قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الفَصْلُ السَّادِسُ
كَانَتِ الاسْتِمَارَةُ تَطْلُبُ حَقْلًا وَاحِدًا بَسِيطًا فِي ظَاهِرِهِ: «المِهْنَةُ السَّابِقَةُ فِي بَلَدِ المَنْشَإِ». جَلَسَ سَلِيمٌ دِيبٌ أَمَامَهَا طَوِيلًا، قَلَمُهُ مُعَلَّقٌ فَوْقَ الخَانَةِ الفَارِغَةِ، وَكَأَنَّ هَذَا السَّطْرَ الصَّغِيرَ يَزِنُ أَكْثَرَ مِنْ كُلِّ الأَوْرَاقِ الأُخْرَى الَّتِي مَلَأَهَا مُنْذُ وُصُولِهِ.
كَتَبَ أَخِيرًا: «مُوَظَّفٌ حُكُومِيٌّ». لَمْ يَكْذِبْ تَمَامًا، لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلِ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً أَيْضًا. كَانَ سَلِيمٌ، حَتَّى قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ مِنْ مُغَادَرَتِهِ سُورِيَا، ضَابِطًا بِرُتْبَةِ نَقِيبٍ فِي وَحْدَةٍ إِدَارِيَّةٍ، لَمْ يُشَارِكْ فِي قِتَالٍ مُبَاشِرٍ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ لِنَفْسِهِ مِرَارًا، لَكِنَّهُ ارْتَدَى الزِّيَّ العَسْكَرِيَّ كُلَّ يَوْمٍ لِأَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ عَامًا، وَوَقَّعَ أَوْرَاقًا كَثِيرَةً لَا يَعْرِفُ بِالضَّبْطِ أَيْنَ انْتَهَى بِهَا المَطَافُ.
بَدَأَتْ خِدْمَتُهُ العَسْكَرِيَّةُ فِي مَطْلَعِ شَبَابِهِ، حِينَ كَانَ الِالْتِحَاقُ بِالجَيْشِ خِيَارًا شِبْهَ مَحْتُومٍ لِشَابٍّ مِنْ عَائِلَةٍ مُتَوَسِّطَةِ الحَالِ فِي طَرْطُوسَ، لَا يَمْلِكُ وَاسِطَةً تُعْفِيهِ، وَلَا رَأْسَ مَالٍ يَفْتَحُ لَهُ بَابًا آخَرَ. تَدَرَّجَ فِي الرُّتَبِ بِبُطْءٍ، عَامًا بَعْدَ عَامٍ، حَتَّى وَجَدَ نَفْسَهُ، دُونَ أَنْ يُخَطِّطَ لِذَلِكَ تَمَامًا، جُزْءًا مِنْ جِهَازٍ إِدَارِيٍّ ضَخْمٍ، بَعِيدًا عَنِ الجَبَهَاتِ، لَكِنَّهُ قَرِيبٌ بِمَا يَكْفِي مِنْ مَرْكَزِ القَرَارِ لِيَعْرِفَ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً كَانَ يُفَضِّلُ أَحْيَانًا لَوْ لَمْ يَعْرِفْهَا.
طَوَتْ وَفَاءُ الاسْتِمَارَةَ بَعْدَ أَنِ انْتَهَى، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةً طَوِيلَةً، لَمْ تَكُنْ تَحْمِلُ لَوْمًا، لَكِنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُرْتَاحَةً أَيْضًا:
— هَلْ تَظُنُّ أَنَّهُمْ سَيَكْتَشِفُونَ يَوْمًا مَا الحَقِيقَةَ الكَامِلَةَ؟
أَجَابَ سَلِيمٌ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ:
— لَا أَعْرِفُ. وَلَا أُرِيدُ أَنْ أُفَكِّرَ فِي ذَلِكَ الآنَ.
• • •
فِي اليَوْمِ التَّالِي، وَأَثْنَاءَ انْتِظَارِهِمَا دَوْرَهُمَا فِي مَكْتَبِ الشُّؤُونِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، جَلَسَ بِجَانِبِهِمَا رَجُلٌ سُورِيٌّ آخَرُ، بَدَا عَلَيْهِ التَّعَبُ، وَبَدَأَ حَدِيثًا عَابِرًا كَمَا يَفْعَلُ الغُرَبَاءُ الَّذِينَ يَجْمَعُهُمْ انْتِظَارٌ طَوِيلٌ مُشْتَرَكٌ.
قَالَ الرَّجُلُ، بَعْدَ أَنْ تَبَادَلُوا التَّحِيَّاتِ المُعْتَادَةَ:
— مِنْ أَيْنَ أَنْتُمْ؟
أَجَابَتْ وَفَاءُ بِسُرْعَةٍ، قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ سَلِيمٌ:
— مِنْ طَرْطُوسَ.
أَضَاءَ وَجْهُ الرَّجُلِ فَجْأَةً:
— طَرْطُوسُ! أَنَا مِنْ هُنَاكَ أَيْضًا، مِنْ حَيِّ الزِّرَاعَةِ. رُبَّمَا نَعْرِفُ أُنَاسًا مُشْتَرَكِينَ. مَاذَا كَانَ عَمَلُكَ هُنَاكَ يَا أَخِي؟
شَعَرَ سَلِيمٌ بِضِيقٍ مُفَاجِئٍ فِي صَدْرِهِ، ذَلِكَ الضِّيقُ الَّذِي بَاتَ يَعْرِفُهُ جَيِّدًا كُلَّمَا اقْتَرَبَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا السُّؤَالِ بِالذَّاتِ:
— كُنْتُ أَعْمَلُ فِي القِطَاعِ الحُكُومِيِّ، فِي الإِدَارَةِ.
لَاحَظَ الرَّجُلُ شَيْئًا فِي نَبْرَةِ سَلِيمٍ، تَوَقُّفًا طَفِيفًا، فَتَرَدَّدَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ مُجَدَّدًا:
— أَيُّ إِدَارَةٍ بِالضَّبْطِ؟
تَدَخَّلَتْ وَفَاءُ بِلُطْفٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تُنْهِيَ الحَدِيثَ:
— إِدَارَةٌ عَامَّةٌ، أُمُورٌ رُوتِينِيَّةٌ. هَلْ أَنْتُمْ أَيْضًا هُنَا مُنْذُ فَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ؟
غَيَّرَ الرَّجُلُ المَوْضُوعَ دُونَ إِصْرَارٍ، لَكِنَّ سَلِيمًا شَعَرَ، لِبَقِيَّةِ ذَلِكَ اليَوْمِ، بِنَظْرَةِ الرَّجُلِ الَّتِي بَدَتْ لَهُ وَكَأَنَّهَا تَحْمِلُ تَسَاؤُلًا لَمْ يُطْرَحْ بِصَرَاحَةٍ، لَكِنَّهُ فُهِمَ ضِمْنًا.
بَعْدَ أَنِ انْتَهَتْ جَلْسَتُهُمَا فِي المَكْتَبِ، وَبَيْنَمَا كَانَا يَخْرُجَانِ، اقْتَرَبَ مِنْهُمَا الرَّجُلُ نَفْسُهُ مَرَّةً أُخْرَى فِي المَمَرِّ، وَقَالَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، وَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُطَمْئِنَ سَلِيمًا دُونَ أَنْ يَجْرَحَهُ:
— لَا تُسِئْ فَهْمَ سُؤَالِي، أَخِي. لَا أَحَدَ مِنَّا خَرَجَ مِنْ هُنَاكَ بِصَفْحَةٍ بَيْضَاءَ تَمَامًا. كُلُّنَا نَحْمِلُ شَيْئًا. سُؤَالِي كَانَ فُضُولًا بَرِيئًا، لَا اتِّهَامًا.
شَكَرَهُ سَلِيمٌ بِابْتِسَامَةٍ مُتَكَلَّفَةٍ، لَكِنَّ الجُمْلَةَ بَقِيَتْ مَعَهُ طَوَالَ الطَّرِيقِ إِلَى مَرْكَزِ الإِيوَاءِ: «لَا أَحَدَ مِنَّا خَرَجَ مِنْ هُنَاكَ بِصَفْحَةٍ بَيْضَاءَ تَمَامًا». كَانَتْ جُمْلَةً صَحِيحَةً تَمَامًا، لَكِنَّهَا لَمْ تُخَفِّفْ مِنْ ثِقَلِ مَا يَحْمِلُهُ هُوَ تَحْدِيدًا، ذَلِكَ الثِّقَلُ الَّذِي شَعَرَ أَنَّهُ أَكْبَرُ مِنْ ثِقَلِ الآخَرِينَ، وَإِنْ كَانَ يَعْرِفُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِهِ أَنَّ هَذَا الإِحْسَاسَ قَدْ يَكُونُ مُبَالَغًا فِيهِ.
• • •
فِي المَسَاءِ، وَبَيْنَمَا كَانَا يَمْشِيَانِ فِي حَدِيقَةِ مَرْكَزِ الإِيوَاءِ بَعْدَ العَشَاءِ، سَأَلَتْهُ وَفَاءُ بِصَرَاحَةٍ نَادِرَةٍ:
— لِمَاذَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُولَ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً، حَتَّى لِي؟
تَوَقَّفَ سَلِيمٌ عَنِ المَشْيِ، وَنَظَرَ إِلَيْهَا بِحَيْرَةٍ وَاضِحَةٍ:
— أَنْتِ تَعْرِفِينَ الحَقِيقَةَ كَامِلَةً يَا وَفَاءُ. كُنْتِ هُنَاكَ، عِشْتِ مَعِي كُلَّ تِلْكَ السَّنَوَاتِ.
— أَعْرِفُ مَا فَعَلْتَهُ رَسْمِيًّا، نَعَمْ. لَكِنَّنِي لَا أَعْرِفُ مَا تَشْعُرُ بِهِ أَنْتَ تِجَاهَ ذَلِكَ. لَمْ تَتَحَدَّثْ عَنْهُ مَعِي مَرَّةً وَاحِدَةً بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ، حَتَّى فِي أَصْعَبِ لَحَظَاتِنَا.
جَلَسَ سَلِيمٌ عَلَى مَقْعَدٍ خَشَبِيٍّ قَرِيبٍ، وَأَشَارَتْ لَهُ وَفَاءُ بِالجُلُوسِ بِجَانِبِهَا، فَجَلَسَتْ.
قَالَ بَعْدَ صَمْتٍ طَوِيلٍ:
— أَشْعُرُ بِالخَجَلِ، يَا وَفَاءُ. لَيْسَ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ أَسْتَطِيعُ أَنْ أُشِيرَ إِلَيْهِ بِإِصْبَعِي وَأَقُولَ: هَذَا مَا فَعَلْتُهُ وَأَخْجَلُ مِنْهُ. بَلْ مِنْ كَوْنِي كُنْتُ جُزْءًا مِنْ نِظَامٍ، مِنْ آلَةٍ كَبِيرَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ دَوْرِي فِيهَا صَغِيرًا وَإِدَارِيًّا بَحْتًا. أَخْجَلُ مِنْ أَنَّنِي لَمْ أَسْتَقِلْ، لَمْ أَرْفُضْ، لَمْ أَفْعَلْ شَيْئًا سِوَى أَنْ أَسْتَمِرَّ فِي الحُضُورِ كُلَّ صَبَاحٍ إِلَى مَكْتَبِي، بَيْنَمَا كَانَتِ البِلَادُ تَحْتَرِقُ مِنْ حَوْلِي.
اسْتَمَعَتْ وَفَاءُ بِصَمْتٍ، ثُمَّ سَأَلَتْ بِحَذَرٍ:
— وَلِمَاذَا لَمْ تَسْتَقِلْ؟
ضَحِكَ سَلِيمٌ ضَحْكَةً مَرِيرَةً قَصِيرَةً:
— لِأَنَّ الِاسْتِقَالَةَ مِنْ مُؤَسَّسَةٍ كَتِلْكَ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ اسْتِقَالَةٍ وَظِيفِيَّةٍ، يَا وَفَاءُ. كَانَتْ تَعْنِي المُخَاطَرَةَ بِكُلِّ شَيْءٍ: بِحَيَاتِي، بِحَيَاتِكِ أَنْتِ وَالأَوْلَادِ، بِأَمَانِ عَائِلَتِي كُلِّهَا. أَقْنَعْتُ نَفْسِي، عَامًا بَعْدَ عَامٍ، أَنَّ البَقَاءَ الصَّامِتَ أَهْوَنُ الشَّرَّيْنِ. وَالآنَ، هُنَا، فِي هَذَا المَكَانِ البَعِيدِ، أَجِدُ نَفْسِي أَتَسَاءَلُ إِنْ كَانَ هَذَا الِاقْتِنَاعُ مُجَرَّدَ جُبْنٍ مُمَوَّهٍ بِذَرَائِعَ عَقْلَانِيَّةٍ.
• • •
فِي الأَيَّامِ التَّالِيَةِ، بَدَأَ سَلِيمٌ يَتَجَنَّبُ الأَمَاكِنَ العَامَّةَ المُزْدَحِمَةَ بِالسُّورِيِّينَ قَدْرَ الإِمْكَانِ، مُفَضِّلًا الخُرُوجَ فِي أَوْقَاتٍ غَيْرِ مُعْتَادَةٍ، أَوِ البَقَاءَ فِي الغُرْفَةِ أَطْوَلَ مِمَّا يَنْبَغِي. لَاحَظَتْ وَفَاءُ هَذَا الِانْسِحَابَ التَّدْرِيجِيَّ، وَقَلِقَتْ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ قَلَقِهَا مِنَ الأَسْئِلَةِ المُبَاشِرَةِ الَّتِي وَاجَهَاهَا فِي مَكْتَبِ الشُّؤُونِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ.
لَاحَظَ ابْنُهُمَا البِكْرُ، يَزَنُ، ذُو السَّبْعَةَ عَشَرَ عَامًا، هَذَا الِانْسِحَابَ أَيْضًا، وَسَأَلَ أُمَّهُ ذَاتَ مَسَاءٍ وَهُمَا يَغْسِلَانِ الصُّحُونَ فِي المَطْبَخِ المُشْتَرَكِ:
— أُمِّي، لِمَاذَا لَمْ يَعُدْ أَبِي يَخْرُجُ مَعَنَا كَثِيرًا؟ حَتَّى فِي اجْتِمَاعِ الجِيرَانِ الأُسْبُوعِيِّ، اعْتَذَرَ وَلَمْ يَحْضُرْ.
تَرَدَّدَتْ وَفَاءُ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ، مُوَازِنَةً بَيْنَ رَغْبَتِهَا فِي الصِّدْقِ مَعَ ابْنِهَا وَحِمَايَتِهَا لِخُصُوصِيَّةِ زَوْجِهَا:
— أَبُوكَ يَمُرُّ بِمَرْحَلَةٍ صَعْبَةٍ، يَا يَزَنُ. يُفَكِّرُ كَثِيرًا فِي أَشْيَاءَ مِنَ المَاضِي، وَيَحْتَاجُ بَعْضَ الوَقْتِ وَحْدَهُ.
قَالَ يَزَنُ، بِنَبْرَةٍ فِيهَا قَلَقٌ حَقِيقِيٌّ:
— هَلِ الأَمْرُ مُتَعَلِّقٌ بِعَمَلِهِ القَدِيمِ؟ سَمِعْتُ مَرَّةً حَدِيثًا بَيْنَكُمَا عَنْ هَذَا المَوْضُوعِ، رَغْمَ أَنَّكُمَا لَمْ تَقْصِدَا أَنْ أَسْمَعَهُ.
تَوَقَّفَتْ وَفَاءُ عَنْ غَسْلِ الصُّحُونِ، وَنَظَرَتْ إِلَى ابْنِهَا طَوِيلًا، مُدْرِكَةً أَنَّهُ لَمْ يَعُدْ طِفْلًا يُمْكِنُ حِمَايَتُهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ:
— نَعَمْ، يَتَعَلَّقُ الأَمْرُ بِذَلِكَ جُزْئِيًّا. أَبُوكَ يَشْعُرُ بِالخَجَلِ مِنْ بَعْضِ مَا كَانَ جُزْءًا مِنْهُ هُنَاكَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يَكُنِ اخْتِيَارَهُ الحُرَّ الكَامِلَ.
فَكَّرَ يَزَنُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِنُضْجٍ فَاجَأَ وَالِدَتَهُ:
— أَظُنُّ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَعْرِفَ أَنَّنِي لَا أَحْكُمُ عَلَيْهِ. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ هُوَ أَنَّهُ كَانَ أَبًا حَاضِرًا مَعِي دَائِمًا، مَهْمَا كَانَ عَمَلُهُ. هَذَا مَا يَهُمُّنِي أَنَا.
شَعَرَتْ وَفَاءُ بِدَمْعَةٍ تَكَادُ تُفْلِتُ مِنْ عَيْنِهَا، وَقَالَتْ:
— أَخْبِرْهُ أَنْتَ بِهَذَا مُبَاشَرَةً، يَا يَزَنُ. أَظُنُّ أَنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْكَ تَحْدِيدًا، لَا مِنِّي فَقَطْ.
• • •
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ تُعِدُّ الشَّايَ فِي المَطْبَخِ المُشْتَرَكِ، تَحَدَّثَتْ مَعَ أُمِّ خَالِدٍ الَّتِي أَصْبَحَتْ تَعْرِفُهَا قَلِيلًا مِنْ تَكْرَارِ اللِّقَاءَاتِ اليَوْمِيَّةِ.
سَأَلَتْهَا أُمُّ خَالِدٍ، بِفُضُولٍ وَدُودٍ لَا يَخْلُو مِنْ بَرَاءَةٍ:
— زَوْجُكِ، أَبُو مَنْ كَانَ فِي سُورِيَا؟ لَا أَرَاهُ كَثِيرًا بَيْنَنَا.
تَرَدَّدَتْ وَفَاءُ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ:
— كَانَ يَعْمَلُ مُوَظَّفًا حُكُومِيًّا. يُفَضِّلُ الهُدُوءَ وَالِابْتِعَادَ عَنِ الِازْدِحَامِ، هَذِهِ طَبِيعَتُهُ.
تَابَعَتْ أُمُّ خَالِدٍ، دُونَ أَنْ تُلَاحِظَ تَوَتُّرَ وَفَاءَ الخَفِيَّ:
— أَبُو خَالِدٍ أَيْضًا كَانَ صَعْبًا فِي البِدَايَةِ، يُفَضِّلُ العُزْلَةَ. لَكِنْ بَعْدَ أَنْ بَدَأَ يَتَحَدَّثُ مَعَ الرِّجَالِ هُنَا أَكْثَرَ، تَغَيَّرَ كَثِيرًا. رُبَّمَا زَوْجُكِ يَحْتَاجُ نَفْسَ الشَّيْءِ، صُحْبَةَ رِجَالٍ يَفْهَمُونَ مَا مَرَّ بِهِ.
شَعَرَتْ وَفَاءُ بِأَنَّ هَذِهِ المُلَاحَظَةَ البَسِيطَةَ، الصَّادِرَةَ عَنِ امْرَأَةٍ لَا تَعْرِفُ شَيْئًا عَنْ مَاضِي سَلِيمٍ الحَقِيقِيِّ، كَانَتْ أَقْرَبَ إِلَى الحَقِيقَةِ مِمَّا تَتَخَيَّلُ أُمُّ خَالِدٍ نَفْسُهَا.
أَوْمَأَتْ أُمُّ خَالِدٍ بِرَأْسِهَا دُونَ أَنْ تُلِحَّ أَكْثَرَ، لَكِنَّ وَفَاءَ شَعَرَتْ، وَهِيَ تَعُودُ إِلَى غُرْفَتِهَا، بِثِقَلِ هَذَا الكَذِبِ الصَّغِيرِ المُتَكَرِّرِ، وَكَأَنَّهَا تَحْمِلُ مَعَهُ جُزْءًا مِنْ عِبْءِ زَوْجِهَا الصَّامِتِ، دُونَ أَنْ تَخْتَارَ ذَلِكَ بِنَفْسِهَا.
• • •
فِي مَسَاءِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَبَيْنَمَا كَانَ سَلِيمٌ يَجْلِسُ وَحِيدًا فِي الحَدِيقَةِ كَعَادَتِهِ الجَدِيدَةِ، اقْتَرَبَ مِنْهُ يَزَنُ، وَجَلَسَ بِجَانِبِهِ دُونَ أَنْ يَنْتَظِرَ دَعْوَةً.
قَالَ يَزَنُ مُبَاشَرَةً، بِشَجَاعَةِ الشَّبَابِ الَّتِي لَا تَعْرِفُ كَثِيرًا مِنَ المُوَارَبَةِ:
— أَبِي، أَعْرِفُ أَنَّكَ كُنْتَ ضَابِطًا هُنَاكَ. سَمِعْتُ جُزْءًا مِنْ حَدِيثِكَ مَعَ أُمِّي.
تَوَتَّرَ سَلِيمٌ لِلَحْظَةٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يُحَاوِلِ الإِنْكَارَ:
— نَعَمْ، كُنْتُ كَذَلِكَ.
— أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَكَ شَيْئًا، وَأُرِيدُكَ أَنْ تَسْمَعَهُ جَيِّدًا: أَنَا لَا أَحْكُمُ عَلَيْكَ. كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ هُوَ أَنَّكَ كُنْتَ أَبًا حَاضِرًا مَعِي كُلَّ يَوْمٍ، تُسَاعِدُنِي فِي وَاجِبَاتِي، تَحْضُرُ كُلَّ حَفْلٍ مَدْرَسِيٍّ، وَتَضْحَكُ مَعِي حِينَ أَحْتَاجُ أَنْ أَضْحَكَ. هَذَا هُوَ الأَبُ الَّذِي أَعْرِفُهُ، لَا الرُّتْبَةُ الَّتِي حَمَلْتَهَا فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ.
شَعَرَ سَلِيمٌ بِغُصَّةٍ فِي حَلْقِهِ لَمْ يَسْتَطِعْ كَبْتَهَا، وَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ رَغْمًا عَنْهُ، هُوَ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يَبْكِ أَمَامَ أَحَدٍ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ:
— شُكْرًا لَكَ يَا يَزَنُ. لَا أَعْرِفُ إِنْ كُنْتُ أَسْتَحِقُّ هَذَا الكَلَامَ، لَكِنَّنِي أَحْتَاجُهُ اليَوْمَ أَكْثَرَ مِمَّا تَتَخَيَّلُ.
قَالَ يَزَنُ، وَهُوَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ وَالِدِهِ بِحَرَكَةٍ بَدَتْ أَكْبَرَ مِنْ عُمْرِهِ:
— تَسْتَحِقُّهُ، أَبِي. وَرُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ أَنْ تَسْمَحَ لِنَفْسِكَ أَنْ تُصَدِّقَهُ.
جَلَسَا صَامِتَيْنِ لِدَقَائِقَ، الأَبُ وَالِابْنُ، تَحْتَ سَمَاءِ المَسَاءِ البَارِدَةِ، وَشَعَرَ سَلِيمٌ أَنَّ ثِقَلًا قَدِيمًا بَدَأَ يَخِفُّ قَلِيلًا، لَا لِأَنَّ الحَقِيقَةَ تَغَيَّرَتْ، بَلْ لِأَنَّ أَحَدًا أَخِيرًا نَظَرَ إِلَيْهَا مَعَهُ دُونَ أَنْ يَهْرُبَ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، حِينَ عَادَتْ إِلَى الغُرْفَةِ، وَجَدَتْ سَلِيمًا يَجْلِسُ فِي الظَّلَامِ، دُونَ أَنْ يُشْعِلَ الضَّوْءَ، يَنْظُرُ إِلَى هَاتِفِهِ القَدِيمِ الَّذِي يَحْتَفِظُ فِيهِ بِصُوَرٍ قَدِيمَةٍ لِعَائِلَتِهِ فِي طَرْطُوسَ، قَبْلَ الحَرْبِ، قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.
جَلَسَتْ بِجَانِبِهِ، وَسَأَلَتْهُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ:
— مَاذَا تَنْظُرُ؟
أَدَارَ الشَّاشَةَ نَحْوَهَا، فَرَأَتْ صُورَةً لِسَلِيمٍ، أَصْغَرَ سِنًّا، يَرْتَدِي زِيًّا مَدَنِيًّا بَسِيطًا، يَحْمِلُ طِفْلًا صَغِيرًا عَلَى كَتِفَيْهِ، يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً لَمْ تَرَهَا عَلَى وَجْهِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ.
قَالَ بِصَوْتٍ مَخْنُوقٍ قَلِيلًا:
— هَذَا أَنَا، قَبْلَ أَنْ أُصْبِحَ مَا أَصْبَحْتُ عَلَيْهِ. أَحْيَانًا أَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَأَتَسَاءَلُ: أَيْنَ ذَهَبَ ذَلِكَ الرَّجُلُ؟
وَضَعَتْ وَفَاءُ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ:
— لَمْ يَذْهَبْ إِلَى أَيِّ مَكَانٍ، يَا سَلِيمُ. هُوَ نَفْسُهُ مَنْ يَجْلِسُ أَمَامِي الآنَ، فَقَطْ أَثْقَلَتْهُ سَنَوَاتٌ لَمْ يَخْتَرْهَا بِمُفْرَدِهِ.
— وَمَاذَا لَوِ اكْتَشَفَ أَحَدٌ هُنَا حَقِيقَةَ مَاضِيَّ الكَامِلَةَ؟ مَاذَا لَوْ حَكَمُوا عَلَيَّ كَمَا أَحْكُمُ أَنَا أَحْيَانًا عَلَى نَفْسِي؟
فَكَّرَتْ وَفَاءُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ بِصِدْقٍ:
— رُبَّمَا سَيَحْكُمُ بَعْضُهُمْ عَلَيْكَ، نَعَمْ. لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَعِدَكَ بِغَيْرِ ذَلِكَ. لَكِنْ رُبَّمَا، أَيْضًا، سَيَتَفَهَّمُ آخَرُونَ أَنَّ الحَرْبَ لَمْ تَتْرُكْ أَحَدًا بِخِيَارَاتٍ نَظِيفَةٍ تَمَامًا، وَأَنَّ كَثِيرِينَ مِنَّا اضْطُرُّوا لِتَسْوِيَاتٍ لَمْ تَخْتَرْهَا ضَمَائِرُنَا، بَلْ فَرَضَتْهَا ظُرُوفٌ لَمْ نَصْنَعْهَا.
صَمَتَ سَلِيمٌ طَوِيلًا، يُقَلِّبُ الهَاتِفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَكْثَرَ انْكِسَارًا:
— أَتَعْرِفِينَ مَا الَّذِي يُؤْلِمُنِي أَكْثَرَ؟ أَنَّنِي حِينَ كُنْتُ هُنَاكَ، كُنْتُ أُقْنِعُ نَفْسِي كُلَّ صَبَاحٍ أَنَّ بَقَائِي فِي مَنْصِبِي، رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، هُوَ نَوْعٌ مِنَ الحِمَايَةِ لِعَائِلَتِي. وَحِينَ وَصَلْنَا إِلَى هُنَا، حَيْثُ لَمْ نَعُدْ بِحَاجَةٍ إِلَى تِلْكَ الحِمَايَةِ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا، اكْتَشَفْتُ أَنَّ الذَّرِيعَةَ الَّتِي بَنَيْتُ عَلَيْهَا سَنَوَاتٍ مِنْ حَيَاتِي فَقَدَتْ مَعْنَاهَا فَجْأَةً، وَبَقِيَ فَقَطْ ثِقَلُ مَا فَعَلْتُهُ تَحْتَ مِظَلَّتِهَا.
أَمْسَكَتْ وَفَاءُ بِيَدِهِ بِقُوَّةٍ:
— الذَّرِيعَةُ لَمْ تَفْقِدْ مَعْنَاهَا يَا سَلِيمُ. نَحْنُ هُنَا الآنَ، أَحْيَاءٌ، وَمَعًا، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ لِيَحْدُثَ لَوِ اتَّخَذْتَ قَرَارًا مُتَهَوِّرًا حِينَهَا يُعَرِّضُنَا جَمِيعًا لِلْخَطَرِ. لَكِنْ رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِتَتَصَالَحَ مَعَ فِكْرَةِ أَنَّ الحِمَايَةَ وَالذَّنْبَ يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَايَشَا فِي القَرَارِ نَفْسِهِ، دُونَ أَنْ يُلْغِيَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ.
نَظَرَ إِلَيْهَا سَلِيمٌ نَظْرَةً طَوِيلَةً، فِيهَا امْتِنَانٌ عَمِيقٌ لَمْ يُعَبِّرْ عَنْهُ بِالكَلِمَاتِ، ثُمَّ عَادَ بَصَرُهُ إِلَى الصُّورَةِ عَلَى الشَّاشَةِ، صُورَتِهِ القَدِيمَةِ، ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي يَبْتَسِمُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ بَعْدُ كُلَّ مَا سَيَأْتِي.
• • •
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ هَذَا الحِوَارِ، وَأَثْنَاءَ أَحَدِ اللِّقَاءَاتِ الأُسْبُوعِيَّةِ الَّتِي بَدَأَتْ بَعْضُ العَائِلَاتِ تَحْضُرُهَا فِي المَرْكَزِ الِاجْتِمَاعِيِّ القَرِيبِ، وَجَدَ سَلِيمٌ نَفْسَهُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وُصُولِهِ، يَجْلِسُ فِي دَائِرَةٍ مِنَ الرِّجَالِ السُّورِيِّينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ تَجَارِبِهِمْ بِصَرَاحَةٍ مُتَزَايِدَةٍ.
كَانَ قَدْ تَرَدَّدَ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ الحُضُورَ، وَأَخْبَرَ وَفَاءَ فِي صَبَاحِ ذَلِكَ اليَوْمِ أَنَّهُ سَيَذْهَبُ فَقَطْ لِيَسْتَمِعَ، دُونَ أَنْ يُشَارِكَ بِشَيْءٍ. جَلَسَ فِي الصَّفِّ الخَلْفِيِّ مِنَ الدَّائِرَةِ المَرْسُومَةِ مِنْ كَرَاسٍ بَسِيطَةٍ، يُرَاقِبُ الوُجُوهَ مِنْ حَوْلِهِ: رِجَالٌ مِنْ أَعْمَارٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَهَجَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، جَمَعَهُمْ هَذَا المَكَانُ الغَرِيبُ تَحْتَ سَقْفٍ وَاحِدٍ، وَمَوْضُوعِ نِقَاشٍ وَاحِدٍ اقْتَرَحَهُ مُنَظِّمُ اللِّقَاءِ بِبَسَاطَةٍ: «شَيْءٌ لَمْ أَقُلْهُ لِأَحَدٍ مُنْذُ وُصُولِنَا».
اسْتَمَعَ سَلِيمٌ إِلَى قِصَصٍ عِدَّةٍ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ دَوْرُهُ: رَجُلٌ تَحَدَّثَ عَنْ شُعُورِهِ بِالذَّنْبِ لِأَنَّهُ تَرَكَ وَالِدَيْهِ المُسِنَّيْنِ خَلْفَهُ، وَآخَرُ تَحَدَّثَ عَنْ خَوْفِهِ مِنْ أَنْ يَنْسَى وَجْهَ أَخِيهِ الَّذِي فَقَدَهُ فِي الطَّرِيقِ، وَثَالِثٌ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ يَشْعُرُ أَحْيَانًا بِالرَّاحَةِ لِبُعْدِهِ عَنْ كُلِّ الفَوْضَى الَّتِي تَرَكَهَا وَرَاءَهُ، ثُمَّ يَشْعُرُ بِالذَّنْبِ مِنْ هَذَا الشُّعُورِ بِالرَّاحَةِ نَفْسِهِ.
حِينَ حَانَ دَوْرُهُ لِلْحَدِيثِ، تَرَدَّدَ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ، بِصَوْتٍ أَخْفَتَ مِمَّا اعْتَادَ:
— كُنْتُ ضَابِطًا إِدَارِيًّا فِي الجَيْشِ. لَمْ أُطْلِقْ رَصَاصَةً وَاحِدَةً فِي حَيَاتِي، لَكِنَّنِي وَقَّعْتُ أَوْرَاقًا لَا أَعْرِفُ تَمَامًا كَيْفَ اسْتُخْدِمَتْ لَاحِقًا. أُخْبِرُكُمْ هَذَا لِأَنَّنِي تَعِبْتُ مِنْ حَمْلِهِ وَحْدِي.
سَادَ صَمْتٌ قَصِيرٌ فِي الدَّائِرَةِ، ثُمَّ قَالَ رَجُلٌ مُسِنٌّ كَانَ يَجْلِسُ مُقَابِلَهُ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَا يَحْمِلُ إِدَانَةً:
— كُلُّنَا هُنَا نَحْمِلُ شَيْئًا لَمْ نُطْلِقْهُ بِصَرَاحَةٍ مِنْ قَبْلُ، يَا أَخِي. بَعْضُنَا حَمَلَ السِّلَاحَ، وَبَعْضُنَا حَمَلَ الصَّمْتَ، وَبَعْضُنَا حَمَلَ التَّوَاطُؤَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَبْدُو بَرِيئًا حَتَّى نَنْظُرَ إِلَيْهِ مِنْ بَعِيدٍ سَنَوَاتٍ لَاحِقَةً. المُهِمُّ أَنَّكَ تَتَحَدَّثُ الآنَ، لَا أَنَّكَ كُنْتَ كَامِلًا حِينَهَا.
تَحَدَّثَ بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ، أَصْغَرُ سِنًّا، بِصَوْتٍ مُهْتَزٍّ قَلِيلًا:
— أَنَا هَرَبْتُ مِنَ الخِدْمَةِ الإِلْزَامِيَّةِ قَبْلَ أَنْ أُسْتَدْعَى، وَتَرَكْتُ أُمِّي وَحْدَهَا هُنَاكَ لِأَرْبَعِ سَنَوَاتٍ. أَحْيَانًا أَشْعُرُ أَنَّ هُرُوبِي كَانَ جَبَانًا، وَأَحْيَانًا أُخْرَى أَشْعُرُ أَنَّهُ كَانَ الخِيَارَ الوَحِيدَ المُتَاحَ لِي. لَا أَعْرِفُ أَيَّ الشُّعُورَيْنِ أُصَدِّقُ.
أَضَافَتِ امْرَأَةٌ كَانَتْ تَجْلِسُ عَلَى الطَّرَفِ الآخَرِ مِنَ الدَّائِرَةِ، وَقَدْ حَضَرَتِ اللِّقَاءَ بِرُفْقَةِ زَوْجِهَا:
— وَأَنَا فَقَدْتُ أَخِي فِي مَعْرَكَةٍ كَانَ يُقَاتِلُ فِيهَا فِي صَفٍّ لَا أَتَّفِقُ مَعَهُ، لَكِنَّهُ أَخِي رَغْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَأَحْمِلُ حُزْنِي عَلَيْهِ وَغَضَبِي مِنْهُ فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا، دُونَ أَنْ أَعْرِفَ كَيْفَ أَفْصِلُ بَيْنَهُمَا.
اسْتَمَعَ سَلِيمٌ إِلَى هَذِهِ الشَّهَادَاتِ المُتَتَالِيَةِ، وَشَعَرَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ فِي تِلْكَ الدَّائِرَةِ يَحْمِلُ نُسْخَتَهُ الخَاصَّةَ مِنَ التَّنَاقُضِ نَفْسِهِ: حُبٌّ لِلْوَطَنِ يَتَقَاطَعُ مَعَ رَفْضٍ لِمَا فُرِضَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَشُعُورٌ بِالذَّنْبِ يَتَقَاطَعُ مَعَ إِدْرَاكِ أَنَّ الخِيَارَاتِ لَمْ تَكُنْ يَوْمًا نَظِيفَةً تَمَامًا لِأَيِّ طَرَفٍ.
قَالَ الرَّجُلُ المُسِنُّ، مُخْتَتِمًا الجَلْسَةَ:
— رُبَّمَا هَذَا بِالضَّبْطِ مَا يُوَحِّدُنَا هُنَا، أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ: أَنَّنَا جَمِيعًا هَرَبْنَا مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَعُدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَبْقَى فِيهِ أَحَدٌ بِضَمِيرٍ مُرْتَاحٍ تَمَامًا، أَيًّا كَانَ مَوْقِعُهُ فِيهِ.
شَعَرَ سَلِيمٌ، لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ مُغَادَرَتِهِ سُورِيَا، بِثِقَلٍ يَخِفُّ قَلِيلًا عَنْ كَتِفَيْهِ، لَا لِأَنَّ أَحَدًا أَصْدَرَ لَهُ صَكَّ بَرَاءَةٍ، بَلْ لِأَنَّ أَحَدًا أَخِيرًا اسْتَمَعَ إِلَيْهِ دُونَ أَنْ يَهْرُبَ مِنَ الغُرْفَةِ أَوْ يُدِيرَ لَهُ ظَهْرَهُ.
فِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ إِلَى الغُرْفَةِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، مَشَى بِجَانِبِ وَفَاءَ صَامِتًا، ثُمَّ قَالَ أَخِيرًا:
— أَظُنُّ أَنَّنِي سَأُعَدِّلُ الِاسْتِمَارَةَ قَرِيبًا. لَنْ أَذْكُرَ التَّفَاصِيلَ كَامِلَةً، فَهَذَا لَيْسَ مَطْلُوبًا مِنِّي قَانُونًا، لَكِنَّنِي لَنْ أَسْتَمِرَّ فِي إِخْفَاءِ الأَمْرِ عَنْ نَفْسِي بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي أَخْفَيْتُهُ بِهَا عَنِ الوَرَقِ.
ابْتَسَمَتْ وَفَاءُ، وَأَمْسَكَتْ بِذِرَاعِهِ:
— هَذِهِ أَوَّلُ خُطْوَةٍ حَقِيقِيَّةٍ أَرَاهَا مِنْكَ مُنْذُ وُصُولِنَا، يَا سَلِيمُ.
