لَمْ يَكُنْ سَامِرٌ يَعْرِفُ أَنَّ الذَّاكِرَةَ قَدْ تَكُونُ لَعْنَةً، كَمَا يَكُونُ النِّسْيَانُ نِعْمَةً.
كَانَ لَاجِئًا سُورِيًّا يَعِيشُ فِي أَلْمَانِيَا مُنْذُ أَعْوَامٍ طَوِيلَةٍ، بَلَغَ أَوَاسِطَ السِّتِّينَاتِ مِنْ عُمْرِهِ، وَلَمْ يَكُنْ يُمَيِّزُهُ عَنِ النَّاسِ شَيْءٌ بِقَدْرِ مَا تُمَيِّزُهُ ذَاكِرَتُهُ؛ ذَاكِرَةٌ صَافِيَةٌ إِلَى حَدِّ أَنَّهُ كَانَ يُؤْمِنُ أَنَّهُ لَمْ يَنْسَ فِي حَيَاتِهِ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُنْسَى.
وَلَعَلَّ هَذَا مَا جَعَلَ عَمَلَهُ يُشْبِهُهُ؛ فَقَدْ كَانَ أَمِينَ أَرْشِيفٍ فِي مَكْتَبَةٍ تُرَاثِيَّةٍ، يُمْضِي نَهَارَهُ بَيْنَ مَخْطُوطَاتٍ تَحْفَظُ غُبَارَ الْقُرُونِ، وَكَثِيرًا مَا خَطَرَ لَهُ أَنَّ الْوَرَقَ يَتَذَكَّرُ أَكْثَرَ مِمَّا يَتَذَكَّرُ الْبَشَرُ.
________________________________________
فِي أُمْسِيَةِ شِتَاءٍ، كَانَ الضَّبَابُ أَكْثَفَ مِنْ عَادَتِهِ، حَتَّى بَدَتِ الْمَدِينَةُ كَأَنَّهَا مَدِينَةٌ أُخْرَى.
خَرَجَ سَامِرٌ مِنْ مَحَطَّةِ الْقِطَارِ، وَسَلَكَ طَرِيقَهُ الْمُعْتَادَ الَّذِي يَعْرِفُهُ حَجَرًا حَجَرًا، وَمَعَ ذَلِكَ… ضَلَّ الطَّرِيقَ، وَبَدَا لَهُ أَنَّ الْمَدِينَةَ نَفْسَهَا هِيَ الَّتِي انْحَرَفَتْ عَنْ مَكَانِهَا.
أَمَامَهُ ارْتَفَعَ بِنَاءٌ حَجَرِيٌّ قَدِيمٌ لَمْ يَرَهُ فِي حَيَاتِهِ قَطُّ، وَفَوْقَ بَابِهِ لَوْحَةٌ نُحَاسِيَّةٌ نُقِشَتْ عَلَيْهَا كَلِمَاتٌ:
Museum der verlorenen Tage
مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ.
مَدَّ يَدَهُ، وَدَفَعَ الْبَابَ، وَدَخَلَ.
لَمْ يَكُنْ ثَمَّةَ حَارِسٌ وَلَا أَثَرٌ لِحَيَاةٍ بَشَرِيَّةٍ، فَقَطْ رِوَاقٌ طَوِيلٌ يَفُوحُ مِنْهُ عَبَقُ وَرَقٍ عَتِيقٍ يُشْبِهُ رَائِحَةَ ذَاكِرَةٍ ظَلَّتْ مُغْلَقَةً قُرُونًا.
ثُمَّ سَمِعَ صَوْتًا هَادِئًا يَنْبَعِثُ مِنْ آخِرِ الرِّوَاقِ:
— تَأَخَّرْتَ.
وَقَفَ فِي أَقْصَى الرِّوَاقِ شَيْخٌ نَحِيلٌ، يَسْتَنِدُ إِلَى عَصًا، وَكَأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ مُنْذُ الْبِدَايَةِ، لَا كَرَجُلٍ وَصَلَ، بَلْ كَجُزْءٍ مِنَ الْمَكَانِ نَفْسِهِ.
سَأَلَ سَامِرٌ:
— أَيْنَ أَنَا؟ مَا هَذَا الْمَكَانُ؟
أَجَابَ الشَّيْخُ:
— مُتْحَفُ الْأَيَّامِ الْمَفْقُودَةِ. أَلَيْسَ هَذَا مَا قَرَأْتَهُ عَلَى الْبَابِ؟
وَقَعَتْ عَيْنَا سَامِرَ عَلَى صُفُوفٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْأَدْرَاجِ، لَا تَحْمِلُ أَسْمَاءً، بَلْ تَوَارِيخَ فَقَطْ، آلَافَ التَّوَارِيخِ. مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ أَقْرَبِهَا، فَقَالَ الشَّيْخُ بِحَزْمٍ هَادِئٍ:
— لَيْسَ بَعْدُ. لِأَنَّكَ لَمْ تَبْدَأْ عَمَلَكَ بَعْدُ.
حَاوَلَ سَامِرٌ أَنْ يَعُودَ مِنَ الْبَابِ الَّذِي دَخَلَ مِنْهُ، فَلَمْ يَجِدْهُ؛ لَمْ يَبْقَ غَيْرُ جِدَارٍ حَجَرِيٍّ أَمْلَسَ لَا أَثَرَ لِمَدْخَلٍ فِيهِ. قَالَ الشَّيْخُ مِنْ خَلْفِهِ:
— لِهَذَا السَّبَبِ، لَا يُغَادِرُ أَحَدٌ الْمُتْحَفَ فِي لَيْلَتِهِ الْأُولَى.
سَارَا فِي صَمْتٍ حَتَّى قَاعَةٍ وَاسِعَةٍ تَفُوقُ سَعَتُهَا حُدُودَ الْبِنَاءِ نَفْسِهِ، تَصْطَفُّ عَلَى جَانِبَيْهَا خَزَائِنُ زُجَاجِيَّةٌ، فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ بَسِيطٌ — سَاعَةُ يَدٍ، دَفْتَرٌ مَدْرَسِيٌّ، فُسْتَانٌ بَاهِتٌ، مِفْتَاحٌ صَدِئٌ — مَوْضُوعَةٌ بِهَيْبَةِ جَوَاهِرِ الْمُلُوكِ. قَالَ الشَّيْخُ:
— هَذِهِ بَقَايَا أَيَّامٍ ضَائِعَةٍ. كُلُّ شَيْءٍ تَرَاهُ هُنَا هُوَ مَا تَبَقَّى مِنْ يَوْمٍ فُقِدَ، لَمْ يُمْحَ مِنَ الْعَالَمِ، وَلَمْ يَبْقَ فِي ذَاكِرَةِ صَاحِبِهِ، فَاسْتَقَرَّ هُنَا.
عِنْدَ آخِرِ الْقَاعَةِ، وَقَفَا أَمَامَ خِزَانَةٍ كَبِيرَةٍ تُغَطِّيهَا سِتَارَةٌ سَوْدَاءُ. سَأَلَ سَامِرٌ عَمَّا فِيهَا، فَقَالَ الشَّيْخُ:
— شَيْءٌ لَمْ يُفْتَحْ بَعْدُ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ لَمْ يَصِلْ بَعْدُ.
ثُمَّ شَعَرَ سَامِرٌ أَنَّهُ لَيْسَ وَحْدَهُ؛ رَأَى فِي أَقْصَى الْقَاعَةِ ظِلًّا بِلَا وَجْهٍ يُرَاقِبُهُ، فَلَمَّا رَمَشَ، كَانَ الظِّلُّ قَدِ اخْتَفَى كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ.
________________________________________
قَادَهُ الشَّيْخُ إِلَى غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ، تَتَوَسَّطُهَا مَائِدَةٌ عَلَيْهَا مِلَفٌّ وَاحِدٌ كُتِبَ عَلَى غِلَافِهِ اسْمٌ وَاحِدٌ: سَامِرُ.
قَالَ الشَّيْخُ:
— اِفْتَحْهُ.
فَتَحَهُ سَامِرٌ، فَلَمْ يَجِدْ سِوَى تَارِيخٍ: السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ تِشْرِينِ الْأَوَّلِ ١٩٩٤، يَوْمٍ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَعْرِفَهُ، لَكِنَّهُ كُلَّمَا حَاوَلَ اسْتِحْضَارَهُ، وَجَدَ فِي رَأْسِهِ فَرَاغًا لَا يُشْبِهُ النِّسْيَانَ، بَلْ يُشْبِهُ شَيْئًا لَمْ يُوجَدْ قَطُّ. وَتَحْتَهُ سُطُورٌ:
«الْحَالَةُ: يَوْمٌ غَيْرُ مُسْتَعَادٍ. تَمَّ رَصْدُ انْحِرَافٍ غَيْرِ مَرْئِيٍّ فِي مَسَارِ الْحَيَاةِ. خِيَارٌ غَيْرُ مُسَجَّلٍ. السَّاعَةُ: ٠٩:٠٧.»
هَمَسَ سَامِرٌ:
— أَنَا لَا أَتَذَكَّرُ هَذَا الْيَوْمَ.
أَغْلَقَ الْمِلَفَّ ثُمَّ فَتَحَهُ مِنْ جَدِيدٍ، فَوَجَدَ سَطْرًا لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا قَبْلَ لَحَظَاتٍ:
«الْأَمِينُ الْجَدِيدُ بَدَأَ التَّفَاعُلَ مَعَ الْيَوْمِ.»
________________________________________
سَأَلَ سَامِرٌ: — مَا هَذَا الْمَكَانُ فِي الْحَقِيقَةِ؟
فَقَالَ الشَّيْخُ: — يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ الْأَرْشِيفَ يَحْفَظُ مَا مَضَى، لَكِنَّ الْأَرْشِيفَ الْحَقِيقِيَّ يَحْفَظُ مَا لَمْ يَمْضِ قَطُّ. كُلُّ يَوْمٍ يَعِيشُهُ إِنْسَانٌ يَتْرُكُ أَثَرًا، بَعْضُهُ يَبْقَى فِي الذَّاكِرَةِ، وَبَعْضُهُ فِي الْأَشْيَاءِ، أَمَّا الْأَيَّامُ الَّتِي لَا يَذْكُرُهَا أَحَدٌ، فَتَأْتِي إِلَى هُنَا.
سَأَلَ سَامِرٌ: — وَمَا دَوْرِي أَنَا؟
أَجَابَ الشَّيْخُ: — أَنْتَ لَسْتَ زَائِرًا، وَلَمْ تَكُنْ زَائِرًا قَطُّ. أَنْتَ الْأَمِينُ؛ أَمِينُ الْأَيَّامِ الَّتِي لَمْ يَعُدْ لَهَا مَنْ يَحْمِلُهَا — أَيَّامُ الْمُلُوكِ وَالْمُتَسَوِّلِينَ، أَيَّامُ الْأُمَّهَاتِ وَالْجُنُودِ وَالْأَطْفَالِ الَّذِينَ كَبِرُوا دُونَ أَنْ يَعْرِفُوا أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَعْمَارِهِمْ قَدْ ضَاعَ.
ثُمَّ أَضَافَ هَامِسًا: — أَنْتَ لَا تَبْحَثُ عَنْ يَوْمِكَ الْمَفْقُودِ، بَلْ تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تُصْغِي إِلَى مَنْ فَقَدُوا أَيَّامَهُمْ قَبْلَكَ، وَعِنْدَمَا تَنْجَحُ فِي الْإِصْغَاءِ، سَتَعْرِفُ أَيُّ نُسْخَةٍ مِنْكَ هِيَ الَّتِي اخْتَارَتْ أَنْ تَتَذَكَّرَ الْآنَ.
________________________________________
تَقَدَّمَ الشَّيْخُ نَحْوَ جِدَارٍ أَمْلَسَ، وَوَضَعَ رَاحَةَ يَدِهِ عَلَيْهِ، فَانْفَتَحَ مِنْ دَاخِلِهِ بَابٌ ضَيِّقٌ بِلَا مِقْبَضٍ، لَا يَحْمِلُ سِوَى رَقْمٍ: ١.
قَالَ: — هَذِهِ لَيْسَتْ قَاعَةً، هَذِهِ بِدَايَةٌ. كُلُّ مَنْ سَيُكَلِّمُكَ خَلْفَ هَذَا الْبَابِ لَمْ يَعُدْ بَشَرًا، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَكُنْ بَشَرًا مُنْذُ الْبِدَايَةِ، لَكِنَّهُمْ جَمِيعًا يَنْتَظِرُونَكَ مُنْذُ أَنْ وُجِدَ الزَّمَنُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُمْ أَحَدٌ قَبْلَكَ.
سَأَلَ سَامِرٌ: — وَلِمَاذَا أَنَا؟
أَجَابَ الشَّيْخُ: — لِأَنَّكَ الْوَحِيدُ الَّذِي لَمْ يَفْقِدْ مِنْ حَيَاتِهِ إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا، أَمَّا الْآخَرُونَ فَقَدْ فَقَدُوا أَكْثَرَ مِمَّا يَتَذَكَّرُونَ، وَمَا زَالُوا، مُنْذُ قُرُونٍ، يَنْتَظِرُونَ مَنْ يَسْأَلُهُمْ سُؤَالًا وَاحِدًا: مَا الَّذِي تَتَذَكَّرُهُ؟
وَانْفَتَحَ الْبَابُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَى فَرَاغٍ مُضِيءٍ، بِلَا لَوْنٍ تَعْرِفُهُ الْأَرْضُ، فَرَاغٍ كَانَ يَتَنَفَّسُ. وَشَعَرَ سَامِرٌ، لِلْمَرَّةِ الْأُولَى فِي حَيَاتِهِ، أَنَّ الْكَوْنَ كُلَّهُ كَانَ يُصْغِي..
