قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 26

قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الْفَصْلُ السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ
وَصَلَتْ أَخِيرًا دَعْوَةُ الْأُمْسِيَةِ الثَّقَافِيَّةِ الَّتِي كَانَ هَمَّامٌ يَسْمَعُ عَنْهَا مُنْذُ أَشْهُرٍ، تِلْكَ الَّتِي سَتُحَاضِرُ فِيهَا يَاسَمِينُ حَدَّادٌ عَنِ الْأَدَبِ السُّورِيِّ فِي الْمَنْفَى. تَرَدَّدَ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُقَرِّرَ الْحُضُورَ، مُتَذَكِّرًا كُلَّ مَا كَتَبَهُ عَنْ مَخَاوِفِهِ مِنْهَا فِي دَفْتَرِهِ السِّرِّيِّ قَبْلَ أَشْهُرٍ، لَكِنَّهُ أَخْبَرَ نَفْسَهُ أَنَّ حُضُورَ مُحَاضَرَةٍ ثَقَافِيَّةٍ لَا يَعْنِي شَيْئًا أَكْثَرَ مِنَ الْفُضُولِ الْفِكْرِيِّ الْمَشْرُوعِ.
كَانَ قَدْ مَرَّ عَامٌ كَامِلٌ تَقْرِيبًا مُنْذُ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي كَتَبَ فِيهَا عَنِ اسْمِ يَاسَمِينَ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، دُونَ أَنْ يَلْتَقِيَهَا، فَقَطْ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ عَنْهَا مِنْ صَدِيقٍ مُشْتَرَكٍ. طَوَالَ ذَلِكَ الْعَامِ، ظَلَّتْ تِلْكَ الْمَخَاوِفُ حَبِيسَةَ صَفَحَاتِ دَفْتَرِهِ، بَيْنَمَا تَقَدَّمَتْ حَيَاتُهُ الْمِهَنِيَّةُ بِثَبَاتٍ: تَرْجَمَاتُهُ الْمُتَتَالِيَةُ، بِدَايَةُ الْعَمَلِ عَلَى رِوَايَتِهِ، وَاسْتِقْرَارٌ تَدْرِيجِيٌّ فِي هَذَا الْبَلَدِ الْجَدِيدِ. لَكِنَّ اسْمَ يَاسَمِينَ ظَلَّ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ هَذَا التَّقَدُّمِ، عَالِقًا فِي مَكَانٍ مَا مِنْ ذَاكِرَتِهِ، يَنْتَظِرُ لَحْظَةً كَهَذِهِ.
أَخْبَرَ سَلْمَى بِنِيَّتِهِ الْحُضُورَ، فَقَالَتْ بِحَمَاسَةٍ صَادِقَةٍ:
– جَيِّدٌ، اذْهَبْ. تَحْتَاجُ مِثْلَ هَذِهِ الْأَنْشِطَةِ الْفِكْرِيَّةِ، فَقَدْ لَاحَظْتُ أَنَّكَ تَفْتَقِدُهَا كَثِيرًا هُنَا.
شَعَرَ هَمَّامٌ بِوَخْزَةِ ذَنْبٍ خَفِيَّةٍ مِنْ ثِقَةِ سَلْمَى الْكَامِلَةِ بِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهَا بِكُلِّ التَّفَاصِيلِ الَّتِي يَحْمِلُهَا فِي دَاخِلِهِ عَنْ هَذَا اللِّقَاءِ الْمُرْتَقَبِ.
———————
فِي الْأُمْسِيَةِ، جَلَسَ هَمَّامٌ فِي الصَّفِّ الْخَلْفِيِّ، وَاسْتَمَعَ إِلَى مُحَاضَرَةِ يَاسَمِينَ بِانْبِهَارٍ حَقِيقِيٍّ: كَانَتْ تَتَحَدَّثُ بِعُمْقٍ نَادِرٍ عَنْ أَدَبِ الْمَنْفَى، عَنْ كَيْفِيَّةِ تَحَوُّلِ اللُّغَةِ نَفْسِهَا حِينَ يَكْتُبُهَا كَاتِبٌ بَعِيدٌ عَنْ وَطَنِهِ، عَنِ الْفَرْقِ بَيْنَ الْكِتَابَةِ مِنَ الْحَنِينِ وَالْكِتَابَةِ مِنَ الْغَضَبِ.
بَعْدَ الْمُحَاضَرَةِ، وَأَثْنَاءَ الِاسْتِرَاحَةِ، اقْتَرَبَ مِنْهَا بِصُعُوبَةٍ وَاضِحَةٍ، وَقَدَّمَ نَفْسَهُ:
– أَنَا هَمَّامٌ مُرَادٌ، كَاتِبٌ، أَعِيشُ هُنَا مُنْذُ عَامٍ تَقْرِيبًا. أَعْجَبَتْنِي مُحَاضَرَتُكِ كَثِيرًا.
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ ابْتِسَامَةً ذَكِيَّةً، وَقَالَتْ:
– سَمِعْتُ اسْمَكَ مِنْ قَبْلُ، أَلَيْسَ لَدَيْكَ مَوْقِعٌ إِلِكْتْرُونِيٌّ تَكْتُبُ فِيهِ؟ قَرَأْتُ مَقَالَةً لَكَ قَبْلَ أَسَابِيعَ عَنِ اللُّغَةِ وَالْهُوِيَّةِ، وَأَعْجَبَتْنِي حَقًّا.
شَعَرَ هَمَّامٌ بِفَرَحٍ طُفُولِيٍّ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ لِسَمَاعِ أَنَّ يَاسَمِينَ قَرَأَتْ لَهُ فِعْلًا.
———————
تَحَدَّثَا لِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ، عَنِ الْأَدَبِ، عَنْ تَجْرِبَةِ اللُّجُوءِ، عَنْ كُتَّابٍ يُحِبَّانِهِمَا كِلَاهُمَا، وَشَعَرَ هَمَّامٌ بِشَيْءٍ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ: مُحَادَثَةٍ فِكْرِيَّةٍ مُتَكَافِئَةٍ، حَيْثُ يَفْهَمُ الطَّرَفُ الْآخَرُ كُلَّ إِشَارَةٍ أَدَبِيَّةٍ، كُلَّ مَرْجِعِيَّةٍ ثَقَافِيَّةٍ، دُونَ حَاجَةٍ لِشَرْحٍ مُطَوَّلٍ.
قَالَتْ يَاسَمِينُ، فِي لَحْظَةِ صَرَاحَةٍ:
– أَنْتَ تَكْتُبُ بِحَسَاسِيَّةٍ نَادِرَةٍ، هَمَّامُ. هَلْ نَشَرْتَ رِوَايَةً مِنْ قَبْلُ؟
أَخْبَرَهَا هَمَّامٌ، بِحَمَاسَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ، عَنِ الرِّوَايَةِ الَّتِي بَدَأَ يَكْتُبُهَا، فَاسْتَمَعَتْ بِاهْتِمَامٍ حَقِيقِيٍّ، وَقَدَّمَتْ مُلَاحَظَاتٍ ذَكِيَّةً جَعَلَتْهُ يَرَى مَشْرُوعَهُ مِنْ زَوَايَا جَدِيدَةٍ لَمْ يُفَكِّرْ فِيهَا مِنْ قَبْلُ.
———————
عَادَ هَمَّامٌ إِلَى الْبَيْتِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي حَالَةٍ ذِهْنِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ: سَعَادَةٍ فِكْرِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ، مَمْزُوجَةٍ بِقَلَقٍ عَمِيقٍ مِنْ حَجْمِ هَذِهِ السَّعَادَةِ نَفْسِهَا. جَلَسَ فِي الْحَدِيقَةِ وَحِيدًا لِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ، يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ مَا شَعَرَ بِهِ بِالضَّبْطِ.
حِينَ دَخَلَ أَخِيرًا، وَجَدَ سَلْمَى مُسْتَيْقِظَةً، تَنْتَظِرُهُ بِقَلَقٍ:
– تَأَخَّرْتَ كَثِيرًا. كَيْفَ كَانَتِ الْأُمْسِيَةُ؟
تَوَقَّفَ هَمَّامٌ، يُوَاجِهُ اللَّحْظَةَ الَّتِي كَانَ يَخْشَاهَا مُنْذُ أَشْهُرٍ: أَنْ يَخْتَارَ بَيْنَ الصَّمْتِ الْمُعْتَادِ وَبَيْنَ الصِّدْقِ الَّذِي وَعَدَ نَفْسَهُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْفَصْلِ الِاعْتِرَافِيِّ الْقَدِيمِ.
———————
قَالَ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ قَلِيلًا:
– سَلْمَى، أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ، وَأُرِيدُكِ أَنْ تَسْتَمِعِي إِلَيَّ كَامِلًا قَبْلَ أَنْ تَحْكُمِي.
جَلَسَتْ سَلْمَى، وَشَعَرَتْ بِتَوَتُّرٍ فَوْرِيٍّ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ:
– أَنْتَ تُخِيفُنِي، هَمَّامُ. مَاذَا حَدَثَ؟
قَالَ هَمَّامٌ، بِصِدْقٍ كَامِلٍ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ أَشْهُرٍ طَوِيلَةٍ:
– الْتَقَيْتُ اللَّيْلَةَ بِامْرَأَةٍ، يَاسَمِينَ، الْمُحَاضِرَةِ الَّتِي كُنْتُ أُخْبِرُكِ عَنْهَا. تَحَدَّثْنَا لِسَاعَةٍ كَامِلَةٍ عَنِ الْأَدَبِ، وَشَعَرْتُ بِشَيْءٍ لَمْ أَشْعُرْ بِهِ مَعَكِ مُنْذُ سَنَوَاتٍ: أَنْ أَتَحَدَّثَ مَعَ شَخْصٍ يَفْهَمُ كُلَّ مَرْجِعِيَّةٍ أَدَبِيَّةٍ أَذْكُرُهَا دُونَ شَرْحٍ. لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ بَيْنَنَا سِوَى حَدِيثٍ فِكْرِيٍّ، لَكِنَّنِي أَخَافُ مِنْ حَجْمِ السَّعَادَةِ الَّتِي شَعَرْتُ بِهَا، وَأَخَافُ أَكْثَرَ مِنْ أَنَّنِي لَمْ أُخْبِرْكِ بِهَذَا الْخَوْفِ مِنْ قَبْلُ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّنِي كَتَبْتُهُ فِي دَفْتَرِي مُنْذُ أَشْهُرٍ.
———————
صَمَتَتْ سَلْمَى طَوِيلًا، وَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهَا عِدَّةَ مَرَّاتٍ: صَدْمَةٌ، ثُمَّ أَلَمٌ، ثُمَّ شَيْءٌ أَقْرَبُ إِلَى الْفَهْمِ الْمُؤْلِمِ.
قَالَتْ أَخِيرًا، بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَكِنَّهُ يَحْمِلُ جُرْحًا عَمِيقًا:
– مُنْذُ مَتَى تَكْتُبُ عَنْ هَذَا الْخَوْفِ فِي دَفْتَرِكَ؟
أَجَابَ هَمَّامٌ بِصِدْقٍ:
– مُنْذُ اللَّيْلَةِ الْأُولَى تَقْرِيبًا، حِينَ سَمِعْتُ بِاسْمِهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، قَبْلَ أَنْ أَلْتَقِيَهَا حَتَّى.
قَالَتْ سَلْمَى، بِأَلَمٍ وَاضِحٍ:
– إِذَنْ أَنْتَ تَحْمِلُ هَذَا مُنْذُ أَشْهُرٍ، وَتَرَكْتَنِي أَعِيشُ بِجَانِبِكَ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ. كُنْتُ أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّكَ بَعِيدٌ، لَكِنَّنِي كُنْتُ أَلُومُ نَفْسِي، أَظُنُّ أَنَّنِي لَا أَبْذُلُ جُهْدًا كَافِيًا لِأَصِلَ إِلَيْكَ.
———————
شَعَرَ هَمَّامٌ بِثِقْلِ هَذَا الِاتِّهَامِ، الْمُحِقِّ تَمَامًا:
– أَنَا آسِفٌ، سَلْمَى. لَمْ أُرِدْ أَنْ أُثْقِلَ عَلَيْكِ بِمَخَاوِفَ لَمْ أَكُنْ مُتَأَكِّدًا مِنْهَا بَعْدُ. لَكِنَّنِي أُدْرِكُ الْآنَ أَنَّ هَذَا الصَّمْتَ نَفْسَهُ كَانَ خِيَانَةً أَعْمَقَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ يُمْكِنُ أَنْ يَحْدُثَ.
وَقَفَتْ سَلْمَى، وَبَدَأَتْ تَمْشِي فِي الْغُرْفَةِ الصَّغِيرَةِ جِيئَةً وَذَهَابًا، مُحَاوِلَةً أَنْ تَسْتَوْعِبَ كُلَّ مَا سَمِعَتْهُ لِلتَّوِّ:
– طَوَالَ هَذَا الْعَامِ، كُنْتُ أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّكَ تَبْتَعِدُ فِي أَفْكَارِكَ، حَتَّى وَأَنْتَ جَالِسٌ بِجَانِبِي. سَأَلْتُ نَفْسِي مِرَارًا إِنْ كَانَ هَذَا طَبِيعِيًّا، إِنْ كَانَ هَذَا فَقَطْ ضَغْطَ الْهِجْرَةِ وَالْعَمَلِ. لَمْ أَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّ اسْمَ امْرَأَةٍ أُخْرَى كَانَ يَشْغَلُ هَذِهِ الْمَسَاحَةَ فِي ذِهْنِكَ.
قَالَ هَمَّامٌ، بِصِدْقٍ مُؤْلِمٍ:
– لَمْ يَكُنِ اسْمُهَا يَشْغَلُ كُلَّ تَفْكِيرِي، سَلْمَى. لَكِنَّهُ كَانَ حَاضِرًا، كَسُؤَالٍ مُعَلَّقٍ، كَتَذْكِيرٍ بِشَيْءٍ أَشْعُرُ أَنَّنِي أَفْتَقِدُهُ. هَذَا لَا يُبَرِّرُ صَمْتِي، لَكِنَّهُ الْحَقِيقَةُ الَّتِي أُرِيدُ أَنْ أُشَارِكَكِ إِيَّاهَا الْآنَ، بَدَلَ أَنْ أَسْتَمِرَّ فِي إِخْفَائِهَا.
قَالَتْ سَلْمَى، بِصَرَاحَةٍ قَاسِيَةٍ لَكِنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ:
– هَلْ تُحِبُّهَا؟
تَوَقَّفَ هَمَّامٌ طَوِيلًا، يُفَكِّرُ بِصِدْقٍ حَقِيقِيٍّ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
– لَا أَعْرِفُ بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ. أَعْرِفُ أَنَّنِي انْجَذَبْتُ لِشَيْءٍ أَشْعُرُ أَنَّنِي أَفْتَقِدُهُ مَعَكِ: تِلْكَ الْمَسَاحَةَ الْفِكْرِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَنَا يَوْمًا، قَبْلَ أَنْ تَبْتَلِعَهَا مَسْؤُولِيَّاتُ الْحَيَاةِ ثُمَّ قَسْوَةُ اللُّجُوءِ. لَسْتُ مُتَأَكِّدًا إِنْ كَانَ هَذَا حُبًّا بِمَعْنَاهُ الْكَامِلِ، أَمْ حَنِينًا لِشَيْءٍ فَقَدْتُهُ فِي زَوَاجِنَا، وَجَدْتُ صَدَاهُ فِي شَخْصٍ آخَرَ لِلَحْظَةٍ عَابِرَةٍ.
———————
بَكَتْ سَلْمَى بِصَمْتٍ لِدَقَائِقَ طَوِيلَةٍ، وَجَلَسَ هَمَّامٌ بِجَانِبِهَا، لَا يَجْرُؤُ عَلَى لَمْسِهَا، مُنْتَظِرًا أَنْ تُقَرِّرَ هِيَ مَتَى تُرِيدُ أَنْ يَقْتَرِبَ.
قَالَتْ أَخِيرًا، وَهِيَ تَمْسَحُ دُمُوعَهَا:
– أَشْعُرُ بِغَضَبٍ شَدِيدٍ مِنْكَ، يَا هَمَّامُ. لَكِنَّنِي أَشْعُرُ أَيْضًا بِامْتِنَانٍ غَرِيبٍ لِصِدْقِكَ، عَلَى الرَّغْمِ مِنْ كُلِّ الْأَلَمِ الَّذِي يَحْمِلُهُ. لَوْ أَخْفَيْتَ هَذَا عَنِّي، وَاسْتَمْرَرْتَ فِي لِقَاءَاتٍ سِرِّيَّةٍ أَوْ حَتَّى أَفْكَارٍ سِرِّيَّةٍ دُونَ أَنْ تُخْبِرَنِي، لَكَانَ هَذَا أَسْوَأَ بِكَثِيرٍ مِمَّا أَشْعُرُ بِهِ الْآنَ.
قَالَ هَمَّامٌ بِصِدْقٍ:
– لَنْ أَلْتَقِيَهَا مَرَّةً أُخْرَى إِنْ كَانَ هَذَا مَا تُرِيدِينَهُ. لَكِنَّنِي أُرِيدُ أَيْضًا أَنْ نَتَحَدَّثَ بِصَرَاحَةٍ عَنْ تِلْكَ الْمَسَاحَةِ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي افْتَقَدْتِهَا، لِأَنَّنِي أَظُنُّ أَنَّ الْمُشْكِلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَيْسَتْ يَاسَمِينَ، بَلِ الْفَجْوَةَ الَّتِي سَمَحْنَا لَهَا أَنْ تَتَّسِعَ بَيْنَنَا دُونَ أَنْ نُلَاحِظَهَا.
———————
اسْتَمَرَّ الْحِوَارُ بَيْنَهُمَا حَتَّى سَاعَاتِ الْفَجْرِ الْأُولَى، حِوَارًا مُؤْلِمًا لَكِنَّهُ أَصْدَقُ مِنْ أَيِّ حِوَارٍ خَاضَاهُ فِي سَنَوَاتِ زَوَاجِهِمَا الْأَخِيرَةِ. تَحَدَّثَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ: عَنْ إِهْمَالٍ مُتَبَادَلٍ تَرَاكَمَ دُونَ قَصْدٍ، عَنْ أَحْلَامٍ لَمْ يُشَارِكَاهَا مُنْذُ سَنَوَاتٍ، عَنْ خَوْفِ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ أَنْ يَفْقِدَ الْآخَرَ دُونَ أَنْ يَعْتَرِفَ بِهَذَا الْخَوْفِ بِصَرَاحَةٍ.
قَالَتْ سَلْمَى، فِي سَاعَةٍ مُتَأَخِّرَةٍ مِنْ تِلْكَ الْمُحَادَثَةِ الطَّوِيلَةِ:
– لَا أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ أَلَّا تَلْتَقِيَ بِأَشْخَاصٍ يُثِيرُونَ فُضُولَكَ الْفِكْرِيَّ، هَمَّامُ. هَذَا لَيْسَ عَدْلًا، وَلَنْ يَنْجَحَ عَلَى الْمَدَى الطَّوِيلِ. أُرِيدُ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ أَنْ نُعِيدَ بِنَاءَ تِلْكَ الْمَسَاحَةِ الْفِكْرِيَّةِ بَيْنَنَا نَحْنُ، حَتَّى لَا تَحْتَاجَ لِلْبَحْثِ عَنْهَا فِي مَكَانٍ آخَرَ.
نَظَرَ إِلَيْهَا هَمَّامٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذَا النُّضْجِ النَّادِرِ فِي مُوَاجَهَةِ أَزْمَةٍ كَهَذِهِ:
– أَعِدُكِ أَنَّنَا سَنَبْدَأُ مِنَ اللَّيْلَةِ. سَأُشَارِكُكِ كُلَّ مَا أَكْتُبُهُ، كُلَّ فِكْرَةٍ تَشْغَلُنِي، لَا أَنْ أَحْتَفِظَ بِهَا لِنَفْسِي أَوْ لِأَيِّ شَخْصٍ آخَرَ.
———————
فِي الْأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ، بَدَأَ هَمَّامٌ وَسَلْمَى طَقْسًا جَدِيدًا بَيْنَهُمَا: كُلَّ مَسَاءِ خَمِيسٍ، بَعْدَ أَنْ يَنَامَ الْأَوْلَادُ، يَجْلِسَانِ مَعًا، يَتَحَدَّثَانِ عَنْ كِتَابٍ يَقْرَآنِهِ مَعًا، أَوْ فِكْرَةٍ تَشْغَلُ بَالَ أَحَدِهِمَا، مُحَاوِلَيْنِ أَنْ يُعِيدَا بِنَاءَ تِلْكَ الْمَسَاحَةِ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي فُقِدَتْ تَدْرِيجِيًّا عَبْرَ سَنَوَاتٍ مِنَ الِانْشِغَالِ.
فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْجَلَسَاتِ، شَعَرَتْ سَلْمَى بِتَرَدُّدٍ وَاضِحٍ، وَقَالَتْ بِصِدْقٍ:
– أَشْعُرُ أَنَّنِي بَعِيدَةٌ عَنْ مُسْتَوَاكَ الْفِكْرِيِّ، هَمَّامُ. أَنْتَ تَقْرَأُ وَتَكْتُبُ بِاسْتِمْرَارٍ، بَيْنَمَا أَنَا غَارِقَةٌ فِي تَفَاصِيلَ عَمَلِيَّةٍ طَوَالَ الْوَقْتِ.
قَالَ هَمَّامٌ بِحَزْمٍ لَطِيفٍ:
– هَذَا بِالضَّبْطِ الشُّعُورُ الَّذِي أُرِيدُ أَنْ نَتَخَلَّصَ مِنْهُ مَعًا. لَيْسَ ثَمَّةَ مُسْتَوًى فِكْرِيٌّ أَعْلَى أَوْ أَدْنَى، بَلْ فَقَطْ شَغَفٌ مُخْتَلِفٌ. أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَ رَأْيَكِ فِي كُلِّ مَا أَقْرَؤُهُ، لَا لِأَنَّكِ يَجِبُ أَنْ تُفَكِّرِي مِثْلِي، بَلْ لِأَنَّ رَأْيَكِ يُهِمُّنِي بِذَاتِهِ.
بَدَأَتْ سَلْمَى تَدْرِيجِيًّا تُشَارِكُ أَفْكَارَهَا بِثِقَةٍ مُتَزَايِدَةٍ، عَنْ كُتُبٍ قَرَأَتْهَا فِي شَبَابِهَا وَنَسِيَتْ أَنَّهَا أَحَبَّتْهَا، عَنْ مُلَاحَظَاتٍ دَقِيقَةٍ تُلَاحِظُهَا فِي تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ لَمْ يَكُنْ هَمَّامٌ يُعِيرُهَا انْتِبَاهًا كَافِيًا مِنْ قَبْلُ. اكْتَشَفَ كِلَاهُمَا، خِلَالَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، أَنَّ الْمَسَاحَةَ الْفِكْرِيَّةَ الَّتِي ظَنَّ هَمَّامٌ أَنَّهَا مَوْجُودَةٌ فَقَطْ مَعَ يَاسَمِينَ، كَانَتْ فِي الْحَقِيقَةِ كَامِنَةً فِي سَلْمَى نَفْسِهَا طَوَالَ الْوَقْتِ، تَنْتَظِرُ فَقَطْ مَنْ يَسْتَدْعِيهَا بِصِدْقٍ وَاهْتِمَامٍ حَقِيقِيَّيْنِ.
الْتَقَى هَمَّامٌ بِيَاسَمِينَ مَرَّةً أَخِيرَةً، عَابِرَةً، فِي مُنَاسَبَةٍ ثَقَافِيَّةٍ أُخْرَى، وَأَخْبَرَهَا بِصِدْقٍ:
– أُقَدِّرُ كَثِيرًا الْمُحَادَثَةَ الَّتِي جَمَعَتْنَا، وَمَا عَلَّمَتْنِي إِيَّاهُ عَنْ نَفْسِي وَعَنْ زَوَاجِي. لَكِنَّنِي أَدْرَكْتُ أَنَّ مَا أَحْتَاجُهُ لَيْسَ عَلَاقَةً جَدِيدَةً، بَلْ إِعَادَةَ بِنَاءٍ لِمَا بَدَأَ يَتَآكَلُ فِي عَلَاقَتِي الْقَائِمَةِ.
ابْتَسَمَتْ يَاسَمِينُ، بِتَفَهُّمٍ نَاضِجٍ:
– هَذَا اخْتِيَارٌ شُجَاعٌ، هَمَّامُ. أَتَمَنَّى لَكَ وَلِسَلْمَى كُلَّ الْخَيْرِ فِي إِعَادَةِ الْبِنَاءِ هَذِهِ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 27


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 25