الجَارُ الَّذِي لَمْ نَرَهُ

الجزء الثاني من رواية حين توقف الوحي وبدأ الإنسان – الملحق الرابع
الجَارُ الَّذِي لَمْ نَرَهُ
“لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ” — الممتحنة: ٨
الجَارُ الَّذِي لَمْ نَرَهُ
الفَصْلُ الأَوَّلُ: الرَّجُلُ الَّذِي يُولَدُ مَرَّتَيْنِ
بَغْدَادُ — ١٩٢ هـ / ٨٠٨ م
فِي السَّاعَةِ الَّتِي يَبْدَأُ فِيهَا الْفَجْرُ بِغَسْلِ وَجْهِ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يُتِمَّ عَمَلَهُ بَعْدُ — تِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي لَا هِيَ لَيْلٌ وَلَا هِيَ نَهَارٌ، بَلْ بَرْزَخٌ يَسْكُنُهُ مَنْ لَا يَنَامُونَ — كَانَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ يَجْلِسُ أَمَامَ مَخْطُوطَةٍ مَفْتُوحَةٍ،
وَيُكَذِّبُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّهُ يَقْرَأُ.
كَانَ يُفَكِّرُ.
وَكَانَ يَعْرِفُ الْفَرْقَ.
عَلَى الطَّاوِلَةِ الْخَشَبِيَّةِ الْمَنْقُوشَةِ بِالْأَرَابِيسْكُ الَّذِي لَمْ يَخْتَرْهُ — بَلْ جَاءَ بِهِ الْخَانُ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ فِي الْجَانِبِ الشَّرْقِيِّ مِنْ بَغْدَادَ — كَانَتْ ثَلَاثُ وَرَقَاتٍ بِالسُّرْيَانِيَّةِ،
وَإِلَى جَانِبِهَا وَرَقَتَانِ بِالْيُونَانِيَّةِ،
وَأَمَامَهُ صَفْحَةٌ فَارِغَةٌ بِالْعَرَبِيَّةِ.
مُهِمَّتُهُ الْبَسِيطَةُ الْمُسْتَحِيلَةُ:
أَنْ يَأْخُذَ مَا فِي الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَيَضَعَهُ فِي الثَّالِثَةِ،
بِمَا يَجْعَلُ الْحِكْمَةَ حِكْمَةً،
لَا مُجَرَّدَ كَلِمَاتٍ مَنْقُولَةٍ مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ،
كَمَا تُنْقَلُ الْبَضَائِعُ مِنْ مِينَاءٍ إِلَى مِينَاءٍ،
دُونَ أَنْ يَفْهَمَهَا أَحَدٌ مِنَ الْحَمَّالِينَ.
كَانَ يَعْقُوبُ فِي الْخَامِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ، أَوْ فِي السَّادِسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ — لَمْ يَكُنْ أَبُوهُ دَقِيقًا فِي التَّوَارِيخِ.
مَسِيحِيٌّ نَسْطُورِيٌّ مِنْ عَائِلَةٍ عَرِيقَةٍ فِي التَّرْجَمَةِ:
أَبُوهُ تَرْجَمَ،
وَجَدُّهُ تَرْجَمَ،
كَأَنَّ التَّوَسُّطَ بَيْنَ اللُّغَاتِ وِرَاثَةٌ فِي دَمِ هَذِهِ الْعَائِلَةِ،
حُكِمَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَعِيشُوا دَائِمًا عَلَى الْجُسُورِ لَا عَلَى الضِّفَافِ.
طَرَقَ الْبَابَ طَرْقًا خَفِيفًا مَأْلُوفًا.
لَمْ يَكُنِ الطَّرْقُ سُؤَالًا عَنِ الْإِذْنِ — بَلْ إِعْلَانًا عَنْ وُصُولٍ.
فُتِحَ الْبَابُ قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ يَعْقُوبُ،
وَدَخَلَ يُوسُفُ بْنُ بَشِيرٍ،
وَفِي يَدِهِ طَبَقٌ بِهِ خُبْزٌ وَزَيْتُونٌ وَجُبْنَةٌ بَيْضَاءُ،
وَخَلْفَهُ رَائِحَةُ الشاي المُعطَّر الَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ فِي إِبْرِيقٍ صَغِيرٍ بِيَدٍ أُخْرَى، بِمَهَارَةِ مَنْ اعْتَادَ أَلَّا تَخْلُوَ يَدَاهُ.
يُوسُفُ كَانَ يَهُودِيًّا مِنَ الْأَنْدَلُسِ،
اسْتَقَرَّ فِي بَغْدَادَ مُنْذُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً،
وَكَانَ يَقُولُ إِنَّهُ جَاءَ لِلتِّجَارَةِ وَبَقِيَ بِسَبَبِ الْأَسْئِلَةِ.
طَوِيلٌ، اِنْحَسَرَ شَعْرُهُ عَنْ مُقَدِّمَةِ رَأْسِهِ،
بِلِحْيَةٍ رَمَادِيَّةٍ مُشَذَّبَةٍ بِعِنَايَةِ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ التَّهَاوُنَ فِي الشَّكْلِ يُسِيءُ إِلَى مَضْمُونِ مَا يَقُولُ.
كَانَ أَصْغَرَ مِنْ يَعْقُوبَ بِعَشْرِ سَنَوَاتٍ، وَكَانَ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِعِشْرِينَ سَنَةً مِنَ الْخِبْرَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ النَّاسِ.
قَالَ وَهُوَ يَضَعُ الطَّبَقَ عَلَى الطَّاوِلَةِ بَعِيدًا عَنِ الْأَوْرَاقِ، بِحِرصِ مَنْ يَعْرِفُ ثَمَنَ الْمَخْطُوطَاتِ:
— الْمَدِينَةُ تَنَامُ وَأَنْتَ تُتَرْجِمُ.
مَا الَّذِي يَعْمَلُ الْآنَ — الْعَقْلُ أَمِ الضَّمِيرُ؟
قَالَ يَعْقُوبُ دُونَ أَنْ يَرْفَعَ رَأْسَهُ:
— لَا هَذَا وَلَا ذَاكَ. أَنَا أَخْتَارُ كَلِمَةً.
— كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ؟
— الْكَلِمَةُ الَّتِي قَصَدَهَا أَرِسْطُو حِينَ قَالَ “eudaimonia”.
بِالْيُونَانِيَّةِ تَعْنِي السَّعَادَةَ وَلَا تَعْنِيهَا.
تَعْنِي الِازْدِهَارَ وَلَا تَعْنِيهِ.
تَعْنِي حَيَاةَ الْإِنْسَانِ حِينَ يَحْيَا كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَحْيَا — وَهَذَا وَحْدَهُ يَحْتَاجُ جُمْلَةً،
وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْ كَلِمَةٍ.
جَلَسَ يُوسُفُ،
وَأَخَذَ حَبَّةَ زَيْتُونٍ،
وَأَدَارَهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ كَمَنْ يُفَكِّرُ بِيَدَيْهِ:
— “الطُّمَأْنِينَةُ”؟
— أَقْرَبُ.
لَكِنَّهَا تَسْتَدْعِي السُّكُونَ.
وَأَرِسْطُو لَا يَقْصِدُ السُّكُونَ — يَقْصِدُ الْحَرَكَةَ فِي اتِّجَاهِهَا الصَّحِيحِ.
— ” الْكَمَالُ”؟
— الْكَمَالُ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَشْغُولٌ بِمَعْنَى عَدِيمِ الْعَيْبِ.
وَأَرِسْطُو لَا يَتَكَلَّمُ عَنْ عَدِيمِ الْعَيْبِ.
يَتَكَلَّمُ عَنِ الْإِنْسَانِ الَّذِي يَسْتَخْدِمُ مَا فِيهِ بِمَا يَنْبَغِي.
جَلَسَا مَعًا فِي ذَلِكَ الصَّمْتِ الَّذِي يَسْكُنُهُ الْفِكْرُ الْجَادُّ — الصَّمْتُ الَّذِي لَيْسَ فَرَاغًا بَلْ مِلْءٌ.
ثُمَّ قَالَ يُوسُفُ فَجْأَةً، وَفِي عَيْنَيْهِ ذَلِكَ الْبَرِيقُ الْهَادِئُ الَّذِي كَانَ يَعْرِفُهُ يَعْقُوبُ جَيِّدًا، الْبَرِيقُ الَّذِي يَسْبِقُ دَائِمًا مُلَاحَظَةً غَيْرَ عَادِيَّةٍ:
— “النُّضْجُ”.
هَلْ جَرَّبْتَ “النُّضْجَ”؟
نَظَرَ إِلَيْهِ يَعْقُوبُ.
— الْإِنْسَانُ حِينَ يَبْلُغُ نُضْجَهُ لَا يَكُونُ سَاكِنًا وَلَا نَاقِصًا.
يَكُونُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ.
الْتَقَطَ يَعْقُوبُ قَلَمَهُ، وَكَتَبَ الْكَلِمَةَ،
وَنَظَرَ إِلَيْهَا طَوِيلًا بِعَيْنِ مَنْ يَضَعُ قَدَمَهُ عَلَى أَرْضٍ جَدِيدَةٍ وَيُجَرِّبُ إِنْ كَانَتْ تَحْمِلُ وَزْنَهُ.
ثُمَّ قَالَ بِبُطْءٍ:
— رُبَّمَا.
لَكِنَّنِي سَأَنَامُ عَلَيْهَا وَأَرَى فِي الصَّبَاحِ.
قَالَ يُوسُفُ وَهُوَ يَقُومُ:
— الصَّبَاحُ أَذْكَى مِنَ اللَّيْلِ دَائِمًا.
لَكِنْ لَا يُوجَدُ صَبَاحٌ بِلَا لَيْلٍ فَكَّرَ فِيهِ أَحَدٌ.
لَمْ يَكُنْ يَعْقُوبُ يَعْرِفُ — وَهُوَ يَضَعُ تِلْكَ الْكَلِمَةَ عَلَى الْوَرَقِ الْفَارِغِ — أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ الْبَرْزَخِيَّةِ بَيْنَ لَيْلِ بَغْدَادَ وَفَجْرِهَا كَانَ أَكْثَرَ مِنْ تَرْجَمَةٍ.
كَانَ يَصْنَعُ جِسْرًا سَيَمْشِي عَلَيْهِ بَشَرٌ لَمْ يُولَدُوا بَعْدُ، بِأَقْدَامٍ لَنْ تَذْكُرَ اسْمَهُ.
وَهَذَا لَمْ يَكُنْ يُزْعِجُهُ.
الْجِسْرُ الْجَيِّدُ لَا يُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهِ.
يَكْتَفِي بِأَنْ يَصِلَ.
فِي الصَّبَاحِ — بَعْدَ أَنْ نَامَ يَعْقُوبُ سَاعَتَيْنِ عَلَى الْحَصِيرَةِ بِجَانِبِ الطَّاوِلَةِ كَعَادَتِهِ فِي اللَّيَالِي الطَّوِيلَةِ — جَاءَ الِاسْتِدْعَاءُ.
رَسُولُ الْخَلِيفَةِ.
رَسْمِيٌّ.
بِخَتْمِ الدِّيوَانِ.
كَانَ الْمَأْمُونُ قَدْ طَلَبَهُ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: الرَّجُلُ الَّذِي يَسْأَلُ وَلَا يَتَوَقَّعُ أَنْ يُجَابَ
قَصْرُ الْمَأْمُونِ لَمْ يَكُنْ كَمَا تَصَوَّرَهُ يَعْقُوبُ فِي طُفُولَتِهِ حِينَ كَانَ يَسْمَعُ قِصَصَ الْخُلَفَاءِ — لَمْ يَكُنْ مَكْسُوًّا بِالذَّهَبِ وَلَا حِكْمَةً مَنْقُوشَةً عَلَى لَوْحٍ يَتَدَلَّى مِنْ جُدْرَانِهِ.
كَانَ مَكَانًا كَبِيرًا يَعْمَلُ فِيهِ نَاسٌ كَثِيرُونَ بِجِدِّيَّةٍ وَاضِحَةٍ، وَفِي هَذَا كَانَ أَجْمَلَ مِنْ أَيِّ ذَهَبٍ.
أُدْخِلَ يَعْقُوبُ إِلَى غُرْفَةٍ فِيهَا رَجُلَانِ.
الْأَوَّلُ كَانَ الْمَأْمُونُ نَفْسُهُ.
رَأَى يَعْقُوبُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ صُورَةً ذِهْنِيَّةً لِلْخَلِيفَةِ مِنْ حِكَايَاتِ النَّاسِ:
ضَخْمٌ، مَهِيبٌ، يَتَكَلَّمُ بِصَوْتٍ يَمْلَأُ الْمَكَانَ.
فَوَجَدَ رَجُلًا فِي الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ أَوْ مَا حَوْلَهَا، مُتَوَسِّطَ الْبُنْيَةِ، فِي عَيْنَيْهِ ذَلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا يُوصَفُ إِلَّا بِالْجُوعِ — جُوعُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الدُّنْيَا مَلِيئَةٌ بِمَا لَمْ يَقْرَأْهُ بَعْدُ وَهَذَا يُزْعِجُهُ.
الثَّانِي كَانَ الْكِنْدِيُّ.
رَآهُ يَعْقُوبُ مِنْ قَبْلُ مَرَّتَيْنِ فِي مَجَالِسَ أَدَبِيَّةٍ، لَكِنْ لَمْ يَتَكَلَّمَا.
وَجْهٌ مُفَكِّرٌ يَبْدُو دَائِمًا كَأَنَّهُ فِي مُنْتَصَفِ سُؤَالٍ — حَتَّى حِينَ يَبْتَسِمُ.
عَرَبِيٌّ مِنْ قَبِيلَةِ كِنْدَةَ، يَلْبَسُ لِبَاسًا بَسِيطًا بِعِنَايَةِ مَنْ يَخْتَارُ الْبَسَاطَةَ قَرَارًا لَا فَقْرًا.
قَالَ الْمَأْمُونُ — وَبَدَلًا مِنَ الْمُقَدِّمَةِ الرَّسْمِيَّةِ الَّتِي تَوَقَّعَهَا يَعْقُوبُ، دَخَلَ مُبَاشَرَةً كَمَنْ يُكْمِلُ حَدِيثًا مُتَقَطِّعًا:
— ابْنَ إِسْحَاقَ، أَخْبَرَنِي الْكِنْدِيُّ أَنَّكَ وَصَلْتَ إِلَى عَقَبَةٍ فِي تَرْجَمَةِ “الْأَخْلَاقِ” لِأَرِسْطُو.
مَا الْعَقَبَةُ؟
نَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى الْكِنْدِيِّ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْعَتَبَ الْهَادِئَ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ الْكِنْدِيَّ يُبَلِّغُ الْمَأْمُونَ بِتَفَاصِيلِ الْعَمَلِ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ بِعُيُونٍ ثَابِتَةٍ:
— قُلْتُ لَهُ إِنَّكَ أَذْكَى مَنْ يَعْمَلُ فِي بَيْتِ الْحِكْمَةِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْكَلِمَةِ الْمُشْكِلَةِ.
وَهَذَا مَدْحٌ لَا كَشْفُ سِرٍّ.
قَالَ يَعْقُوبُ لِلْمَأْمُونِ بِلَهْجَةٍ مُبَاشِرَةٍ لَمْ يَحْذِفْهَا احْتِرَامًا:
— الْعَقَبَةُ أَنَّ أَرِسْطُو يَتَكَلَّمُ عَنِ الْإِنْسَانِ بِطَرِيقَةٍ تَفْتَرِضُ أَنَّ الْإِنْسَانَ مِقْيَاسُ نَفْسِهِ.
وَهَذَا يَتَعَارَضُ مَعَ افْتِرَاضِ الْقُرْآنِ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْمِقْيَاسُ.
وَحِينَ أُتَرْجِمُ أَرِسْطُو لِقَارِئٍ مُسْلِمٍ بِدُونِ أَنْ أُنَبِّهَهُ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ — أَكُونُ أَمِينًا فِي الشَّكْلِ وَخَائِنًا فِي الْجَوْهَرِ.
صَمَتَ الْمَأْمُونُ لَحْظَةً، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْكِنْدِيِّ:
— وَمَا رَأْيُكَ أَنْتَ؟
قَالَ الْكِنْدِيُّ:
— أَرَى أَنَّ يَعْقُوبَ يَطْرَحُ سُؤَالًا أَعْمَقَ مِنْ سُؤَالِ التَّرْجَمَةِ.
يَسْأَلُ:
هَلْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي مَكَانَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ؟
عِنْدَ أَرِسْطُو الْوَثَنِيِّ وَعِنْدَ الْقُرْآنِ الْمُنَزَّلِ؟
وَإِنْ كَانَ — فَكَيْفَ نَجْمَعُ بَيْنَهُمَا دُونَ أَنْ نُضَيِّعَ أَحَدَهُمَا؟
قَالَ الْمَأْمُونُ بِبُطْءٍ، بُطْءُ مَنْ يَزِنُ كَلَامَهُ لَيْسَ جُبْنًا بَلْ ذَكَاءً:
— وَمَا جَوَابُكَ أَنْتَ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ؟
قَالَ الْكِنْدِيُّ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْهُدُوءُ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ قَرَّرَ أَنْ يَقُولَ مَا يَعْتَقِدُهُ بِصَرْفِ النَّظَرِ عَنِ النَّتَائِجِ:
— جَوَابِي أَنَّ الْحَقَّ لَا وَطَنَ لَهُ.
وَأَنَّ اللَّهَ حِينَ أَنْزَلَ الْقُرْآنَ عَلَى قَوْمٍ عَرَبٍ فِي الْقَرْنِ السَّابِعِ، لَمْ يَكُنْ يَقُولُ إِنَّ مَا جَاءَ قَبْلَهُ بَاطِلٌ.
كَانَ يَقُولُ إِنَّهُ اكْتَمَلَ.
وَالِاكْتِمَالُ لَا يَلْغِي مَا سَبَقَهُ — يُتَمِّمُهُ.
نَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى الْكِنْدِيِّ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ:
دَهْشَةُ مَنْ يَسْمَعُ رَجُلًا مُسْلِمًا يَقُولُ بِصَوْتٍ عَالٍ مَا كَانَ يُفَكِّرُ فِيهِ يَعْقُوبُ الْمَسِيحِيُّ سِرًّا.
قَالَ الْمَأْمُونُ لِلْكِنْدِيِّ:
— الْفُقَهَاءُ لَنْ يُوَافِقُوا عَلَى هَذَا الْكَلَامِ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ:
— الْفُقَهَاءُ يَحْرُسُونَ الدِّينَ مِنَ الْأَخْطَاءِ.
وَهَذَا عَمَلٌ شَرِيفٌ.
لَكِنَّنِي لَا أَرْتَكِبُ خَطَأً.
أَقُولُ إِنَّ اللَّهَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَحْصُرَهُ طَرِيقٌ وَاحِدٌ لِلْفَهْمِ.
وَهَذَا لَيْسَ تَقْلِيلًا مِنَ الْإِسْلَامِ — بِالْعَكْسِ:
هُوَ تَعْظِيمٌ لِلَّهِ.
جَلَسَ الْمَأْمُونُ خَلْفَ طَاوِلَتِهِ وَنَظَرَ إِلَى النَّافِذَةِ الَّتِي تُطِلُّ عَلَى الْحَدِيقَةِ، حَيْثُ كَانَ الْمُبَكِّرُونَ فِي الْقَصْرِ قَدْ بَدَأُوا حَرَكَتَهُمْ فِي الْفَجْرِ.
ثُمَّ قَالَ بِنَبْرَةٍ تَقْرِيرِيَّةٍ كَمَنْ حَسَمَ قَرَارًا:
— ابْنَ إِسْحَاقَ، أُرِيدُ مِنْكَ تَرْجَمَةً كَامِلَةً لِكُلِّ مَا وَصَلَنَا مِنْ أَرِسْطُو.
بِلَا قَطْعٍ.
وَأُرِيدُ مِنْكَ أَنْ تَضَعَ فِي هَامِشِ كُلِّ صَفْحَةٍ فِيهَا تَعَارُضٌ مُحْتَمَلٌ مَعَ الْفِكْرِ الْإِسْلَامِيِّ مُلَاحَظَاتِكَ أَنْتَ.
لَيْسَ مُلَاحَظَاتِ الْفَقِيهِ — مُلَاحَظَاتِكَ أَنْتَ، الْمُتَرْجِمِ الَّذِي يَرَى النَّصَّيْنِ مَعًا.
لِأَنَّ مَنْ يَرَى النَّصَّيْنِ مَعًا يَرَى مَا لَا يَرَاهُ مَنْ يَرَى نَصًّا وَاحِدًا.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الْكِنْدِيِّ:
— وَأُرِيدُكَ أَنْ تَعْمَلَ مَعَهُ. تَرْجَمَةٌ مِنْ جِهَةٍ، وَشَرْحٌ مِنْ جِهَةٍ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ لَحْظَةٍ، كَأَنَّهُ يَقُولُ شَيْئًا لِنَفْسِهِ بِصَوْتٍ عَالٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَقُولُهُ لَهُمَا:
— أُمَّتِي تَحْتَاجُ أَنْ تُفَكِّرَ.
وَالتَّفْكِيرُ يَحْتَاجُ أَدَوَاتٍ. وَأَرِسْطُو أَدَاةٌ.
وَالْيَهُودُ أَدَاةٌ.
وَالْمَسِيحِيُّونَ أَدَاةٌ.
وَأَنَا لَنْ أَتَوَقَّفَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْأَدَاةِ الْجَيِّدَةِ لِأَنَّ شَكْلَهَا يُزْعِجُ مَنْ لَا يُفَكِّرُونَ.
خَرَجَ يَعْقُوبُ مِنَ الْقَصْرِ، وَسَمَاءُ بَغْدَادَ فَوْقَهُ تَتَحَوَّلُ مِنَ الرَّصَاصِيِّ إِلَى الْأَزْرَقِ، وَفِي رَأْسِهِ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الْفَرَحِ الْهَادِئِ الَّذِي يَأْتِي حِينَ يَعْثُرُ الْإِنْسَانُ عَلَى مَكَانٍ يَصْلُحُ فِيهِ لِمَا صُنِعَ مِنْ أَجْلِهِ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: مَا يُقَالُ فِي الْهَامِشِ
كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي الْغُرْفَةِ الْكَبِيرَةِ فِي بَيْتِ الْحِكْمَةِ — الْغُرْفَةُ الَّتِي كَانَتْ تُسَمَّى “غُرْفَةَ الْيُونَانِ”، لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهَا كَانَ يُونَانِيًّا فِي أَصْلِهِ حَتَّى وَلَوْ صَارَتْ رَائِحَتُهُ عَرَبِيَّةً. يَعْقُوبُ يُتَرْجِمُ، وَالْكِنْدِيُّ يَقْرَأُ مَا يُتَرْجِمُهُ، وَبَيْنَهُمَا حِوَارٌ يَتَوَقَّفُ ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ كَأَنَّهُمَا يَتَنَفَّسَانِ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ.
فِي إِحْدَى تِلْكَ الْجَلَسَاتِ دَخَلَ عَلَيْهِمَا رَجُلٌ ثَالِثٌ.
كَانَ قَصِيرًا، بِوَجْهٍ مُسْتَدِيرٍ وَعَيْنَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ فِيهِمَا شَيْءٌ يُشْبِهُ الذَّكَاءَ الْمُطَوَّقَ بِالْحَذَرِ، يَحْمِلُ مَخْطُوطَةً مَلْفُوفَةً بِقُمَاشٍ أَخْضَرَ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ:
— يَعْقُوبُ، هَذَا حُنَيْنٌ.
حُنَيْنُ بْنُ إِسْحَاقَ.
قَالَ يَعْقُوبُ بِبُرُودٍ لَطِيفٍ:
— نَفْسُ اسْمِ الْعَائِلَةِ.
قَالَ حُنَيْنٌ بِلَهْجَةِ مَنِ اعْتَادَ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةَ:
— وَهَذَا يُرْبِكُ النَّاسَ.
لَكِنَّنَا لَسْنَا أَقَارِبَ.
أَنَا مِنَ الْحِيرَةِ وَهُوَ مِنْ…
قَالَ يَعْقُوبُ:
— أَنَا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ:
— حُنَيْنٌ جَاءَ بِتَرْجَمَةٍ لِكِتَابِ جَالِينُوسَ فِي الطِّبِّ.
لَكِنَّهُ يَقُولُ إِنَّ التَّرْجَمَةَ السَّابِقَةَ الَّتِي وَصَلَتْنَا كَانَ فِيهَا أَخْطَاءٌ طِبِّيَّةٌ خَطِيرَةٌ.
قَالَ حُنَيْنٌ بِهُدُوءِ مَنْ يَعْرِفُ مَا يَقُولُ:
— أَخْطَاءٌ سَتَقْتُلُ نَاسًا إِنْ بَقِيَتْ. تَرْجَمَ السَّابِقُ “أَفْيُونَ” بِكَلِمَةٍ عَرَبِيَّةٍ غَيْرِ دَقِيقَةٍ، وَتَرْجَمَ الْجُرْعَةَ الْآمِنَةَ خَطَأً.
مَنْ يَقْرَأُ تِلْكَ التَّرْجَمَةَ وَيَعْمَلُ بِهَا يُعْطِي الْمَرِيضَ ثَلَاثَةَ أَضْعَافِ الْجُرْعَةِ.
جَلَسَ الثَّلَاثَةُ.
وَهَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ الصَّمْتُ مُخْتَلِفًا — صَمْتُ مَنْ يَفْهَمُ أَنَّ مَا يَفْعَلُهُ لَيْسَ عَمَلًا فِكْرِيًّا مُجَرَّدًا.
الْكَلِمَةُ الْخَطَأُ قَاتِلَةٌ.
وَالْكَلِمَةُ الصَّحِيحَةُ مُنْقِذَةٌ.
وَالْمُتَرْجِمُ يَقِفُ فِي الْمَسَافَةِ بَيْنَهُمَا.
قَالَ يَعْقُوبُ بِبُطْءٍ:
— التَّرْجَمَةُ لَيْسَتْ نَقْلَ كَلِمَةٍ بِكَلِمَةٍ.
التَّرْجَمَةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ مَسْؤُولًا عَمَّا يَفْهَمُهُ الْقَارِئُ فِي النِّهَايَةِ.
وَالْمَسْؤُولِيَّةُ كَامِلَةٌ.
قَالَ حُنَيْنٌ:
— لِهَذَا لَا أَنَامُ جَيِّدًا.
نَظَرَ إِلَيْهِ الْكِنْدِيُّ بِعُيُونٍ فِيهَا شَيْءٌ بَيْنَ الْإِعْجَابِ وَالْفَهْمِ:
— وَلَا أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْجِيلِ يَجِبُ أَنْ يَنَامَ جَيِّدًا.
لِأَنَّنَا نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ أَحَدٌ مِنْ قَبْلُ بِهَذَا الْحَجْمِ وَبِهَذِهِ السُّرْعَةِ — نَنْقُلُ حَضَارَةً كَامِلَةً مِنْ لِسَانٍ إِلَى لِسَانٍ.
وَإِنْ أَخْطَأْنَا لَا نُخْطِئُ فِي كَلِمَةٍ — نُخْطِئُ فِي تَارِيخٍ.
قَالَ يَعْقُوبُ — وَفِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الثِّقَلُ الْهَادِئُ لِمَنْ يَحْمِلُ شَيْئًا ثَقِيلًا مُنْذُ زَمَنٍ:
— أَنَا مَسِيحِيٌّ أُتَرْجِمُ لِخَلِيفَةٍ مُسْلِمٍ حِكْمَةَ فَيْلَسُوفٍ يُونَانِيٍّ لِيَقْرَأَهَا عُلَمَاءُ مِنْ كُلِّ الْأَدْيَانِ.
وَأَنْتُمْ تَجْلِسُونَ مَعِي وَلَا أَحَدٌ مِنَّا يَرَى فِي هَذَا تَنَاقُضًا. أَتَعْلَمُونَ مَا يَعْنِيهِ هَذَا؟
— مَاذَا يَعْنِي؟
— يَعْنِي أَنَّ مَا نَفْعَلُهُ هُنَا أَكْبَرُ مِنْ أَدْيَانِنَا.
لَيْسَ لِأَنَّ الدِّينَ صَغِيرٌ — بَلْ لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ كَبِيرَةٌ.
وَالْكَبِيرُ يَسَعُ الْكَثِيرَ دُونَ أَنْ يَضِيقَ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ بِتِلْكَ الِابْتِسَامَةِ الَّتِي كَانَ يَبْتَسِمُهَا حِينَ يَسْمَعُ شَيْئًا صَحِيحًا وَمُكْلِفًا فِي آنٍ:
— احْفَظْ هَذِهِ الْجُمْلَةَ.
اكْتُبْهَا فِي هَامِشِ أَرِسْطُو.
أَرِسْطُو سَيَبْقَى أَكْثَرَ مِنَّا جَمِيعًا.
فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ، فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ، فِي بَيْتِ الْحِكْمَةِ — كَانَتْ تَجْرِي عَمَلِيَّةٌ لَا تُشْبِهُهَا عَمَلِيَّةٌ فِي التَّارِيخِ بِسُهُولَةٍ. الْإِنْسَانِيَّةُ كَانَتْ تُتَرْجِمُ نَفْسَهَا لِنَفْسِهَا.
تَأْخُذُ مَا فَكَّرَ فِيهِ الْمَوْتَى مِنْ يُونَانِيِّينَ وَفُرْسٍ وَهُنُودٍ، وَتَضُخُّهُ فِي دِمَاءِ حَضَارَةٍ جَدِيدَةٍ لَهَا رِئَتَانِ:
اللُّغَةُ الْعَرَبِيَّةُ، وَالْإِيمَانُ بِأَنَّ السُّؤَالَ عِبَادَةٌ.
وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُسَمِّي مَا يَفْعَلُهُ عَظِيمًا.
لِأَنَّ مَنْ يَعِيشُ فِي قَلْبِ اللَّحْظَةِ لَا يَرَى حَجْمَهَا. الْحَجْمُ يُرَى مِنْ بَعِيدٍ.
وَالْبَعِيدُ يَأْتِي لَاحِقًا.
الْفَصْلُ الرَّابِعُ: اللَّيْلُ الَّذِي تَكَلَّمَ فِيهِ الْفَارَابِيُّ
مَرَّتْ سَنَوَاتٌ.
بَغْدَادُ تَكْبَرُ وَتَتَعَلَّمُ وَتَتَشَكَّلُ، وَبَيْتُ الْحِكْمَةِ يَتَوَسَّعُ وَيُنْجِبُ عُلَمَاءَ يُنْجِبُونَ عُلَمَاءَ.
يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ صَارَ فِي السِّتِّينَ.
أَثْقَلُ فِي الْحَرَكَةِ، أَخَفُّ فِي الْحُكْمِ.
يَعْرِفُ الْآنَ مَا لَا يَعْرِفُهُ — وَهَذَا فِي نَظَرِهِ أَهَمُّ مِمَّا يَعْرِفُهُ.
الْكِنْدِيُّ صَارَ الْفَيْلَسُوفَ الْعَرَبِيَّ الذي يَكْتُبُ وَيُدَرِّسُ، وَلَا يَزَالُ وَجْهُهُ يَبْدُو كَأَنَّهُ فِي مُنْتَصَفِ سُؤَالٍ.
وَجَاءَ الْفَارَابِيُّ.
كَانَ الْفَارَابِيُّ شَابًّا حِينَ وَصَلَ إِلَى بَغْدَادَ — ابْنُ خُرَاسَانَ، تَعَلَّمَ الْمُوسِيقَى قَبْلَ الْفَلْسَفَةِ، وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ يَنَامُ فِي الْحَدَائِقِ وَيَقْرَأُ بِضَوْءِ الْقَمَرِ حِينَ لَا يَجِدُ مِصْبَاحًا.
فِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحِدَّةَ الْمُغَطَّاةَ بِطَبَقَةٍ مِنَ الْهُدُوءِ — كَالْمَاءِ الْعَمِيقِ الَّذِي يَبْدُو سَاكِنًا عَلَى السَّطْحِ وَتَحْتَهُ تَيَّارَاتٌ.
فِي إِحْدَى لَيَالِي الْخَرِيفِ، حِينَ أَضَاءَتِ الْفَوَانِيسُ بَغْدَادَ بِضَوْءٍ أَصْفَرَ جَعَلَ كُلَّ شَيْءٍ يَبْدُو كَأَنَّهُ نُقِلَ إِلَى عَالَمٍ مُوَازٍ أَقْدَمَ وَأَجْمَلَ، جَلَسَ فِي بَيْتِ يَعْقُوبَ ثَلَاثَةُ رِجَالٍ يَتَكَلَّمُونَ بِمَا لَا يُقَالُ فِي الْمَجَالِسِ الرَّسْمِيَّةِ:
يَعْقُوبُ الْمَسِيحِيُّ.
وَيُوسُفُ الْيَهُودِيُّ.
وَالْفَارَابِيُّ الْمُسْلِمُ.
لَمْ يَكُنِ الِاجْتِمَاعُ مَقْصُودًا — بَدَأَ بِالصُّدْفَةِ ثُمَّ صَارَ بِالرَّغْبَةِ.
يُوسُفُ كَانَ أَتَى يَسْأَلُ يَعْقُوبَ عَنْ تَرْجَمَةٍ مُشْكِلَةٍ فِي نَصٍّ طِبِّيٍّ.
وَالْفَارَابِيُّ كَانَ أَتَى يُنَاقِشُهُ فِي مَسْأَلَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ.
فَوَجَدَا بَعْضَهُمَا فِي بَيْتِ يَعْقُوبَ، وَوَجَدَ يَعْقُوبُ أَنَّ مَا سَتَكُونُ عَلَيْهِ الْمُحَادَثَةُ أَهَمُّ مِنْ كُلِّ مَا جَاءَ كُلٌّ مِنْهُمَا يَسْأَلُ عَنْهُ.
قَالَ يُوسُفُ وَهُوَ يَمُدُّ يَدَهُ نَحْوَ التَّمْرِ الَّذِي وَضَعَهُ يَعْقُوبُ عَلَى الطَّاوِلَةِ بِفِطْرَةِ الْمِضْيَافِ الَّذِي لَا يَنْسَى أَنَّ الْأَفْكَارَ تَحْتَاجُ سُكَّرًا:
— أُرِيدُ أَنْ نَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يُقَالُ.
قَالَ الْفَارَابِيُّ:
— مَا يُقَالُ وَمَا لَا يُقَالُ يَتَبَادَلَانِ مَكَانَيْهِمَا بِحَسَبِ مَنْ فِي الْغُرْفَةِ.
هُنَا — بَيْنَنَا — مَا الَّذِي يُقَالُ؟
قَالَ يَعْقُوبُ:
— هُنَا يُقَالُ كُلُّ شَيْءٍ بِشَرْطٍ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا.
الصَّحِيحُ فَقَطْ — لَا الْجَمِيلُ وَلَا الْمُرِيحُ.
وَافَقَ الِاثْنَانِ.
بَدَأَ يُوسُفُ:
— مَا الَّذِي أَخَذَهُ الْإِسْلَامُ مِنَّا؟ مِنَّا نَحْنُ الْيَهُودَ وَالْمَسِيحِيِّينَ.
وَمِنَ الْيُونَانِ وَالْفُرْسِ وَالْهِنْدِ.
مَا الَّذِي بُنِيَ عَلَى أَكْتَافِ مَنْ سَبَقُوا؟
صَمَتَ الْفَارَابِيُّ.
صَمْتًا حَقِيقِيًّا، لَا صَمْتَ مَنْ يُؤَخِّرُ الْجَوَابَ — صَمْتَ مَنْ يَزِنُ الْجَوَابَ بِجِدِّيَّةٍ.
ثُمَّ قَالَ:
— سُؤَالٌ يَحْتَاجُ شَجَاعَةً.
— لِمَاذَا؟
— لِأَنَّ الْإِجَابَةَ الصَّادِقَةَ تُقْلِقُ مَنْ يُؤْمِنُ أَنَّ الْإِسْلَامَ نَشَأَ فِي فَرَاغٍ.
وَهَذَا النَّوْعُ مِنَ النَّاسِ — أَصْحَابُ الْيَقِينِ الْمُرِيحِ — يُقْلِقُهُمْ كُلُّ صِدْقٍ يَلْمَسُ يَقِينَهُمْ.
قَالَ يَعْقُوبُ بِبَسَاطَةِ مَنْ عَاشَ هَذَا طُوَالَ حَيَاتِهِ:
— وَلَمْ يَنْشَأْ دِينٌ فِي فَرَاغٍ.
وَلَا أَيُّ فِكْرَةٍ عَظِيمَةٍ نَشَأَتْ فِي فَرَاغٍ.
الْأَفْكَارُ الْكَبِيرَةُ دَائِمًا تَقِفُ عَلَى أَكْتَافِ مَا سَبَقَهَا. حَتَّى حِينَ تَتَجَاوَزُهُ.
بَدَأَ يُوسُفُ يُعَدِّدُ بِهُدُوءِ مَنْ يَقْرَأُ قَائِمَةً حَفِظَهَا جَيِّدًا وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَفُوتَهُ مِنْهَا شَيْءٌ:
— مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالْمَسِيحِيَّةِ أَخَذَ الْإِسْلَامُ: التَّوْحِيدَ كَمَبْدَأٍ مَرْكَزِيٍّ لَا هَامِشِيٍّ.
وَسِلْسِلَةَ الْأَنْبِيَاءِ كَتَوَاصُلٍ إِلَهِيٍّ لَا انْقِطَاعَ. وَفِكْرَةَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ كَنَصٍّ مَرْجِعِيٍّ.
وَالشَّرِيعَةَ كَمَنْهَجِ حَيَاةٍ كَامِلٍ.
وَفِكْرَةَ يَوْمِ الْحِسَابِ الْفَرْدِيِّ.
قَالَ يَعْقُوبُ:
— وَمِنَ الْمَسِيحِيَّةِ تَحْدِيدًا:
التَّأْكِيدُ عَلَى النِّيَّةِ وَالرُّوحِ لَا عَلَى الْفِعْلِ الظَّاهِرِ وَحْدَهُ.
وَالزُّهْدُ وَالتَّعَبُّدُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَخْلَاقِ الْعِبَادَةِ الدَّاخِلِيَّةِ.
تِلْكَ الْأَخْلَاقُ الَّتِي تَجِدُهَا فِي الْإِنْجِيلِ ثُمَّ تَجِدُهَا فِي الْكُتُبِ الصُّوفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ، دُونَ أَنْ يُذْكَرَ الْمَصْدَرُ.
قَالَ الْفَارَابِيُّ بِبُطْءٍ:
— وَمِنَ الْيُونَانِ:
الْمَنْطِقُ كَأَدَاةٍ لِلتَّفْكِيرِ.
وَالْفَلْسَفَةُ كَطَرِيقَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ لِفَهْمِ الْوُجُودِ.
— وَمِنَ الْفُرْسِ؟
— الْإِدَارَةُ وَالْحُكْمُ وَالتَّنْظِيمُ الْمُؤَسَّسِيُّ.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْحِكْمَةِ الْعَمَلِيَّةِ.
— وَمِنَ الْهِنْدِ؟
قَالَ يُوسُفُ بِنَبْرَةٍ فِيهَا مَزِيجٌ مِنَ الطَّرَافَةِ وَالْجِدِّيَّةِ:
— الْأَرْقَامُ.
تِلْكَ الْأَرْقَامُ الَّتِي سُمِّيَتْ لَاحِقًا “عَرَبِيَّةً” فِي كُلِّ كُتُبِ الْغَرْبِ، وَهِيَ هِنْدِيَّةُ الْأَصْلِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.
صَمَتُوا.
صَمْتُ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى صُورَةٍ كَامِلَةٍ ظَلَّ يَرَى أَجْزَاءَهَا مُتَفَرِّقَةً.
ثُمَّ قَالَ الْفَارَابِيُّ، وَفِي صَوْتِهِ ذَلِكَ الْهُدُوءُ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ يَعْرِفُ أَنَّ مَا يَقُولُهُ سَيُغْضِبُ بَعْضَهُمْ وَيَقُولُهُ عَلَى أَيِّ حَالٍ:
— وَهَذَا لَا يُنْقِصُ الْإِسْلَامَ. يَزِيدُهُ.
— كَيْفَ؟
— لِأَنَّ الدِّينَ الَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْحِكْمَةِ أَيْنَمَا كَانَتْ، وَيُضِيفَ إِلَيْهَا مَا لَمْ يُضَفْ، وَيُجِيبَ عَلَى مَا لَمْ تُجِبْ عَلَيْهِ — هَذَا دِينٌ حَيٌّ وَاثِقٌ بِنَفْسِهِ.
وَالدِّينُ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّهُ نَشَأَ مِنْ لَا شَيْءٍ وَلَا صِلَةَ لَهُ بِمَا سَبَقَهُ — هَذَا ادِّعَاءٌ لَا يَصْمُدُ أَمَامَ التَّارِيخِ وَلَا أَمَامَ الْعَقْلِ.
قَالَ يُوسُفُ:
— لَكِنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ عُلَمَائِكَ لَا يَقْبَلُونَ هَذَا الْكَلَامَ.
قَالَ الْفَارَابِيُّ بِبُطْءٍ مَدْرُوسٍ:
— أَعْرِفُ.
وَأَفْهَمُ خَوْفَهُمْ.
يَخَافُونَ أَنْ يُقَالَ:
إِذَنْ الْإِسْلَامُ مُجَمَّعٌ مِنْ هُنَا وَهُنَاكَ.
لَكِنَّ هَذَا الْخَوْفَ يَقُومُ عَلَى سُوءِ فَهْمٍ.
الْأَصَالَةُ:
أَنْ يَأْخُذَ الْعَقْلُ ثُمَّ يَزِيدَ، لَا أَنْ يُنْكِرَ مَا أَخَذَ.
الْأَصَالَةُ تَعْنِي الْقُدْرَةَ عَلَى الْأَخْذِ وَالتَّجَاوُزِ وَالْإِضَافَةِ وَتَوْلِيدِ مَا لَمْ يَكُنْ.
وَهَذَا تَحْدِيدًا مَا فَعَلَهُ الْإِسْلَامُ فِي أَحْسَنِ أَيَّامِهِ.
نَظَرَ يَعْقُوبُ إِلَى الْفَارَابِيِّ نَظْرَةً طَوِيلَةً.
كَانَ فِيهَا أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ — إِعْجَابٌ، وَتَسَاؤُلٌ، وَشَيْءٌ يُشْبِهُ الِارْتِيَاحَ الْمُتَأَخِّرَ مِنْ رَجُلٍ عَاشَ طَوِيلًا يَنْتَظِرُ أَنْ يَسْمَعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ مُسْلِمٍ لَا يَخَافُ قَوْلَهُ.
ثُمَّ قَالَ يَعْقُوبُ بِهُدُوءٍ:
— أَنَا عِشْتُ سِتِّينَ سَنَةً جِسْرًا.
مَنْ يَعِيشُ جِسْرًا يَرَى الضِّفَّتَيْنِ بِمَا لَا يَرَاهُ مَنْ يَعِيشُ عَلَى ضِفَّةٍ وَاحِدَةٍ.
وَمَا رَأَيْتُهُ فِي هَذِهِ السَّنَوَاتِ السِّتِّينَ —
تَوَقَّفَ.
أَخَذَ رَشْفَةً مِنْ مَاءٍ.
ثُمَّ أَكْمَلَ:
— هُوَ أَنَّ كُلَّ الضِّفَافِ تَتَشَابَهُ أَكْثَرَ مِمَّا تَخْتَلِفُ.
وَالِاخْتِلَافُ الْحَقِيقِيُّ لَيْسَ بَيْنَ الْأَدْيَانِ.
الِاخْتِلَافُ الْحَقِيقِيُّ بَيْنَ مَنْ يَسْأَلُونَ وَمَنْ لَا يَسْأَلُونَ.
مَنْ هُمْ مَهْمَا كَانُوا.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ: مَرْيَمُ وَالْبِيمَارِسْتَانُ
لَمْ يَكُنِ الْبِيمَارِسْتَانُ الْكَبِيرُ فِي بَغْدَادَ مَكَانًا لِلْمَرَضِ فَقَطْ.
كَانَ مَكَانًا لِلتَّفْكِيرِ فِي الْمَرَضِ، وَهَذَا — كَمَا يَعْرِفُ كُلُّ طَبِيبٍ حَقِيقِيٍّ — أَهَمُّ مِنَ الْعِلَاجِ.
مَرْيَمُ بِنْتُ نَصْرٍ كَانَتِ الطَّبِيبَةَ الْوَحِيدَةَ فِي ذَلِكَ الْجَنَاحِ.
مَسِيحِيَّةٌ نَسْطُورِيَّةٌ، تَعَلَّمَتِ الطِّبَّ عَنْ أَبِيهَا الَّذِي تَعَلَّمَهُ عَنْ مُعَلِّمٍ يَهُودِيٍّ، تَتَكَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ وَالسُّرْيَانِيَّةَ وَالْيُونَانِيَّةَ، وَتَكْتُبُ بِالثَّلَاثِ بِخَطٍّ وَاضِحٍ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلْخَطَأِ — لِأَنَّ الْخَطَّ الطِّبِّيَّ غَيْرَ الْوَاضِحِ يَقْتُلُ.
كَانَتْ فِي الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ حِينَ وَصَلْنَا إِلَيْهَا — أَوْ حِينَ وَصَلَتْ إِلَيْنَا هِيَ، بِصَحِيحِ الْعِبَارَةِ.
فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ كَانَتْ تَجْلِسُ فِي الْمَجْلِسِ الصَّغِيرِ الْمُلْحَقِ بِجَنَاحِهَا، وَحَوْلَهَا ثَلَاثَةُ طُلَّابٍ — طَالِبَانِ مُسْلِمَانِ، وَطَالِبَةٌ وَاحِدَةٌ كَانَتْ مَسِيحِيَّةً جَاءَتْ مِنَ الشَّامِ لِتَتَعَلَّمَ الطِّبَّ فِي بَغْدَادَ، لِأَنَّ بَغْدَادَ كَانَتْ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ مَا تَكُونُ عَلَيْهِ الْمُدُنُ الَّتِي لَا تَسْأَلُ مِنْ أَيْنَ أَتَيْتَ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلَ مَاذَا تَعْرِفُ.
دَخَلَ عَلَيْهِمْ يُوسُفُ بْنُ بَشِيرٍ بِوَجْهِهِ الْهَادِئِ الْمُعْتَادِ.
قَالَ:
— أَنْطُرُوبِيلَةُ طَلَبَتْكِ.
الْمَرْأَةُ الْفَارِسِيَّةُ.
حَالَتُهَا تَغَيَّرَتْ.
قَامَتْ مَرْيَمُ بِلَا كَلَامٍ.
هَذَا النَّوْعُ مِنَ الْأَخْبَارِ لَا يَحْتَاجُ كَلَامًا.
احْتَاجَ حِذَاءً وَسِكِّينًا جِرَاحِيَّةً وَخَطَوَاتٍ.
لَكِنْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ تَوَقَّفَتْ عِنْدَ الْبَابِ وَنَظَرَتْ إِلَى طُلَّابِهَا:
— تَابِعُوا مَا بَدَأْنَاهُ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ مِنْ جَالِينُوسَ.
وَحِينَ تَقْرَؤُونَ “الْمِزَاجَ” لَا تَفْهَمُوهَا كَمَا فَهِمَهَا الْمُتَرْجِمُ الْأَوَّلُ.
الْمُتَرْجِمُ الْأَوَّلُ كَانَ يَهْتَمُّ بِالْجَمَالِ.
أَنَا أُرِيدُكُمْ تَهْتَمُّونَ بِالدِّقَّةِ.
ثُمَّ خَرَجَتْ.
فِي الْمَسَاءِ، بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّتْ حَالُ أَنْطُرُوبِيلَةَ وَعَادَتْ مَرْيَمُ إِلَى مَجْلِسِهَا، وَجَدَتْ يُوسُفَ يَنْتَظِرُهَا بِكَأْسِ عَصِيرِ رُمَّانٍ — لَا مِنْ بَابِ الْمُجَامَلَةِ، بَلْ مِنْ بَابِ أَنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهَا تَنْسَى أَنْ تَشْرَبَ حِينَ يَكُونُ يَوْمُ الْعَمَلِ طَوِيلًا.
قَالَ يُوسُفُ:
— أُرِيدُكِ أَنْ تَتَكَلَّمِي فِي مَجْلِسِ اللَّيْلَةِ.
يَعْقُوبُ وَالْكِنْدِيُّ وَالْفَارَابِيُّ.
قَالَتْ وَهِيَ تَشْرَبُ بِنَهَمٍ هَادِئٍ:
— رِجَالٌ يَتَفَلْسَفُونَ.
مَا حَاجَتُهُمْ لِطَبِيبَةٍ؟
— يَتَكَلَّمُونَ عَمَّا أَعْطَاهُ الْإِسْلَامُ لِلْآخَرِينَ.
وَأَنْتِ — أَكْثَرَ مِنْ أَيٍّ مِنْهُمْ — عِشْتِ هَذَا.
نَظَرَتْ إِلَيْهِ.
— أَنْتِ مَسِيحِيَّةٌ تَعْمَلُ فِي مُسْتَشْفًى إِسْلَامِيٍّ.
هَذَا وَحْدَهُ فَصْلٌ كَامِلٌ.
جَلَسَتْ مَرْيَمُ فِي طَرَفِ الْمَجْلِسِ وَسَمِعَتْ.
اعْتَادَتْ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْآخَرُونَ عَنْهَا دُونَ أَنْ يَسْأَلُوهَا.
وَهَذَا لَمْ يَكُنْ يُزْعِجُهَا — كَانَ يُعَلِّمُهَا كَيْفَ تَسْمَعُ مَا لَا يُقَالُ صَرَاحَةً.
ثُمَّ قَالَتْ بِنَبْرَةٍ هَادِئَةٍ تَحْمِلُ ثِقَلَ التَّجْرِبَةِ الْمَعِيشَةِ:
— أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ عَمَّا أَعْطَاهُ الْإِسْلَامُ لَنَا.
نَظَرُوا إِلَيْهَا. فِي نَظْرَتِهِمْ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْمُفَاجَأَةَ بَعْدَ طُولِ صَمْتٍ اعْتَادُوهُ مِنْهَا.
— أَنَا طَبِيبَةٌ مَسِيحِيَّةٌ فِي مُسْتَشْفًى إِسْلَامِيٍّ.
هَذَا وَحْدَهُ يَقُولُ شَيْئًا.
فِي كَثِيرٍ مِنْ حَضَارَاتِ ذَلِكَ الزَّمَانِ كَانَ الطِّبُّ حِكْرًا — حِكْرًا عَلَى قَوْمٍ أَوْ طَائِفَةٍ أَوْ طَبَقَةٍ.
هُنَا قَالَ الْإِسْلَامُ:
“اطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ فِي الصِّينِ”.
وَلَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يُعَالَجُ.
وَلَيْسَ هَذَا كَلَامًا فَقَطْ — فُتِحَتِ الْمُسْتَشْفَيَاتُ وَمُوِّلَتْ، وَعَمِلَ فِيهَا الْمُسْلِمُ وَغَيْرُ الْمُسْلِمِ.
تَوَقَّفَتْ لَحْظَةً كَأَنَّهَا تَجْمَعُ مَا يَصْعُبُ قَوْلُهُ.
— وَأَعْطَى الْيَهُودَ وَالْمَسِيحِيِّينَ وَالْمَجُوسَ حَقَّ الْعِبَادَةِ فِي ظِلِّ دَوْلَتِهِ.
عَقْدُ الذِّمَّةِ الَّذِي اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَقْيِيمِهِ — كَانَ بِمَعَايِيرِ زَمَانِهِ مُتَقَدِّمًا جِدًّا.
وَدَائِمًا يَجِبُ قِرَاءَةُ الْحِقَبِ التَّارِيخِيَّةِ بِمَعَايِيرِهَا لَا بِمَعَايِيرِ مَا جَاءَ بَعْدَهَا.
قَالَ يَعْقُوبُ بِهُدُوءٍ: — لَكِنَّهُ لَمْ يُطَبَّقْ دَائِمًا بِعَدْلٍ.
— لَا.
لَمْ يُطَبَّقْ دَائِمًا بِعَدْلٍ.
لَكِنَّ الْمَعْيَارَ بَقِيَ مَوْجُودًا.
وَالْمَعْيَارُ الَّذِي يُنْتَهَكُ وَيَبْقَى يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا جَوْهَرِيًّا عَنِ الْمَعْيَارِ الَّذِي يُلْغَى وَيَخْتَفِي.
قَالَ الْفَارَابِيُّ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ:
— وَالْإِسْلَامُ أَعْطَى فِكْرَةً لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً بِهَذَا الْوُضُوحِ فِي أَيِّ حَضَارَةٍ سَبَقَتْهُ:
أَنَّ الْإِنْسَانَ — كُلَّ إِنْسَانٍ، مِنْ أَيِّ قَبِيلَةٍ أَوْ لَوْنٍ أَوْ بَلَدٍ — لَهُ كَرَامَةٌ أَمَامَ اللَّهِ لَا تُورَثُ وَلَا تُشْتَرَى.
“إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ.
” هَذِهِ جُمْلَةٌ ثَوْرِيَّةٌ فِي مُجْتَمَعٍ قَبَلِيٍّ كَانَ النَّسَبُ فِيهِ يَصْنَعُ الْإِنْسَانَ وَيُلْغِيهِ.
نَظَرَتْ مَرْيَمُ إِلَى الْفَارَابِيِّ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْإِقْرَارَ الْمُتَأَنِّيَ:
— وَأَنَا رَأَيْتُ هَذَا فِي الْبِيمَارِسْتَانِ.
رَأَيْتُ أَمِيرًا وَمَرِيضًا فَقِيرًا يُعَالَجَانِ بِنَفْسِ الدَّوَاءِ وَنَفْسِ الْعِنَايَةِ.
لَيْسَ دَائِمًا.
لَكِنَّ الْمَبْدَأَ حَاضِرٌ.
وَالْمَبْدَأُ الْحَاضِرُ — حَتَّى حِينَ يُنْتَهَكُ — أَفْضَلُ مِنَ الْمَبْدَأِ الْغَائِبِ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ: قُرْطُبَةُ وَالرَّجُلُ الَّذِي يَسْأَلُ بِصَوْتٍ عَالٍ
قُرْطُبَةُ — ٥٦٠ هـ / ١١٦٥ م
كَانَتْ قُرْطُبَةُ فِي تِلْكَ الْحِقْبَةِ مَدِينَةً تَتَنَفَّسُ بِأَكْثَرَ مِنْ رِئَةٍ.
الْمَسْجِدُ الْجَامِعُ بِعَظَمَتِهِ الَّتِي تَجْعَلُ مَنْ يَدْخُلُهُ يَشْعُرُ بِأَنَّ الْمَكَانَ أَكْبَرُ مِنْ أَيِّ فِكْرَةٍ يَحْمِلُهَا.
وَالْمَكْتَبَةُ الَّتِي تَضُمُّ — يَقُولُونَ قُرابَةَ — أَرْبَعَمِائَةَ أَلْفِ مَخْطُوطَةٍ، وَهَذَا رَقَمٌ يَجْعَلُ كُلَّ مَنْ يَسْمَعُهُ يَصْمُتُ لَحْظَةً لِيَسْتَوْعِبَ أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْأَفْكَارِ تَنْتَظِرُ فِي تِلْكَ الْأَبْنِيَةِ.
وَالْأَسْوَاقُ حَيْثُ تَتَقَاطَعُ اللُّغَاتُ وَالْوُجُوهُ وَالْبَضَائِعُ بِلَا أَنْ يَسْأَلَ أَحَدٌ إِجَازَةً لِلتَّقَاطُعِ.
ابْنُ رُشْدٍ كَانَ فِي الثَّلَاثِينَ، أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا. قَاضٍ وَطَبِيبٌ وَفَيْلَسُوفٌ — ثَلَاثَةُ أَشْخَاصٍ فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ يَرْفُضُ بَيْنَهُمُ التَّنَاقُضَ.
يَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ مُسْرِعًا دَائِمًا كَمَنْ عِنْدَهُ مَكَانَانِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِيهِمَا فِي نَفْسِ الْوَقْتِ، وَيَقْرَأُ وَهُوَ يَمْشِي أَحْيَانًا، وَسَقَطَ مَرَّتَيْنِ فِي نَفْسِ الْحُفْرَةِ فِي نَفْسِ الطَّرِيقِ.
فِي تِلْكَ الْمَكْتَبَةِ — فِي غُرْفَةٍ صَغِيرَةٍ جَانِبِيَّةٍ كَانَتْ تَبْدُو مِنَ الْخَارِجِ كَأَنَّهَا مَخْزَنٌ وَمِنَ الدَّاخِلِ كَانَتْ عَالَمًا كَامِلًا — جَلَسَ ثَلَاثَةٌ:
ابْنُ رُشْدٍ الْمُسْلِمُ.
وَيُوسُفُ بْنُ يَهُودَا الْأَنْدَلُسِيُّ الْيَهُودِيُّ.
وَبَرْنَارْدُو الْكَاهِنُ مِنْ طُلَيْطِلَةَ الَّذِي جَاءَ يَتَعَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ، وَوَجَدَ أَنَّهُ يَتَعَلَّمُ أَشْيَاءَ أَكْثَرَ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ.
كَانَ بَرْنَارْدُو قَصِيرًا، أَشْقَرَ بِشَكْلٍ يَبْدُو غَرِيبًا فِي قُرْطُبَةَ، يَرْتَدِي رِدَاءً كَنَسِيًّا مُتَوَاضِعًا، وَفِي عَيْنَيْهِ الرَّمَادِيَّتَيْنِ ذَلِكَ الْفُضُولُ الَّذِي يَجْعَلُ النَّاسَ يُحِبُّونَهُ رَغْمَ أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يُرِيدُ ذَلِكَ.
قَالَ بَرْنَارْدُو بِعَرَبِيَّةٍ جَيِّدَةٍ فِيهَا أَثَرٌ لَاتِينِيٌّ يُعْطِيهَا نَكْهَةً مُخْتَلِفَةً:
— أُسْتَاذِي فِي الْكَنِيسَةِ أَعْطَانَا أَمْسِ كِتَابَ الْغَزَالِيِّ “إِحْيَاءُ عُلُومِ الدِّينِ”.
وَقَالَ إِنَّ فِيهِ حِكْمَةً لَا تُوجَدُ بِهَذَا الْعُمْقِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكُتُبِ الْمَسِيحِيَّةِ.
ثُمَّ صَمَتَ كَمَنْ يَنْدَمُ عَلَى مَا قَالَ.
نَظَرَ إِلَيْهِ ابْنُ رُشْدٍ:
— وَهَلْ وَافَقْتَهُ أَنْتَ؟
— وَافَقْتُهُ.
لَكِنْ سُؤَالٌ بَقِيَ يُؤَرِّقُنِي:
كَيْفَ يَكُونُ الْحَقُّ فِي كِتَابِ رَجُلٍ لَا يُؤْمِنُ بِالْمَسِيحِ؟
قَالَ يُوسُفُ بِذَلِكَ الْهُدُوءِ الَّذِي يَمْلِكُهُ مَنْ عَاشَ فِي الْوَسَطِ دَائِمًا:
— نَحْنُ الْيَهُودَ نَسْأَلُ أَنْفُسَنَا نَفْسَ السُّؤَالِ عَنْ كِتَابَاتِكَ وَعَنْ كِتَابَاتِ ابْنِ رُشْدٍ.
وَقَدِ اعْتَدْنَا عَلَى الْإِجَابَةِ:
الْحِكْمَةُ لَا تَسْأَلُ عَنْ صَاحِبِهَا قَبْلَ أَنْ تُبَرْهِنَ عَلَى صِدْقِهَا.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
— يُرْوَى أَنَّ الْحِكْمَةَ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ.
وَإِنْ صَحَّ هَذَا — وَأَظُنُّهُ يَصِحُّ — فَهُوَ يَعْنِي أَنَّ الْحِكْمَةَ لَا وَطَنَ لَهَا يَحْتَجِزُهَا.
مَنْ وَجَدَهَا — أَيًّا كَانَ وَمِنْ أَيِّ بَابٍ وَصَلَهَا — فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا مِمَّنْ يَحْرُسُ بَابَهَا دُونَ أَنْ يَدْخُلَهَا.
قَالَ بَرْنَارْدُو:
— لَكِنَّ الْكَنِيسَةَ تَقُولُ إِنَّ الْحَقَّ كَامِلٌ فِي الْمَسِيحِيَّةِ.
قَالَ يُوسُفُ:
— وَالْحَاخَامَاتُ يَقُولُونَ إِنَّهُ كَامِلٌ فِي التَّوْرَاةِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ:
— وَالْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ إِنَّهُ كَامِلٌ فِي الْقُرْآنِ.
صَمَتُوا.
صَمْتًا يَعْرِفُ فِيهِ كُلٌّ مِنْهُمْ مَا يَعْرِفُهُ الْآخَرَانِ دُونَ أَنْ يَحْتَاجُوا لِقَوْلِهِ.
ثُمَّ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَصَوْتِ مَنْ يُلْقِي حَجَرًا فِي بِئْرٍ عَمِيقَةٍ:
— وَرُبَّمَا كُلُّهُمْ يَقُولُونَ شَيْئًا صَحِيحًا وَشَيْئًا نَاقِصًا فِي آنٍ وَاحِدٍ.
الْحَقُّ كَامِلٌ فِي مَصْدَرِهِ.
لَكِنَّ وُصُولَنَا إِلَيْهِ — وُصُولٌ بَشَرِيٌّ.
وَالْوُصُولُ الْبَشَرِيُّ دَائِمًا جُزْئِيٌّ لَا يَكْتَمِلُ.
لَيْسَ تَقْصِيرًا — بَلْ لِأَنَّ الْبَشَرَ بَشَرٌ، وَهَذَا قَدَرُهُمُ الَّذِي لَا يُلْغِي رِحْلَتَهُمْ.
قَالَ بَرْنَارْدُو بِبُطْءٍ كَمَنْ يُجَرِّبُ طَعْمَ كَلَامٍ لَمْ يُجَرِّبْهُ مِنْ قَبْلُ:
— هَذَا الْكَلَامُ سَيُزْعِجُ رِجَالَ الدِّينِ عِنْدِي.
— وَعِنْدِي أَيْضًا. — قَالَ ابْنُ رُشْدٍ.
— وَعِنْدَنَا كَذَلِكَ. — قَالَ يُوسُفُ.
ثُمَّ ضَحِكُوا.
لَيْسَتْ ضَحْكَةَ مَنْ يَتَهَرَّبُ مِنَ الْجِدِّيَّةِ.
بَلْ ضَحْكَةَ مَنِ اكْتَشَفَ أَنَّ التَّشَابُهَ فِي الْحَرَجِ هُوَ نَفْسُهُ نَوْعٌ مِنَ التَّضَامُنِ.
لَمْ يَكُنْ بَرْنَارْدُو يَعْرِفُ حِينَ عَادَ إِلَى طُلَيْطِلَةَ — بِمَخْطُوطَاتٍ فِي حَقِيبَتِهِ وَأَسْئِلَةٍ فِي رَأْسِهِ — أَنَّ مَا تَعَلَّمَهُ فِي قُرْطُبَةَ سَيَصِلُ يَوْمًا إِلَى أُوُرُوبَّا اللَّاتِينِيَّةِ عَبْرَ يَدَيْهِ وَيَدَيْ مَنْ سَيُتَرْجِمُونَ مَا تَرْجَمَهُ الْمُسْلِمُونَ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ ابْنَ رُشْدٍ نَفْسَهُ — “الْمُعَلِّقَ” — سَيُصْبِحُ الِاسْمَ الَّذِي سَيَشْرَحُ لَهُ تُومَا الْأَكُوِينِيُّ أَرِسْطُو بَعْدَ قَرْنٍ.
وَأَنَّ أُوُرُوبَّا سَتَأْخُذُ هَذَا الْمِيرَاثَ وَتَنْسُبُ مُعْظَمَهُ لِنَفْسِهَا.
لَكِنَّ هَذَا حَدَثَ لَاحِقًا.
وَالْكِتْمَانُ الَّذِي سَيَحْدُثُ لَاحِقًا لَا يُلْغِي مَا حَدَثَ أَمَامَهُ الْآنَ:
أَنَّ رَجُلًا مُسْلِمًا وَرَجُلًا يَهُودِيًّا وَرَجُلًا مَسِيحِيًّا جَلَسُوا فِي غُرْفَةِ مَكْتَبَةٍ فِي قُرْطُبَةَ، وَقَرَّرُوا بِغَيْرِ قَرَارٍ وَاعٍ أَنَّ الْحَقِيقَةَ أَكْبَرُ مِنَ الثَّلَاثَةِ مُجْتَمِعِينَ.
الْفَصْلُ السَّابِعُ: مَا يَنْمُو فِي الْجُدْرَانِ
قُرْطُبَةُ — ٥٩٠ هـ / ١١٩٤ م
ثَلَاثُونَ سَنَةً بَعْدَهَا.
قُرْطُبَةُ الْآنَ مُخْتَلِفَةٌ. الْمُوَحِّدُونَ جَاؤُوا مِنَ الْجَنُوبِ.
وَالْمَمَالِكُ الْمَسِيحِيَّةُ تَضْغَطُ مِنَ الشَّمَالِ.
وَالَّذِينَ فِي الْمُنْتَصَفِ — النَّاسُ الْعَادِيُّونَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ وَيَتَبَادَلُونَ الطَّعَامَ وَالْكَلَامَ وَيَتَعَلَّمُونَ مِنْ بَعْضِهِمْ — صَارُوا يَشْعُرُونَ بِالْجُدْرَانِ تَضِيقُ حَوْلَهُمْ.
ابْنُ رُشْدٍ — الْآنَ فِي السِّتِّينَ — كَانَ يَجْلِسُ فِي بَيْتِهِ وَأَمَامَهُ أَوْرَاقٌ، وَفِي وَجْهِهِ ذَلِكَ التَّعَبُ الَّذِي لَيْسَ تَعَبَ الْجَسَدِ بَلْ تَعَبُ الزَّمَنِ.
أَصْدَرَ حُكَّامُ الْمُوَحِّدِينَ قَرَارًا بِمَنْعِ تَدْرِيسِ الْفَلْسَفَةِ.
وَكُتُبُهُ أُحْرِقَتْ أَوْ أُخْفِيَتْ — الرِّوَايَاتُ تَخْتَلِفُ.
لَكِنَّ مَا لَا تَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الرِّوَايَاتُ:
أَنَّهُ كَتَبَ.
بَقِيَ يَكْتُبُ.
فِي تِلْكَ الْفَتْرَةِ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الشَّرَفِ تَعِيشُ فِي جِوَارٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ.
بَيْتُهَا فِي حَيٍّ ضَمَّ — بِحُكْمِ الصُّدْفَةِ الَّتِي لَا تَكُونُ صُدْفَةً دَائِمًا — مَسِيحِيِّينَ وَيَهُودًا، وَتَضَامُنًا يَوْمِيًّا نَشَأَ لِأَنَّ الْجِيرَانَ لَا يَسْأَلُونَ عَادَةً عَنْ دِينِ بَعْضِهِمْ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ صِحَّةِ أَطْفَالِهِمْ.
جَارَتُهَا كَانَتْ إِيزَابِيلَ.
امْرَأَةٌ فِي الْأَرْبَعِينَ، مَسِيحِيَّةٌ مِنْ عَائِلَةٍ أَنْدَلُسِيَّةٍ قَدِيمَةٍ، تَتَكَلَّمُ الْعَرَبِيَّةَ فِي الْبَيْتِ وَالْقَشْتَالِيَّةَ فِي السُّوقِ، وَكَانَتْ قَدْ نَسِيَتْ أَحْيَانًا أَيُّهُمَا لُغَتُهَا الْأُولَى.
كَانَتَا تَجْلِسَانِ مَعًا فِي مَسَاءِ كُلِّ ثُلَاثَاءٍ — عَادَةٌ بَدَأَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَرِّرَاهَا، اسْتَمَرَّتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى اسْتِمْرَارِهَا.
فَاطِمَةُ تَجْلِبُ التِّينَ، وَإِيزَابِيلُ تَجْلِبُ الْجُبْنَ، وَيَتَكَلَّمَانِ.
فِي ذَلِكَ الثُّلَاثَاءِ قَالَتْ إِيزَابِيلُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الشَّارِعِ مِنَ النَّافِذَةِ الصَّغِيرَةِ:
— يَقُولُونَ إِنَّ الْأُمُورَ سَتَتَغَيَّرُ.
قَالَتْ فَاطِمَةُ:
— الْأُمُورُ دَائِمًا تَتَغَيَّرُ.
— تَتَغَيَّرُ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ هَذِهِ الْمَرَّةَ.
يَقُولُونَ إِنَّ أَقَارِبَ أَحْمَدَ يُفَكِّرُونَ فِي الْمُغَادَرَةِ.
قَالَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ لَحْظَةٍ:
— وَأَنْتُنَّ؟
قَالَتْ إِيزَابِيلُ بِصَوْتٍ يُحَاوِلُ أَنْ يَكُونَ هَادِئًا وَهُوَ لَيْسَ هَادِئًا:
— نَحْنُ فِي الْمُنْتَصَفِ دَائِمًا.
مِنْ فَوْقَ يُرِيدُونَنَا شَيْئًا.
وَمِنْ هُنَاكَ يُرِيدُونَنَا شَيْئًا آخَرَ.
وَنَحْنُ فَقَطْ نُرِيدُ أَنْ نَبْقَى هُنَا.
فِي هَذَا الْحَيِّ.
فِي هَذَا الشَّارِعِ.
نَظَرَتْ إِلَيْهَا فَاطِمَةُ.
ثُمَّ قَالَتْ:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ مَا سَيَحْدُثُ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا.
— مَاذَا؟
— أَنَّ مَا بَيْنَنَا — عِشْرُونَ سَنَةً مِنَ الْجِوَارِ — هَذَا لَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْرِقَهُ.
الْجُدْرَانُ تُهْدَمُ وَالْكُتُبُ تُحْرَقُ وَالنَّاسُ تُطْرَدُ.
لَكِنَّ مَا عَاشَهُ اثْنَانِ مَعًا لَا يَخْتَفِي. يَبْقَى فِي مَكَانٍ مَا.
حَتَّى وَلَوْ لَا أَحَدَ يَرَاهُ.
قَالَتْ إِيزَابِيلُ بِبُطْءٍ:
— وَمَا الْفَائِدَةُ مِنْ شَيْءٍ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ؟
— الْفَائِدَةُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ.
وَأَنَّ وُجُودَهُ يَعْنِي أَنَّ مَا يَقُولُهُ كُلُّ طَرَفٍ عَنِ الْآخَرِ — كُلَّ الْأَكَاذِيبِ وَالتَّبْسِيطَاتِ وَالْخَوْفِ الْمُلَبَّسِ دِينًا — لَيْسَ كَامِلًا.
لِأَنَّنَا هُنَا.
نَحْنُ الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْآخَرَ لَيْسَ مَا يَقُولُ عَنْهُ الْخَائِفُونَ.
فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ — بَيْنَمَا كَانَتْ فَاطِمَةُ وَإِيزَابِيلُ تَتَكَلَّمَانِ فِي شَارِعِ قُرْطُبَةَ — كَانَ ابْنُ رُشْدٍ يَكْتُبُ آخِرَ تَعْلِيقَاتِهِ عَلَى أَرِسْطُو فِي بَيْتٍ آخَرَ فِي الْمَدِينَةِ نَفْسِهَا.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ كِتَابَتَهُ سَتَصِلُ إِلَى أُوُرُوبَّا.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّ تُومَا الْأَكُوِينِيَّ بَعْدَ قَرْنٍ سَيُسَمِّيهِ “الْمُعَلِّقَ” بِمَا يَعْنِي:
هَذَا هُوَ الْمَرْجِعُ.
لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ كَثِيرًا مِمَّا سَيَحْدُثُ.
لَكِنَّهُ كَتَبَ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ فِعْلُ إِيمَانٍ بِأَنَّ مَا يُكْتَبُ سَيَصِلُ يَوْمًا إِلَى مَنْ يَحْتَاجُهُ.
وَالْإِيمَانُ — كَمَا كَانَ يُعَلِّمُ الْغَزَالِيُّ الَّذِي كَانَ ابْنُ رُشْدٍ يَخْتَلِفُ مَعَهُ وَيَحْتَرِمُهُ — لَا يَحْتَاجُ يَقِينًا كَامِلًا بِالنَّتِيجَةِ. يَحْتَاجُ وُضُوحًا بِمَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ.
الْفَصْلُ الثَّامِنُ: حِينَ ضَاقَتِ الْمَدِينَةُ
الْمَدِينَةُ تَضِيقُ حِينَ يَشْعُرُ الْخَائِفُونَ أَنَّ التَّسَامُحَ ضَعْفٌ.
وَكَانَ الْجَانِبَانِ يَشْعُرَانِ بِالْخَوْفِ.
الْمُوَحِّدُونَ الَّذِينَ رَأَوْا فِي التَّسَاؤُلِ فِتْنَةً.
وَالْمَمَالِكُ الْمَسِيحِيَّةُ فِي الشَّمَالِ الَّتِي رَأَتْ فِي الْإِسْلَامِ خَطَرًا وُجُودِيًّا.
وَبَيْنَ الْخَوْفَيْنِ — النَّاسُ.
فِي الْيَوْمِ الَّذِي أُعْلِنَ فِيهِ رَسْمِيًّا عَنْ قَرَارَاتٍ لَاحِقَةٍ، جَلَسَتْ فَاطِمَةُ وَإِيزَابِيلُ لِلْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ فِي تِلْكَ الْجَلْسَةِ الثُّلَاثَائِيَّةِ.
قَالَتْ إِيزَابِيلُ وَفِي عَيْنَيْهَا ذَلِكَ الْحُزْنُ الْهَادِئُ الَّذِي يَسْبِقُ مَا لَا يُعْكَسُ:
— يَقُولُونَ إِنَّكُنَّ سَتُجْبَرْنَ عَلَى الْمُغَادَرَةِ أَوِ التَّحَوُّلِ.
قَالَتْ فَاطِمَةُ دُونَ أَنْ تُنْكِرَ وَدُونَ أَنْ تَنْكَسِرَ:
— وَأَنْتُنَّ — أَلَمْ تُجْبَرْنَ أَيْضًا فِي زَمَانٍ؟
— نَعَمْ. فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ.
صَمَتَتَا.
صَمْتُ اللَّتَيْنِ تَعْرِفَانِ أَنَّهُمَا تَقِفَانِ عَلَى طَرَفَيْ نَفْسِ الْجُرْحِ.
ثُمَّ قَالَتْ إِيزَابِيلُ:
— نَحْنُ جَارَتَانِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً.
عَرَفْتُ أَطْفَالَكِ بِأَسْمَائِهِمْ.
وَأَنْتِ عَرَفْتِ أَطْفَالِي.
وَلَمْ يَسْأَلْنِي أَحَدٌ وَلَمْ يَسْأَلْكِ أَحَدٌ إِنْ كُنَّا نُرِيدُ هَذِهِ الْحَرْبَ.
قَالَتْ فَاطِمَةُ:
— الْحُرُوبُ لَا تَسْأَلُ الْجِيرَانَ.
قَالَتْ إِيزَابِيلُ بِبُطْءٍ فِيهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الْحِكْمَةَ الَّتِي تُولَدُ مِنَ الْأَلَمِ:
— لَكِنَّ الْجِيرَانَ هُمْ مَنْ يَدْفَعُونَ ثَمَنَهَا.
كَامِلًا.
فِي تِلْكَ الْمُحَادَثَةِ الْبَسِيطَةِ بَيْنَ امْرَأَتَيْنِ عَلَى عَتَبَةِ بَيْتٍ — كَانَ كُلُّ تَارِيخِ الْأَنْدَلُسِ مُخْتَصَرًا.
النَّاسُ الَّذِينَ عَاشُوا مَعًا وَتَعَرَّفُوا عَلَى وُجُوهِ بَعْضِهِمْ وَقِصَصِ بَعْضِهِمْ.
ثُمَّ أَتَتِ السِّيَاسَةُ وَالدِّينُ مُوَظَّفًا فِي خِدْمَتِهَا فَقَسَّمَتْهُمْ بِخَطٍّ لَمْ يَرْسُمْهُ أَيٌّ مِنْهُمْ.
وَالْمَأْسَاةُ الْحَقِيقِيَّةُ لَمْ تَكُنْ فِي الْحَرْبِ.
بَلْ فِي أَنَّ إِيزَابِيلَ وَفَاطِمَةَ لَمْ تُسْأَلَا.
الْفَصْلُ التَّاسِعُ: مَا لَمْ يُقَلْ — وَالتَّأْثِيرُ الَّذِي أُنْكِرَ
بَرْلِينُ — الْحَاضِرُ
تُومَاسْ فِيشَرْ كَانَ أُسْتَاذًا فِي جَامِعَةِ بَرْلِينَ الْحُرَّةِ، مُتَخَصِّصًا فِي الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْوُسْطَى.
فِي الْخَامِسَةِ وَالْخَمْسِينَ.
يَرْتَدِي مَلَابِسَ بَسِيطَةً وَيَحْمِلُ حَقِيبَةً جِلْدِيَّةً قَدِيمَةً، فِيهَا دَائِمًا كُتُبٌ أَكْثَرُ مِمَّا تَسْتَطِيعُ حَمْلَهُ.
ذَهَبَ فِي ذَلِكَ الْخَرِيفِ — خَرِيفٌ حَادٌّ كَخَرِيفِ بَرْلِينَ دَائِمًا، بِأَوْرَاقٍ صَفْرَاءَ تَتَسَاقَطُ عَلَى أَرْصِفَةٍ رَمَادِيَّةٍ بِنَوْعٍ مِنَ الْجَمَالِ الْحَزِينِ — إِلَى مُؤْتَمَرٍ فِي مَدْرِيدَ.
مُؤْتَمَرٌ عَنِ التُّرَاثِ الْأَنْدَلُسِيِّ.
هُنَاكَ الْتَقَى بِنُورٍ.
نُورُ مَحْمُودَ كَانَتْ بَاحِثَةً مِنَ الْقَاهِرَةِ، أَكَادِيمِيَّةٌ حَصَلَتْ عَلَى دُكْتُورَاهَا مِنْ أُكْسْفُورْدَ، وَقَرَّرَتْ أَنْ تَعُودَ إِلَى الْقَاهِرَةِ مُقَاوَمَةً لِذَلِكَ الشُّعُورِ بِأَنَّ “الْعَوْدَةَ” اخْتِيَارٌ أَصْعَبُ مِنَ “الْبَقَاءِ”.
فِي الْأَرْبَعِينَ.
بِعُيُونٍ سَوْدَاءَ فِيهَا ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ الِانْتِبَاهِ الَّذِي يَجْعَلُ مَنْ يَتَكَلَّمُ مَعَهَا يَشْعُرُ بِأَنَّ كَلَامَهُ مَسْمُوعٌ.
الْتَقَيَا فِي جَلْسَةٍ عَنِ ابْنِ رُشْدٍ وَأَثَرِهِ عَلَى الْفَلْسَفَةِ الْأُوُرُوبِّيَّةِ.
تُومَاسْ قَدَّمَ وَرَقَةً بَحْثِيَّةً.
نُورُ طَرَحَتْ سُؤَالًا فِي نِهَايَةِ الْعَرْضِ.
كَانَ السُّؤَالُ:
— وَهَلْ تَعْتَقِدُ أَنَّ اعْتِرَافَ الْغَرْبِ بِهَذَا الْأَثَرِ سَيَكُونُ يَوْمًا صَرِيحًا؟
أَمْ سَيَبْقَى فِي الْهَامِشِ الْأَكَادِيمِيِّ الَّذِي لَا يَقْرَأُهُ إِلَّا الْمُتَخَصِّصُونَ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا تُومَاسْ.
ثُمَّ قَالَ بِصِدْقٍ غَيْرِ مُتَوَقَّعٍ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْجَلَسَاتِ:
— الثَّانِيَةُ لِلْأَسَفِ.
لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ الصَّرِيحَ يَتَطَلَّبُ مُرَاجَعَةَ رِوَايَةِ الْحَضَارَةِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا الْغَرْبُ هُوِيَّتَهُ.
وَذَلِكَ مُكْلِفٌ.
قَالَتْ نُورُ:
— تَمَامًا كَمَا يَتَطَلَّبُ اعْتِرَافُ الْمُسْلِمِينَ بِمَا أَخَذُوهُ مِنَ الْيُونَانِ وَالْفُرْسِ وَالْهِنْدِ مُرَاجَعَةَ رِوَايَةٍ أُخْرَى. وَالْمُرَاجَعَاتُ مُكْلِفَةٌ دَائِمًا.
قَالَ تُومَاسْ بِابْتِسَامَةٍ:
— أُرِيدُ أَنْ أُكْمِلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مَكَانٍ بِهِ قَهْوَةٌ.
فِي الْمَقْهَى الصَّغِيرِ الْمُقَابِلِ لِمَبْنَى الْمُؤْتَمَرِ جَلَسَا، وَمَعَهُمَا سَارَةُ — فَقِيهَةٌ مُسْلِمَةٌ مُعَاصِرَةٌ مِنَ الْمَغْرِبِ، تَعْمَلُ فِي الْبَحْثِ فِي مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَإِمْكَانِيَّةِ تَطْبِيقِهَا فِي الْعَالَمِ الْمُعَاصِرِ.
قَالَ تُومَاسْ بِلَهْجَةِ مَنْ يُقِرُّ بِشَيْءٍ لَمْ تَسْهُلْ عَلَيْهِ الْعَادَةُ:
— مَا يُحْرِجُنَا نَحْنُ فِي الْغَرْبِ هُوَ الِاعْتِرَافُ بِالدَّيْنِ الَّذِي نَتَحَاشَى ذِكْرَهُ.
ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ سِينَا وَالْفَارَابِيُّ أَثَّرُوا فِي أُوُرُوبَّا اللَّاتِينِيَّةِ تَأْثِيرًا مُبَاشِرًا وَعَمِيقًا.
تُومَا الْأَكُوِينِيُّ لَمْ يَفْهَمْ أَرِسْطُو كَامِلًا إِلَّا عَبْرَ ابْنِ رُشْدٍ.
وَهَذَا يُزْعِجُ مَنْ يُرِيدُ تَارِيخًا غَرْبِيًّا نَقِيًّا لَمْ تَمَسَّهُ يَدٌ أَجْنَبِيَّةٌ.
قَالَتْ نُورُ:
— وَالْعَكْسُ صَحِيحٌ تَمَامًا وَبِنَفْسِ الْقَدْرِ.
مَا يُحْرِجُنَا نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ هُوَ الِاعْتِرَافُ بِأَنَّنَا أَخَذْنَا مِنَ الْيُونَانِ وَالْفُرْسِ وَالْهِنْدِ.
لِأَنَّ بَعْضَنَا يُرِيدُ تَارِيخًا إِسْلَامِيًّا نَقِيًّا نَشَأَ مِنَ الْقُرْآنِ مُبَاشَرَةً دُونَ وَسَاطَةِ أَحَدٍ.
قَالَتْ سَارَةُ:
— وَكِلَا النَّقَاءَيْنِ وَهْمٌ تَارِيخِيٌّ.
التَّارِيخُ لَا يَعْمَلُ بِالنَّقَاءِ. يَعْمَلُ بِالتَّأْثِيرِ الْمُتَبَادَلِ وَالْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ وَالتَّرَاكُمِ وَالتَّجَاوُزِ.
وَإِنْكَارُ هَذَا لَا يُلْغِيهِ.
يُلْغِي فَهْمَنَا لَهُ فَحَسْبُ.
قَالَ تُومَاسْ بَعْدَ لَحْظَةِ صَمْتٍ:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ سُؤَالًا قَدْ يَبْدُو صَعْبًا.
— اسْأَلْ.
— حِينَ يَتَكَلَّمُ الْمُسْلِمُونَ عَنِ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَعَطَاءَاتِهَا — يَتَكَلَّمُونَ بِحَقٍّ، وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُقِرُّ.
لَكِنَّنِي لَاحَظْتُ أَنَّ مُعْظَمَ هَذَا الْعَطَاءِ جَاءَ فِي فَتَرَاتٍ كَانَتْ فِيهَا الْمُجْتَمَعَاتُ الْإِسْلَامِيَّةُ أَكْثَرَ انْفِتَاحًا عَلَى الْآخَرِ. وَحِينَ ضَاقَ الِانْفِتَاحُ — ضَاقَ الْإِبْدَاعُ مَعَهُ. هَلْ هَذَا صَحِيحٌ؟
صَمَتَتْ نُورُ وَسَارَةُ.
لَيْسَ صَمْتَ مَنْ لَا يَعْرِفُ. بَلْ صَمْتَ مَنْ يَزِنُ كَيْفَ يَقُولُ.
ثُمَّ قَالَتْ سَارَةُ:
— هَذَا صَحِيحٌ جُزْئِيًّا. وَتَبْسِيطُهُ خَطَأٌ جُزْئِيًّا.
— وَضِّحِي.
— صَحِيحٌ أَنَّ الْفَتَرَاتِ الذَّهَبِيَّةَ كَانَتْ فَتَرَاتِ حِوَارٍ وَانْفِتَاحٍ وَسَعَةٍ فِي اسْتِقْبَالِ الْمُخْتَلِفِ.
لَكِنَّ الِانْغِلَاقَ الَّذِي جَاءَ بَعْدَهَا لَمْ يَكُنْ فِي مُعْظَمِهِ انْغِلَاقًا دِينِيًّا أَصِيلًا.
كَانَ انْغِلَاقًا سِيَاسِيًّا دِفَاعِيًّا.
الْغَزْوُ الْمَغُولِيُّ وَتَدْمِيرُ بَغْدَادَ، ثُمَّ الِاسْتِعْمَارُ الْغَرْبِيُّ لَاحِقًا — هَذِهِ صَدَمَاتٌ أَنْتَجَتِ انْغِلَاقًا دِفَاعِيًّا مَفْهُومًا. وَالِانْغِلَاقُ الدِّفَاعِيُّ لَيْسَ نَفْسَهُ الِانْغِلَاقَ الَّذِي يَخْتَارُهُ الْفِكْرُ بِحُرِّيَّةٍ.
قَالَ تُومَاسْ:
— تَمْيِيزٌ مُهِمٌّ وَدَقِيقٌ. لَكِنَّ النَّتِيجَةَ كَانَتْ وَاحِدَةً.
قَالَتْ نُورُ:
— نَعَمْ.
وَالتَّمْيِيزُ لَا يُلْغِي النَّتِيجَةَ. لَكِنَّهُ يُغَيِّرُ وَصْفَتَهَا.
الِانْغِلَاقُ الْأَصِيلُ يَحْتَاجُ فِكْرًا يُعَالِجُهُ مِنَ الدَّاخِلِ.
أَمَّا الِانْغِلَاقُ الدِّفَاعِيُّ — فَيَحْتَاجُ أَمْنًا يُزِيلُ الْخَوْفَ الَّذِي صَنَعَهُ.
وَكَثِيرٌ مِنَ الْإِصْلَاحِيِّينَ وَقَعُوا فِي فَخِّ مُعَالَجَةِ الْأَوَّلِ وَنِسْيَانِ الثَّانِي.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، بَعْدَ أَنِ انْتَهَى الْمُؤْتَمَرُ وَتَفَرَّقَ الْمُشَارِكُونَ فِي شَوَارِعِ مَدْرِيدَ، جَلَسَ تُومَاسْ وَنُورُ وَسَارَةُ لِسَاعَةٍ أَخِيرَةٍ فِي مَطْعَمٍ صَغِيرٍ وَتَكَلَّمُوا بِمَا يَتَكَلَّمُ بِهِ النَّاسُ حِينَ يَثِقُونَ بِبَعْضِهِمْ.
قَالَتْ نُورُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى نَافِذَةِ الْمَطْعَمِ حَيْثُ مَرَّ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ يَمْشِيَانِ بِجَانِبِ بَعْضِهِمَا فِي صَمْتِ الْمُتَعَارِفِينَ الطَّوِيلِ:
— أُرِيدُ أَنْ نَعْتَرِفَ بِشَيْءٍ. كِلَا الطَّرَفَيْنِ.
— مَاذَا تَقْصِدِينَ؟
— نَحْنُ الْمُسْلِمِينَ أَخْطَأْنَا حِينَ ادَّعَيْنَا أَنَّنَا أَعْطَيْنَا فَقَطْ دُونَ أَنْ نَعْتَرِفَ بِمَا أَخَذْنَا.
وَهَذَا ادِّعَاءٌ غَيْرُ تَارِيخِيٍّ وَغَيْرُ أَمِينٍ. يُضَيِّقُ الْإِسْلَامَ وَيُصَغِّرُهُ بَدَلَ أَنْ يُعَظِّمَهُ.
ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى تُومَاسْ:
— وَأَنْتُمْ فِي الْغَرْبِ أَخْطَأْتُمْ حِينَ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ نَهْضَتَكُمْ نَشَأَتْ مِنَ الدَّاخِلِ فَقَطْ دُونَ الِاعْتِرَافِ بِمَا وَصَلَكُمْ مِنَ الْحَضَارَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَهَذَا أَيْضًا ادِّعَاءٌ غَيْرُ تَارِيخِيٍّ وَغَيْرُ أَمِينٍ.
قَالَ تُومَاسْ بِلَا تَرَدُّدٍ:
— أُوَافِقُ.
وَأَقُولُ هَذَا أَمَامَ طُلَّابِي.
قَالَتْ نُورُ:
— وَحِينَ يَعْتَرِفُ كُلُّ طَرَفٍ بِخَطَئِهِ — لَا يَضْعُفُ. يُصْبِحُ أَقْدَرَ عَلَى الْحِوَارِ الْحَقِيقِيِّ.
الْفَصْلُ الْعَاشِرُ: الْمَجْلِسُ الْكَبِيرُ
فِي مَكَانٍ لَا وَقْتَ لَهُ وَلَا جُغْرَافْيَا مُحَدَّدَةَ — ذَلِكَ الْمَكَانُ الَّذِي يُوجَدُ فِي الْكِتَابَةِ فَقَطْ، وَيَكُونُ فِيهِ كُلُّ مَنْ لَمْ يَجْلِسُوا مَعًا مُجْبَرِينَ عَلَى الْجُلُوسِ — اجْتَمَعَ الْجَمِيعُ:
يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمُتَرْجِمُ.
وَيُوسُفُ بْنُ بَشِيرٍ الْفَيْلَسُوفُ.
وَالْكِنْدِيُّ وَالْفَارَابِيُّ وَابْنُ رُشْدٍ.
وَمَرْيَمُ الطَّبِيبَةُ وَإِيزَابِيلُ الْجَارَةُ وَبَرْنَارْدُو الْكَاهِنُ.
وَنُورُ وَسَارَةُ وَتُومَاسْ.
وَمَعَهُمْ شَخْصٌ لَمْ نَذْكُرْهُ حَتَّى الْآنَ.
رَاهُولُ — رَجُلٌ هِنْدِيٌّ بُوذِيٌّ كَانَ يَتَّجِرُ فِي بَغْدَادَ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ الْهِجْرِيِّ، وَرَأَى الْإِسْلَامَ مِنْ مَوْقِعِ الزَّائِرِ الَّذِي لَا يَحْمِلُ حُكْمًا مُسْبَقًا.
طَوِيلٌ، بِشَعْرٍ أَسْوَدَ مُسَرَّحٍ إِلَى الْخَلْفِ، هَادِئٌ بِطَرِيقَةٍ لَا تَكُونُ هُدُوءَ مَنْ لَا يَعْنِيهِ الْأَمْرُ، بَلْ هُدُوءَ مَنْ رَأَى كَثِيرًا وَقَرَّرَ أَنَّ الْكَلَامَ يَجِبُ أَنْ يُوزَنَ.
قَالَ رَاهُولُ:
— أَنَا قَادِمٌ مِنْ تَقْلِيدٍ مُخْتَلِفٍ كُلِّيًّا.
لَا إِلَهَ شَخْصِيٌّ فِي الْبُوذِيَّةِ.
وَلَا وَحْيَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَفْهَمُونَهُ.
وَلَا نُبُوَّةَ.
لَكِنَّنِي حِينَ جَلَسْتُ فِي بَيْتِ الْحِكْمَةِ وَرَأَيْتُ مَا يَفْعَلُهُ الْمُسْلِمُونَ مَعَ الْعِلْمِ وَالسُّؤَالِ — رَأَيْتُ شَيْئًا يَشْتَرِكُ مَعَ تَقْلِيدِي بِعُمْقٍ.
— مَا هُوَ؟
— الْإِيمَانُ بِأَنَّ الْفَهْمَ مُمْكِنٌ.
وَأَنَّ الْجَهْلَ عَدُوٌّ يُقَاتَلُ.
وَأَنَّ الْبَحْثَ وَاجِبٌ لَا تَرَفٌ.
وَأَنَّ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَنِ السُّؤَالِ قَدْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ:
— وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ بَعْضَ الْقِيَمِ الْكُبْرَى تَسْبِقُ الدِّينَ الْوَاحِدَ.
أَوْ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى:
تَأْتِي فِي كُلِّ دِينٍ بِطَرِيقَتِهِ الْخَاصَّةِ.
قَالَ يُوسُفُ:
— وَهَذَا هُوَ بِالضَّبْطِ مَا يُزْعِجُ الْمُتَشَدِّدِينَ فِي كُلِّ الْأَدْيَانِ.
لِأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّ اللَّهَ — أَوْ مَا تُسَمِّيهِ كُلٌّ مِنَّا بِطَرِيقَتِهِ — أَعْطَى الْحَقَّ بِأَشْكَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
وَهَذَا يُهَدِّدُ احْتِكَارَ أَيِّ طَرَفٍ لِلْحَقِيقَةِ.
قَالَتْ إِيزَابِيلُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ لَا يَحْمِلُ فَلْسَفَةً بَلْ يَحْمِلُ حَيَاةً:
— أَنَا لَا أَعْرِفُ الْفَلْسَفَةَ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُ شَيْئًا وَاحِدًا.
— قُولِي.
— عِشْتُ عِشْرِينَ سَنَةً بِجَانِبِ فَاطِمَةَ.
وَكَانَتْ تُعْطِينِي مِنْ طَعَامِهَا حِينَ كُنْتُ مَرِيضَةً.
وَكَانَ أَطْفَالُهَا يَلْعَبُونَ مَعَ أَطْفَالِي كَأَنَّهُمْ إِخْوَةٌ.
ثُمَّ جَاءَتِ الْحَرْبُ وَقَسَّمَتْنَا بِخَطٍّ لَمْ نَرْسُمْهُ.
تَوَقَّفَتْ.
وَنَظَرَتْ إِلَى الْجَمِيعِ:
— أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ سُؤَالًا وَاحِدًا فَقَطْ:
أَيُّ الْأَدْيَانِ كَانَ يَأْمُرُ بِتِلْكَ الْحَرْبِ؟
لِأَنَّنِي قَرَأْتُ الْإِنْجِيلَ وَلَمْ أَجِدْ فِيهِ أَمْرًا بِطَرْدِ الْجَارَةِ.
وَفَاطِمَةُ قَالَتْ لِي إِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَأْمُرُ بِقَطْعِ الْجِوَارِ.
صَمَتَ الْمَجْلِسُ صَمْتًا ثَقِيلًا.
ثُمَّ تَكَلَّمَ رَجُلٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى الْآنَ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ.
كَانَ اسْمُهُ قَاسِمٌ.
مُؤَرِّخٌ عَادِيٌّ مِنْ تِلْكَ الشَّخْصِيَّاتِ الَّتِي لَا تُذْكَرُ فِي كُتُبِ الْأَعْيَانِ، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْرِفُ طَرَفًا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ كَثْرَةِ مَا سَمِعَ.
قَالَ بِمُبَاشَرَةِ مَنْ لَا يَخْشَى أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا بِالْحَرَجِ:
— السِّيَاسَةُ أَمَرَتْ بِهَا.
وَاسْتَعَارَتْ لُغَةَ الدِّينِ، لِأَنَّ اللُّغَةَ الدِّينِيَّةَ أَقْنَعُ وَأَسْرَعُ فِي تَجْنِيدِ الْقُلُوبِ.
اللَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهَا.
الْخَوْفُ أَمَرَ بِهَا.
— وَهَلِ الدِّينُ مَسْؤُولٌ عَنْ ذَلِكَ؟
قَالَ قَاسِمٌ بَعْدَ تَرَدُّدٍ صَادِقٍ:
— الدِّينُ مَسْؤُولٌ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَبْنِ سِيَاجًا صُلْبًا يَمْنَعُ اسْتِخْدَامَهُ هَكَذَا.
لَيْسَ لِأَنَّهُ قَاصِرٌ فِي نَفْسِهِ.
بَلْ لِأَنَّ مَنْ كَلَّفَهُمُ اللَّهُ بِحِرَاسَتِهِ لَمْ يَحْرُسُوهُ دَائِمًا بِمَا يَكْفِي.
قَالَ تُومَاسْ بِنَبْرَةِ الْأُسْتَاذِ الَّذِي يُلْقِي نَتِيجَةَ بَحْثٍ طَوِيلٍ:
— الْحَضَارَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ فِي ذُرْوَتِهَا لَمْ تَكُنْ عَظِيمَةً رَغْمَ تَعَدُّدِهَا.
كَانَتْ عَظِيمَةً بِسَبَبِ تَعَدُّدِهَا.
حِينَ سَمَحَتْ لِلْآخَرِ بِأَنْ يَكُونَ حَاضِرًا فِكْرًا وَمُسَاهَمَةً لَا مُجَرَّدَ ضَيْفٍ مُكَرَّمٍ — فَكَّرَ الْمُسْلِمُونَ بِشَكْلٍ أَعْمَقَ وَأَوْسَعَ.
وَحِينَ أُقْصِيَ الْآخَرُ — ضَاقَ الْأُفُقُ وَضَعُفَ التَّفْكِيرُ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ:
— عِنْدِي التَّفْسِيرُ وَاضِحٌ.
اللَّهُ خَلَقَ النَّاسَ مُخْتَلِفِينَ.
“وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا.
” التَّعَارُفُ — الْمَعْرِفَةُ الْمُتَبَادَلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ — هُوَ الْغَايَةُ.
وَحِينَ يَحْدُثُ التَّعَارُفُ الْحَقِيقِيُّ لَا التَّعَارُفُ الشَّكْلِيُّ — يُنْتِجُ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُنْتَجَ.
ثُمَّ تَكَلَّمَ يَعْقُوبُ الْمُتَرْجِمُ — الَّذِي صَمَتَ طَوِيلًا يَسْتَمِعُ كَعَادَتِهِ — وَكَانَ فِي صَوْتِهِ ثِقَلُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ عَاشَهَا عَلَى الْجُسُورِ:
— أَنَا عِشْتُ هَذَا.
كُلُّ حَيَاتِي كَانَتْ فِي الْمُنْتَصَفِ.
وَفِي الْمُنْتَصَفِ يَرَى الْإِنْسَانُ مَا لَا يَرَاهُ مَنْ هُوَ فِي طَرَفٍ.
— وَمَاذَا يَرَى؟
— يَرَى أَنَّ مَا يَظُنُّ كُلُّ طَرَفٍ أَنَّهُ خَاصٌّ بِهِ وَحْدَهُ — كَثِيرٌ مِنْهُ مُشْتَرَكٌ مَعَ الْآخَرِ.
وَأَنَّ هَذَا الْمُشْتَرَكَ لَيْسَ ضَعْفًا.
هُوَ الْأَسَاسُ الَّذِي يُمْكِنُ الْبِنَاءُ عَلَيْهِ إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَبْنِيَ.
تَوَقَّفَ.
— الْمُشْكِلَةُ أَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا يَصْنَعُ خُطَبًا حَمَاسِيَّةً.
وَالْخَاصُّ يَصْنَعُهَا.
فَيُصْبِحُ الْخَاصُّ أَعْلَى صَوْتًا دَائِمًا.
وَالْمُشْتَرَكُ يَظَلُّ هُنَاكَ — صَامِتًا — يَنْتَظِرُ مَنْ يَسْمَعُهُ.
ثُمَّ أَضَافَ بَعْدَ صَمْتٍ قَصِيرٍ كَأَنَّهُ يُضِيفُ مَا نَسِيَ قَوْلَهُ:
— وَحِينَ لَا يُسْمَعُ الْمُشْتَرَكُ — لَا يَخْتَفِي.
يَتَرَاكَمُ.
وَيَخْرُجُ يَوْمًا.
وَأَحْيَانًا يَخْرُجُ بِطَرِيقَةٍ لَا يَتَمَنَّاهَا أَحَدٌ.
خَاتِمَةٌ: الْجَارُ الَّذِي لَمْ نَرَهُ
فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ خَارِجَ الزَّمَنِ جَلَسَ مُسْلِمٌ وَيَهُودِيٌّ وَمَسِيحِيٌّ وَبُوذِيٌّ مَعًا.
لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ.
وَلَمْ يُلْغِ أَحَدٌ مِنْهُمْ تَقْلِيدَهُ.
وَلَمْ يَتَظَاهَرْ أَحَدٌ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ لَا وُجُودَ لَهُ.
لَكِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ — اتِّفَاقًا لَمْ يَحْتَاجُوا أَنْ يُعْلِنُوهُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَهُمْ:
أَنَّ الْحَقِيقَةَ الْكَامِلَةَ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يَحْمِلَهَا أَيٌّ مِنْهُمْ وَحْدَهُ.
وَأَنَّ هَذَا الِاعْتِرَافَ لَيْسَ ضَعْفًا فِي الْإِيمَانِ.
بَلْ نُضْجٌ فِيهِ — النُّضْجُ الَّذِي يَأْتِي حِينَ يَبْلُغُ الْإِنْسَانُ حُدُودَ مَا يَعْلَمُ وَيَتَوَاضَعُ أَمَامَ مَا لَا يَعْلَمُ.
فِي مَدْرِيدَ، فِي مَقْهًى بَسِيطٍ، بَعْدَ نِهَايَةِ الْمُؤْتَمَرِ، كَتَبَتْ نُورُ فِي دَفْتَرِهَا:
“الْجَارُ الَّذِي لَمْ نَرَهُ — لَيْسَ مَنْ يَسْكُنُ فِي بَيْتٍ بَعِيدٍ.
هُوَ مَنْ يَسْكُنُ فِي الْبَيْتِ الْمُجَاوِرِ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً وَلَا نَرَاهُ، لِأَنَّنَا اعْتَدْنَا أَلَّا نَرَاهُ.
اعْتَدْنَا أَنْ نَرَى الْخَاصَّ وَلَا نَرَى الْمُشْتَرَكَ.
اعْتَدْنَا أَنْ نَسْمَعَ الْخِلَافَ وَلَا نَسْمَعَ الِاتِّفَاقَ.
الْجَارُ الَّذِي لَمْ نَرَهُ — هُوَ نَحْنُ بِعُيُونِ بَعْضِنَا.
هُوَ كُلُّ مَا فِي الْآخَرِ يُشْبِهُنَا وَلَا نُرِيدُ أَنْ نَعْتَرِفَ بِهِ، لِأَنَّ الِاعْتِرَافَ يُكَلِّفُ.”
ثُمَّ أَغْلَقَتِ الدَّفْتَرَ.
وَنَظَرَتْ إِلَى تُومَاسْ وَسَارَةَ.
قَالَتْ سَارَةُ:
— مَاذَا كَتَبْتِ؟
قَالَتْ نُورُ:
— شَيْئًا كَانَ يَجِبُ أَنْ يُكْتَبَ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
وَفِي بَيْتِ الْحِكْمَةِ — فِي تِلْكَ الْغُرْفَةِ الَّتِي كَانَ يَعْمَلُ فِيهَا يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ فِي فَجْرِ بَغْدَادَ فِي الْقَرْنِ التَّاسِعِ — بَقِيَتْ وَرَقَةٌ فَارِغَةٌ عَلَى الطَّاوِلَةِ.
كَتَبَ عَلَيْهَا يَعْقُوبُ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ عُمْرِهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً بِالسُّرْيَانِيَّةِ:
“مَا نَبْنِيهِ مَعًا أَكْبَرُ مِمَّا نَهْدِمُهُ مُنْفَرِدِينَ.”
لَمْ يُتَرْجِمْهَا.
بَعْضُ الْجُمَلِ لَا تَحْتَاجُ تَرْجَمَةً.
نِهَايَةٌ
“وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ” — الْحُجُرَاتُ: ١٣
صدق الله العظيم
تَنْوِيهٌ:
إِنَّ الْأَحْدَاثَ الْوَارِدَةَ فِي هَذَا الْمُلْحَقِ بَعْضُهَا حَقِيقِيٌّ، وَبَعْضُهَا الْآخَرُ يَجْرِي فِي سِيَاقٍ تَخَيُّلِيٍّ، كَأَنَّهُ حَدَثَ فِي مَجْلِسٍ خَيَالِيٍّ خَارِجَ الزَّمَنِ، عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَرَدَ فِي بَعْضِ فُصُولِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ.

يومَ تَوقَّف اليَقين