Numan Albarbari نعمان البربري

الجلسة الرابعة

النَّدْوَةُ الْحِوَارِيَّةُ حَوْلَ رِوَايَةِ
“مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ”
الْجَلْسَةُ الْحِوَارِيَّةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَخِيرَةُ

رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
مَدِينَةٌ غَرْبِيَّةٌ بَارِدَةٌ، سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَعَشْرَةٍ.
شَاعِرَةٌ إِيرَانِيَّةٌ تَعِيشُ بَعِيدًا عَنْ وَطَنِهَا، تَحْمِلُ مَعَهَا لُغَةً لَمْ تَعُدْ تَسْمَعُهَا فِي الشَّوَارِعِ مِنْ حَوْلِهَا، لَكِنَّهَا تَخْشَى يَوْمًا أَنْ تُصْبِحَ غَرِيبَةً عَنْهَا هِيَ نَفْسُهَا.
تَكْتُبُ بِالْفَارِسِيَّةِ كُلَّ صَبَاحٍ، لَا لِأَنَّهَا تَنْتَظِرُ قَارِئًا قَرِيبًا، بَلْ لِأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ اللُّغَةَ الَّتِي لَا تُمَارَسُ تَبْدَأُ بِالِابْتِعَادِ بِهُدُوءٍ. تُقَدِّمُ لِسَامِرٍ فِكْرَةً بَسِيطَةً وَعَمِيقَةً: الْكِتَابَةُ لَيْسَتْ دَائِمًا بَحْثًا عَنِ الْآخَرِينَ؛ أَحْيَانًا تَكُونُ طَرِيقَةَ الْإِنْسَانِ فِي حِمَايَةِ جُزْءٍ مِنْهُ مِنَ الضَّيَاعِ.
وَتُحَدِّثُهُ عَنِ الصَّمْتِ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ: لَيْسَ كُلُّ صَمْتٍ عَجْزًا عَنِ الْكَلَامِ، فَبَعْضُ الصَّمْتِ انْتِظَارٌ وَاعٍ لِلَحْظَةِ يُصْبِحُ فِيهَا الْكَلَامُ مُمْكِنًا.
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
الْخَوْفُ الَّذِي تُعَبِّرُ عَنْهُ الشَّاعِرَةُ مِنْ فُقْدَانِ لُغَتِهَا الْأُولَى ظَاهِرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي عِلْمِ اللُّغَةِ، تُعْرَفُ بِتَآكُلِ اللُّغَةِ الْأُمِّ. فَالْمُهَاجِرُونَ الَّذِينَ يَعِيشُونَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً فِي بِيئَةٍ لُغَوِيَّةٍ جَدِيدَةٍ قَدْ يُلَاحِظُونَ تَرَاجُعًا تَدْرِيجِيًّا فِي سُرْعَةِ اسْتِحْضَارِ الْكَلِمَاتِ أَوْ فِي بَعْضِ التَّرَاكِيبِ الْأَصْلِيَّةِ، خُصُوصًا حِينَ تَقِلُّ مَسَاحَةُ اسْتِخْدَامِ اللُّغَةِ الْأُولَى فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ.
وَتَشْبِيهُهَا لِلُّغَةِ بِأَنَّهَا كَشَجَرَةٍ تَحْتَاجُ إِلَى سَقْيٍ مُسْتَمِرٍّ دَقِيقٌ جِدًّا: فَاللُّغَةُ لَيْسَتْ مَخْزُونًا ثَابِتًا دَاخِلَ الْإِنْسَانِ، بَلْ عَلَاقَةٌ حَيَّةٌ تَحْتَاجُ إِلَى مُمَارَسَةٍ وَاحْتِكَاكٍ وَذَاكِرَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ. لِذَلِكَ فَإِنَّ كِتَابَتَهَا الْيَوْمِيَّةَ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ إِنْتَاجٍ أَدَبِيٍّ، بَلْ فِعْلُ حِفَاظٍ عَلَى وُجُودٍ لُغَوِيٍّ كَامِلٍ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُعِيدُنَا إِلَى خَيْطٍ قَدِيمٍ فِي الرِّوَايَةِ: الْإِنْسَانُ لَا يَحْفَظُ نَفْسَهُ دَائِمًا بِالْقُوَّةِ، بَلْ أَحْيَانًا بِالتَّكْرَارِ الْهَادِئِ.
فَعَبْرَ التَّارِيخِ، لَجَأَتْ جَمَاعَاتٌ كَثِيرَةٌ إِلَى الشِّعْرِ وَالْحِكَايَةِ وَالْإِنْشَادِ حِينَ أَصْبَحَتِ الْوَثَائِقُ مُهَدَّدَةً أَوْ غَيْرَ مُتَاحَةٍ. كَانَتِ الْكَلِمَةُ الْمَحْمُولَةُ فِي الذَّاكِرَةِ وَسِيلَةً لِحِمَايَةِ الْهُوِيَّةِ حِينَ تُصْبِحُ الْوَسَائِطُ الْخَارِجِيَّةُ ضَعِيفَةً أَوْ مُعَرَّضَةً لِلْمَحْوِ. لِذَلِكَ فَإِنَّ مَا تَفْعَلُهُ الشَّاعِرَةُ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَنِينٍ إِلَى الْمَاضِي، بَلْ مُمَارَسَةُ مُقَاوَمَةٍ يَوْمِيَّةٍ ضِدَّ احْتِمَالِ الِاخْتِفَاءِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَهَمُّ فِكْرَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ، فِي رَأْيِي، هِيَ إِعَادَةُ تَعْرِيفِ الصَّمْتِ.
فَنَحْنُ غَالِبًا نَضَعُ الصَّمْتَ فِي مُقَابِلِ الْكَلَامِ، وَكَأَنَّ أَحَدَهُمَا حُضُورٌ وَالْآخَرَ غِيَابٌ. لَكِنَّهَا تُقَدِّمُ رُؤْيَةً أَكْثَرَ عُمْقًا: ثَمَّةَ صَمْتٌ فَارِغٌ، وَثَمَّةَ صَمْتٌ يَحْمِلُ مَعْنًى وَيَنْتَظِرُ لَحْظَةَ الظُّهُورِ.
وَاسْتِعَارَتُهَا لِلْبَذْرَةِ الَّتِي تَبْقَى تَحْتَ الْأَرْضِ حَتَّى يَأْتِيَ الْفَصْلُ الْمُنَاسِبُ تَفْتَحُ تَأْوِيلًا مُهِمًّا لِحَالَةِ سَامِرٍ أَيْضًا. رُبَّمَا لَيْسَ كُلُّ مَا اخْتَفَى قَدْ زَالَ، وَرُبَّمَا بَعْضُ الْأَشْيَاءِ تَحْتَاجُ ظُرُوفًا مُعَيَّنَةً كَيْ تَظْهَرَ مِنْ جَدِيدٍ.
لَكِنَّهَا، بِحِكْمَةٍ، لَا تُحَوِّلُ هَذَا الِاحْتِمَالَ إِلَى يَقِينٍ. وَهَذَا يُحَافِظُ عَلَى صِدْقِ الرِّوَايَةِ: الْأَمَلُ لَا يَعْنِي امْتِلَاكَ الْإِجَابَةِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى جَمَالًا خَاصًّا فِي أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةُ شَاعِرَةً لَا رِوَائِيَّةً.
فَالرِّوَايَةُ تَبْحَثُ مُنْذُ بِدَايَتِهَا فِي الْوَثِيقَةِ وَالْأَثَرِ وَالتَّارِيخِ، أَمَّا الشِّعْرُ فَيَحْمِلُ نَوْعًا آخَرَ مِنَ الذَّاكِرَةِ: ذَاكِرَةَ الْإِيقَاعِ وَالصُّورَةِ وَالِانْفِعَالِ. فَالشَّاعِرَةُ لَا تَحْفَظُ الْكَلِمَاتِ فَقَطْ، بَلْ تَحْفَظُ طَرِيقَةً مُعَيَّنَةً فِي رُؤْيَةِ الْعَالَمِ. وَلِهَذَا فَإِنَّ خَوْفَهَا الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ أَنْ تَنْسَى مُفْرَدَاتِ لُغَتِهَا، بَلْ أَنْ تَفْقِدَ الطَّرِيقَةَ الَّتِي كَانَتْ تَرَى بِهَا الْأَشْيَاءَ مِنْ خِلَالِهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ يَخُصُّ اخْتِيَارَ الشَّخْصِيَّةِ: هَذِهِ الْمَرَّةَ لَمْ تَخْتَرْ شَاعِرًا سُورِيًّا، رَغْمَ أَنَّ تَجْرِبَةَ الْمَنْفَى وَفُقْدَانَ الصِّلَةِ بِاللُّغَةِ قَرِيبَةٌ جِدًّا مِنْ تَجْرِبَتِكَ الشَّخْصِيَّةِ. لِمَ اخْتَرْتَ شَاعِرَةً إِيرَانِيَّةً تَحْدِيدًا؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
اخْتَرْتُ الْمَسَافَةَ عَنْ قَصْدٍ.
أَحْيَانًا يَكُونُ الْقُرْبُ الشَّدِيدُ مِنَ التَّجْرِبَةِ خَطَرًا عَلَى الْعَمَلِ الْأَدَبِيِّ، لِأَنَّهُ قَدْ يَجْعَلُ الْكَاتِبَ يَرْوِي أَلَمَهُ الْخَاصَّ بَدَلَ أَنْ يَكْتَشِفَ الْمَعْنَى الْأَوْسَعَ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْآخَرِينَ.
فَلَوْ كَانَتِ الشَّاعِرَةُ سُورِيَّةً، لَرُبَّمَا دَخَلَتْ تَجْرِبَتِي الشَّخْصِيَّةُ مُبَاشَرَةً بَيْنَ الشَّخْصِيَّةِ وَالْقَارِئِ، وَأَصْبَحَ مِنَ الصَّعْبِ الْفَصْلُ بَيْنَ صَوْتِهَا وَصَوْتِي. أَمَّا حِينَ اخْتَرْتُ شَاعِرَةً إِيرَانِيَّةً، فَقَدْ أَصْبَحْتُ قَادِرًا عَلَى النَّظَرِ إِلَى الْجُرْحِ مِنَ الْخَارِجِ، لَا بِمَعْنَى الِابْتِعَادِ عَنْهُ، بَلْ بِمَعْنَى رُؤْيَتِهِ بِوُضُوحٍ أَكْبَرَ.
وَفِي النِّهَايَةِ، لَمْ أُرِدْ كِتَابَةَ قِصَّةٍ عَنْ فُقْدَانِ لُغَةٍ بِعَيْنِهَا، بَلْ عَنْ سُؤَالٍ إِنْسَانِيٍّ أَوْسَعَ: مَاذَا يَحْدُثُ لِلْإِنْسَانِ حِينَ يَعِيشُ بَيْنَ لُغَتَيْنِ، وَبَيْنَ مَكَانَيْنِ، وَبَيْنَ نُسْخَتَيْنِ مِنْ نَفْسِهِ؟ وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ شَعَرْتُ أَنَّ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةَ قَرِيبَةٌ مِنْ سَامِرٍ أَكْثَرَ مِمَّا تَبْدُو لِلْوَهْلَةِ الْأُولَى؛ فَكِلَاهُمَا يُحَاوِلُ أَنْ يَحْفَظَ شَيْئًا لَا يَرَاهُ الْآخَرُونَ، لَكِنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنْ وُجُودِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى قَلَمٍ يَكْتُبُ فَوْقَ وَرَقَةٍ، ثُمَّ تَخْتَفِي الْكَلِمَاتُ تَدْرِيجِيًّا.
رَجُلٌ يُوَاجِهُ حَالَةً نَادِرَةً: يَنْسَى كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا مَا كَتَبَهُ فِي الْيَوْمِ السَّابِقِ، لَكِنَّهُ يَعُودُ فِي الصَّبَاحِ نَفْسِهِ إِلَى الصَّفْحَةِ الْأُولَى، كَأَنَّ الرَّغْبَةَ فِي الْكِتَابَةِ أَقْدَمُ مِنَ الذَّاكِرَةِ نَفْسِهَا.
«مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ”
الرِّوَائِيُّ الْمُصَابُ بِالنِّسْيَانِ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بْرَاغُ، خَرِيفَ سَنَةِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَخَمْسَةٍ وَتِسْعِينَ.
رِوَائِيٌّ يَجْلِسُ كُلَّ صَبَاحٍ أَمَامَ مَكْتَبِهِ، يَفْتَحُ دَفْتَرًا لَا يَتَذَكَّرُ أَنَّهُ كَتَبَهُ، وَيَجِدُ فِيهِ آثَارَ يَوْمٍ سَابِقٍ عَاشَهُ ثُمَّ اخْتَفَى مِنْ ذَاكِرَتِهِ. يَفْقِدُ ذَاكِرَةَ الْأَحْدَاثِ الْقَرِيبَةِ بِاسْتِمْرَارٍ، لَكِنَّهُ يُوَاصِلُ كِتَابَةَ رِوَايَةٍ تَمْتَلِكُ صَوْتًا وَاحِدًا وَبِنْيَةً مُتَمَاسِكَةً، كَأَنَّ ثَمَّةَ جُزْءًا أَعْمَقَ مِنْهُ يُتَابِعُ الطَّرِيقَ حِينَ تَعْجِزُ الذَّاكِرَةُ الْوَاعِيَةُ عَنْ حَمْلِ الْخَرِيطَةِ.
يُقَدِّمُ لِسَامِرٍ سُؤَالًا جَدِيدًا: أَالْإِنْسَانُ هُوَ مَجْمُوعُ مَا يَتَذَكَّرُهُ عَنْ نَفْسِهِ، أَمْ إِنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا أَعْمَقَ يَسْتَمِرُّ حَتَّى حِينَ تَتَقَطَّعُ التَّفَاصِيلُ؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
هَذَا الْفَصْلُ مِنْ أَكْثَرِ الْفُصُولِ الطِّبِّيَّةِ حَسَاسِيَّةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَامَلُ مَعَ فُقْدَانِ الذَّاكِرَةِ بِوَصْفِهِ اخْتِفَاءً كَامِلًا لِلذَّاتِ.
فَالْحَالَةُ الَّتِي يَصِفُهَا الرِّوَائِيُّ تُشْبِهُ أَنْمَاطًا مَعْرُوفَةً مِنِ اضْطِرَابَاتِ تَثْبِيتِ الذِّكْرَيَاتِ الْجَدِيدَةِ، حَيْثُ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُوَاجِهَ صُعُوبَةً فِي الِاحْتِفَاظِ بِالْأَحْدَاثِ الْحَدِيثَةِ، مَعَ بَقَاءِ قُدُرَاتٍ أُخْرَى مِثْلِ اللُّغَةِ، وَالْمَهَارَاتِ، وَبَعْضِ الذِّكْرَيَاتِ الْأَقْدَمِ.
وَاعْتِمَادُهُ عَلَى الدَّفَاتِرِ وَالْمُلَاحَظَاتِ الْخَارِجِيَّةِ يُمَثِّلُ اسْتِرَاتِيجِيَّةً تَعْوِيضِيَّةً حَقِيقِيَّةً مُسْتَخْدَمَةً فِي الْحَيَاةِ الْيَوْمِيَّةِ مَعَ حَالَاتٍ مُشَابِهَةٍ: تَحْوِيلُ الذَّاكِرَةِ مِنْ وَظِيفَةٍ دَاخِلِيَّةٍ فَقَطْ إِلَى نِظَامٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْأَدَوَاتِ الْمُحِيطَةِ بِهِ. وَالْأَهَمُّ أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُقَدِّمُ هَذِهِ الْأَدَوَاتِ بَدِيلًا عَنِ الْإِنْسَانِ، بَلْ جِسْرًا يُسَاعِدُهُ عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِيَّةِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَقْتَرِبُ مِنْ أَحَدِ أَعْمَقِ أَسْئِلَةِ الرِّوَايَةِ: إِذَا فَقَدَ الْإِنْسَانُ تَفَاصِيلَ سِيرَتِهِ، أَفَيَفْقِدُ ذَاتَهُ؟
بَدَأْنَا هَذَا السُّؤَالَ مَعَ ابْنِ سِينَا حِينَ فَرَّقَ بَيْنَ جَوْهَرِ النَّفْسِ وَمَا تَحْمِلُهُ السِّيرَةُ مِنْ أَحْدَاثٍ، وَعَادَ مَعَ غُودِلَ حِينَ اكْتَشَفْنَا أَنَّ أَيَّ نِظَامٍ يَحْتَاجُ أَحْيَانًا إِلَى شَيْءٍ خَارِجَهُ كَيْ يَرَى نَفْسَهُ بِصُورَةٍ أَوْسَعَ.
أَمَّا هَذَا الرِّوَائِيُّ فَيُقَدِّمُ إِجَابَةً مُخْتَلِفَةً: الذَّاتُ لَا تُثْبَتُ فَقَطْ بِمَا نَتَذَكَّرُهُ، بَلْ بِمَا نُوَاصِلُ فِعْلَهُ. فَالْكِتَابَةُ هُنَا لَيْسَتْ نَتِيجَةَ ذَاكِرَتِهِ الْكَامِلَةِ، بَلِ الدَّلِيلَ عَلَى وُجُودِ شَيْءٍ مُسْتَمِرٍّ دَاخِلَهُ يَتَجَاوَزُ انْقِطَاعَ التَّفَاصِيلِ.
الدُّكْتُورُ كَرِيمٌ “الرِّيَاضِيَّاتُ وَعِلْمُ الْحَاسُوبِ):
أُلْفِتُ النَّظَرَ إِلَى دِقَّةِ الصُّورَةِ الَّتِي يُقَدِّمُهَا الْفَصْلُ: الْمُلَاحَظَاتُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى الْجِدَارِ لَيْسَتْ ذَاكِرَةً بَدِيلَةً، بَلِ امْتِدَادٌ وَظِيفِيٌّ لَهَا.
وَفِي عِلْمِ الْحَاسُوبِ تُوجَدُ فِكْرَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ ذَلِكَ: فَالنِّظَامُ قَدْ يَفْقِدُ حَالَتَهُ الْمُؤَقَّتَةَ، لَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ الْحِفَاظَ عَلَى اسْتِمْرَارِيَّتِهِ إِذَا امْتَلَكَ مَخْزَنًا خَارِجِيًّا يَحْفَظُ الْمَعْلُومَاتِ الضَّرُورِيَّةَ. لِذَلِكَ فَإِنَّ عِبَارَتَهُ: “الْخَرِيطَةُ لَيْسَتِ الْبَيْتَ، لَكِنَّهَا تُعِيدُكَ إِلَيْهِ” مُنْسَجِمَةٌ مَعَ هَذَا التَّصَوُّرِ؛ فَالْوَثِيقَةُ لَا تُصْبِحُ التَّجْرِبَةَ نَفْسَهَا، لَكِنَّهَا تَمْنَحُ الْإِنْسَانَ طَرِيقَ الْعَوْدَةِ إِلَيْهَا.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَجْمَلُ مَا فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الرِّوَائِيَّ لَا يَجِدُ هُوِيَّتَهُ فِي الْمَاضِي فَقَطْ، بَلْ فِي الْحَرَكَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ نَحْوَ الْأَمَامِ.
وَصُورَةُ النَّجَّارِ الَّذِي لَا يَسْكُنُ فِي ذِكْرَيَاتِهِ بَلْ فِي يَدَيْهِ تَحْمِلُ مَعْنًى عَمِيقًا: ثَمَّةَ مَعْرِفَةٌ لَا تَخْتَزِنُهَا الْحِكَايَةُ الَّتِي نَرْوِيهَا عَنْ أَنْفُسِنَا، بَلْ تَخْتَزِنُهَا الْأَفْعَالُ الَّتِي كَرَّرْنَاهَا حَتَّى أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ تَكْوِينِنَا.
وَهَذَا يَفْتَحُ لِسَامِرٍ احْتِمَالًا جَدِيدًا: رُبَّمَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِيدَ يَوْمَهُ الْمَفْقُودَ بِكُلِّ تَفَاصِيلِهِ كَيْ يَعْرِفَ نَفْسَهُ، فَقَدْ تَكُونُ بَعْضُ الْإِجَابَاتِ مَوْجُودَةً فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي عَاشَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ أَخِيرٌ: الْمُلَاحَظَةُ الْأُولَى الَّتِي يَجِدُهَا سَامِرٌ فِي الْقَاعَةِ — “لَا تَنْسَ أَنَّكَ فَتَحْتَ هَذَا الْبَابَ مِنْ قَبْلُ” — تَتْرُكُ احْتِمَالًا غَرِيبًا: أَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ سَامِرٌ قَدْ مَرَّ بِهَذِهِ الْقَاعَاتِ سَابِقًا دُونَ أَنْ يَحْتَفِظَ بِذِكْرَى الْمُرُورِ بِهَا؟ أَأَرَدْتَ أَنْ تَفْتَحَ بَابَ الشَّكِّ فِي الرِّحْلَةِ نَفْسِهَا؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ، أَرَدْتُ أَنْ أَفْتَحَ هَذَا الِاحْتِمَالَ، لَكِنْ لَيْسَ بِهَدَفِ خَلْقِ لُغْزٍ تَقْلِيدِيٍّ يَبْحَثُ الْقَارِئُ عَنْ حَلِّهِ فَقَطْ.
فَمُنْذُ الْبِدَايَةِ لَمْ تَكُنِ الْمُشْكِلَةُ فِي الرِّوَايَةِ: “مَاذَا حَدَثَ لِسَامِرٍ؟” فَقَطْ، بَلْ أَيْضًا: “مَا حُدُودُ قُدْرَةِ الْإِنْسَانِ عَلَى مَعْرِفَةِ مَا حَدَثَ لَهُ؟”. لِذَلِكَ فَإِنَّ وُجُودَ فَجَوَاتٍ فِي رِحْلَةِ سَامِرٍ نَفْسِهَا يَنْسَجِمُ مَعَ الْفِكْرَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ لِلْعَمَلِ: حَتَّى الْبَحْثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ لَا يَجْرِي دَائِمًا دَاخِلَ ذَاكِرَةٍ كَامِلَةٍ أَوْ طَرِيقٍ وَاضِحٍ.
لَكِنِّي تَعَمَّدْتُ أَلَّا أُغْلِقَ الْبَابَ بِإِجَابَةٍ نِهَائِيَّةٍ، لِأَنَّ بَعْضَ الْأَسْئِلَةِ تَفْقِدُ قِيمَتَهَا حِينَ نُحَوِّلُهَا إِلَى حُلُولٍ جَاهِزَةٍ. أَحْيَانًا يَكُونُ وُجُودُ الْبَابِ الْمُوَارَبِ أَكْثَرَ صِدْقًا مِنِ امْتِلَاكِ مِفْتَاحٍ مُصْطَنَعٍ لَهُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى قَدَمٍ رَاقِصَةٍ مُعَلَّقَةٍ فِي الْهَوَاءِ، فِي حَرَكَةٍ دَقِيقَةٍ لَا تَحْتَاجُ إِلَى تَذَكُّرٍ وَاعٍ لِكُلِّ خُطْوَةٍ.
جَسَدٌ يَحْفَظُ مَا نَسِيَهُ الْعَقْلُ، وَيُثْبِتُ أَنَّ بَعْضَ أَشْكَالِ الذَّاكِرَةِ لَا تَسْكُنُ الْكَلِمَاتِ، بَلْ تَسْكُنُ الْفِعْلَ نَفْسَهُ.
رَاقِصَةُ الْبَالِيهِ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
مُوسْكُو، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَخَمْسِينَ.
رَاقِصَةُ بَالِيهٍ تَقِفُ أَمَامَ سَامِرٍ لِتَشْرَحَ حَقِيقَةً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الذَّاكِرَةِ الْمُعْتَادَةِ: ثَمَّةَ أَشْيَاءُ لَا تَحْفَظُهَا عُقُولُنَا فَقَطْ، بَلْ تَسْكُنُ فِي أَجْسَادِنَا أَيْضًا. الْحَرَكَاتُ الَّتِي كَرَّرَتْهَا آلَافَ الْمَرَّاتِ أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنْ كِيَانِهَا، حَتَّى غَدَتْ قَادِرَةً عَلَى اسْتِعَادَتِهَا حِينَ تَخُونُهَا الذَّاكِرَةُ الْوَاعِيَةُ.
ثُمَّ تَدْعُو سَامِرًا إِلَى أَلَّا يُهْمِلَ إِشَارَاتِ جَسَدِهِ الْغَامِضَةَ، كَضِيقِ صَدْرِهِ حِينَ يَقْتَرِبُ مِنْ مَحَطَّةِ قِطَارٍ قَدِيمَةٍ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
يُقَدِّمُ هَذَا الْفَصْلُ تَصَوُّرًا صَحِيحًا وَمُهِمًّا لِمَا يُعْرَفُ بِالذَّاكِرَةِ الْإِجْرَائِيَّةِ. فَالْحَرَكَاتُ الْمُتَكَرِّرَةُ لَا تُخَزَّنُ بِالطَّرِيقَةِ نَفْسِهَا الَّتِي تُخَزَّنُ بِهَا الْأَحْدَاثُ وَالذِّكْرَيَاتُ الشَّخْصِيَّةُ؛ إِذْ تَعْتَمِدُ بِدَرَجَةٍ كَبِيرَةٍ عَلَى مَنَاطِقَ عَصَبِيَّةٍ مِثْلِ الْمُخَيْخِ وَالْعُقَدِ الْقَاعِدِيَّةِ، وَلِذَلِكَ يُمْكِنُ لِلْإِنْسَانِ أَحْيَانًا أَنْ يَحْتَفِظَ بِمَهَارَةٍ تَعَلَّمَهَا الْجَسَدُ حَتَّى حِينَ تَضْعُفُ قُدْرَتُهُ عَلَى تَذَكُّرِ تَفَاصِيلِ حَيَاتِهِ الْوَاعِيَةِ.
وَوَصْفُهَا لِفُقْدَانِ جُزْءٍ مِنْ حَرَكَاتِهَا بَعْدَ إِصَابَةِ الْكَاحِلِ، ثُمَّ إِعَادَةِ بِنَاءِ تِلْكَ الْحَرَكَاتِ تَدْرِيجِيًّا، يَعْكِسُ بِدِقَّةٍ مَا يَحْدُثُ فِي عَمَلِيَّاتِ إِعَادَةِ التَّأْهِيلِ الْحَرَكِيِّ: الْجَسَدُ لَا يَسْتَعِيدُ مَا فَقَدَهُ دَفْعَةً وَاحِدَةً، بَلْ يُعِيدُ كِتَابَةَ طَرِيقِهِ عَبْرَ التَّكْرَارِ وَالصَّبْرِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُضِيفُ طَبَقَةً جَدِيدَةً إِلَى السُّؤَالِ الْمَرْكَزِيِّ فِي الرِّوَايَةِ: أَيْنَ تَسْكُنُ الْحَقِيقَةُ حِينَ يَعْجِزُ الْوَعْيُ عَنِ الْوُصُولِ إِلَيْهَا؟
أَشَارَ سَامِرٌ بِنَفْسِهِ إِلَى التَّمْيِيزِ الْفَلْسَفِيِّ بَيْنَ “الْمَعْرِفَةِ كَيْفَ” وَ”الْمَعْرِفَةِ أَنَّ”، لَكِنَّ الرَّاقِصَةَ تُضِيفُ شَيْئًا أَكْثَرَ عُمْقًا: فَالْجَسَدُ لَا يَحْمِلُ مَهَارَاتٍ فَقَطْ، بَلْ قَدْ يَحْمِلُ إِشَارَاتٍ مُرْتَبِطَةً بِتَجَارِبَ لَمْ تَصِلْ بَعْدُ إِلَى اللُّغَةِ الْوَاعِيَةِ.
وَحِينَ تَقُولُ لَهُ إِنَّ ضِيقَ صَدْرِهِ قُرْبَ الْمَحَطَّةِ لَيْسَ بِالضَّرُورَةِ شَيْئًا يَجِبُ تَفْسِيرُهُ فَوْرًا، بَلْ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الْإِصْغَاءَ، فَهِيَ لَا تُقَدِّمُ يَقِينًا، بَلْ تَفْتَحُ بَابًا لِاحْتِمَالٍ: أَنْ يَكُونَ الْجَسَدُ شَاهِدًا صَامِتًا يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَتَعَلَّمَ لُغَتَهُ.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
أُضِيفُ مُلَاحَظَةً حَوْلَ تَطَوُّرِ شَخْصِيَّةِ سَامِرٍ نَفْسِهِ. فَأَهَمُّ مَا يَلْفِتُنِي فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ سَامِرًا لَمْ يَعُدْ مُجَرَّدَ مُسْتَمِعٍ يَجْمَعُ الْحِكَمَ مِنَ الْآخَرِينَ، بَلْ أَصْبَحَ قَادِرًا عَلَى الرَّبْطِ بَيْنَهَا بِنَفْسِهِ. فَهُوَ يَسْتَحْضِرُ نَصِيحَةَ الشَّامَانِ الْأَمَازُونِيِّ سَابِقًا — أَلَّا يَسْتَعْجِلَ التَّفْسِيرَ — وَيَضَعُهَا إِلَى جَانِبِ كَلَامِ الرَّاقِصَةِ عَنِ الْإِصْغَاءِ لِلْجَسَدِ.
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحَوُّلٍ مُهِمٍّ: الْمَعْرِفَةُ لَمْ تَعُدْ تَأْتِيهِ مِنَ الْخَارِجِ فَقَطْ، بَلْ بَدَأَ يَبْنِي شَبَكَةً دَاخِلِيَّةً تَرْبِطُ التَّجَارِبَ الْمُخْتَلِفَةَ بَعْضَهَا بِبَعْضٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ أَخِيرٌ: هَذَا أَوَّلُ بَابٍ تَكْشِفُ فِيهِ عَنْ تَفْصِيلٍ حِسِّيٍّ وَاضِحٍ مِنْ حَيَاةِ سَامِرٍ الْحَالِيَّةِ، وَهُوَ ضِيقُ صَدْرِهِ قُرْبَ مَحَطَّةِ الْقِطَارِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ رِحْلَتُهُ طَوَالَ الْوَقْتِ تَدُورُ حَوْلَ يَوْمٍ مَفْقُودٍ فِي الْمَاضِي. أَكَانَ اخْتِيَارُ هَذَا التَّوْقِيتِ مَقْصُودًا لِيَبْدَأَ الْقَارِئُ بِجَمْعِ إِشَارَاتٍ مَلْمُوسَةٍ قَبْلَ الْوُصُولِ إِلَى الْغُرْفَةِ صِفْرٍ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ، كَانَ اخْتِيَارًا مَقْصُودًا. أَرَدْتُ أَنْ يَنْتَقِلَ الْقَارِئُ، كَمَا يَنْتَقِلُ سَامِرٌ نَفْسُهُ، مِنْ مَرْحَلَةِ الْبَحْثِ عَنْ إِجَابَاتٍ كُبْرَى إِلَى مَرْحَلَةِ الِانْتِبَاهِ إِلَى الْعَلَامَاتِ الصَّغِيرَةِ.
طَوَالَ الرِّحْلَةِ كَانَ سَامِرٌ يَبْحَثُ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَكَأَنَّهَا شَيْءٌ ضَخْمٌ يَنْتَظِرُهُ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ، لَكِنَّهُ بَدَأَ يَكْتَشِفُ تَدْرِيجِيًّا أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَحْيَانًا تَظْهَرُ فِي تَفَاصِيلَ بَسِيطَةٍ: إِحْسَاسٌ عَابِرٌ، وَذِكْرَى نَاقِصَةٌ، وَرَدُّ فِعْلٍ جَسَدِيٍّ لَا يَجِدُ لَهُ تَفْسِيرًا مُبَاشِرًا.
أَمَّا مَحَطَّةُ الْقِطَارِ فَلَمْ تَكُنْ تَفْصِيلًا عَابِرًا؛ فَقَدْ وَضَعْتُهَا إِشَارَةً مُبَكِّرَةً سَتَكْتَسِبُ مَعْنَاهَا الْكَامِلَ حِينَ تَقْتَرِبُ الرِّحْلَةُ مِنْ نِهَايَتِهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ عَلَى عَدَسَةِ كَامِيرَا قَدِيمَةٍ تَبْدُو كَعَيْنٍ مَفْتُوحَةٍ لَا تَنَامُ. رَجُلٌ يَحْمِلُ صُوَرًا مِنْ سَاحَاتِ الْحَرْبِ، وَيَطْرَحُ سُؤَالًا مُؤْلِمًا: أَالصُّورَةُ شَاهِدٌ أَمِينٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ، أَمْ إِنَّهَا قَدْ تُصْبِحُ شَكْلًا آخَرَ مِنْ أَشْكَالِ إِعَادَةِ تَشْكِيلِهَا؟
الْمُصَوِّرُ فِي الْحَرْبِ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سَرَايِيفُو، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ.
مُصَوِّرٌ صَحَفِيٌّ يَعْمَلُ فِي قَلْبِ الْحَرْبِ، يَحْمِلُ كَامِيرَتَهُ كَمَا يَحْمِلُ آخِرَ مَا تَبَقَّى مِنْ مَسْؤُولِيَّتِهِ تِجَاهَ الْحَقِيقَةِ. يُخَاطِرُ بِحَيَاتِهِ كُلَّ يَوْمٍ، لَكِنَّهُ يَعْتَرِفُ لِسَامِرٍ بِحَقِيقَةٍ لَا تَقِلُّ قَسْوَةً عَنِ الْحَرْبِ نَفْسِهَا: لَا صُورَةَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْتَوِيَ الْوَاقِعَ كُلَّهُ، كَمَا لَا تَسْتَطِيعُ ذَاكِرَةٌ وَاحِدَةٌ أَنْ تَسْتَعِيدَ حَيَاةً كَامِلَةً.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُقَدِّمُ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الْأَفْكَارِ نُضْجًا فِي الرِّوَايَةِ كُلِّهَا، مِنْ خِلَالِ الْمِثَالِ الْبَسِيطِ وَالْعَمِيقِ فِي آنٍ وَاحِدٍ: صُورَتَانِ لِلشَّارِعِ نَفْسِهِ، فِي اللَّحْظَةِ نَفْسِهَا تَقْرِيبًا؛ فِي الْأُولَى طِفْلٌ يَلْهُو، وَفِي الثَّانِيَةِ جُنْدِيٌّ يَتَرَقَّبُ خَلْفَ جِدَارٍ. الصُّورَتَانِ صَادِقَتَانِ، وَكِلْتَاهُمَا تَنْقُلُ جُزْءًا مِنَ الْوَاقِعِ، لَكِنَّ أَيًّا مِنْهُمَا لَا تَخْتَصِرُ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً.
وَهَذِهِ الْفِكْرَةُ تَنْسَجِمُ مَعَ مَا تَعْرِفُهُ دِرَاسَاتُ التَّصْوِيرِ الصَّحَفِيِّ عَنْ مَفْهُومِ التَّأْطِيرِ؛ فَالْمُصَوِّرُ لَا يَخْتَلِقُ الْوَاقِعَ، لَكِنَّهُ يَخْتَارُ زَاوِيَةَ النَّظَرِ إِلَيْهِ. وَمِنْ هُنَا يُصْبِحُ الصِّدْقُ الْمِهَنِيُّ قَائِمًا عَلَى الِاعْتِرَافِ بِحُدُودِ الصُّورَةِ، لَا الِادِّعَاءَ بِأَنَّهَا تَمْتَلِكُ الْحَقِيقَةَ الْمُطْلَقَةَ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
يَلْفِتُنِي أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُقَدِّمُ الصِّيَاغَةَ الْأَكْثَرَ نُضْجًا لِأَحَدِ الْخُيُوطِ الْمُمْتَدَّةِ مُنْذُ بِدَايَةِ الرِّوَايَةِ: أَنَّ الِاعْتِرَافَ بِحُدُودِ الْمَعْرِفَةِ لَيْسَ ضَعْفًا، بَلْ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْأَمَانَةِ.
فَالْجُمْلَةُ الَّتِي يَتْرُكُهَا الْمُصَوِّرُ فِي نِهَايَةِ اللِّقَاءِ: “الذَّاكِرَةُ الْجُزْئِيَّةُ الصَّادِقَةُ أَثْمَنُ مِنْ يَقِينٍ كَامِلٍ مَصْنُوعٍ”، تَبْدُو لِي خُلَاصَةً لِمَسَارٍ طَوِيلٍ بَدَأَ مَعَ الْجُسَيْمِ الْأَوَّلِ حِينَ اعْتَرَفَ بِحُدُودِ مَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ مَرَّ بِعَالِمَةِ الْأَعْصَابِ الَّتِي قَالَتْ إِنَّ الِاعْتِرَافَ بِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ أَكْثَرُ عِلْمِيَّةً مِنَ الثِّقَةِ الزَّائِفَةِ، وَيَصِلُ هُنَا إِلَى مَيْدَانِ الْحَرْبِ، حَيْثُ يُصْبِحُ الصِّدْقُ نَفْسُهُ مَسْؤُولِيَّةً أَخْلَاقِيَّةً قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَوْقِفًا مَعْرِفِيًّا.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
مِنْ أَكْثَرِ اللَّحَظَاتِ صِدْقًا فِي هَذَا الْفَصْلِ اعْتِرَافُ الْمُصَوِّرِ بِأَنَّ الْكَامِيرَا تَحْمِيهِ نَهَارًا، لَكِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَحْمِيَهُ لَيْلًا.
فَهَذِهِ لَيْسَتْ عِبَارَةً أَدَبِيَّةً فَحَسْبُ، بَلْ تَصِفُ بِدِقَّةٍ تَجْرِبَةً مُوَثَّقَةً لَدَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُصَوِّرِينَ وَالصَّحَفِيِّينَ الْعَامِلِينَ فِي مَنَاطِقِ النِّزَاعَاتِ. فَالتَّرْكِيزُ عَلَى أَدَاءِ الْمُهِمَّةِ قَدْ يُوَفِّرُ أَثْنَاءَ الْحَدَثِ مَسَافَةً نَفْسِيَّةً مُؤَقَّتَةً، لَكِنَّ مَا شَاهَدَهُ الْإِنْسَانُ يَعُودُ لَاحِقًا فِي صُورَةِ كَوَابِيسَ وَاسْتِرْجَاعَاتٍ وَضَغْطٍ نَفْسِيٍّ مُسْتَمِرٍّ، فِيمَا يُعْرَفُ أَحْيَانًا بِصَدْمَةِ الشَّاهِدِ.
لِذَلِكَ يَبْدُو الْمُصَوِّرُ هُنَا إِنْسَانًا يَحْمِلُ آثَارَ الْحَرْبِ فِي دَاخِلِهِ، لَا مُجَرَّدَ شَخْصٍ وَثَّقَهَا بِعَدَسَتِهِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
اخْتِيَارُ سَرَايِيفُو عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ يَمْنَحُ الْفَصْلَ قُوَّةً تَارِيخِيَّةً وَاضِحَةً. فَقَدْ كَانَتِ الْمَدِينَةُ خِلَالَ الْحِصَارِ وَاحِدَةً مِنْ أَكْثَرِ الْأَمَاكِنِ الَّتِي اخْتَبَرَتْ قِيمَةَ الصُّورَةِ فِي مُوَاجَهَةِ النِّسْيَانِ، إِذْ لَعِبَ الْمُصَوِّرُونَ دَوْرًا أَسَاسِيًّا فِي نَقْلِ مَا كَانَ يَحْدُثُ إِلَى الْعَالَمِ.
كَمَا أَنَّ خَاتِمَتَهُ: “أَنَا رَأَيْتُ”، تُعِيدُنِي إِلَى مَا نَاقَشْنَاهُ سَابِقًا مَعَ الْحَاخَامِ الْأَكْبَرِ حَوْلَ قِيمَةِ الشَّهَادَةِ. فَالْأَرْقَامُ قَدْ تَصِفُ حَجْمَ الْمَأْسَاةِ، أَمَّا الشَّاهِدُ فَيَمْنَحُهَا وَجْهًا إِنْسَانِيًّا لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ. وَهُنَا تُصْبِحُ الصُّورَةُ امْتِدَادًا لِلشَّهَادَةِ، لَا بَدِيلًا عَنْهَا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
وَنَحْنُ نَصِلُ إِلَى خِتَامِ مِحْوَرِ الْفُنُونِ كُلِّهِ، يَبْرُزُ سُؤَالٌ يَبْدُو جَامِعًا لِكُلِّ هَذِهِ الشَّخْصِيَّاتِ. فَمَا الَّذِي يَجْمَعُ، فِي نَظَرِكَ، بَيْنَ الْغْرِيُوتِ، وَالْمُوسِيقِيَّةِ، وَالرَّسَّامِ، وَالشَّاعِرَةِ، وَالرِّوَائِيِّ، وَالرَّاقِصَةِ، وَالْمُصَوِّرِ، رَغْمَ اخْتِلَافِ فُنُونِهِمْ وَتَجَارِبِهِمْ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
لَمْ أُدْرِكِ الْجَوَابَ كَامِلًا إِلَّا بَعْدَ أَنِ انْتَهَيْتُ مِنْ كِتَابَةِ هَذَا الْمِحْوَرِ. مَا يَجْمَعُهُمْ جَمِيعًا أَنَّهُمْ لَا يَبْحَثُونَ عَنِ الْكَمَالِ، بَلْ عَنِ الْأَمَانَةِ.
كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَعْرِفُ أَنَّ مَا يُقَدِّمُهُ لَنْ يَحْتَوِيَ الْحَقِيقَةَ كُلَّهَا، وَمَعَ ذَلِكَ يَرْفُضُ أَنْ يَصْمُتَ. الْغْرِيُوتُ لَا يَحْفَظُ تَارِيخَ شَعْبِهِ كَامِلًا، وَالْمُوسِيقِيَّةُ لَا تَسْتَعِيدُ السَّمْعَ الَّذِي فَقَدَتْهُ، وَالرَّسَّامُ لَا يَعِيشُ لِيَرَى الِاعْتِرَافَ بِفَنِّهِ، وَالشَّاعِرَةُ لَا تَسْتَرْجِعُ وَطَنَهَا بِالْقَصِيدَةِ، وَالرِّوَائِيُّ لَا يَمْتَلِكُ ذَاكِرَةً كَامِلَةً، وَالرَّاقِصَةُ تُدْرِكُ أَنَّ الْجَسَدَ يَسْبِقُ الْكَلِمَاتِ أَحْيَانًا، وَالْمُصَوِّرُ يَعْرِفُ أَنَّ صُورَتَهُ لَيْسَتِ الْعَالَمَ كُلَّهُ.
لَكِنَّهُمْ جَمِيعًا يَشْتَرِكُونَ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ: إِذَا اسْتَحَالَ امْتِلَاكُ الْحَقِيقَةِ كَامِلَةً، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً لِلصَّمْتِ. فَالشَّهَادَةُ الصَّادِقَةُ، مَهْمَا كَانَتْ جُزْئِيَّةً، تَبْقَى أَكْرَمَ مِنِ ادِّعَاءِ الْكَمَالِ، وَأَصْدَقَ مِنَ السُّكُوتِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بِهَذَا نَطْوِي صَفْحَةَ مِحْوَرِ الْفُنُونِ بِكُلِّ مَا حَمَلَهُ مِنْ أَصْوَاتٍ وَتَجَارِبَ، مِنَ الرَّاوِي الضَّرِيرِ تَحْتَ شَجَرَةِ الْبَاوْبَابِ إِلَى الْمُصَوِّرِ الَّذِي حَمَلَ ذَاكِرَةَ الْحَرْبِ بِعَدَسَتِهِ. لَقَدْ عَلَّمَ سَامِرًا أَنَّ الْإِبْدَاعَ لَيْسَ طَرِيقًا لِلْهُرُوبِ مِنَ الْحَقِيقَةِ، بَلْ وَسِيلَةً مُخْتَلِفَةً لِلِاقْتِرَابِ مِنْهَا.
وَأَمَامَنَا الْآنَ مُنْعَطَفٌ جَدِيدٌ فِي الرِّحْلَةِ.
«امْنَحْ فُقْدَانَكَ شَكْلًا، وَلَوْ رَمْزِيًّا”
الْمُهَنْدِسَةُ الْمِعْمَارِيَّةُ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَرْلِينُ، سَنَةَ أَلْفَيْنِ وَوَاحِدَةٍ.
مُهَنْدِسَةٌ مِعْمَارِيَّةٌ تَقِفُ أَمَامَ مِسَاحَةٍ صُمِّمَتْ لِتَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ حَجَرٍ وَفَرَاغٍ؛ نُصُبٌ تَذْكَارِيٌّ يَحْمِلُ ذَاكِرَةَ ضَحَايَا الْمَحْرَقَةِ، وَيَخْتِمُ مِحْوَرَ الْفُنُونِ بِأَكْمَلِهِ.
بَعْدَ سَبْعَةِ أَصْوَاتٍ فَنِّيَّةٍ سَبَقَتْهَا، تُقَدِّمُ هَذِهِ الْمُهَنْدِسَةُ لِسَامِرٍ فِكْرَةً تَبْدُو بَسِيطَةً لَكِنَّهَا عَمِيقَةٌ: لَا تَتْرُكِ الْفُقْدَانَ بِلَا مَكَانٍ. امْنَحْهُ شَكْلًا رَمْزِيًّا، مِسَاحَةً يُمْكِنُ أَنْ يَحْمِلَ فِيهَا الْإِنْسَانُ مَا لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ دَاخِلَهُ وَحْدَهُ؛ كَغُرْفَةِ طِفْلٍ فَقَدَتْهُ أُمُّهُ، وَتُبْقِيهَا كَمَا كَانَتْ، لَا لِأَنَّهَا تُنْكِرُ غِيَابَهُ، بَلْ لِأَنَّهَا تَمْنَحُ الْحُبَّ مَكَانًا يَسْتَقِرُّ فِيهِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَكْثَرُ مَا يَلْفِتُنِي فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ سَامِرًا نَفْسَهُ هُوَ مَنْ يَعْقِدُ الصِّلَةَ مَعَ الْحَاخَامِ الْأَكْبَرِ، وَكَأَنَّ الرِّحْلَةَ تَعُودُ لِتَكْشِفَ خَيْطًا كَانَ مَوْجُودًا مُنْذُ زَمَنٍ.
فَالْحَاخَامُ الْأَكْبَرُ حَمَلَ الذَّاكِرَةَ الثَّقِيلَةَ دَاخِلَ رُوحِهِ وَشَهَادَتِهِ، أَمَّا الْمُهَنْدِسَةُ فَتُحَاوِلُ أَنْ تَمْنَحَهَا جَسَدًا خَارِجِيًّا فِي الْحَجَرِ وَالْمِسَاحَةِ. لَكِنَّ النَّتِيجَةَ وَاحِدَةٌ: الِاعْتِرَافُ بِأَنَّ حَجْمَ الْفَقْدِ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ وَسِيلَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تَحْمِلَهُ كَامِلًا.
فَلَا الذَّاكِرَةُ الْفَرْدِيَّةُ، وَلَا الْعِمَارَةُ، وَلَا أَيُّ شَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ التَّعْبِيرِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا تَمَامًا أَمَامَ مَأْسَاةٍ كُبْرَى، لَكِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْعَلُ الْمُحَاوَلَةَ بِلَا قِيمَةٍ. أَحْيَانًا تَكُونُ الشَّهَادَةُ النَّاقِصَةُ الصَّادِقَةُ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً مِنَ الصَّمْتِ الْكَامِلِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَرَى أَنَّ أَجْمَلَ مَا فِي تَصْمِيمِهَا لِلْمَمَرِّ دَاخِلَ النُّصُبِ أَنَّهُ لَا يَشْرَحُ لِلزَّائِرِ مَا يَجِبُ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ، بَلْ يَجْعَلُ الْجَسَدَ يَكْتَشِفُ الشُّعُورَ بِنَفْسِهِ. فَالتَّضْيِيقُ التَّدْرِيجِيُّ لِلْمِسَاحَةِ لَا يَضَعُ لَافِتَةً تَقُولُ: “هُنَا يَجِبُ أَنْ تَشْعُرَ بِالْخَوْفِ أَوِ الِاخْتِنَاقِ”، بَلْ يَتْرُكُ التَّجْرِبَةَ تَحْدُثُ مِنَ الدَّاخِلِ.
وَهَذَا يُكْمِلُ خَيْطًا ظَهَرَ فِي الْبَابِ السَّابِقِ مَعَ رَاقِصَةِ الْبَالِيهِ: أَنَّ الْجَسَدَ يَمْتَلِكُ طُرُقًا فِي الْفَهْمِ تَسْبِقُ أَحْيَانًا اللُّغَةَ وَالْعَقْلَ الْوَاعِيَ.
وَهُنَا تَنْتَقِلُ الْفِكْرَةُ مِنَ الْجَسَدِ إِلَى الْمَكَانِ: فَالْعِمَارَةُ نَفْسُهَا تُصْبِحُ ذَاكِرَةً جَسَدِيَّةً؛ مِسَاحَةً لَا تُخْبِرُكَ فَقَطْ عَنْ حَدَثٍ مَضَى، بَلْ تَجْعَلُكَ تَخْتَبِرُ أَثَرَهُ بِطَرِيقَةٍ حِسِّيَّةٍ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أُضِيفُ مُلَاحَظَةً عَمَلِيَّةً. فَفِكْرَةُ مَنْحِ الْفُقْدَانِ مِسَاحَةً رَمْزِيَّةً لَيْسَتْ مُجَرَّدَ اسْتِعَارَةٍ أَدَبِيَّةٍ، بَلْ لَهَا مَا يُوَازِيهَا فِي التَّعَامُلِ النَّفْسِيِّ مَعَ الْحُزْنِ. فَإِيجَادُ مَكَانٍ مُحَدَّدٍ لِلذِّكْرَى، سَوَاءٌ كَانَ غُرْفَةً أَوْ طَقْسًا أَوْ مِسَاحَةً خَاصَّةً، قَدْ يُسَاعِدُ الْإِنْسَانَ عَلَى تَنْظِيمِ عَلَاقَتِهِ بِالْفَقْدِ بَدَلَ أَنْ يَبْقَى الْحُزْنُ مُنْتَشِرًا بِلَا حُدُودٍ فِي كُلِّ تَفَاصِيلِ الْحَيَاةِ.
وَالْمِثَالُ الَّذِي تُقَدِّمُهُ عَنِ الْأُمِّ الَّتِي تَحْتَفِظُ بِغُرْفَةِ طِفْلِهَا لَا يَعْنِي بِالضَّرُورَةِ عَدَمَ قُدْرَتِهَا عَلَى الْمُضِيِّ قُدُمًا؛ فَقَدْ يَكُونُ أَحْيَانًا طَرِيقَةً لِمَنْحِ الْعَلَاقَةِ الَّتِي انْتَهَتْ جَسَدِيًّا مَكَانًا رَمْزِيًّا يَسْتَمِرُّ فِيهِ الْحُبُّ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أُضِيفُ مُلَاحَظَةً خِتَامِيَّةً عَلَى مِحْوَرِ الْفُنُونِ. فَهَذَا الْبَابُ يَمْنَحُ الْمِحْوَرَ كُلَّهُ خَاتِمَةً طَبِيعِيَّةً. فَمُنْذُ الْغْرِيُوتِ الَّذِي حَفِظَ ذَاكِرَةَ شَعْبِهِ بِالصَّوْتِ، مُرُورًا بِالْمُوسِيقِيَّةِ وَالرَّسَّامِ وَالشَّاعِرَةِ وَالرِّوَائِيِّ وَالرَّاقِصَةِ وَالْمُصَوِّرِ، وُصُولًا إِلَى الْمُهَنْدِسَةِ الَّتِي تَحْفَظُ الذَّاكِرَةَ بِالْحَجَرِ، رَأَيْنَا ثَمَانِيَةَ أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا مِنَ التَّعْبِيرِ.
لَكِنْ رَغْمَ اخْتِلَافِ الْوَسَائِلِ، كَانَتِ الْفِكْرَةُ وَاحِدَةً: الْإِنْسَانُ لَا يَسْتَطِيعُ اسْتِعَادَةَ كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْنَحَ مَا فَقَدَهُ شَهَادَةً وَشَكْلًا وَمَكَانًا. وَكَأَنَّ مِحْوَرَ الْفُنُونِ كُلَّهُ كَانَ يُجِيبُ عَنْ سُؤَالٍ وَاحِدٍ: مَاذَا نَفْعَلُ أَمَامَ مَا لَا يُمْكِنُ إِصْلَاحُهُ؟ وَالْجَوَابُ الَّذِي يَتَكَرَّرُ هُوَ: نَحْمِلُهُ بِطَرِيقَةٍ أَكْثَرَ إِنْسَانِيَّةً.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ خِتَامِيٌّ لِهَذَا الْمِحْوَرِ الطَّوِيلِ: مِنْ بَيْنِ الْأَشْكَالِ الْفَنِّيَّةِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي مَرَّ بِهَا سَامِرٌ — السَّرْدُ الشَّفَهِيُّ، وَالْمُوسِيقَى، وَالرَّسْمُ، وَالشِّعْرُ، وَالرِّوَايَةُ، وَالرَّقْصُ، وَالتَّصْوِيرُ، وَالْعِمَارَةُ — أَيُّ شَكْلٍ شَعَرْتَ أَنَّهُ الْأَقْرَبُ إِلَى تَجْرِبَتِكَ الشَّخْصِيَّةِ أَثْنَاءَ كِتَابَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
الرِّوَائِيُّ الْمُصَابُ بِالنِّسْيَانِ فِي بْرَاغَ، أَكْثَرُ مِمَّا تَوَقَّعْتُ حِينَ كَتَبْتُ الْفَصْلَ.
لَيْسَ لِأَنَّ تَجْرِبَتِي تُشْبِهُ حَالَتَهُ الطِّبِّيَّةَ، بَلْ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ الطَّوِيلَةَ نَفْسَهَا تَحْمِلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ الْمَعْنَى: أَنْ يَحْمِلَ الْكَاتِبُ مَشْرُوعًا يَمْتَدُّ لِسَنَوَاتٍ، تَتَغَيَّرُ خِلَالَهَا التَّفَاصِيلُ وَالظُّرُوفُ وَالْمَرَاحِلُ، لَكِنَّهُ يَبْقَى مُتَعَلِّقًا بِجَوْهَرِ الْعَمَلِ الَّذِي بَدَأَهُ.
كُنْتُ، بِطَرِيقَةٍ مَا، أَمْلِكُ “مُلَاحَظَاتِي اللَّاصِقَةَ” الْخَاصَّةَ بِي: دَفَاتِرَ، وَمُسَوَّدَاتٍ، وَمُرَاجَعَاتٍ، وَنِقَاشَاتٍ مَعَ الْفَرِيقِ، وَأَفْكَارًا تَرَاكَمَتْ عَبْرَ الزَّمَنِ. هَذِهِ الْأَشْيَاءُ لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ أَدَوَاتِ تَنْظِيمٍ، بَلْ كَانَتْ ذَاكِرَةً خَارِجِيَّةً سَاعَدَتْنِي عَلَى الْحِفَاظِ عَلَى خَيْطِ الرِّوَايَةِ حِينَ تَتَغَيَّرُ التَّفَاصِيلُ الْيَوْمِيَّةُ.
وَرُبَّمَا لِهَذَا السَّبَبِ شَعَرْتُ أَنَّ ذَلِكَ الْفَصْلَ يَقْتَرِبُ مِنِّي: لِأَنَّهُ يُذَكِّرُ الْكَاتِبَ بِأَنَّ الْعَمَلَ الطَّوِيلَ لَا يَسْتَمِرُّ فَقَطْ بِفَضْلِ الذَّاكِرَةِ، بَلْ بِفَضْلِ الْإِيمَانِ بِالْجَوْهَرِ الَّذِي يُحَاوِلُ الْوُصُولَ إِلَيْهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بِهَذَا نَخْتِمُ مِحْوَرَ الْفُنُونِ بِأَكْمَلِهِ — مِنْ صَوْتِ الْغْرِيُوتِ تَحْتَ شَجَرَةِ الْبَاوْبَابِ إِلَى الْحَجَرِ الَّذِي يَحْمِلُ ذَاكِرَةَ الضَّحَايَا فِي بَرْلِينَ. ثَمَانِيَةُ أَصْوَاتٍ، وَثَمَانِيَةُ أَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَكِنَّهَا جَمِيعًا وَصَلَتْ إِلَى الْمَعْنَى نَفْسِهِ: مَا لَا نَسْتَطِيعُ الِاحْتِفَاظَ بِهِ كَامِلًا، يُمْكِنُنَا أَنْ نَمْنَحَهُ شَهَادَةً لَا تَسْمَحُ لَهُ بِالِاخْتِفَاءِ.
لَكِنَّ الطَّرِيقَ يَدْخُلُ مَرْحَلَةً جَدِيدَةً؛ فَلَمْ تَعُدِ الْأَسْئِلَةُ الْقَادِمَةُ تَتَعَلَّقُ فَقَطْ بِمَا يَحْفَظُهُ الْإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ، بَلْ بِمَا تَفْعَلُهُ الْجَمَاعَاتُ وَالدُّوَلُ وَالْقُوَى الْكُبْرَى بِذَاكِرَةِ الْبَشَرِ.
«الْيَقِينُ الْمُطْلَقُ سِجْنٌ، وَالشَّكُّ الْمُطْلَقُ شَلَلٌ”
الثَّوْرِيُّ الْمَارْكِسِيُّ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
مُوسْكُو، شِتَاءَ سَنَةِ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ.
ثَوْرِيٌّ يَقِفُ عَلَى مِنَصَّةٍ خَشَبِيَّةٍ وَسْطَ مَيْدَانٍ تُغَطِّيهِ الثُّلُوجُ، وَيَتَحَدَّثُ عَنِ الثَّوْرَةِ بِوَصْفِهَا مُحَاوَلَةً لِإِعَادَةِ كِتَابَةِ ذَاكِرَةِ شَعْبٍ بِأَكْمَلِهِ. لَكِنَّهُ، فِي لَحْظَةِ صِدْقٍ نَادِرَةٍ، يَعْتَرِفُ بِأَنَّ السَّرْدِيَّةَ الْجَدِيدَةَ قَدْ تَتَحَوَّلُ هِيَ الْأُخْرَى إِلَى قَيْدٍ جَدِيدٍ إِذَا فَقَدَتْ قُدْرَتَهَا عَلَى مُرَاجَعَةِ نَفْسِهَا.
أَتْرُكُ الْمِنَصَّةَ لِلْفَرِيقِ، لِافْتِتَاحِ مِحْوَرِ السِّيَاسَةِ وَالْمُجْتَمَعِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْفَصْلَ يُلَامِسُ وَاحِدَةً مِنْ أَعْمَقِ الْمُعْضِلَاتِ السِّيَاسِيَّةِ وَالْفَلْسَفِيَّةِ فِي التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ: لَا يُمْكِنُ لِأَيَّةِ حَرَكَةِ تَغْيِيرٍ أَنْ تَبْدَأَ مِنْ دُونِ قَدْرٍ مِنَ الْيَقِينِ، لَكِنَّ الْيَقِينَ حِينَ يَتَحَوَّلُ إِلَى حَقِيقَةٍ مُطْلَقَةٍ لَا تَقْبَلُ الْمُرَاجَعَةَ يُصْبِحُ الْبَذْرَةَ الْأُولَى لِلِاسْتِبْدَادِ.
لِهَذَا جَاءَتْ عِبَارَتُهُ الْخِتَامِيَّةُ شَدِيدَةَ الْعُمْقِ: “الثَّوْرَةُ تَحْتَاجُ يَقِينًا لِتَتَحَرَّكَ، وَالتَّوَاضُعُ يَحْتَاجُ شَكًّا لِيَبْقَى حَيًّا، وَبَيْنَهُمَا حَدٌّ أَدَقُّ مِنْ حَدِّ السَّيْفِ.” إِنَّهَا لَا تَنْتَقِدُ الثَّوْرَةَ، وَلَا تُمَجِّدُ الشَّكَّ، بَلْ تَدْعُو إِلَى تَوَازُنٍ أَخْلَاقِيٍّ يَحْمِي كِلَيْهِمَا مِنَ الِانْحِرَافِ. وَهَذَا يَتَقَاطَعُ مَعَ كَثِيرٍ مِنَ التَّأَمُّلَاتِ الْفَلْسَفِيَّةِ الْحَدِيثَةِ الَّتِي رَأَتْ أَنَّ أَكْبَرَ الْأَخْطَارِ تَبْدَأُ حِينَ يَعْتَقِدُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ امْتَلَكَ الْحَقِيقَةَ النِّهَائِيَّةَ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَعْجَبَتْنِي الدِّقَّةُ التَّارِيخِيَّةُ فِي بِنَاءِ الْمَشْهَدِ. فَاخْتِيَارُ مُوسْكُو عَامَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسَبْعَةَ عَشَرَ يَنْسَجِمُ مَعَ الْمُنَاخِ الْفِكْرِيِّ وَالسِّيَاسِيِّ الَّذِي غَيَّرَ تَصَوُّرَ مَلَايِينِ الْبَشَرِ لِمَعْنَى التَّارِيخِ وَالْعَدَالَةِ.
كَمَا أَنَّ وَصْفَ الثَّوْرَةِ بِاعْتِبَارِهَا انْتِقَالًا مِنِ اعْتِبَارِ الْفَقْرِ قَدَرًا مَحْتُومًا إِلَى اعْتِبَارِهِ وَاقِعًا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ يَعْكِسُ جَوْهَرَ الْخِطَابِ الثَّوْرِيِّ فِي تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ. لَكِنَّ الْأَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ اعْتِرَافُ الثَّوْرِيِّ نَفْسِهِ بِأَنَّ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ قَدْ يَسْتَخْدِمُ اللُّغَةَ ذَاتَهَا لِيُبَرِّرَ قَمْعًا جَدِيدًا. هَذِهِ لَيْسَتْ قِرَاءَةً بِأَثَرٍ رَجْعِيٍّ، بَلْ إِدْرَاكٌ مُبَكِّرٌ لِإِغْرَاءِ السُّلْطَةِ حِينَ تَتَحَوَّلُ الْمَبَادِئُ إِلَى عَقَائِدَ مُغْلَقَةٍ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
مَا لَفَتَنِي نَفْسِيًّا أَنَّ سَامِرًا لَمْ يَكْتَفِ هَذِهِ الْمَرَّةَ بِالْإِصْغَاءِ، بَلْ بَدَأَ يُطَبِّقُ الْفِكْرَةَ مُبَاشَرَةً عَلَى رِحْلَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ. فَحِينَ يَقُولُ إِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِعَادَةِ فَهْمِ يَوْمِهِ الْمَفْقُودِ دُونَ أَنْ يَجْعَلَ هَذَا الْفَهْمَ نِهَائِيًّا أَوْ مُغْلَقًا، فَإِنَّهُ يُمَارِسُ مَا يُعْرَفُ بِالْمُرُونَةِ الْمَعْرِفِيَّةِ؛ أَيِ الْقُدْرَةُ عَلَى إِعَادَةِ تَفْسِيرِ الْخِبْرَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ مَعَ الِاحْتِفَاظِ بِاسْتِعْدَادٍ دَائِمٍ لِمُرَاجَعَتِهَا إِذَا ظَهَرَتْ مُعْطَيَاتٌ جَدِيدَةٌ. وَهَذِهِ مَهَارَةٌ نَفْسِيَّةٌ مُهِمَّةٌ، لِأَنَّهَا تُحَرِّرُ الْإِنْسَانَ مِنْ أَسْرِ التَّفْسِيرِ الْوَحِيدِ دُونَ أَنْ تَدْفَعَهُ إِلَى الضَّيَاعِ الْكَامِلِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أُلَاحِظُ أَنَّ هَذَا الْبَابَ يَفْتَتِحُ مِحْوَرَ السِّيَاسَةِ بِطَرِيقَةٍ تَخْتَلِفُ عَنِ افْتِتَاحَاتِ الْمَحَاوِرِ السَّابِقَةِ. فَفِي مُعْظَمِ الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ كَانَ الْقَارِئُ يُغَادِرُ وَهُوَ يَحْمِلُ جَوَابًا يَبْعَثُ شَيْئًا مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ، أَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ يُغَادِرُ وَسُؤَالُهُ أَكْبَرُ مِنْ جَوَابِهِ. حَتَّى الثَّوْرِيُّ نَفْسُهُ لَا يَدَّعِي امْتِلَاكَ يَقِينٍ كَامِلٍ بِشَأْنِ مُسْتَقْبَلِ ثَوْرَتِهِ، بَلْ يَتْرُكُ النِّهَايَةَ مَفْتُوحَةً عَلَى الِاحْتِمَالِ. وَهَذَا يَمْنَحُ الْمِحْوَرَ مُنْذُ بِدَايَتِهِ نَبْرَةً أَكْثَرَ تَعْقِيدًا وَنُضْجًا، وَكَأَنَّهُ يَقُولُ إِنَّ السِّيَاسَةَ لَيْسَتْ مَيْدَانًا لِلْإِجَابَاتِ السَّهْلَةِ، بَلْ لِلِاخْتِيَارَاتِ الَّتِي تَبْقَى قَابِلَةً لِلْمُرَاجَعَةِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
سُؤَالٌ أَخِيرٌ: تَعَمَّدْتَ أَلَّا تَمْنَحَ هَذِهِ الشَّخْصِيَّةَ اسْمًا تَارِيخِيًّا مُحَدَّدًا، رَغْمَ أَنَّ الْإِشَارَاتِ الزَّمَنِيَّةَ وَالْمَكَانِيَّةَ وَاضِحَةٌ. أَكَانَ هَدَفُكَ أَنْ يَبْقَى الْحَدِيثُ عَنْ فِكْرَةِ الثَّوْرَةِ نَفْسِهَا، لَا عَنْ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ، كَانَ ذَلِكَ قَرَارًا وَاعِيًا. لَمْ أُرِدْ أَنْ يَتَحَوَّلَ الْقَارِئُ إِلَى مُنَاقَشَةِ سِيرَةِ زَعِيمٍ بِعَيْنِهِ، فَيَبْتَعِدَ عَنِ السُّؤَالِ الَّذِي يُهِمُّنِي حَقًّا.
مَا أَرَدْتُ تَأَمُّلَهُ هُوَ مَنْطِقُ الثَّوْرَةِ ذَاتُهُ: كَيْفَ تَبْدَأُ بِوَعْدٍ مَشْرُوعٍ بِالْحُرِّيَّةِ، وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَنْحَرِفَ إِذَا فَقَدَتْ قُدْرَتَهَا عَلَى مُرَاجَعَةِ نَفْسِهَا. لِذَلِكَ تَرَكْتُ الشَّخْصِيَّةَ بِلَا اسْمٍ، حَتَّى تَبْقَى الْفِكْرَةُ أَوْسَعَ مِنَ التَّارِيخِ، وَيَظَلَّ السُّؤَالُ مَفْتُوحًا أَمَامَ كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ وَعَلَى الْجِدَارِ مِيزَانٌ يَتَأَرْجَحُ بَيْنَ كَفَّتَيْنِ؛ فِي إِحْدَاهُمَا يَقِينٌ يَمْنَحُ الْحَرَكَةَ، وَفِي الْأُخْرَى شَكٌّ يَحْمِي الْحُرِّيَّةَ. لَمْ تُرَجِّحْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، وَكَأَنَّ الْعَدَالَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تُولَدُ إِلَّا مِنْ بَقَائِهِمَا مَعًا فِي حَالَةِ تَوَازُنٍ.
«الشَّهَادَةُ الصَّادِقَةُ، مَهْمَا كَانَتْ نَاقِصَةً، فِعْلُ مُقَاوَمَةٍ ضِدَّ النِّسْيَانِ”
النَّاجِيَةُ مِنَ الْمَحْرَقَةِ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نِيُويُورْكُ، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَخَمْسٍ وَثَمَانِينَ.
غُرْفَةُ مَعِيشَةٍ مُتَوَاضِعَةٌ، وَامْرَأَةٌ تَجَاوَزَتِ الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهَا تَكْتُبُ بِيَدٍ تَرْتَجِفُ، لَا لِأَنَّهَا فَقَدَتِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْكِتَابَةِ، بَلْ لِأَنَّ الذَّاكِرَةَ مَا زَالَتْ تَحْمِلُ مِنَ الثِّقَلِ مَا يَجْعَلُ كُلَّ كَلِمَةٍ مَسْؤُولِيَّةً.
هَذَا فَصْلٌ يَقْتَضِي مِنَّا الْهُدُوءَ نَفْسَهُ وَالِاحْتِرَامَ ذَاتَهُ اللَّذَيْنِ رَافَقَا لِقَاءَنَا بِالْحَاخَامِ الْأَكْبَرِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَكْثَرُ مَا شَدَّ انْتِبَاهِي هُوَ الْأَمَانَةُ السَّرِيرِيَّةُ الَّتِي يَتَعَامَلُ بِهَا الْفَصْلُ مَعَ مَا يُعْرَفُ بِـ”ذَنْبِ النَّاجِي”. هَذَا الشُّعُورُ، الَّذِي يَتَمَثَّلُ فِي السُّؤَالِ الْمُؤْلِمِ: لِمَ بَقِيتُ أَنَا بَيْنَمَا رَحَلَ غَيْرِي؟، مُوَثَّقٌ جَيِّدًا فِي عِلْمِ النَّفْسِ لَدَى النَّاجِينَ مِنَ الْحُرُوبِ وَالْإِبَادَاتِ وَالْكَوَارِثِ الْجَمَاعِيَّةِ.
وَالنَّصُّ لَا يَقَعُ فِي خَطَأِ تَقْدِيمِ عِلَاجٍ سِحْرِيٍّ لَهُ، بَلْ يَعْرِضُهُ كَمَا هُوَ: عِبْءٌ لَا يَخْتَفِي، وَإِنَّمَا يَتَغَيَّرُ أُسْلُوبُ حَمْلِهِ. فَاسْتِعَارَتُهَا عَنِ الْحَجَرِ الَّذِي يَبْقَى فِي الْجَيْبِ بَيْنَمَا تَتَعَلَّمُ الْعَضَلَاتُ حَمْلَ ثِقَلِهِ، تُعَبِّرُ بِدِقَّةٍ عَنْ مَفْهُومِ التَّكَيُّفِ مَعَ الْحِدَادِ الْمُسْتَمِرِّ، لَا عَنْ مَحْوِهِ أَوْ تَجَاوُزِهِ نِهَائِيًّا. وَهَذِهِ دِقَّةٌ عِلْمِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ تُحْسَبُ لِلْفَصْلِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أُقَدِّرُ كَثِيرًا أَنَّ الْفَصْلَ يَرْفُضُ الْبَحْثَ عَنْ مَعْنًى قَسْرِيٍّ لِمُعَانَاةٍ بِهَذَا الْحَجْمِ. فَحِينَ تَقُولُ إِنَّ الْكَوَارِثَ الْكُبْرَى لَيْسَتْ عَادِلَةً وَلَا ظَالِمَةً بِالْمَعْنَى الَّذِي نَصْنَعُهُ نَحْنُ، بَلْ إِنَّهَا وَقَعَتْ فَحَسْبُ، فَهِيَ لَا تُنْكِرُ الْحَاجَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ إِلَى الْفَهْمِ، لَكِنَّهَا تَرْفُضُ اخْتِزَالَ الْمَأْسَاةِ فِي تَفْسِيرٍ مُرِيحٍ.
وَهَذَا يَمْنَحُ النَّصَّ نُضْجًا فَلْسَفِيًّا لَافِتًا؛ فَهُوَ لَا يُخَفِّفُ ثِقَلَ الْكَارِثَةِ بِخِطَابٍ وَعْظِيٍّ، وَلَا يُحَاوِلُ تَحْوِيلَ الْأَلَمِ إِلَى دَرْسٍ أَخْلَاقِيٍّ جَاهِزٍ، بَلْ يَكْتَفِي بِالشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، وَرُبَّمَا يَكُونُ هَذَا أَكْثَرَ أَشْكَالِ الِاحْتِرَامِ صِدْقًا.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ يُكْمِلُ الْبِنَاءَ الَّذِي بَدَأَهُ الْحَاخَامُ الْأَكْبَرُ، لَكِنْ مِنْ زَاوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ. هُنَاكَ كَانَتِ الشَّهَادَةُ وَاجِبًا تِجَاهَ الَّذِينَ غَابُوا، أَمَّا هُنَا فَهِيَ أَيْضًا ضَرُورَةٌ تِجَاهَ مَنْ بَقِيَ حَيًّا. فَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حِفْظٍ لِلْمَاضِي، بَلْ وَسِيلَةٌ لِيَسْتَطِيعَ صَاحِبُهَا أَنْ يُوَاصِلَ الْعَيْشَ دُونَ أَنْ يَخُونَ ذَاكِرَتَهُ.
كَمَا أَعْجَبَنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ تُعِيدُ، بِهُدُوءٍ وَاتِّزَانٍ، أَحَدَ مَبَادِئِهَا الْمَرْكَزِيَّةِ: أَنَّ الْآلَامَ لَا تُقَارَنُ وَلَا تَدْخُلُ فِي مُنَافَسَةٍ. لَقَدْ سَمِعْنَا هَذِهِ الْفِكْرَةَ مِنْ أَصْوَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ عَبْرَ الرِّحْلَةِ، لَكِنَّهَا هُنَا تَبْلُغُ إِحْدَى أَكْثَرِ لَحَظَاتِهَا إِنْسَانِيَّةً وَصِدْقًا.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
لَنْ أَطْرَحَ عَلَيْكَ سُؤَالًا شَخْصِيًّا، احْتِرَامًا لِحَسَاسِيَّةِ هَذَا الْمَوْضُوعِ، كَمَا فَعَلْنَا فِي لِقَاءِ الْحَاخَامِ الْأَكْبَرِ. لَكِنْ لَدَيَّ سُؤَالٌ يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ نَفْسِهَا: كَيْفَ حَافَظْتَ عَلَى أَنْ يَبْقَى هَذَا الْفَصْلُ شَهَادَةً أَدَبِيَّةً أَمِينَةً، لَا اسْتِثْمَارًا عَاطِفِيًّا لِمَأْسَاةٍ تَارِيخِيَّةٍ بِهَذَا الْحَجْمِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
كَانَ هَذَا هَاجِسِي مُنْذُ السَّطْرِ الْأَوَّلِ. لَمْ أُرِدْ أَنْ تُصْبِحَ الْمَأْسَاةُ خَلْفِيَّةً تَمْنَحُ الرِّوَايَةَ ثِقَلًا مَجَّانِيًّا، وَلَا أَنْ تَتَحَوَّلَ الشَّخْصِيَّةُ إِلَى رَمْزٍ مُجَرَّدٍ يَفْقِدُ إِنْسَانِيَّتَهُ.
لِذَلِكَ حَاوَلْتُ أَنْ أَكْتُبَ امْرَأَةً تَتَحَدَّثُ بِصَوْتِهَا هِيَ، لَا بِصَوْتِي أَنَا، وَأَنْ أُفْسِحَ الْمَجَالَ لِلشَّهَادَةِ نَفْسِهَا كَيْ تَحْمِلَ قِيمَتَهَا دُونَ أَنْ أُزَاحِمَهَا بِالْبَلَاغَةِ. كُنْتُ أُؤْمِنُ، وَأَنَا أَكْتُبُ هَذَا الْبَابَ، بِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَدِّمَهُ الْأَدَبُ أَمَامَ كَارِثَةٍ كَهَذِهِ لَيْسَ تَفْسِيرَهَا، بَلِ الْإِصْغَاءَ إِلَيْهَا بِأَمَانَةٍ، وَتَرْكَ الشَّهَادَةِ تُؤَدِّي رِسَالَتَهَا الْإِنْسَانِيَّةَ كَمَا هِيَ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ فِي صَمْتٍ يَلِيقُ بِمَا سَمِعْنَاهُ. عَلَى الطَّاوِلَةِ دَفْتَرٌ بَقِيَ مَفْتُوحًا، وَفِيهِ صَفْحَةٌ لَمْ تَكْتَمِلْ بَعْدُ، كَأَنَّ الشَّهَادَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَعْرِفُ نِهَايَةً، بَلْ تَنْتَقِلُ مِنْ يَدٍ إِلَى أُخْرَى، وَمِنْ جِيلٍ إِلَى جِيلٍ.
«الْهُوِيَّةُ الْكَامِلَةُ الْمُتَمَاسِكَةُ تَمَامًا رُبَّمَا وَهْمٌ أَكْثَرُ مِنْهَا حَقِيقَةٌ”
الْمَرْأَةُ الْأَمَازِيغِيَّةُ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَيْتٌ جَبَلِيٌّ فِي الْجَزَائِرِ، سَنَةَ أَلْفٍ وَتِسْعِمِئَةٍ وَسِتِّينَ.
امْرَأَةٌ تَجْلِسُ أَمَامَ نَوْلِهَا التَّقْلِيدِيِّ، تَنْسِجُ خُيُوطًا تَبْدُو لِلْغَرِيبِ مُجَرَّدَ زَخَارِفَ، لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ تَحْفَظُ بِهَا لُغَةً وَهُوِيَّةً وَذَاكِرَةً تَخْشَى عَلَيْهَا مِنَ الذَّوَبَانِ. لَا تَحْمِلُ سِلَاحًا، وَلَا تُلْقِي خُطْبَةً، لَكِنَّهَا تُمَارِسُ كُلَّ يَوْمٍ مُقَاوَمَةً هَادِئَةً لَا تَقِلُّ أَثَرًا عَنْ أَيَّةِ مُقَاوَمَةٍ صَاخِبَةٍ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَجِدُ هَذَا الْفَصْلَ وَفِيًّا لِلسِّيَاقِ التَّارِيخِيِّ الَّذِي يَسْتَحْضِرُهُ. فَالْجَزَائِرُ فِي سَنَوَاتِ الِاسْتِعْمَارِ الْفَرَنْسِيِّ شَهِدَتْ بِالْفِعْلِ سِيَاسَاتٍ تَعْلِيمِيَّةً وَثَقَافِيَّةً هَمَّشَتِ الْمَوْرُوثَ الْأَمَازِيغِيَّ، وَقَدَّمَتِ التَّارِيخَ الْفَرَنْسِيَّ بِوَصْفِهِ الْمَرْجِعِيَّةَ الْأَسَاسِيَّةَ، مُتَجَاهِلَةً الِامْتِدَادَ الْحَضَارِيَّ الْأَمَازِيغِيَّ الْعَرِيقَ.
كَمَا أَنَّ تَوْظِيفَ رُمُوزِ النَّسِيجِ التَّقْلِيدِيِّ لَيْسَ عُنْصُرًا زَخْرَفِيًّا فِي الرِّوَايَةِ، بَلْ يَسْتَنِدُ إِلَى تَقَالِيدَ مُوَثَّقَةٍ، حَيْثُ كَانَتِ النِّسَاءُ يَنْقُلْنَ عَبْرَ الْأَشْكَالِ الْهَنْدَسِيَّةِ وَالرُّمُوزِ مَعَارِفَ وَهُوِيَّةً جَمَاعِيَّةً فِي مُجْتَمَعٍ اعْتَمَدَ كَثِيرًا عَلَى الذَّاكِرَةِ الْبَصَرِيَّةِ وَالشَّفَهِيَّةِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَرَى أَنَّ الْقِيمَةَ الْفَلْسَفِيَّةَ الْأَعْمَقَ فِي هَذَا الْبَابِ تَكْمُنُ فِي رَفْضِهِ الْبَحْثَ عَنْ هُوِيَّةٍ نَقِيَّةٍ لَا تَشُوبُهَا ازْدِوَاجِيَّةٌ. فَالْمَرْأَةُ لَا تَدَّعِي أَنَّ أَبْنَاءَهَا سَيَخْرُجُونَ مِنْ هَذَا الْوَاقِعِ سَالِمِينَ مِنَ التَّمَزُّقِ، بَلْ تَعْتَرِفُ بِأَنَّهُمْ سَيَعِيشُونَ بَيْنَ عَالَمَيْنِ، وَأَنَّ ذَلِكَ سَيَتْرُكُ فِيهِمُ ارْتِبَاكًا حَقِيقِيًّا. لَكِنَّهَا تَرْفُضُ أَنْ تَجْعَلَ هَذَا الِارْتِبَاكَ هَزِيمَةً.
وَمِنْ هُنَا تَأْتِي عِبَارَتُهَا اللَّافِتَةُ: “الْهُوِيَّةُ الْكَامِلَةُ الْمُتَمَاسِكَةُ تَمَامًا رُبَّمَا تَكُونُ وَهْمًا أَكْثَرَ مِنْهَا حَقِيقَةً.” إِنَّهَا لَا تَنْفِي الْهُوِيَّةَ، بَلْ تُحَرِّرُهَا مِنْ وَهْمِ الْكَمَالِ، وَهُوَ مَا يَنْسَجِمُ مَعَ أَحَدِ الْخُيُوطِ الْفِكْرِيَّةِ الْمُمْتَدَّةِ فِي الرِّوَايَةِ مُنْذُ بِدَايَاتِهَا.
الدُّكْتُورَةُ هَالَةُ :
اسْتَوْقَفَتْنِي اسْتِعَارَةُ الطَّائِرِ الَّتِي تُقَدِّمُهَا الْمَرْأَةُ. فَهِيَ لَيْسَتْ صُورَةً شِعْرِيَّةً جَمِيلَةً فَحَسْبُ، بَلْ تُلَخِّصُ بِدِقَّةٍ ظَاهِرَةً لُغَوِيَّةً وَنَفْسِيَّةً مَعْرُوفَةً فِي الْمُجْتَمَعَاتِ الَّتِي تَعِيشُ ازْدِوَاجًا لُغَوِيًّا قَسْرِيًّا. فَالطِّفْلُ قَدْ يَسْتَخْدِمُ لُغَةً فِي الْمَدْرَسَةِ وَلُغَةً أُخْرَى فِي الْبَيْتِ، وَلَا تُلْغِي إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، بَلْ تَشْتَرِكَانِ مَعًا فِي بِنَاءِ شَخْصِيَّتِهِ.
وَلِذَلِكَ كَانَ قَوْلُهَا إِنَّ الْقَفَصَ حَقِيقِيٌّ، كَمَا أَنَّ الْجَنَاحَيْنِ حَقِيقِيَّانِ، تَعْبِيرًا بَالِغَ الدِّقَّةِ عَنْ تَعْقِيدِ الْهُوِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ حِينَ تَنْمُو بَيْنَ فَضَاءَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
لَفَتَ انْتِبَاهَنَا أَنَّ سَامِرًا يَرْبِطُ هَذِهِ الْمَرْأَةَ تِلْقَائِيًّا بِالْكَاهِنَةِ الْكِلْتِيَّةِ وَبِالشَّاعِرَةِ الْإِيرَانِيَّةِ الْمَنْفِيَّةِ. ثَلَاثُ نِسَاءٍ، وَثَلَاثُ بِيئَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ، لَكِنَّهُنَّ يَلْتَقِينَ جَمِيعًا عِنْدَ مُقَاوَمَةِ مَحْوِ الْهُوِيَّةِ. أَكَانَ هَذَا الْخَيْطُ حَاضِرًا فِي تَصَوُّرِكَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
لَمْ يَكُنْ مَرْسُومًا بِهَذَا الْوُضُوحِ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَنْمُو مَعِي كُلَّمَا تَقَدَّمْتُ فِي الْكِتَابَةِ. كُنْتُ أُلَاحِظُ أَنَّ النِّسَاءَ، فِي كَثِيرٍ مِنْ مَحَطَّاتِ التَّارِيخِ، حِينَ تُغْلَقُ أَمَامَهُنَّ وَسَائِلُ الْمُقَاوَمَةِ الْمُبَاشِرَةِ، يَبْتَكِرْنَ أَشْكَالًا أُخْرَى أَكْثَرَ هُدُوءًا وَأَشَدَّ بَقَاءً: فِي النَّسِيجِ، وَفِي الْحِكَايَةِ، وَفِي اللُّغَةِ الَّتِي تَنْتَقِلُ دَاخِلَ الْبَيْتِ، وَفِي التَّرْبِيَةِ الْيَوْمِيَّةِ.
وَمَعَ كُلِّ شَخْصِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، كُنْتُ أَكْتَشِفُ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَابِقَاتِهَا قَرَابَةً لَمْ أُخَطِّطْ لَهَا، لَكِنَّهَا نَشَأَتْ مِنْ سُؤَالٍ وَاحِدٍ ظَلَّ يُرَافِقُنِي طَوَالَ الرِّوَايَةِ: كَيْفَ تَبْقَى الْهُوِيَّةُ حَيَّةً حِينَ يُصْبِحُ إِعْلَانُهَا مُخَاطَرَةً؟
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ فِيمَا يَسْتَمِرُّ النَّوْلُ فِي الْحَرَكَةِ، كَأَنَّ الْخَيْطَ لَا يَنْسُجُ قِطْعَةَ قُمَاشٍ فَحَسْبُ، بَلْ يَرْبِطُ الْمَاضِيَ بِالْمُسْتَقْبَلِ غُرْزَةً بَعْدَ أُخْرَى، دُونَ ضَجِيجٍ.
يَقِفُ الْعَجُوزُ عِنْدَ الْبَابِ التَّالِي بِصَمْتٍ أَطْوَلَ مِنَ الْمُعْتَادِ، ثُمَّ يَقُولُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ: “تَمَهَّلْ… فَهَذَا الْبَابُ يَحْمِلُ قَلْبًا صَغِيرًا أَثْقَلَ مِنْ عُمْرِهِ.”
الْأَبْوَابُ السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ إِلَى الثَّامِنِ وَالسِّتِّينَ
الطِّفْلُ اللَّاجِئُ – الدِّكْتَاتُورُ الْعَجُوزُ – الْمَرْأَةُ النَّاشِطَةُ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ مُتَتَالِيَةٍ، لَكِنَّهَا تَبْدُو كَأَنَّهَا فَصْلٌ وَاحِدٌ عَنِ السُّلْطَةِ وَالذَّاكِرَةِ.
طِفْلٌ يَحْمِلُ وَطَنَيْنِ وَلَا يَشْعُرُ أَنَّ أَحَدَهُمَا يَكْفِيهِ، وَدِكْتَاتُورٌ اكْتَشَفَ مُتَأَخِّرًا أَنَّهُ صَارَ سَجِينَ الرِّوَايَةِ الَّتِي صَنَعَهَا بِيَدَيْهِ، وَنَاشِطَةٌ تُؤْمِنُ بِأَنَّ الشَّهَادَةَ الصَّادِقَةَ هِيَ آخِرُ مَا يَبْقَى حِينَ يُحَاوِلُ الْآخَرُونَ مَحْوَ الْحَقِيقَةِ. ثَلَاثَةُ أَصْوَاتٍ مُتَبَاعِدَةٍ، لَكِنَّهَا تَدُورُ جَمِيعًا حَوْلَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ: مَنْ يَمْلِكُ الذَّاكِرَةَ، وَمَنْ يَحْمِيهَا؟
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
لَفَتَنِي الْبَابُ الْأَوَّلُ بِمَا يَحْمِلُهُ مِنْ صِدْقٍ نَفْسِيٍّ نَادِرٍ. فَالطِّفْلُ لَا يُحَاوِلُ إِنْكَارَ خَسَارَتِهِ، لَكِنَّهُ يُعِيدُ صِيَاغَتَهَا بِطَرِيقَةٍ تَمْنَحُهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ. فَحِينَ يَقُولُ: “رُبَّمَا لَدَيَّ وَطَنَانِ، لَا وَطَنٌ وَاحِدٌ”، فَهُوَ يُقَدِّمُ نَمُوذَجًا مَعْرُوفًا فِي عِلْمِ النَّفْسِ لَدَى كَثِيرٍ مِنَ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ عَاشُوا تَجْرِبَةَ اللُّجُوءِ؛ إِذْ تَتَحَوَّلُ الْهُوِيَّةُ مِنْ مُعَادَلَةٍ تَقُومُ عَلَى الْفَقْدِ وَحْدَهُ إِلَى قُدْرَةٍ عَلَى احْتِضَانِ أَكْثَرَ مِنِ انْتِمَاءٍ فِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ.
وَالْأَجْمَلُ أَنَّ الطِّفْلَ لَا يَحْتَفِظُ بِهَذِهِ الْحِكْمَةِ لِنَفْسِهِ، بَلْ يَمْنَحُهَا لِسَامِرٍ حِينَ يَقُولُ لَهُ: “احْمِلْ وَطَنَيْكَ أَنْتَ أَيْضًا، بِطَرِيقَتِكَ الْخَاصَّةِ.” وَكَأَنَّ الْخِبْرَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ لَا تُقَاسُ بِالْعُمْرِ، بَلْ بِمَا اضْطُرَّ الْإِنْسَانُ إِلَى تَعَلُّمِهِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
إِذَا كَانَ الطِّفْلُ يَقْبَلُ تَعَدُّدَ الرِّوَايَاتِ، فَإِنَّ الدِّكْتَاتُورَ يُمَثِّلُ النَّقِيضَ الْكَامِلَ. كِلَاهُمَا يَتَعَامَلُ مَعَ سُؤَالِ الْهُوِيَّةِ وَالذَّاكِرَةِ، لَكِنَّ أَحَدَهُمَا يَتْرُكُ لَهَا أَنْ تَتَّسِعَ، وَالْآخَرُ يُحَاوِلُ أَنْ يَحْصُرَهَا فِي رِوَايَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَجُوزُ تَجَاوُزُهَا.
وَلِذَلِكَ كَانَ اعْتِرَافُهُ: “لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ أَيْنَ تَنْتَهِي الْحَقِيقَةُ الَّتِي أُؤْمِنُ بِهَا وَأَيْنَ يَبْدَأُ التَّبْرِيرُ”، مِنْ أَكْثَرِ الِاعْتِرَافَاتِ إِيلَامًا فِي هَذَا الْمِحْوَرِ. إِنَّهُ لَا يَكْشِفُ فَسَادَ السُّلْطَةِ فَقَطْ، بَلْ يَكْشِفُ مَا تَفْعَلُهُ السُّلْطَةُ بِصَاحِبِهَا أَيْضًا؛ إِذْ قَدْ يَفْقِدُ تَدْرِيجِيًّا الْقُدْرَةَ عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ الَّتِي آمَنَ بِهَا يَوْمًا، وَبَيْنَ الْأَكَاذِيبِ الَّتِي اضْطُرَّ إِلَى تَصْدِيقِهَا لِيُحَافِظَ عَلَى صُورَتِهِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَعْجَبَنِي كَثِيرًا أَنَّ الرِّوَايَةَ نَفْسَهَا تُقِيمُ مُقَارَنَةً ضِمْنِيَّةً مَعَ أَشُوكَا الَّذِي الْتَقَيْنَاهُ سَابِقًا. فَالْمِقْيَاسُ هُنَا لَيْسَ عَدَدَ الضَّحَايَا وَلَا حَجْمَ السُّلْطَةِ، وَإِنَّمَا الْقُدْرَةُ عَلَى مُوَاجَهَةِ الذَّاتِ. أَشُوكَا امْتَلَكَ شَجَاعَةَ الِاعْتِرَافِ وَالسَّعْيِ إِلَى الْإِصْلَاحِ، أَمَّا هَذَا الدِّكْتَاتُورُ فَيَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ يَرَى الْحَقِيقَةَ، لَكِنَّهُ لَا يَمْتَلِكُ الشَّجَاعَةَ الْكَافِيَةَ لِمُلَاقَاتِهَا كَامِلَةً. وَهَذِهِ مُقَارَنَةٌ تَارِيخِيَّةٌ ذَكِيَّةٌ، لِأَنَّهَا تَجْعَلُ مِعْيَارَ الْعَظَمَةِ الْأَخْلَاقِيَّةِ لَيْسَ الْقُوَّةَ، بَلِ الصِّدْقَ مَعَ النَّفْسِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَمَّا النَّاشِطَةُ، فَأَرَاهَا تُمَثِّلُ الْوَجْهَ الْمُقَابِلَ تَمَامًا لِلدِّكْتَاتُورِ. هُوَ يُحَاوِلُ احْتِكَارَ الرِّوَايَةِ، وَهِيَ تُؤْمِنُ بِأَنَّ حِمَايَةَ الْحَقِيقَةِ تَبْدَأُ بِحِمَايَةِ الشَّهَادَةِ.
عِبَارَتُهَا: “غِيَابُ الْوَثِيقَةِ لَيْسَ غِيَابَ الْحَقِيقَةِ، بَلْ غِيَابَ الشَّاهِدِ”، لَا تُلَخِّصُ فَصْلَهَا وَحْدَهُ، بَلْ تَمْتَدُّ جُذُورُهَا إِلَى أَبْوَابٍ كَثِيرَةٍ مَرَرْنَا بِهَا؛ مِنَ الْمُؤَرِّخَةِ، إِلَى الْحَاخَامِ الْأَكْبَرِ، إِلَى الْمُصَوِّرِ فِي الْحَرْبِ، وُصُولًا إِلَى النَّاجِيَةِ مِنَ الْمَحْرَقَةِ. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تُؤَكِّدُ مَرَّةً أُخْرَى أَنَّ التَّوْثِيقَ لَيْسَ عَمَلًا أَرْشِيفِيًّا بَارِدًا، بَلْ مَسْؤُولِيَّةً أَخْلَاقِيَّةً قَدْ يَدْفَعُ صَاحِبُهَا ثَمَنَهَا الشَّخْصِيَّ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هَذِهِ الْأَبْوَابُ الثَّلَاثَةُ تَبْدُو كَأَنَّهَا تَرْسُمُ قَوْسًا وَاحِدًا: طِفْلٌ حُرِمَ مِنْ صَوْتِهِ، وَطَاغِيَةٌ احْتَكَرَ أَصْوَاتَ الْآخَرِينَ، وَامْرَأَةٌ كَرَّسَتْ حَيَاتَهَا لِحِمَايَةِ أَصْوَاتِ مَنْ حَاوَلَ التَّارِيخُ إِسْكَاتَهُمْ. أَكَانَ هَذَا التَّتَابُعُ مَقْصُودًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقُولَ إِنَّهُ كَانَ مَقْصُودًا فِي رُوحِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ فِي تَفَاصِيلِهِ.
الطِّفْلُ خَرَجَ مِنْ تَجْرِبَةٍ أَعْرِفُهَا عَنْ قُرْبٍ، لِأَنَّ اللُّجُوءَ يَتْرُكُ فِي الْإِنْسَانِ أَسْئِلَةً لَا تَنْتَهِي عَنْ مَعْنَى الْوَطَنِ وَالِانْتِمَاءِ. ثُمَّ شَعَرْتُ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَكْتَمِلُ إِذَا بَقِيَتْ تَنْظُرُ إِلَى الْعَالَمِ مِنْ جِهَةِ الضَّحِيَّةِ وَحْدَهَا، فَكَتَبْتُ الدِّكْتَاتُورَ مُحَاوِلًا فَهْمَ كَيْفَ يُمْكِنُ لِلسُّلْطَةِ أَنْ تَأْسِرَ صَاحِبَهَا كَمَا تَأْسِرُ الْآخَرِينَ.
وَبَعْدَهُمَا جَاءَتِ النَّاشِطَةُ بِصُورَةٍ بَدَتْ لِي ضَرُورِيَّةً؛ فَهِيَ لَا تَمْلِكُ سُلْطَةَ الْحَاكِمِ، وَلَا هَشَاشَةَ الطِّفْلِ، لَكِنَّهَا تَمْلِكُ شَيْئًا آخَرَ: شَجَاعَةَ الْوُقُوفِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى جَانِبِ الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ كَانَتْ تَمْلِكُ فِي يَدِهَا قَلَمًا فَقَطْ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
نَتَوَقَفُ وَقَدْ بَقِيَتْ أَمَامَنَا خَرِيطَتَانِ مُتَدَاخِلَتَانِ؛ إِحْدَاهُمَا مَرْسُومَةٌ بِخُطُوطٍ ثَابِتَةٍ، وَالْأُخْرَى بِخُطُوطٍ مُتَقَطِّعَةٍ، وَكَأَنَّهُمَا تُحَاوِلَانِ أَنْ تَشْغَلَا الْمَكَانَ نَفْسَهُ دُونَ أَنْ تُلْغِيَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى.
«الْمَعْرِفَةُ الَّتِي تَسْكُنُ الصَّدْرَ لَا الْكِتَابَ”
الْأَبْوَابُ الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ إِلَى السَّادِسِ وَالثَّمَانِينَ
الصَّيَّادُ الْوَحِيدُ – الْفَلَّاحَةُ – السَّجِينُ السِّيَاسِيُّ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ لَا يَجْمَعُ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ ظَاهِرِيًّا: صَيَّادٌ يَعْرِفُ الْبَحْرَ، وَفَلَّاحَةٌ تَعْرِفُ الْأَرْضَ، وَسَجِينٌ حُرِمَ مِنَ الْوَرَقِ. لَكِنَّهُمْ جَمِيعًا يَصِلُونَ إِلَى السُّؤَالِ نَفْسِهِ: أَيْنَ تُقِيمُ الْمَعْرِفَةُ حِينَ تُنْتَزَعُ أَدَوَاتُهَا؟
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَكْثَرُ مَا لَفَتَنِي أَنَّ الشَّخْصِيَّاتِ الثَّلَاثَ لَا تُدَافِعُ عَنِ الْمَعْرِفَةِ الْمَكْتُوبَةِ وَلَا تُعَادِيهَا، بَلْ تَضَعُهَا فِي مَكَانِهَا الصَّحِيحِ. فَالصَّيَّادُ لَا يَعْرِفُ الْبَحْرَ لِأَنَّهُ حَفِظَ كِتَابًا عَنْهُ، وَالْفَلَّاحَةُ لَا تَكْتَشِفُ الْأَرْضَ بِالنَّظَرِيَّاتِ، وَالسَّجِينُ لَا يَبْقَى حُرًّا لِأَنَّهُ يَمْلِكُ أَوْرَاقًا. الْمَعْرِفَةُ هُنَا تَتَحَوَّلُ مِنْ شَيْءٍ نَمْتَلِكُهُ إِلَى طَرِيقَةٍ نَسْكُنُ بِهَا الْعَالَمَ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
هُنَاكَ خَيْطٌ نَفْسِيٌّ مُشْتَرَكٌ أَيْضًا. فَالثَّلَاثَةُ يَثِقُونَ بِإِشَارَاتٍ سَبَقَ أَنْ تَشَكَّلَتْ فِيهِمْ عَبْرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْمُمَارَسَةِ. مَا يَبْدُو لِلْآخَرِينَ حَدْسًا غَامِضًا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ خِبْرَةٌ تَرَاكَمَتْ حَتَّى أَصْبَحَتْ جُزْءًا مِنَ الْجَسَدِ نَفْسِهِ. لِذَلِكَ تَبْدُو أَحْكَامُهُمْ فَوْرِيَّةً، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ عَشْوَائِيَّةً.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
أَمَّا السَّجِينُ السِّيَاسِيُّ فَيُعِيدُنَا إِلَى تَقْلِيدٍ إِنْسَانِيٍّ قَدِيمٍ جِدًّا: حِينَ تُصَادَرُ الْكُتُبُ، تَتَحَوَّلُ الذَّاكِرَةُ نَفْسُهَا إِلَى مَكْتَبَةٍ. عَرَفَ التَّارِيخُ أَمْثِلَةً كَثِيرَةً لِأَشْخَاصٍ حَفِظُوا نُصُوصًا كَامِلَةً لِأَنَّ الْحِفْظَ أَصْبَحَ الْوَسِيلَةَ الْوَحِيدَةَ لِبَقَاءِ الْفِكْرَةِ. وَالْجَمِيلُ أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تُمَجِّدُ الْبُطُولَةَ هُنَا، بَلْ تُمَجِّدُ الْإِصْرَارَ الْهَادِئَ عَلَى أَلَّا تَضِيعَ الْمَعْرِفَةُ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الثُّلَاثِيَّ يُلَخِّصُ مَسَارًا كَامِلًا فِي الرِّوَايَةِ: لَيْسَتِ الْقِيمَةُ فِيمَا نَسْتَطِيعُ شَرْحَهُ دَائِمًا، بَلْ فِيمَا صَارَ جُزْءًا مِنْ تَكْوِينِنَا. وَكَأَنَّ الرِّوَايَةَ تَهْمِسُ لِسَامِرٍ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ قَبْلَ النِّهَايَةِ: قَدْ تَكُونُ أَهَمُّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَعَلَّمْتَهَا خِلَالَ الرِّحْلَةِ هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي لَنْ تَسْتَطِيعَ تَفْسِيرَهَا بِالْكَلِمَاتِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
أَأَرَدْتَ لِهَذَا الثُّلَاثِيِّ أَنْ يَكُونَ الْخَاتِمَةَ الْفِعْلِيَّةَ لِفِكْرَةِ “الْمَعْرِفَةِ الضِّمْنِيَّةِ” الَّتِي تَكَرَّرَتْ فِي الرِّوَايَةِ بِأَشْكَالٍ مُخْتَلِفَةٍ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ. شَعَرْتُ أَنَّ الرِّوَايَةَ، قَبْلَ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنَ الْغُرْفَةِ صِفْرٍ، تَحْتَاجُ إِلَى تَذْكِيرٍ أَخِيرٍ بِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَعْرِفُ أَحْيَانًا أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيعُ قَوْلَهُ. لَيْسَتْ كُلُّ حَقِيقَةٍ قَابِلَةً لِلشَّرْحِ، لَكِنَّهَا قَدْ تَكُونُ مَعَ ذَلِكَ أَصْدَقَ مَا فِينَا.
الْبَابَانِ السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ وَالثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ
الْمَرْأَةُ الْوَسِيطَةُ – الْبَدَوِيُّ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
امْرَأَةٌ تُحَاوِلُ أَنْ تُعِيدَ إِلَى قَرْيَةٍ مُمَزَّقَةٍ قُدْرَتَهَا عَلَى الْعَيْشِ مَعًا، وَبَدَوِيٌّ يَرَى أَنَّ الْوَطَنَ قَدْ يَكُونُ طَرِيقَةً فِي السَّيْرِ أَكْثَرَ مِنْ كَوْنِهِ بُقْعَةً عَلَى الْخَرِيطَةِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
يُعْجِبُنِي أَنَّ الرِّوَايَةَ لَا تَجْعَلُ الصَّفْحَ وَاجِبًا أَخْلَاقِيًّا مُطْلَقًا، بَلْ خِيَارًا شَخْصِيًّا لِتَحْرِيرِ النَّفْسِ مِنِ اسْتِمْرَارِ الْجُرْحِ. فَالْوَسِيطَةُ لَا تَطْلُبُ مِنَ الضَّحِيَّةِ أَنْ تَنْسَى، بَلْ أَنْ تَمْنَعَ الْمَاضِيَ مِنِ احْتِكَارِ مُسْتَقْبَلِهَا.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَكْثَرُ مَا أَثَّرَ فِيَّ هُوَ الْفَرَاغُ بَيْنَ الْكُرْسِيَّيْنِ. فَذَلِكَ الْفَرَاغُ لَيْسَ نَقْصًا فِي الْمَشْهَدِ، بَلْ هُوَ مِسَاحَةُ التَّعَافِي نَفْسُهَا. فَبَعْضُ الْمَسَافَاتِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُمْلَأَ بِسُرْعَةٍ، لِأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْعِلَاجِ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَمَّا الْبَدَوِيُّ فَيُقَدِّمُ اسْتِعَارَةً تَبْدُو بَسِيطَةً لَكِنَّهَا تُلَخِّصُ الرِّوَايَةَ كُلَّهَا: الِانْتِمَاءُ لَيْسَ لِلْمَكَانِ وَحْدَهُ، بَلْ لِلطَّرِيقَةِ الَّتِي نَحْمِلُ بِهَا الْمَكَانَ دَاخِلَنَا. لِذَلِكَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُغَادِرَ الصَّحْرَاءَ دُونَ أَنْ تُغَادِرَهُ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
لِمَ وَضَعْتَ الْبَدَوِيَّ مُبَاشَرَةً قَبْلَ الْغُرْفَةِ صِفْرٍ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
لِأَنَّ سَامِرًا كَانَ يَحْتَاجُ، قَبْلَ أَنْ يُوَاجِهَ نَفْسَهُ، إِلَى أَنْ يَسْمَعَ أَنَّ الْغِيَابَ لَا يَعْنِي الْفَقْدَ النِّهَائِيَّ، وَأَنَّ مَا يَخْتَفِي عَنِ الْعَيْنِ قَدْ يَبْقَى حَاضِرًا بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى. كَانَتْ تِلْكَ آخِرَ طُمَأْنِينَةٍ أَرَدْتُ أَنْ تَصِلَهُ قَبْلَ الْبَابِ الْأَخِيرِ.
الطِّفْلَةُ النَّاجِيَةُ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
طِفْلَةٌ تَطْوِي وَرَقَةً صَغِيرَةً، لَكِنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ تُعِيدُ تَرْتِيبَ عَلَاقَتِهَا بِالْعَالَمِ كُلِّهِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
مَا يُعْجِبُنِي فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ لَا يَتَحَدَّثُ عَنِ الشِّفَاءِ، بَلْ عَنِ الْقُدْرَةِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ. فَالطِّفْلَةُ لَا تَمْحُو مَا حَدَثَ، وَإِنَّمَا تَمْنَحُهُ شَكْلًا يُمْكِنُ حَمْلُهُ. وَهَذَا فَرْقٌ بَالِغُ الْأَهَمِّيَّةِ.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
الْأُورِيغَامِي هُنَا لَيْسَ رَمْزًا لِلْجَمَالِ، بَلْ لِلتَّحَوُّلِ. فَالْوَرَقَةُ نَفْسُهَا لَمْ تَتَغَيَّرْ، لَكِنَّهَا اكْتَسَبَتْ هَيْئَةً جَدِيدَةً. وَالرِّوَايَةُ كُلُّهَا تَدْعُو سَامِرًا إِلَى الشَّيْءِ ذَاتِهِ: لَا تَبْحَثْ عَنْ حَيَاةٍ بِلَا جُرْحٍ، بَلْ عَنْ جُرْحٍ صَارَ جُزْءًا مِنْ شَكْلِ حَيَاتِكَ.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
أَرَى أَنَّ هَذَا الْبَابَ لَا يُقَدِّمُ فِكْرَةً جَدِيدَةً بِقَدْرِ مَا يَجْمَعُ خُيُوطًا كَثِيرَةً سَبَقَتْهُ. فَبَعْدَ تِسْعَةٍ وَثَمَانِينَ بَابًا، تُصْبِحُ أَبْسَطُ حَرَكَةٍ بِالْيَدِ أَبْلَغَ مِنْ أَطْوَلِ خِطَابٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
لِمَ جَعَلْتَ آخِرَ شَخْصِيَّةٍ قَبْلَ الْغُرْفَةِ صِفْرٍ طِفْلَةً؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
لِأَنَّ الْحِكْمَةَ، فِي النِّهَايَةِ، لَا تَرْتَبِطُ بِالْعُمْرِ. كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ سَامِرٌ الْغُرْفَةَ الْأَخِيرَةَ بَعْدَ أَنْ يَتَعَلَّمَ مِنْ أَبْسَطِ يَدٍ فِي الرِّوَايَةِ كَيْفَ يُمْكِنُ تَحْوِيلُ الْأَلَمِ دُونَ إِنْكَارِهِ.
الْغُرْفَةُ صِفْرٌ
«أَيُّ نُسْخَةٍ مِنِّي قَرَّرَتْ أَنْ أَتَذَكَّرَ الْآنَ؟”
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هَذِهِ لَيْسَتْ جَلْسَةَ تَحْلِيلٍ، بَلْ جَلْسَةَ تَأَمُّلٍ. بَعْدَ تِسْعِينَ بَابًا، لَمْ يَعُدِ السُّؤَالُ: مَاذَا اكْتَشَفَ سَامِرٌ؟ بَلْ: مَاذَا اكْتَشَفْنَا نَحْنُ عَنْ مَعْنَى الذَّاكِرَةِ؟
تَأَمُّلُ الْفَرِيقِ
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ:
شَجَاعَةُ هَذِهِ النِّهَايَةِ أَنَّهَا تَرْفُضُ الْمُكَافَأَةَ السَّرْدِيَّةَ التَّقْلِيدِيَّةَ. لَا مُؤَامَرَةَ كُبْرَى، وَلَا سِرَّ مُذْهِلًا، وَلَا كَشْفَ يَقْلِبُ كُلَّ مَا سَبَقَ. الرِّوَايَةُ تَقُولُ إِنَّ الْيَوْمَ الَّذِي ظَنَنْتَهُ يَسْتَحِقُّ كُلَّ هَذَا الْبَحْثِ قَدْ يَكُونُ، بِبَسَاطَةٍ، يَوْمًا عَادِيًّا. وَهَذَا لَيْسَ تَقْلِيلًا مِنْ شَأْنِهِ، بَلْ إِعَادَةُ اعْتِبَارٍ لِمَا نُهْمِلُهُ كُلَّ يَوْمٍ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى:
مُنْذُ بِدَايَةِ مِحْوَرِ الْعُلُومِ كَانَتِ الرِّوَايَةُ تُمَهِّدُ لِهَذِهِ اللَّحْظَةِ. فَالذَّاكِرَةُ لَا تَحْفَظُ كُلَّ الْأَيَّامِ بِالتَّسَاوِي، وَهَذِهِ لَيْسَتْ خِيَانَةً مِنْهَا، بَلْ طَرِيقَتُهَا الطَّبِيعِيَّةُ فِي الْعَمَلِ. فَالنِّهَايَةُ لَا تُنَاقِضُ الْعِلْمَ، بَلْ تُحَقِّقُهُ إِنْسَانِيًّا.
الدُّكْتُورُ فَادِي:
الْجُمْلَةُ الْأَخِيرَةُ تَمْنَحُ الْيَوْمَ اسْمًا جَدِيدًا: “يَوْمٌ كُنْتُ فِيهِ بِخَيْرٍ.” بَعْدَ كُلِّ الرِّحْلَةِ، يَبْدُو أَنَّ أَعْظَمَ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكْتَشِفَهُ الْإِنْسَانُ لَيْسَ سِرًّا خَفِيًّا، بَلْ قِيمَةَ الْأَيَّامِ الَّتِي مَرَّتْ بِهُدُوءٍ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى:
وَالْأَجْمَلُ أَنَّ الْمُتْحَفَ كُلَّهُ، بَعْدَ تِسْعِينَ بَابًا، لَا يَمْنَحُ سَامِرًا ذَاكِرَةً كَامِلَةً، بَلْ يَمْنَحُهُ طَرِيقَةً جَدِيدَةً لِلنَّظَرِ إِلَى مَا يَتَذَكَّرُهُ وَمَا لَا يَتَذَكَّرُهُ. وَهُنَا تَتَحَوَّلُ الرِّحْلَةُ مِنِ اسْتِعَادَةِ مَاضٍ إِلَى مُصَالَحَةٍ مَعَ حُدُودِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنْ كِتَابَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ، مَاذَا بَقِيَ لَكَ مِنْهَا قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
بَقِيَ لِي يَقِينٌ صَغِيرٌ، لَكِنَّهُ ثَمِينٌ: أَنَّنَا لَا نَحْتَاجُ إِلَى أَنْ نَسْتَعِيدَ كُلَّ مَا فَقَدْنَاهُ كَيْ نَعِيشَ بِسَلَامٍ. يَكْفِي أَحْيَانًا أَنْ نَتَوَقَّفَ عَنْ مُعَامَلَةِ النَّقْصِ بِوَصْفِهِ هَزِيمَةً. فَالذَّاكِرَةُ لَا تُعْطِينَا نُسْخَةً كَامِلَةً مِنْ حَيَاتِنَا، لَكِنَّهَا تُعْطِينَا مَا يَكْفِي لِنُوَاصِلَ السَّيْرَ. وَرُبَّمَا كَانَ هَذَا، مُنْذُ الصَّفْحَةِ الْأُولَى، هُوَ السُّؤَالَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي كُنْتُ أَبْحَثُ عَنْهُ دُونَ أَنْ أَعْرِفَ اسْمَهُ.

خَاتِمَةُ الْمُؤَلِّفِ

«وَلِمَاذَا اللَّاجِئُ السُّورِيُّ؟”
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
هَذِهِ الْمَرَّةَ لَا يَدْخُلُ سَامِرٌ الْقَاعَةَ، وَلَا يَنْتَظِرُنَا أَحَدٌ مِنْ ضُيُوفِ الْمُتْحَفِ. لِلْمَرَّةِ الْأُولَى، يَقِفُ الْمُؤَلِّفُ نَفْسُهُ أَمَامَنَا، لَا لِيَشْرَحَ رِوَايَتَهُ، بَلْ لِيَكْشِفَ شَيْئًا مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي قَادَهُ إِلَيْهَا. أَدْعُو الْفَرِيقَ إِلَى التَّفَاعُلِ مَعَ هَذِهِ الْخَاتِمَةِ كَمَا تَفَاعَلَ مَعَ كُلِّ الْأَصْوَاتِ السَّابِقَةِ.
الدُّكْتُورَةُ لُبْنَى :
لَفَتَنِي أَنَّكَ لَمْ تَتَحَدَّثْ عَنْ أَلْمَانْيَا بِوَصْفِهَا بَلَدَ اللُّجُوءِ، بَلْ بِوَصْفِهَا مُجْتَمَعًا اخْتَارَ أَنْ يَجْعَلَ الذَّاكِرَةَ جُزْءًا مِنْ حَيَاتِهِ الْعَامَّةِ. لِذَلِكَ بَدَا الْمُتْحَفُ فِي الرِّوَايَةِ امْتِدَادًا طَبِيعِيًّا لِهَذَا الْفَضَاءِ، لَا فِكْرَةً مُعَلَّقَةً فِي الْفَرَاغِ. الْمَكَانُ هُنَا لَيْسَ خَلْفِيَّةً لِلْأَحْدَاثِ، بَلْ شَرِيكٌ فِي مَعْنَاهَا.
الدُّكْتُورُ بَاسِلٌ :
أَمَّا تَقْسِيمُكَ لِأَنْوَاعِ النِّسْيَانِ الثَّلَاثَةِ، فَقَدْ جَعَلَنِي أَقْرَأُ الرِّوَايَةَ كُلَّهَا مِنْ جَدِيدٍ. لَمْ تَعُدِ الشَّخْصِيَّاتُ تَبْدُو مُتَفَرِّقَةً، بَلْ كَأَنَّهَا تَدُورُ حَوْلَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ بِصُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ: مَاذَا يَبْقَى مِنَ الْإِنْسَانِ إِذَا فَقَدَ جُذُورَهُ، أَوْ فَقَدَ الْآخَرِينَ، أَوْ فَقَدَ نَفْسَهُ؟ وَرُبَّمَا لِهَذَا انْتَهَتِ الرِّوَايَةُ بِالْمُصَالَحَةِ مَعَ حُدُودِ الذَّاكِرَةِ، لَا بِالِانْتِصَارِ عَلَيْهَا.
الدُّكْتُورُ فَادِي :
اخْتِيَارُ اللَّاجِئِ السُّورِيِّ بَدَا لِي، بَعْدَ هَذِهِ الْخَاتِمَةِ، اخْتِيَارًا أَدَبِيًّا قَبْلَ أَنْ يَكُونَ سِيَاسِيًّا أَوْ شَخْصِيًّا. لِأَنَّهَا الشَّخْصِيَّةُ الَّتِي تَحْمِلُ فِي دَاخِلِهَا أَكْبَرَ قَدْرٍ مِنَ التَّنَاقُضَاتِ: ذَاكِرَةً حَضَارِيَّةً طَوِيلَةً، وَقَطِيعَةً حَدِيثَةً مُؤْلِمَةً، وَحَيَاةً جَدِيدَةً لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَبْدَأَ إِلَّا وَهِيَ تَحْمِلُ الْقَدِيمَةَ مَعَهَا. لِذَلِكَ أَصْبَحَ سَامِرٌ إِنْسَانًا يُمْكِنُ أَنْ يَرَاهُ كُلُّ قَارِئٍ، لَا مُجَرَّدَ لَاجِئٍ بِعَيْنِهِ.
الدُّكْتُورَةُ سَلْمَى :
أَكْثَرُ مَا بَقِيَ مَعِي هُوَ حَدِيثُكَ عَنِ الْقَرَارَاتِ الصَّغِيرَةِ. طَوَالَ الرِّوَايَةِ نَاقَشْنَا الْفَقْدَ وَالذَّاكِرَةَ وَالْهُوِيَّةَ، لَكِنَّ النِّهَايَةَ تُعِيدُ كُلَّ ذَلِكَ إِلَى الْإِنْسَانِ الْفَرْدِ: لَيْسَ كُلُّ مَا يُغَيِّرُ حَيَاتَنَا حَدَثًا اسْتِثْنَائِيًّا، وَأَحْيَانًا يَكُونُ أَثْقَلَ مَا نَحْمِلُهُ قَرَارًا صَغِيرًا لَمْ نَنْتَبِهْ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ سَنَوَاتٍ.
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بَعْدَ تِسْعِينَ بَابًا، وَبَعْدَ هَذِهِ الْجَلْسَةِ الرَّابِعَةِ وَالْأَخِيرَةِ، وَبَعْدَ هَذَا الْحِوَارِ الطَّوِيلِ الَّذِي رَافَقَ الرِّوَايَةَ مِنْ بِدَايَتِهَا إِلَى نِهَايَتِهَا، أَسْأَلُكَ سُؤَالًا أَخِيرًا لَا عَنِ النَّصِّ، بَلْ عَنْ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ كُلِّهَا: أَشَعَرْتَ أَنَّ هَذِهِ النَّدْوَةَ أَضَافَتْ شَيْئًا إِلَى الرِّوَايَةِ نَفْسِهَا؟
الْأُسْتَاذُ نُعْمَان:
نَعَمْ، وَأَظُنُّ أَنَّهَا فَعَلَتْ أَكْثَرَ مِمَّا تَوَقَّعْتُ حِينَ بَدَأْتُ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنَا سَنُرَاجِعُ الرِّوَايَةَ، فَإِذَا بِنَا نُعِيدُ اكْتِشَافَهَا مَعًا. كَثِيرٌ مِنَ الْخُيُوطِ الَّتِي بَدَتْ لِي أَثْنَاءَ الْكِتَابَةِ مُجَرَّدَ إِحْسَاسٍ غَامِضٍ، وَجَدَتْ هُنَا أَسْمَاءً وَرَوَابِطَ لَمْ أَكُنْ وَاعِيًا بِهَا تَمَامًا. لِذَلِكَ لَا أَرَى هَذِهِ النَّدْوَةَ شَرْحًا لِلرِّوَايَةِ، بَلْ فَصْلًا أَخِيرًا فِيهَا؛ فَصْلًا لَا يُغَيِّرُ أَحْدَاثَهَا، لَكِنَّهُ يُضِيءُ الطَّرِيقَ الَّذِي سَلَكْتُهُ حَتَّى وَصَلْتُ إِلَى نِهَايَتِهَا.
خِتَامٌ
رَئِيسُ الْجَلْسَةِ:
بِهَذَا تَنْتَهِي نَدْوَتُنَا.
تِسْعُونَ بَابًا، وَهَذِهِ الْجَلْسَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَخِيرَةُ، وَعَشَرَاتُ الْأَصْوَاتِ الَّتِي اخْتَلَفَتْ فِي لُغَاتِهَا وَأَزْمِنَتِهَا وَتَجَارِبِهَا، لَكِنَّهَا الْتَقَتْ عِنْدَ حَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ: أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُعَرَّفُ بِمَا يَتَذَكَّرُهُ كَامِلًا، وَلَا بِمَا فَقَدَهُ كَامِلًا، بَلْ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يُوَاصِلُ بِهَا السَّيْرَ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ.
نَشْكُرُ أُسْتَاذَ نُعْمَانَ الْبَرْبَرِيَّ عَلَى هَذِهِ الرِّحْلَةِ، وَنَشْكُرُ أَعْضَاءَ الْفَرِيقِ الَّذِينَ رَافَقُونَا مِنَ الْجَلْسَةِ الْأُولَى حَتَّى هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
أَمَّا الْمُتْحَفُ… فَسَيَظَلُّ مَفْتُوحًا لِكُلِّ قَارِئٍ يَدْخُلُ إِلَيْهِ يَوْمًا، وَيَخْرُجُ مِنْهُ وَهُوَ يَحْمِلُ سُؤَالًا جَدِيدًا عَنْ ذَاكِرَتِهِ هُوَ، لَا عَنْ ذَاكِرَةِ سَامِرٍ وَحْدَهَا.
انْتَهَتِ النَّدْوَةُ.


الجلسة الثالثة


الندوة الحوارية حول رواية “متحف الأيام المفقودة”


متحف الأيام المفقودة