قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 05

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ الخامس
لَمْ يَنْتَظِرِ الدُّكْتُورُ فِرَاسٌ الْعَبْدُ اللهِ أَكْثَرَ مِنْ أُسْبُوعَيْنِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ بِالسُّؤَالِ عَنْ مُعَادَلَةِ شَهَادَتِهِ الطِّبِّيَّةِ. فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَصَلَتْ فِيهِ الْعَائِلَةُ إِلَى مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، كَانَ قَدْ سَجَّلَ بِالْفِعْلِ، فِي دَفْتَرٍ صَغِيرٍ يَحْمِلُهُ فِي جَيْبِ مِعْطَفِهِ دَوْماً، قَائِمَةً بِالْخُطُوَاتِ الَّتِي يَجِبُ أَنْ يَقْطَعَهَا: اِمْتِحَانُ اللُّغَةِ الطِّبِّيَّةِ، اِمْتِحَانُ الْمَعْرِفَةِ الْمِهَنِيَّةِ، فَتْرَةُ تَدْرِيبٍ تَحْتَ إِشْرَافِ طَبِيبٍ أَلْمَانِيٍّ، ثُمَّ التَّرْخِيصُ الْكَامِلُ.
كَانَ هَذَا الدَّفْتَرُ، فِي الْحَقِيقَةِ، اِمْتِدَاداً لِعَادَةٍ قَدِيمَةٍ عَرَفَهَا عَنْهُ زُمَلَاؤُهُ فِي الْمُسْتَشْفَى الْجَامِعِيِّ بِدِمَشْقَ: فِرَاسٌ الَّذِي لَا يَدْخُلُ مَعْرَكَةً دُونَ خُطَّةٍ مَكْتُوبَةٍ، وَلَا يَتْرُكُ تَفْصِيلاً لِلصُّدْفَةِ. حَتَّى قَرَارُهُ بِمُغَادَرَةِ سُورِيَا نَفْسُهُ كَانَ قَدْ خَطَّطَ لَهُ عَلَى وَرَقَةٍ مُمَاثِلَةٍ، قَبْلَ أَشْهُرٍ مِنَ التَّنْفِيذِ الْفِعْلِيِّ، بَعْدَ أَنْ أَدْرَكَ أَنَّ الْبَقَاءَ أَصْبَحَ مُسْتَحِيلاً عَلَى مُسْتَشْفَاهُ الَّذِي طَالَتْهُ الْقَذَائِفُ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
قَالَ لِزَوْجَتِهِ مَنَالَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الْأُولَى، وَهُوَ يُقَلِّبُ الْأَوْرَاقَ تَحْتَ ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ الصَّغِيرِ:
— إِذَا سَرَّعْتُ الْخُطُوَاتِ، يُمْكِنُنِي أَنْ أَحْصُلَ عَلَى التَّرْخِيصِ الْمُؤَقَّتِ خِلَالَ عَامٍ وَاحِدٍ، لَا أَكْثَرَ.
اِبْتَسَمَتْ مَنَالُ ابْتِسَامَةً مَمْزُوجَةً بِإِعْجَابٍ وَقَلَقٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ:
— عَامٌ وَاحِدٌ؟ يَا فِرَاسُ، النَّاسُ هُنَا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ لِمِثْلِ هَذِهِ الْإِجْرَاءَاتِ.
— النَّاسُ الَّذِينَ لَا يَدْفَعُونَ أَنْفُسَهُمْ بِقُوَّةٍ كَافِيَةٍ. أَنَا لَنْ أَنْتَظِرَ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ لِأَعُودَ طَبِيباً. لَقَدْ كُنْتُ طَبِيباً مُنْذُ عِشْرِينَ عَاماً، وَلَنْ أَسْمَحَ لِبِيرُوقْرَاطِيَّةٍ أَنْ تُحَوِّلَنِي إِلَى شَخْصٍ عَاطِلٍ عَنِ الْعَمَلِ لِهَذِهِ الْمُدَّةِ.
• • •
فِي الْأُسْبُوعِ التَّالِي، ذَهَبَ فِرَاسٌ إِلَى نِقَابَةِ الْأَطِبَّاءِ الْمَحَلِّيَّةِ، حَامِلاً مَعَهُ مِلَفّاً كَامِلاً مِنَ الْأَوْرَاقِ: شَهَادَتُهُ الْجَامِعِيَّةُ مُتَرْجَمَةً وَمُصَدَّقَةً، شَهَادَاتُ خِبْرَتِهِ مِنَ الْمُسْتَشْفَيَاتِ السُّورِيَّةِ، وَحَتَّى شَهَادَاتُ تَقْدِيرٍ حَصَلَ عَلَيْهَا مِنْ مُؤْتَمَرَاتٍ طِبِّيَّةٍ دَوْلِيَّةٍ حَضَرَهَا قَبْلَ الْحَرْبِ.
كَانَ الْمَبْنَى، عَلَى عَكْسِ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ الْبَسِيطِ، فَسِيحاً وَحَدِيثاً، بِجُدْرَانٍ زُجَاجِيَّةٍ تَعْكِسُ ضَوْءَ الشَّمْسِ الشِّتَوِيَّةِ الْبَاهِتَ، وَلَوْحَاتٍ فَنِّيَّةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي كُلِّ مَمَرٍّ، وَكَأَنَّ الْمَكَانَ نَفْسَهُ يُرِيدُ أَنْ يَقُولَ لِزَائِرِيهِ إِنَّ مَا يَجْرِي بِدَاخِلِهِ أَمْرٌ جَادٌّ وَمَهِيبٌ.
اِسْتَقْبَلَهُ مُوَظَّفٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَطَلَبَ مِنْهُ الِانْتِظَارَ حَتَّى يَتَفَرَّغَ أَحَدُ الْمَسْؤُولِينَ. جَلَسَ فِرَاسٌ فِي صَالَةِ الِانْتِظَارِ، يُرَاقِبُ أَطِبَّاءَ أَلْمَاناً يَدْخُلُونَ وَيَخْرُجُونَ بِحُرِّيَّةٍ، يَحْمِلُونَ سَمَّاعَاتِهِمُ الطِّبِّيَّةَ حَوْلَ أَعْنَاقِهِمْ بِثِقَةِ مَنْ يَعْرِفُ مَكَانَهُ فِي هَذَا الْعَالَمِ.
شَعَرَ، وَهُوَ يُرَاقِبُهُمْ، بِخَلِيطٍ غَرِيبٍ مِنَ الْإِعْجَابِ وَالْغَيْرَةِ: إِعْجَابٌ بِذَلِكَ الْيَقِينِ الَّذِي يَتَحَرَّكُونَ بِهِ، وَغَيْرَةٌ مِنْ أَنَّهُ كَانَ يَوْماً يَمْشِي بِالثِّقَةِ نَفْسِهَا فِي مَمَرَّاتِ مُسْتَشْفَاهُ، قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ، بِقَرَارِ حَرْبٍ لَمْ يُشَارِكْ فِي صُنْعِهِ، إِلَى رَجُلٍ يَجْلِسُ فِي صَالَةِ انْتِظَارٍ غَرِيبَةٍ، يَحْمِلُ أَوْرَاقاً يَأْمُلُ أَنْ تَكْفِيَ لِإِثْبَاتِ هُوِيَّتِهِ الْمِهَنِيَّةِ مِنْ جَدِيدٍ.
حِينَ اسْتُقْبِلَ أَخِيراً، جَلَسَ أَمَامَ مَسْؤُولَةِ الْمِلَفَّاتِ، اِمْرَأَةٍ فِي الْخَمْسِينَ، جَادَّةِ الْمَلَامِحِ، تَتَصَفَّحُ أَوْرَاقَهُ بِتَمَهُّلٍ شَدِيدٍ.
قَالَتْ، بِمُسَاعَدَةِ مُتَرْجِمَةٍ كَانَتْ حَاضِرَةً فِي الْمَكْتَبِ:
— شَهَادَتُكَ تَبْدُو قَوِيَّةً، دُكْتُور فِرَاسُ. لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَخْضَعَ لِامْتِحَانِ اللُّغَةِ الطِّبِّيَّةِ أَوَّلاً، وَهُوَ مُخْتَلِفٌ عَنِ امْتِحَانِ اللُّغَةِ الْعَامِّ. يَتَطَلَّبُ مُسْتَوىً مُتَقَدِّماً جِدّاً فِي الْمُصْطَلَحَاتِ الطِّبِّيَّةِ بِالْأَلْمَانِيَّةِ.
قَالَ فِرَاسٌ بِثِقَةٍ:
— أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِأَيِّ امْتِحَانٍ. مَتَى يُمْكِنُنِي التَّسْجِيلُ؟
نَظَرَتِ الْمَرْأَةُ إِلَيْهِ نَظْرَةً فِيهَا تَقْدِيرٌ لِحَمَاسَتِهِ، لَكِنَّ فِيهَا أَيْضاً تَحْذِيراً خَفِيّاً:
— أَغْلَبُ الْأَطِبَّاءِ الْقَادِمِينَ مِنَ الْخَارِجِ يَحْتَاجُونَ مَا بَيْنَ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ وَسَنَةٍ لِتَحْضِيرِ هَذَا الِامْتِحَانِ وَحْدَهُ، دُكْتُور. اللُّغَةُ الطِّبِّيَّةُ لَيْسَتْ كَاللُّغَةِ الْيَوْمِيَّةِ.
— سَأُحَضِّرُ لَهُ فِي أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ.
اِبْتَسَمَتِ الْمَرْأَةُ ابْتِسَامَةً مُهَذَّبَةً، لَمْ تُخْفِ شَكَّهَا الْوَاضِحَ، لَكِنَّهَا لَمْ تُعَلِّقْ أَكْثَرَ، وَاكْتَفَتْ بِتَسْجِيلِ اسْمِهِ فِي قَائِمَةِ الِانْتِظَارِ لِأَقْرَبِ دَوْرَةٍ تَحْضِيرِيَّةٍ مُتَاحَةٍ.
قَبْلَ أَنْ يُغَادِرَ، سَأَلَهَا فِرَاسٌ سُؤَالاً أَخِيراً:
— كَمْ طَبِيباً سُورِيّاً تَقْرِيباً يَمُرُّ بِهَذَا الْمَسَارِ كُلَّ عَامٍ؟
أَجَابَتْ، وَهِيَ تَبْحَثُ فِي مِلَفٍّ إِحْصَائِيٍّ أَمَامَهَا:
— الْمِئَاتُ، دُكْتُور. أَنْتُمْ مِنْ أَكْبَرِ الْجَالِيَاتِ الطِّبِّيَّةِ الْقَادِمَةِ إِلَيْنَا فِي السَّنَوَاتِ الْأَخِيرَةِ.
خَرَجَ فِرَاسٌ مِنَ الْمَبْنَى وَهُوَ يُفَكِّرُ فِي هَذَا الرَّقْمِ: مِئَاتُ الْأَطِبَّاءِ، كُلٌّ مِنْهُمْ يَحْمِلُ قِصَّةً تُشْبِهُ قِصَّتَهُ، يَحْمِلُونَ دَفَاتِرَ مُشَابِهَةً، وَخُطَطاً مُشَابِهَةً، وَرُبَّمَا مَخَاوِفَ مُشَابِهَةً أَيْضاً لَمْ يَبُحْ بِهَا أَحَدٌ لِأَحَدٍ.
وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ، مَرَّ بِجَانِبِ مُسْتَشْفىً صَغِيرٍ، فَتَوَقَّفَ أَمَامَهُ لِلَحْظَةٍ، يُرَاقِبُ سَيَّارَاتِ الْإِسْعَافِ تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ، وَالْأَطِبَّاءَ يَعْبُرُونَ الْبَابَ الرَّئِيسِيَّ بِخُطىً سَرِيعَةٍ. شَعَرَ بِرَغْبَةٍ مُفَاجِئَةٍ أَنْ يَدْخُلَ، أَنْ يَتَنَفَّسَ رَائِحَةَ الْمُطَهِّرَاتِ الْمَأْلُوفَةَ، أَنْ يَشْعُرَ وَلَوْ لِلَحْظَةٍ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَنْتَمِي إِلَى هَذَا الْعَالَمِ. لَمْ يَفْعَلْ، لَكِنَّهُ وَقَفَ هُنَاكَ دَقَائِقَ طَوِيلَةً، ثُمَّ تَابَعَ طَرِيقَهُ، وَقَدْ قَرَّرَ فِي دَاخِلِهِ أَنْ يَمُرَّ بِهَذَا الْمَكَانِ كُلَّ يَوْمٍ فِي طَرِيقِهِ إِلَى دَوْرَةِ اللُّغَةِ، كَنَوْعٍ مِنَ التَّذْكِيرِ الصَّامِتِ لِنَفْسِهِ بِالْهَدَفِ الَّذِي يَسْعَى إِلَيْهِ.
• • •
عَادَ فِرَاسٌ إِلَى مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ بِحَمَاسَةٍ لَمْ تَخْفُتْ، وَأَخْبَرَ مَنَالَ بِكُلِّ التَّفَاصِيلِ بَيْنَمَا كَانَتْ تُعِدُّ الْعَشَاءَ فِي الْمَطْبَخِ الْمُشْتَرَكِ.
قَالَتْ مَنَالُ، وَهِيَ تُقَطِّعُ الْخُضَارَ بِحَرَكَاتٍ سَرِيعَةٍ:
— أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يَا فِرَاسُ؟ حَتَّى الْمَرْأَةُ الَّتِي قَابَلْتَهَا بَدَتْ غَيْرَ مُقْتَنِعَةٍ.
— لِأَنَّهَا اعْتَادَتِ التَّعَامُلَ مَعَ أَطِبَّاءَ اسْتَسْلَمُوا لِفِكْرَةِ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ هُنَا يَأْخُذُ وَقْتاً طَوِيلاً. أَنَا لَنْ أَسْتَسْلِمَ لِهَذَا الْمَنْطِقِ.
تَوَقَّفَتْ مَنَالُ عَنِ التَّقْطِيعِ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ:
— فِرَاسُ، أَنَا أُحِبُّ طُمُوحَكَ، لَكِنَّنِي أَخْشَى أَنْ تُرْهِقَ نَفْسَكَ لِدَرَجَةٍ لَا تَعُودُ مَعَهَا قَادِراً عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ بِأَيِّ شَيْءٍ آخَرَ فِي حَيَاتِنَا الْجَدِيدَةِ. لَسْنَا هُنَا لِنَرْكُضَ فَقَطْ، نَحْنُ هُنَا لِنَعِيشَ أَيْضاً.
نَظَرَ إِلَيْهَا فِرَاسٌ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّ كَلَامَهَا لَامَسَ شَيْئاً لَمْ يَكُنْ يُرِيدُ التَّوَقُّفَ عِنْدَهُ:
— أَعْرِفُ. لَكِنَّ كُلَّ يَوْمٍ أَقْضِيهِ دُونَ أَنْ أُمَارِسَ طِبِّي هُوَ يَوْمٌ أَشْعُرُ فِيهِ أَنَّنِي أَفْقِدُ جُزْءاً مِنْ هُوِيَّتِي. لَسْتُ أَنَا حِينَ لَا أَكُونُ طَبِيباً، مَنَالُ.
قَالَتْ بِهُدُوءٍ:
— أَنْتَ أَنْتَ، بِطِبِّكَ أَوْ مِنْ دُونِهِ. لَكِنْ يَبْدُو أَنَّكَ لَا تُصَدِّقُ ذَلِكَ بَعْدُ.
• • •
بَدَأَ فِرَاسٌ رُوتِيناً صَارِماً: سِتُّ سَاعَاتٍ يَوْمِيّاً مِنْ دِرَاسَةِ الْمُصْطَلَحَاتِ الطِّبِّيَّةِ الْأَلْمَانِيَّةِ، إِضَافَةً إِلَى دَوْرَةِ اللُّغَةِ الْعَامَّةِ الْإِلْزَامِيَّةِ فِي الصَّبَاحِ. كَانَ يَحْمِلُ بِطَاقَاتٍ صَغِيرَةً مَكْتُوباً عَلَيْهَا الْمُصْطَلَحَاتُ، يُرَاجِعُهَا فِي كُلِّ لَحْظَةِ فَرَاغٍ: فِي طَابُورِ الْمَطْبَخِ، فِي انْتِظَارِ الْحَافِلَةِ، وَحَتَّى أَثْنَاءَ تَنَاوُلِ الْعَشَاءِ أَحْيَاناً، مِمَّا أَثَارَ اسْتِيَاءَ مَنَالَ الصَّامِتَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
لَاحَظَ ابْنُهُ الْبِكْرُ، عَدْنَانُ، ذُو السِّتَّةَ عَشَرَ عَاماً، هَذَا التَّغَيُّرَ فِي وَالِدِهِ، وَسَأَلَهُ ذَاتَ مَسَاءٍ وَهُمَا يَجْلِسَانِ مَعاً فِي الْغُرْفَةِ:
— أَبِي، هَلْ سَتَبْقَى هَكَذَا طَوَالَ الْوَقْتِ؟ لَا تَتَحَدَّثُ مَعِي إِلَّا عَنِ الْمُصْطَلَحَاتِ الطِّبِّيَّةِ.
تَوَقَّفَ فِرَاسٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ، مُتَفَاجِئاً مِنَ الْمُلَاحَظَةِ الْمُبَاشِرَةِ لِابْنِهِ:
— أَعْتَذِرُ يَا عَدْنَانُ. أَعْرِفُ أَنَّنِي مَشْغُولٌ جِدّاً هَذِهِ الْأَيَّامَ.
— الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي انْشِغَالِكَ، بَلْ أَنَّنِي أَشْعُرُ أَنَّكَ تَخُوضُ مَعْرَكَتَكَ الْخَاصَّةَ، وَنَحْنُ نُرَاقِبُكَ مِنْ بَعِيدٍ دُونَ أَنْ نَسْتَطِيعَ مُسَاعَدَتَكَ حَقّاً.
نَظَرَ فِرَاسٌ إِلَى ابْنِهِ طَوِيلاً، وَشَعَرَ بِشَيْءٍ مِنَ الذَّنْبِ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ:
— تُرِيدُ أَنْ تُسَاعِدَنِي؟
— أُرِيدُ أَنْ أَشْعُرَ أَنَّنِي جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الرِّحْلَةِ، لَا مُجَرَّدَ مُتَفَرِّجٍ عَلَيْهَا.
اِبْتَسَمَ فِرَاسٌ ابْتِسَامَةً حَانِيَةً، وَمَدَّ يَدَهُ وَأَخَذَ إِحْدَى الْبِطَاقَاتِ، وَنَاوَلَهَا لِابْنِهِ:
— حَسَناً إِذَنْ، اخْتَبِرْنِي. اِقْرَأِ الْمُصْطَلَحَ وَسَأُحَاوِلُ أَنْ أَشْرَحَ لَكَ مَعْنَاهُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَالْأَلْمَانِيَّةِ مَعاً.
أَمْضَى الِاثْنَانِ السَّاعَةَ التَّالِيَةَ يَتَبَادَلَانِ الْأَدْوَارَ، الِابْنُ يَقْرَأُ الْمُصْطَلَحَاتِ الطِّبِّيَّةَ الْأَلْمَانِيَّةَ بِنُطْقٍ مُتَعَثِّرٍ، وَالْأَبُ يُصَحِّحُهَا وَيَشْرَحُهَا، وَتَحَوَّلَ مَا كَانَ يَبْدُو عِبْئاً ثَقِيلاً عَلَى فِرَاسٍ إِلَى لَحْظَةٍ نَادِرَةٍ مِنَ التَّقَارُبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِهِ، لَمْ يَشْعُرْ بِمِثْلِهَا مُنْذُ أَسَابِيعَ طَوِيلَةٍ مَلِيئَةٍ بِالِانْشِغَالِ الْمُتَبَادَلِ.
قَالَ عَدْنَانُ فِي نِهَايَةِ الْجَلْسَةِ، بِابْتِسَامَةٍ فَخُورَةٍ:
— أَظُنُّ أَنَّنِي تَعَلَّمْتُ اللَّيْلَةَ عَشْرَ كَلِمَاتٍ أَلْمَانِيَّةً طِبِّيَّةً، رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَنْوِي أَنْ أُصْبِحَ طَبِيباً.
ضَحِكَ فِرَاسٌ:
— لَا بَأْسَ، رُبَّمَا تُصْبِحُ مُتَرْجِماً طِبِّيّاً بَدَلاً مِنْ ذَلِكَ، فَتُسَاعِدُ أَبَاكَ حِينَ يَتَلَعْثَمُ فِي الِامْتِحَانِ.
فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، جَلَسَ مَعَ هَمَّامٍ فِي حَدِيقَةِ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، وَكِلَاهُمَا يَحْمِلُ كِتَاباً مُخْتَلِفاً: هَمَّامٌ يَقْرَأُ رِوَايَةً أَلْمَانِيَّةً مُبَسَّطَةً، وَفِرَاسٌ يُرَاجِعُ قَائِمَةً طَوِيلَةً مِنْ مُصْطَلَحَاتِ الْأَمْرَاضِ الْقَلْبِيَّةِ.
سَأَلَهُ هَمَّامٌ:
— كَيْفَ تَسِيرُ الدِّرَاسَةُ؟
أَجَابَ فِرَاسٌ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ عَنِ الْوَرَقَةِ:
— بَطِيئَةٌ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ، لَكِنَّنِي لَنْ أَتَرَاجَعَ. أَشْعُرُ أَحْيَاناً أَنَّ اللُّغَةَ الطِّبِّيَّةَ أَصْعَبُ مِنَ اللُّغَةِ الْعَامَّةِ بِعَشْرِ مَرَّاتٍ. تَخَيَّلْ أَنْ أَتَعَلَّمَ مِنْ جَدِيدٍ كَيْفَ أَقُولُ «قُصُورَ الْقَلْبِ الِاحْتِقَانِيَّ» أَوْ «اِلْتِهَابَ الشِّغَافِ»، كَلِمَاتٍ كُنْتُ أَنْطِقُهَا بِلَا تَفْكِيرٍ طَوَالَ عِشْرِينَ عَاماً.
قَالَ هَمَّامٌ، بِابْتِسَامَةِ تَفَهُّمٍ:
— نَحْنُ جَمِيعاً نَتَعَلَّمُ مِنْ جَدِيدٍ كَيْفَ نَقُولُ أَشْيَاءَ كُنَّا نَعْرِفُهَا بِلَا تَفْكِيرٍ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ جَوْهَرُ مَا يَحْدُثُ لَنَا هُنَا.
تَوَقَّفَ فِرَاسٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ لِلَحْظَةٍ، وَنَظَرَ إِلَى هَمَّامٍ بِفُضُولٍ:
— وَأَنْتَ؟ أَلَا تَشْعُرُ بِحَاجَةٍ إِلَى أَنْ تَعُودَ إِلَى الْكِتَابَةِ بِسُرْعَةٍ، كَمَا أَشْعُرُ أَنَا بِحَاجَةٍ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى الطِّبِّ؟
فَكَّرَ هَمَّامٌ قَلِيلاً قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ:
— أَشْعُرُ بِهَا، لَكِنْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. أَنْتَ تَعْرِفُ بِالضَّبْطِ الطَّرِيقَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تَسْلُكَهُ لِتَعُودَ طَبِيباً: اِمْتِحَانَاتٌ مُحَدَّدَةٌ، شَهَادَاتٌ، تَرَاخِيصُ. أَمَّا أَنَا، فَلَا أَعْرِفُ حَتَّى مَا الَّذِي يَعْنِيهِ أَنْ أَكُونَ كَاتِباً هُنَا. مَنْ سَيَقْرَأُنِي؟ بِأَيِّ لُغَةٍ؟ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ سَأَكْتُبُ وَأَنَا لَا أَزَالُ أَتَعَثَّرُ فِي وَصْفِ يَوْمِي؟
نَظَرَ فِرَاسٌ إِلَيْهِ بِتَعَاطُفٍ حَقِيقِيٍّ:
— رُبَّمَا طَرِيقُكَ أَصْعَبُ مِنْ طَرِيقِي فِي هَذَا الْجَانِبِ بِالذَّاتِ. أَنَا أَمْلِكُ خَارِطَةً وَاضِحَةً، حَتَّى لَوْ كَانَتْ طَوِيلَةً. أَنْتَ تَحْتَاجُ أَنْ تَرْسُمَ خَارِطَتَكَ بِنَفْسِكَ.
صَمَتَ الِاثْنَانِ قَلِيلاً، ثُمَّ أَضَافَ فِرَاسٌ:
— أَتَعْرِفُ، أَحْيَاناً أَحْسُدُكَ عَلَى هَذَا الْغُمُوضِ بِالذَّاتِ. أَنَا مَحْكُومٌ بِمَسَارٍ وَاحِدٍ صَارِمٍ: اِمْتِحَانٌ بَعْدَ اِمْتِحَانٍ، وَرَقَةٌ بَعْدَ وَرَقَةٍ، وَإِنْ فَشِلْتُ فِي وَاحِدَةٍ تَوَقَّفَ كُلُّ شَيْءٍ. أَمَّا أَنْتَ، فَيُمْكِنُكَ أَنْ تَكْتُبَ الْيَوْمَ عَنْ شَيْءٍ، وَغَداً عَنْ شَيْءٍ آخَرَ تَمَاماً، دُونَ أَنْ يُحَاسِبَكَ أَحَدٌ بِعَلَامَةِ نَجَاحٍ أَوْ رُسُوبٍ.
اِبْتَسَمَ هَمَّامٌ ابْتِسَامَةً فِيهَا مَرَارَةٌ خَفِيفَةٌ:
— هَذِهِ الْحُرِّيَّةُ نَفْسُهَا هِيَ مَا يُخِيفُنِي أَحْيَاناً. لَا يُوجَدُ مِعْيَارٌ خَارِجِيٌّ يُخْبِرُنِي إِنْ كُنْتُ أَسِيرُ فِي الِاتِّجَاهِ الصَّحِيحِ أَمْ لَا. عَلَى الْأَقَلِّ أَنْتَ، حِينَ تَنْجَحُ فِي امْتِحَانٍ، تَعْرِفُ يَقِيناً أَنَّكَ تَقَدَّمْتَ خُطْوَةً. أَنَا، حَتَّى لَوْ كَتَبْتُ أَجْمَلَ نَصٍّ فِي حَيَاتِي، لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ أَحَدٌ سَيَقْرَأُهُ أَصْلاً.
قَالَ فِرَاسٌ، وَهُوَ يُغْلِقُ دَفْتَرَ الْمُصْطَلَحَاتِ أَمَامَهُ:
— رُبَّمَا يَحْتَاجُ كُلٌّ مِنَّا إِلَى مَا يَمْلِكُهُ الْآخَرُ: أَنَا أَحْتَاجُ قَلِيلاً مِنْ مُرُونَتِكَ، وَأَنْتَ تَحْتَاجُ قَلِيلاً مِنْ صَرَامَتِي.
ضَحِكَ هَمَّامٌ:
— اِتَّفَقْنَا. سَأُقْرِضُكَ بَعْضَ الْمُرُونَةِ، وَتُقْرِضُنِي بَعْضَ الصَّرَامَةِ، وَنَرَى مَنْ مِنَّا يَصِلُ أَوَّلاً.
• • •
بَعْدَ شَهْرَيْنِ مِنَ الْعَمَلِ الدَّؤُوبِ، تَقَدَّمَ فِرَاسٌ لِامْتِحَانٍ تَجْرِيبِيٍّ فِي مَرْكَزِ تَدْرِيبٍ خَاصٍّ، لِتَقْيِيمِ مُسْتَوَاهُ قَبْلَ الِامْتِحَانِ الرَّسْمِيِّ. عَادَ مِنَ الِامْتِحَانِ صَامِتاً، وَوَجْهُهُ يَحْمِلُ مَلَامِحَ لَمْ تَعْتَدْهَا مَنَالُ مِنْهُ مِنْ قَبْلُ.
سَأَلَتْهُ وَهِيَ تُرَاقِبُ وَجْهَهُ بِقَلَقٍ:
— كَيْفَ كَانَ؟
— رَسَبْتُ. بِفَارِقٍ كَبِيرٍ عَنِ الْحَدِّ الْأَدْنَى الْمَطْلُوبِ.
جَلَسَتْ مَنَالُ بِجَانِبِهِ، وَوَضَعَتْ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ:
— هَذَا اِمْتِحَانٌ تَجْرِيبِيٌّ فَقَطْ يَا فِرَاسُ، لَيْسَ الِامْتِحَانَ الْحَقِيقِيَّ. الْهَدَفُ مِنْهُ أَنْ يُظْهِرَ لَكَ أَيْنَ تَقِفُ بِالضَّبْطِ.
— أَعْرِفُ. لَكِنَّنِي كُنْتُ مُتَأَكِّداً أَنَّنِي سَأَنْجَحُ بِسُهُولَةٍ. شَعَرْتُ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ وُصُولِنَا أَنَّنِي رَجُلٌ عَجُوزٌ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَعَلَّمَ شَيْئاً أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِهِ.
قَالَتْ مَنَالُ بِحَزْمٍ لَطِيفٍ:
— أَنْتَ لَسْتَ عَجُوزاً، وَلَا الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِالْقُدْرَةِ. الْأَمْرُ يَتَعَلَّقُ بِأَنَّكَ أَعْطَيْتَ نَفْسَكَ وَقْتاً غَيْرَ كَافٍ لِمَهَمَّةٍ ضَخْمَةٍ حَقّاً. حَتَّى الْأَطِبَّاءُ الْأَلْمَانُ أَنْفُسُهُمْ يَحْتَاجُونَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً لِيُتْقِنُوا مُصْطَلَحَاتِ تَخَصُّصِهِمِ الدَّقِيقَةَ.
صَمَتَ فِرَاسٌ طَوِيلاً، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ لَمْ تَعْتَدْهُ مِنْهُ:
— أَخْشَى يَا مَنَالُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْفَشَلُ الْأَوَّلُ بِدَايَةَ سِلْسِلَةٍ مِنَ الْفَشَلِ، وَأَنْ أَضْطَرَّ فِي النِّهَايَةِ لِأَنْ أَقْبَلَ بِعَمَلٍ أَقَلَّ مِنْ طُمُوحِي، كَمَا فَعَلَ كَثِيرُونَ قَبْلِي.
أَمْسَكَتْ مَنَالُ بِيَدِهِ بِقُوَّةٍ:
— حَتَّى لَوْ حَدَثَ ذَلِكَ، فَلَنْ يَكُونَ نِهَايَةَ الْعَالَمِ. لَكِنَّنِي أَعْرِفُكَ جَيِّداً، وَأَعْرِفُ أَنَّكَ لَنْ تَتَوَقَّفَ عَنِ الْمُحَاوَلَةِ حَتَّى تَصِلَ. فَقَطْ، اِسْمَحْ لِنَفْسِكَ أَنْ تُخْطِئَ فِي الطَّرِيقِ دُونَ أَنْ تُحَمِّلَ نَفْسَكَ أَكْثَرَ مِمَّا تَحْتَمِلُ.
سَأَلَهَا فِرَاسٌ، بِصِدْقٍ نَادِرٍ:
— وَأَنْتِ؟ أَلَا تَخَافِينَ أَنْ أَفْشَلَ حَقّاً فِي النِّهَايَةِ؟
فَكَّرَتْ مَنَالُ قَلِيلاً قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
— أَخَافُ أَحْيَاناً، نَعَمْ. لَكِنَّ خَوْفِيَ الْأَكْبَرَ لَيْسَ مِنْ فَشَلِكَ فِي الِامْتِحَانِ، بَلْ مِنْ أَنْ تَفْقِدَ نَفْسَكَ فِي سَبِيلِ النَّجَاحِ فِيهِ. رَأَيْتُكَ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ تَنْسَى أَنْ تَضْحَكَ، تَنْسَى أَنْ تَسْأَلَ أَوْلَادَكَ عَنْ يَوْمِهِمْ، تَنْسَى حَتَّى أَنْ تَنْظُرَ إِلَيَّ أَحْيَاناً وَأَنْتَ تَتَحَدَّثُ مَعِي، وَكَأَنَّ عَيْنَيْكَ عَالِقَتَانِ فِي بِطَاقَةِ مُصْطَلَحَاتٍ لَا تُرَى.
شَعَرَ فِرَاسٌ بِوَخْزَةٍ حَقِيقِيَّةٍ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ، أَكْثَرَ مِمَّا شَعَرَ بِهَا مِنْ نَتِيجَةِ الِامْتِحَانِ نَفْسِهِ:
— لَمْ أَكُنْ أُدْرِكُ أَنَّنِي وَصَلْتُ إِلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ.
— لِأَنَّكَ غَارِقٌ فِي هَدَفِكَ لِدَرَجَةٍ لَمْ تَعُدْ تَرَى مَا حَوْلَكَ. أَنَا لَا أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَتَخَلَّى عَنْ طُمُوحِكَ، فَقَطْ أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَتَذَكَّرَ أَنَّنَا هُنَا مَعَكَ، لَا خَلْفَكَ.
أَطْرَقَ فِرَاسٌ رَأْسَهُ، مُتَأَثِّراً بِصِدْقِ كَلَامِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعَ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
— أَعِدُكِ أَنْ أُحَاوِلَ. لَنْ يَكُونَ سَهْلاً أَنْ أُوَازِنَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، لَكِنَّنِي سَأُحَاوِلُ فِعْلاً.
• • •
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنْ نَامَ الْأَوْلَادُ، جَلَسَ فِرَاسٌ وَحِيداً فِي الْحَدِيقَةِ الْخَلْفِيَّةِ، يُرَاجِعُ نَتَائِجَ الِامْتِحَانِ التَّجْرِيبِيِّ وَرَقَةً وَرَقَةً، مُحَاوِلاً أَنْ يَفْهَمَ أَيْنَ أَخْطَأَ بِالضَّبْطِ. اِنْضَمَّ إِلَيْهِ هَمَّامٌ، الَّذِي كَانَ يَتَنَزَّهُ كَعَادَتِهِ قَبْلَ النَّوْمِ.
قَالَ فِرَاسٌ، دُونَ مُقَدِّمَاتٍ:
— هَلْ تَعْرِفُ مَا الَّذِي أَخَافَنِي حَقّاً فِي هَذَا الرُّسُوبِ؟
— مَاذَا؟
— أَنَّنِي، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ عِشْرِينَ عَاماً، شَعَرْتُ أَنَّنِي قَدْ لَا أَكُونُ كَافِياً. فِي سُورِيَا، كُنْتُ مِنْ أَفْضَلِ الْأَطِبَّاءِ فِي قِسْمِي. هُنَا، أَنَا مُجَرَّدُ رَجُلٍ يُحَاوِلُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يَسْتَحِقُّ اللَّقَبَ الَّذِي حَمَلَهُ طَوَالَ حَيَاتِهِ.
قَالَ هَمَّامٌ بِهُدُوءٍ:
— رُبَّمَا الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي أَنَّكَ غَيْرُ كَافٍ، بَلْ فِي أَنَّ مِعْيَارَ الْكِفَايَةِ نَفْسَهُ تَغَيَّرَ فَجْأَةً، دُونَ أَنْ يَسْتَشِيرَكَ أَحَدٌ. كُنْتَ كَافِياً وَفْقَ مَعَايِيرِ مَكَانٍ، وَأَصْبَحْتَ الْآنَ تُقَاسُ وَفْقَ مَعَايِيرِ مَكَانٍ آخَرَ تَمَاماً. هَذَا لَا يُقَلِّلُ مِنْ قِيمَتِكَ، بَلْ يَعْنِي فَقَطْ أَنَّ الْمِسْطَرَةَ تَغَيَّرَتْ.
نَظَرَ فِرَاسٌ إِلَى هَمَّامٍ طَوِيلاً، ثُمَّ ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةً مُتْعِبَةً لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ:
— تَعْرِفُ يَا هَمَّامُ، أَنْتَ لَا تَزَالُ تَبْحَثُ عَنْ مِسْطَرَتِكَ الْخَاصَّةِ، لَكِنَّكَ تَصُوغُ الْحِكْمَةَ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ مِمَّنْ يَمْلِكُونَ مَسَاطِرَهُمْ جَاهِزَةً.
ضَحِكَ هَمَّامٌ ضَحْكَةً قَصِيرَةً:
— رُبَّمَا لِأَنَّ صِيَاغَةَ الْحِكْمَةِ أَسْهَلُ مِنْ تَطْبِيقِهَا عَلَى نَفْسِي.
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ، تَحْتَ سَمَاءٍ بَارِدَةٍ صَافِيَةٍ، كُلٌّ مِنْهُمَا يُفَكِّرُ فِي مِسْطَرَتِهِ الْخَاصَّةِ الَّتِي لَمْ تَتَّضِحْ مَلَامِحُهَا بَعْدُ، لَكِنَّهُمَا، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ لِقَائِهِمَا، شَعَرَا أَنَّهُمَا يَخُوضَانِ الْمَعْرَكَةَ نَفْسَهَا مِنْ زَاوِيَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، لَا وَحِيدَيْنِ تَمَاماً كَمَا شَعَرَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْأَسَابِيعِ الْأُولَى.
قَالَ فِرَاسٌ أَخِيراً، وَهُوَ يَنْهَضُ مُسْتَعِدّاً لِلْعَوْدَةِ إِلَى غُرْفَتِهِ:
— أَظُنُّ أَنَّنِي سَأُعِيدُ جَدْوَلِي بِالْكَامِلِ غَداً. سَأُخَصِّصُ وَقْتاً لِلْعَائِلَةِ، لَا لِأَنَّنِي أَقَلُّ طُمُوحاً، بَلْ لِأَنَّنِي أَدْرَكْتُ أَنَّ الطُّمُوحَ الَّذِي يُكَلِّفُنِي عَائِلَتِي لَيْسَ طُمُوحاً حَقِيقِيّاً، بَلْ هُرُوباً آخَرَ مِنْ نَوْعٍ مُخْتَلِفٍ.
نَظَرَ إِلَيْهِ هَمَّامٌ بِإِعْجَابٍ:
— هَذَا اِسْتِنْتَاجٌ شُجَاعٌ، يَا فِرَاسُ.
— تَعَلَّمْتُهُ مِنْكَ، فِي الْحَقِيقَةِ، دُونَ أَنْ تَقْصِدَ. كُلُّ حَدِيثٍ بَيْنَنَا يَجْعَلُنِي أَرَى نَفْسِي مِنْ زَاوِيَةٍ لَمْ أُفَكِّرْ فِيهَا مِنْ قَبْلُ.
اِبْتَسَمَ هَمَّامٌ:
— وَأَنَا أَتَعَلَّمُ مِنْكَ الْمُثَابَرَةَ، حَتَّى لَوْ كُنْتُ أُخْفِيهَا خَلْفَ كُلِّ هَذَا التَّرَدُّدِ الَّذِي تَعْرِفُهُ عَنِّي.
اِفْتَرَقَا عِنْدَ مُفْتَرَقِ الْمَمَرِّ الْمُؤَدِّي إِلَى غُرْفَتَيْهِمَا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا يَحْمِلُ مَعَهُ شَيْئاً مِنْ حِوَارِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ: فِرَاسٌ يَحْمِلُ قَرَاراً بِأَنْ يُعِيدَ تَوَازُنَ حَيَاتِهِ، وَهَمَّامٌ يَحْمِلُ سُؤَالاً جَدِيداً عَنْ مَعْنَى الْمُثَابَرَةِ فِي رِحْلَةٍ لَا تُشْبِهُ أَيَّ رِحْلَةٍ عَاشَهَا مِنْ قَبْلُ.
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، حِينَ عَادَ فِرَاسٌ مِنْ دَوْرَتِهِ الصَّبَاحِيَّةِ، وَجَدَ مَنَالَ قَدْ أَعَدَّتْ لَهُ طَاوِلَةً صَغِيرَةً فِي الْحَدِيقَةِ، وَوَضَعَتْ عَلَيْهَا كُوبَ شَايٍ وَبَعْضَ الْحَلْوَى، وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهِ دُونَ أَنْ تَحْمِلَ أَيَّ أَوْرَاقٍ أَوْ بِطَاقَاتِ مُصْطَلَحَاتٍ.
قَالَتْ بِابْتِسَامَةٍ:
— الْيَوْمَ، لَا دِرَاسَةَ بَعْدَ الظُّهْرِ. فَقَطْ أَنْتَ وَأَنَا، وَرُبَّمَا الْأَوْلَادُ إِنْ أَرَادُوا الِانْضِمَامَ إِلَيْنَا.
نَظَرَ إِلَيْهَا فِرَاسٌ لِلَحْظَةٍ، وَكَأَنَّهُ يُوَازِنُ بَيْنَ رَغْبَتِهِ فِي الْعَوْدَةِ إِلَى بِطَاقَاتِهِ وَبَيْنَ وَعْدِهِ الَّذِي قَطَعَهُ اللَّيْلَةَ الْمَاضِيَةَ، ثُمَّ ابْتَسَمَ أَخِيراً، وَجَلَسَ بِجَانِبِهَا:
— الْيَوْمَ، أَنْتِ مُحِقَّةٌ. لَا دِرَاسَةَ بَعْدَ الظُّهْرِ.

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 06


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 04