ قُدُرَاتٍ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ أَنَّنِي أَمْلِكُهَا.
قَالَتْ سَلْمَى بِصِدْقٍ:
– وَأَنَا أَيْضًا. لَكِنْ أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا الِاكْتِشَافَ يَأْتِي عَلَى حِسَابِ شَيْءٍ آخَرَ. كَأَنَّنِي كُلَّمَا اكْتَشَفْتُ قُوَّةً جَدِيدَةً فِيَّ، ابْتَعَدْتُ خُطْوَةً عَنِ المَرْأَةِ الَّتِي أَحَبَّهَا هَمَّامٌ.
تَوَقَّفَتْ مَنَالُ عَنِ الحَدِيثِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَتْ إِلَى سَلْمَى نَظْرَةَ تَفَهُّمٍ عَمِيقٍ:
– رُبَّمَا هَذَا هُوَ الثَّمَنُ الحَقِيقِيُّ لِلْمَنْفَى، لَا فُقْدَانُ البَيْتِ وَالوَطَنِ فَحَسْبُ، بَلْ فُقْدَانُ الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ الآخَرُونَ قَدِ اعْتَادُوا رُؤْيَتَنَا فِيهَا. لَكِنْ، يَا سَلْمَى، رُبَّمَا الصُّورَةُ الجَدِيدَةُ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرَى أَيْضًا، حَتَّى لَوْ أَخَذَتْ وَقْتًا كَيْ يَعْتَادَ عَلَيْهَا مَنْ حَوْلَنَا.
وَبَيْنَمَا كَانَتَا لَا تَزَالَانِ فِي طَابُورِ السُّوقِ، اقْتَرَبَتْ مِنْهُمَا أُمُّ خَالِدٍ، تَحْمِلُ كِيسَيْنِ ثَقِيلَيْنِ مِنَ الخُضَارِ، وَوَجْهُهَا يَحْمِلُ تَعَبًا وَاضِحًا.
قَالَتْ أُمُّ خَالِدٍ، بَعْدَ أَنْ سَلَّمَتْ عَلَيْهِمَا:
– أَرَى أَنَّكُمَا صَدِيقَتَانِ جَدِيدَتَانِ. أَنَا أَيْضًا أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أُدَبِّرُ أُمُورِي هُنَا، لَكِنْ بِطَرِيقَتِي الخَاصَّةِ، فَأَبُو خَالِدٍ لَا يُحِبُّ أَنْ أُطِيلَ الوَقْتَ خَارِجَ الغُرْفَةِ كَثِيرًا.
تَبَادَلَتْ سَلْمَى وَمَنَالُ نَظْرَةً سَرِيعَةً، ثُمَّ سَأَلَتْ سَلْمَى بِلُطْفٍ:
– وَهَلْ يُضَايِقُكِ ذَلِكَ؟
فَكَّرَتْ أُمُّ خَالِدٍ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصَرَاحَةٍ نَادِرَةٍ:
– فِي البِدَايَةِ لَا. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا طَبِيعِيٌّ، كَمَا تَرَبَّيْنَا. لَكِنْ بَعْدَ أَنْ رَأَيْتُ كَيْفَ تَتَحَرَّكُ نِسَاءٌ أُخْرَيَاتٌ هُنَا بِحُرِّيَّةٍ أَكْبَرَ، بَدَأْتُ أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ مَا اعْتَدْنَا عَلَيْهِ هُوَ فِعْلًا الصَّوَابُ الوَحِيدُ، أَمْ مُجَرَّدُ عَادَةٍ تَوَارَثْنَاهَا دُونَ أَنْ نَسْأَلَ عَنْهَا يَوْمًا.
لَمْ تُعَلِّقْ سَلْمَى، لَكِنَّهَا شَعَرَتْ أَنَّ هَذَا السُّؤَالَ، الَّذِي طَرَحَتْهُ أُمُّ خَالِدٍ بِصَوْتٍ خَافِتٍ فِي وَسْطِ سُوقٍ مُزْدَحِمٍ، يُشْبِهُ إِلَى حَدٍّ بَعِيدٍ أَسْئِلَتَهَا هِيَ نَفْسَهَا، وَإِنِ اخْتَلَفَ السِّيَاقُ وَالخَلْفِيَّةُ.
• • •
فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ مِنَ السُّوقِ، سَأَلَتْ سَلْمَى مَنَالَ عَنْ تَجْرِبَتِهَا الخَاصَّةِ فِي التَّفْكِيرِ بِالعَمَلِ مِنْ جَدِيدٍ:
– وَأَنْتِ يَا مَنَالُ، هَلْ تُخَطِّطِينَ لِلْعَمَلِ هُنَا؟ سَمِعْتُ أَنَّ زَوْجَكِ يَسْعَى لِمُعَادَلَةِ شَهَادَتِهِ الطِّبِّيَّةِ.
اِبْتَسَمَتْ مَنَالُ ابْتِسَامَةً فِيهَا ثِقَةٌ وَاضِحَةٌ:
– بِالتَّأْكِيدِ. أَنَا صَيْدَلَانِيَّةٌ أَيْضًا، مِثْلَكِ تَمَامًا. لَنْ أَنْتَظِرَ مُعَادَلَةَ شَهَادَةِ فِرَاسَ لِأَبْدَأَ حَيَاتِي المِهَنِيَّةَ مِنْ جَدِيدٍ. سَجَّلْتُ بِالفِعْلِ فِي دَوْرَةِ لُغَةٍ مُكَثَّفَةٍ، وَسَأَتَقَدَّمُ لِامْتِحَانِ المُعَادَلَةِ فَوْرَ انْتِهَائِهَا.
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى، مُتَفَاجِئَةً قَلِيلًا:
– صَيْدَلَانِيَّةٌ؟ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ. أَنَا أَيْضًا كُنْتُ أَعْمَلُ فِي هَذَا المَجَالِ قَبْلَ أَنْ أَتَفَرَّغَ لِتَرْبِيَةِ الأَوْلَادِ.
أَشْرَقَ وَجْهُ مَنَالَ:
– إِذَنْ نَحْنُ زَمِيلَتَانِ فِي المِهْنَةِ أَيْضًا، لَا فِي الحَيِّ فَحَسْبُ! يَجِبُ أَنْ نُسَجِّلَ مَعًا فِي الدَّوْرَةِ نَفْسِهَا، فَالطَّرِيقُ أَسْهَلُ حِينَ نَمْشِيهِ مَعًا.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِحَمَاسَةٍ لَمْ تَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ ثِقَةً مِنَ المُعْتَادِ:
– هَذَا مَا سَأَفْعَلُهُ بِالضَّبْطِ. سَأَذْهَبُ غَدًا إِلَى المَكْتَبِ لِأَسْأَلَ عَنْ إِمْكَانِيَّةِ تَغْيِيرِ مَوْعِدِ دَوْرَتِي لِتَتَوَافَقَ مَعَ دَوْرَتِكِ.
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، شَعَرَتْ سَلْمَى أَنَّ ثَمَّةَ جُزْءًا مِنْهَا، كَانَ نَائِمًا مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ تَحْتَ وَطْأَةِ مَسْؤُولِيَّاتِ البَيْتِ وَالأَوْلَادِ، قَدْ بَدَأَ يَسْتَيْقِظُ بِبُطْءٍ، مَدْفُوعًا بِصَدَاقَةٍ جَدِيدَةٍ وَمَكَانٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا عَلَيْهَا.
• • •
فِي المَسَاءِ، عَادَتْ سَلْمَى إِلَى الغُرْفَةِ، فَوَجَدَتْ هَمَّامًا يَجْلِسُ عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، يَنْظُرُ إِلَى هَاتِفِهِ دُونَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فِعْلِيًّا بِهِ.
جَلَسَتْ بِجَانِبِهِ، وَقَالَتْ بِصَوْتٍ هَادِئٍ:
– تَعَلَّمْتُ اليَوْمَ كَيْفَ أَشْتَرِي الخُضَارَ بِنِصْفِ السِّعْرِ الَّذِي كُنْتُ أَدْفَعُهُ فِي أَوَّلِ أُسْبُوعٍ.
اِبْتَسَمَ هَمَّامٌ ابْتِسَامَةً مُتْعَبَةً:
– أَنْتِ تَتَعَلَّمِينَ بِسُرْعَةٍ مُذْهِلَةٍ. أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّنِي المُتَأَخِّرُ الوَحِيدُ فِي هَذِهِ العَائِلَةِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ سَلْمَى بِجِدِّيَّةٍ:
– لَسْتَ مُتَأَخِّرًا يَا هَمَّامُ. أَنْتَ فَقَطْ تَتَعَلَّمُ أَشْيَاءَ أُخْرَى، أَقَلَّ وُضُوحًا مِنْ أَسْعَارِ الخُضَارِ.
– مِثْلَ مَاذَا؟
فَكَّرَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
– مِثْلَ أَنْ تَتَصَالَحَ مَعَ فِكْرَةِ أَنَّكَ لَسْتَ مُضْطَرًّا لِأَنْ تَكُونَ الرَّجُلَ الَّذِي يَعْرِفُ كُلَّ شَيْءٍ، فِي كُلِّ لَحْظَةٍ. أَنْ تَسْمَحَ لِنَفْسِكَ أَنْ تَكُونَ تِلْمِيذًا، كَمَا أَصْبَحْنَا جَمِيعًا هُنَا.
لَمْ يُجِبْ هَمَّامٌ مُبَاشَرَةً. نَظَرَ إِلَى يَدَيْهَا، اللَّتَيْنِ بَدَتَا لَهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ أَكْثَرَ خُشُونَةً قَلِيلًا مِمَّا كَانَتَا عَلَيْهِ فِي دِمَشْقَ، أَثَرًا بَسِيطًا لِهَذَا التَّحَوُّلِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِمَا بِصَمْتٍ.
قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ خَفِيضٍ:
– أَخَافُ أَحْيَانًا أَنْ تُصْبِحِي أَقْوَى مِنِّي بِكَثِيرٍ، إِلَى دَرَجَةٍ لَا أَعْرِفُ فِيهَا أَيْنَ أَضَعُ نَفْسِي بِجَانِبِكِ.
اِبْتَسَمَتْ سَلْمَى ابْتِسَامَةً فِيهَا حُزْنٌ خَفِيفٌ وَدِفْءٌ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
– لَسْتُ فِي سِبَاقٍ ضِدَّكَ يَا هَمَّامُ. أَنَا فَقَطْ أُحَاوِلُ أَلَّا أَغْرَقَ. وَإِذَا كُنْتَ تَخْشَى أَنْ تَجِدَنِي فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ عَنْكَ يَوْمًا مَا، فَرُبَّمَا عَلَيْكَ أَنْ تَسْبَحَ مَعِي، لَا أَنْ تَقِفَ عَلَى الشَّاطِئِ تُرَاقِبُ.
بَقِيَتِ الجُمْلَةُ مُعَلَّقَةً بَيْنَهُمَا فِي الغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ، وَلَمْ يُعَقِّبْ هَمَّامٌ عَلَيْهَا بِشَيْءٍ، لَكِنَّهُ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ وُصُولِهِمْ، مَدَّ يَدَهُ وَأَمْسَكَ بِيَدِهَا بِصَمْتٍ، وَبَقِيَا هَكَذَا دَقَائِقَ طَوِيلَةً، دُونَ كَلَامٍ إِضَافِيٍّ، وَكَأَنَّ هَذِهِ اللَّمْسَةَ وَحْدَهَا كَانَتِ الجَوَابَ الوَحِيدَ الَّذِي اسْتَطَاعَ أَنْ يُقَدِّمَهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
بَعْدَ لَحَظَاتٍ، قَالَتْ سَلْمَى، وَهِيَ تَكْسِرُ الصَّمْتَ بِلُطْفٍ:
– أَخْبَرْتُ مَنَالَ أَنَّنِي سَأُسَجِّلُ مَعَهَا فِي دَوْرَةِ اللُّغَةِ نَفْسِهَا. أَعْرِفُ أَنَّ هَذَا يَعْنِي تَغْيِيرًا فِي جَدْوَلِ تَنَاوُبِنَا عَلَى الأَوْلَادِ، لَكِنَّنِي بِحَاجَةٍ إِلَى هَذَا.
نَظَرَ إِلَيْهَا هَمَّامٌ، وَشَعَرَ بِمَزِيجٍ مِنَ الفَخْرِ وَالقَلَقِ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
– بِالطَّبْعِ. سَنُرَتِّبُ الأَمْرَ. أَنَا سَعِيدٌ أَنَّكِ وَجَدْتِ صَدِيقَةً تَفْهَمُكِ بِهَذَا الشَّكْلِ السَّرِيعِ.
– وَأَنَا سَعِيدَةٌ أَنَّكَ سَمَحْتَ لِنَفْسِكَ، وَلَوْ قَلِيلًا اللَّيْلَةَ، أَنْ تَصْمُتَ مَعِي بَدَلَ أَنْ تُحَلِّلَ كُلَّ شَيْءٍ بِصَوْتٍ عَالٍ.
اِبْتَسَمَ هَمَّامٌ ابْتِسَامَةً حَقِيقِيَّةً هَذِهِ المَرَّةَ، ابْتِسَامَةً لَمْ يَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ أَيَّامٍ:
– رُبَّمَا هَذَا أَيْضًا شَيْءٌ أَتَعَلَّمُهُ بِبُطْءٍ: أَنَّ الصَّمْتَ المُشْتَرَكَ مَعَ شَخْصٍ تَثِقُ بِهِ، لَيْسَ هُوَ الصَّمْتَ نَفْسَهُ الَّذِي كُنْتُ أَخَافُهُ فِي المَمَرَّاتِ الرَّسْمِيَّةِ وَالمَكَاتِبِ الغَرِيبَةِ.
أَطْفَأَتْ سَلْمَى الضَّوْءَ بَعْدَ قَلِيلٍ، وَبَقِيَا مُسْتَلْقِيَيْنِ جَنْبًا إِلَى جَنْبٍ، يَسْتَمِعَانِ إِلَى أَصْوَاتِ المَطْبَخِ المُشْتَرَكِ وَهِيَ تُغْسَلُ وَتُرَتَّبُ فِي الطَّابِقِ السُّفْلِيِّ اسْتِعْدَادًا لِيَوْمٍ جَدِيدٍ، ذَلِكَ المَطْبَخُ الَّذِي بَدَأَ، رَغْمَ كُلِّ صُعُوبَتِهِ، يَتَحَوَّلُ تَدْرِيجِيًّا مِنْ مَسَاحَةٍ غَرِيبَةٍ مَفْرُوضَةٍ عَلَيْهِمْ، إِلَى أَوَّلِ مَكَانٍ مُشْتَرَكٍ حَقِيقِيٍّ يَبْنِيَانِ فِيهِ شَيْئًا مِنْ حَيَاتِهِمَا الجَدِيدَةِ مَعًا.
