حِينَ يَسْتَيْقِظُ النِّصْفُ النَّائِمُ مِنْكَ
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مَتَى بَدَأَ ذٰلِكَ بِالضَّبْطِ.
أَكانَ حِينَ وَقَعَتْ عَيْناها عَلى كَلِماتِهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، فَأَحَسَّتْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الِاعْتِرافَ لا التَّعارُفَ؟
أَمْ حِينَ أَدْرَكَتْ، فِي لَحْظَةٍ لَمْ تَسْتَأْذِنْ أَحَدًا، أَنَّها كانَتْ تَعِيشُ بِنِصْفِ رُوحٍ—تَمْشِي وَتَتَكَلَّمُ وَتُعْطِي وَتُدِيرُ—فِيمَا النِّصْفُ الآخَرُ مِنْها نائِمٌ فِي رُكْنٍ بَعِيدٍ، يَحْضُنُ صَمْتَهُ وَيَنْتَظِرُ؟
“هَلْ يَحْتاجُ الإِنْسانُ إِلَى مَنْ يُوقِظُهُ… أَمْ إِلَى مَنْ يُثْبِتُ لَهُ أَنَّهُ كانَ نائِمًا؟”
كانَتْ سَمَرُ تَجْلِسُ مَعَ صَدِيقَتِها رَنا فِي الصّالُونِ ذاتِهِ الَّذِي يَعْرِفُهُ الجَمِيعُ—أَثاثٌ انْتُقِيَ بِعِنايَةٍ لِيُثْبِتَ لِكُلِّ زائِرٍ أَنَّ الحَياةَ هُنا عَلى ما يُرامُ—وَكانَتا تَتَحَدَّثانِ عَنِ الأَشْياءِ الَّتِي تَمْلَأُ الوَقْتَ دُونَ أَنْ تَمْلَأَ شَيْئًا حَقِيقِيًّا: البَيْتُ، الأَطْفالُ، ما يَحْتاجُ إِصْلاحًا وَما يَحْتاجُ شِراءً، وَمِنْ أَيْنَ يُؤْتَى بِعامِلٍ مَوْثُوقٍ لا يَكْسِرُ ما يُصْلِحُ.
كانَتْ رَنا تَتَكَلَّمُ، وَكانَتْ سَمَرُ تُومِئُ، وَكانَ الفِنْجانُ أَمامَها يَبْرُدُ بِبُطْءٍ كَأَنَّهُ يُشارِكُها غِيابَها.
ثُمَّ فَتَحَتْ هاتِفَها، بِلا نِيَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ—كَما يَفْعَلُ الإِنْسانُ حِينَ يَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ لا اسْمَ لَهُ.
وَوَقَعَتْ عَيْناها عَلَيْهِ.
لَوْحَةٌ جَدِيدَةٌ. أَلْوانٌ حارَّةٌ تَتَصارَعُ فِي هُدُوءٍ. وَمَساحَةٌ تَرَكَها غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ، كَأَنَّهُ أَرادَ لِلْمُشاهِدِ أَنْ يُكْمِلَ ما لَمْ يَجْرُؤْ هُوَ عَلى قَوْلِهِ. وَأَسْفَلَها كَلِماتٌ أَقَلُّ مِنَ المُعْتادِ، كَمَنْ يَعْرِفُ أَنَّ الكَثِيرَ مِنَ الكَلامِ يَطْمُرُ الحَقِيقَةَ لا يَكْشِفُها.
اقْتَرَبَتْ رَنا بِرَأْسِها، تَنْظُرُ إِلَى الشّاشَةِ بِاسْتِطْلاعِ صَدِيقَةٍ تَعْرِفُ أَنَّ ثَمَّةَ شَيْئًا يُخْفَى عَنْها:
— مَنْ هٰذا الَّذِي تُتابِعِينَهُ دائِمًا؟
تَرَدَّدَتْ سَمَرُ. لَمْ يَكُنِ التَّرَدُّدُ مِنَ الكِتْمانِ، بَلْ لِأَنَّ السُّؤالَ بَدا لَها أَكْبَرَ مِمَّا يَبْدُو—كَأَنَّ الإِجابَةَ سَتَفْتَحُ بابًا لا تَعْرِفُ ما وَراءَهُ.
— لا أَعْرِفُهُ… لَكِنِّي أَشْعُرُ أَنَّهُ يَعْرِفُنِي.
ضَحِكَتْ رَنا، تِلْكَ الضَّحْكَةَ المُرِيحَةَ الَّتِي تُعِيدُ الأَشْيَاءَ إِلَى حَجْمِها المَقْبُولِ:
— مِنْ لَوْحَةٍ؟!
“نَعَمْ”، فَكَّرَتْ سَمَرُ، “مِنْ لَوْحَةٍ. وَمِنْ صَمْتٍ. وَمِنْ طَرِيقَةِ تَرْكِ الأَشْيَاءِ غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ كَأَنَّهُ يَثِقُ أَنَّ ثَمَّةَ مَنْ سَيُكْمِلُها.”
لٰكِنَّها لَمْ تَقُلْ شَيْئًا. كانَتْ تُحَدِّقُ فِي تِلْكَ المَساحَةِ الفارِغَةِ الَّتِي تَرَكَها الفَنّانُ عَنْ عَمْدٍ—ذٰلِكَ الشَّيْءُ الَّذِي لا يُرَى بِوُضُوحٍ لٰكِنَّهُ حاضِرٌ بِإِصْرارٍ، كَالحُزْنِ القَدِيمِ وَكَالأَمَلِ الَّذِي لَمْ يُعْطَ فُرْصَتَهُ.
— لَيْسَ مِنَ اللَّوْحَةِ… مِنَ الطَّرِيقَةِ الَّتِي لَمْ يَشْرَحْها بِها.
سَكَتَتْ رَنا هٰذِهِ المَرَّةَ، وَلَمْ تَضْحَكْ. ثَمَّةَ نَبْرَةٌ فِي صَوْتِ سَمَرُ لا تُؤْخَذُ بِاسْتِخْفافٍ.
أَغْلَقَتْ سَمَرُ الهاتِفَ بِبُطْءٍ، كَأَنَّها تُحْكِمُ إِغْلاقَ نافِذَةٍ خَشِيَتْ أَنْ يَتَسَرَّبَ مِنْها شَيْءٌ إِلَى الهَواءِ البارِدِ فِي الخارِجِ—أَوْ إِلَى الهَواءِ الأَكْثَرِ بُرُودَةً فِي الدّاخِلِ.
عَلَى الطّاوِلَةِ أَمامَها، كانَتْ قائِمَةٌ طَوِيلَةٌ بِما يَحْتاجُهُ المَنْزِلُ هٰذا الشَّهْرَ. أَرْقامٌ وَأَسْماءٌ وَأَوْلَوِيّاتٌ مُرَتَّبَةٌ. كُلُّ شَيْءٍ فِي خانَتِهِ. كُلُّ شَيْءٍ لَهُ حَلٌّ.
وَفِي الغُرْفَةِ المُجاوِرَةِ، كانَ وائِلٌ—زَوْجُها مُنْذُ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا—يَتَحَدَّثُ عَبْرَ الهاتِفِ عَنْ صَفْقَةٍ جَدِيدَةٍ، بِذٰلِكَ الصَّوْتِ الَّذِي تَعْرِفُهُ جَيِّدًا: واثِقٌ، مُحَدَّدٌ، يَضَعُ العالَمَ فِي خاناتٍ واضِحَةٍ كَأَنَّهُ يُدِيرُ جَلْسَةَ مَجْلِسِ إِدارَةٍ لا تَنْتَهِي. هٰذا لِي. وَهٰذا يَجِبُ أَنْ يُصْبِحَ لِي. وَهٰذا سَيُحْسَمُ بِحُلُولِ نِهايَةِ الشَّهْرِ.
“وَأَنا؟” سَأَلَتْ سَمَرُ نَفْسَها، دُونَ أَنْ تَقْصِدَ. “فِي أَيِّ خانَةٍ أَنا؟”
لَمْ يَكُنْ وائِلٌ سَيِّئًا. لَمْ يَكُنْ قاسِيًا، وَلَمْ يَكُنْ غائِبًا بِالمَعْنَى الَّذِي يَشْكُو مِنْهُ النّاسُ فِي المَحاكِمِ. كانَ مَوْجُودًا عَلَى الطّاوِلَةِ، وَفِي السَّيّارَةِ، وَفِي السَّرِيرِ. كانَ يُسْأَلُ فَيُجِيبُ، وَيُعْطَى فَيُعْطِي.
لٰكِنَّهُ كانَ لا يَرَى.
أَوْ—وَهٰذا ما أَخافَها أَكْثَرَ—رُبَّما كانَ يَرَى، لٰكِنَّهُ لا يَعْرِفُ ماذا يَفْعَلُ بِما يَراهُ. كَأَنَّ ما بِداخِلِها كانَ يَتَكَلَّمُ بِلُغَةٍ لَمْ يَتَعَلَّمْها أَحَدٌ فِي المَدْرَسَةِ وَلا فِي البَيْتِ وَلا فِي كُلِّ تِلْكَ السِّنِينَ الَّتِي مَضَتْ.
________________________________________
فِي دِمَشْقَ الَّتِي تَعْرِفُها سَمَرُ—تِلْكَ المَدِينَةُ الَّتِي عَلَّمَتْ بَناتِها أَنَّ الزَّواجَ الجَيِّدَ هُوَ الجَوابُ عَلَى كُلِّ سُؤالٍ—لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ قَدْ أَخْبَرَها أَنَّ الجَوابَ قَدْ لا يَكُونُ كافِيًا. أَنَّ ثَمَّةَ أَسْئِلَةً تَعِيشُ داخِلَ المَرْأَةِ لا تُطْرَحُ فِي الصّالوناتِ وَلا تُكْتَبُ عَلى قَوائِمِ المُشْتَرَياتِ.
كانَتْ أُمُّها قَدْ قالَتْ لَها يَوْمَ زِفافِها، بِفَخْرٍ حَقِيقِيٍّ: “وائِلٌ رَجُلٌ يَعْرَفُ مِنْ أَيْنَ يَأْكُلُ. هٰذا يَكْفِي.” وَكانَتْ سَمَرُ قَدْ صَدَّقَتْ. لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ، صَدَّقَتْ.
________________________________________
عادَتْ تَنْظُرُ إِلَى هاتِفِها، دُونَ أَنْ تَفْتَحَهُ.
وَفَكَّرَتْ—بِذٰلِكَ الخَوْفِ الَّذِي يُشْبِهُ الِاكْتِشافَ، وَبِذٰلِكَ الِاكْتِشافِ الَّذِي يُشْبِهُ الخَطَرَ:
ماذا لَوْ أَنَّ أَكْثَرَ ما يَنْقُصُ حَياتِي… لَيْسَ ما يُمْكِنُ شِراؤُهُ؟
ماذا لَوْ أَنَّ ما يَنْقُصُها لا اسْمَ لَهُ فِي القَوامِيسِ الَّتِي تَعْرِفُها؟
ماذا لَوْ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي لَمْ تَرَهُ قَطُّ، وَالَّذِي يَتْرُكُ فِي لَوْحاتِهِ مَساحاتٍ غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ كَيْ يَراها مَنْ يَسْتَحِقُّ الرُّؤْيَةَ—ماذا لَوْ كانَ يَتَحَدَّثُ، دُونَ أَنْ يَعْرِفَ، إِلَيْها تَحْدِيدًا؟
أَغْمَضَتْ عَيْنَيْها لِثانِيَةٍ.
وَفِي الجِوَارِ، كانَ وائِلٌ لا يَزالُ يَتَحَدَّثُ.
وَعَلَى الطّاوِلَةِ، كانَتِ القائِمَةُ تَنْتَظِرُ.
________________________________________
الفَصْلُ الأَوَّلُ
________________________________________
كانَ اليَوْمُ عادِيًّا، إِلَى ذٰلِكَ الحَدِّ الخادِعِ الَّذِي يَجْعَلُ المَرْءَ يَظُنُّ أَنْ لا شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الِانْتِباهَ— وَفِي الوَقْتِ ذاتِهِ، يَجْعَلُ كُلَّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ يَحْفِرُ فِي الذَّاكِرَةِ حُفَرًا لا تُرْدَمُ.
كانَتْ سَمَرُ تُلاحِظُ كُلَّ شَيْءٍ.
ضَوْءُ الغُرْفَةِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ ثابِتًا تَمامًا—يَمِيلُ نَحْوَ النّافِذَةِ مَيْلًا خَفِيًّا كَأَنَّهُ يُحاوِلُ الهَرَبَ، كَما تُحاوِلُ الأَشْيَاءُ الجَيِّدَةُ دائِمًا أَنْ تَهْرُبَ مِنَ الأَماكِنِ الَّتِي لا تَعْرِفُ قِيمَتَها. وَصَوْتُ الماءِ فِي المَطْبَخِ—تِلْكَ النَّقَراتُ المُتَقَطِّعَةُ الَّتِي اعْتادَتْها حَتّى صارَتْ جُزْءً مِنْ صَمْتِها الدّاخِلِيِّ. وَذٰلِكَ الصَّمْتُ القَصِيرُ الَّذِي يَنْشَأُ بَيْنَ جُمَلِ وائِلٍ، حِينَ يَنْتَقِلُ مِنْ فِكْرَةٍ إِلَى أُخْرَى—لا كَمَنْ يَعِيشُ لَحْظَتَيْنِ مُتَتالِيَتَيْنِ، بَلْ كَمَنْ يُغْلِقُ مِلَفًّا وَيَفْتَحُ آخَرَ، بِلا مَساحَةٍ لِلْهَواءِ بَيْنَهُما.
“هَلْ يَعْرِفُ”، سَأَلَتْ نَفْسَها مَرَّةً، “أَنَّ بَيْنَ الجُمَلِ أَيْضًا حَياةً؟”
كانَ يَتَحَدَّثُ عَنْ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِالِاسْتِثْمارِ، أَوِ الشِّراءِ، أَوْ تَرْتِيبٍ جَدِيدٍ لِلْمَنْزِلِ—فِكْرَةٍ مِنْ تِلْكَ الأَفْكارِ الَّتِي تَبْدَأُ بِاجْتِماعٍ وَتَنْتَهِي بِرَقْمٍ عَلى وَرَقَةٍ. لَمْ تَكُنْ تُتابِعُ بِدِقَّةٍ، لَيْسَ لِأَنَّها لا تَفْهَمُ—فَسَمَرُ امْرَأَةٌ تَفْهَمُ أَكْثَرَ مِمَّا تُظْهِرُ—بَلْ لِأَنَّ الكَلِماتِ كانَتْ تَصِلُها مُكْتَمِلَةَ الشَّكْلِ مِنَ الخارِجِ، فارِغَةَ المَعْنَى مِنَ الدّاخِلِ. كَالطُّرُودِ الَّتِي تَأْتِي بِالبَرِيدِ مُغَلَّفَةً بِعِنايَةٍ، فَتَجِدُ فِيها ما طَلَبْتَهُ وَلَيْسَ ما تُرِيدُهُ.
قالَ وائِلٌ، وَعَيْناهُ عَلى شاشَةِ هاتِفِهِ لا عَلَيْها:
— يَجِبُ أَنْ نُقَرِّرَ خِلالَ هٰذا الأُسْبُوعِ.
أَجابَتْ دُونَ أَنْ تَرْفَعَ نَظَرَها:
— نُقَرِّرُ ماذا؟
تَوَقَّفَ. تَوَقَّفَ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَتَوَقَّفُها مَنْ يَجِدُ السُّؤالَ غَرِيبًا—لا لِأَنَّهُ صَعْبٌ، بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يَخْطُرْ لَهُ أَنْ يَحْتاجَ شَرْحًا. ثُمَّ قالَ، بِتِلْكَ البَساطَةِ الَّتِي تُؤْلِمُ أَحْيانًا أَكْثَرَ مِنَ القَسْوَةِ:
— الأَمْرُ واضِحٌ.
واضِحٌ.
فَكَّرَتْ سَمَرُ فِي الكَلِمَةِ، وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى الفِنْجانِ أَمامَها. كَمْ مَرَّةً سَمِعَتْ هٰذِهِ الكَلِمَةَ مِنْهُ؟ كَمْ مَرَّةً قالَها لَها وَكَأَنَّها إِجابَةٌ، فِيمَا هِيَ فِي حَقِيقَتِها نِهايَةٌ لِلْحِوارِ قَبْلَ أَنْ يَبْدَأَ؟ “الأَمْرُ واضِحٌ”—أَيْ: لا داعِيَ لِلتَّساؤُلِ، وَلا مَكانَ لِلشَّكِّ، وَالبابُ مَوْصُودٌ مِنَ الدّاخِلِ.
لَمْ يَكُنْ واضِحًا لَها. لٰكِنَّهُ كانَ واضِحًا لَهُ، وَكانَ ذٰلِكَ يَكْفِيهِ. وَكانَ اكْتِفاؤُهُ هٰذا يُرْبِكُها مُنْذُ سَنَواتٍ—لَيْسَ لِأَنَّها تُرِيدُ خِلافًا، بَلْ لِأَنَّها تُرِيدُ نافِذَةً صَغِيرَةً، مُجَرَّدَ نافِذَةٍ، تَدْخُلُ مِنْها الرِّيحُ.
________________________________________
فِي الغُرْفَةِ المُجاوِرَةِ، كانَ التِّلْفازُ يَتَكَلَّمُ إِلَى الفَراغِ—أَصْواتٌ وَصُوَرٌ لا يَراها أَحَدٌ وَلا يَسْمَعُها أَحَدٌ، كَأَنَّهُ اعْتادَ أَنْ يُؤَدِّيَ دَوْرَهُ حَتّى حِينَ لا يُوجَدُ جُمْهُورٌ. وَسَمَرُ تَعْرِفُ هٰذا الشُّعُورَ.
وَفِي يَدِها، كانَ هاتِفُها مَفْتُوحًا عَلى صَفْحَةٍ لا تَنْتَمِي لِهٰذا المَكانِ.
لَوْحَةٌ.
لَيْسَتِ الأُولَى، وَلَنْ تَكُونَ الأَخِيرَةَ. لٰكِنَّ سَمَرُ كانَتْ تَعْرِفُ—بِتِلْكَ المَعْرِفَةِ الغَرِيبَةِ الَّتِي تَسْبِقُ التَّفْسِيرَ وَتَأْبَى الخُضُوعَ لِلْمَنْطِقِ—أَنَّ فِي هٰذِهِ اللَّوْحَةِ شَيْئًا يَخُصُّها. لا الأَلْوانُ كانَتْ جَدِيدَةً، وَلا التَّكْوِينُ كانَ مُبْهِرًا بِمَعْنًى أَكادِيمِيٍّ. لٰكِنْ هُناكَ، فِي الجِهَةِ اليُسْرَى مِنَ الإِطارِ، فَراغٌ صَغِيرٌ لَمْ يُغْلَقْ تَمامًا—كَأَنَّ الفَنّانَ تَوَقَّفَ قَبْلَ الِانْتِهاءِ، أَوْ قَرَّرَ أَنَّ بَعْضَ الأَشْياءِ يَجِبُ أَلّا تكْتَمِلَ، وَأَلّا تُشْرَحَ.
تَوَقَّفَتْ عِنْدَهُ طَوِيلًا. تِلْكَ المَساحَةُ غَيْرُ المُكْتَمِلَةِ.
“لِماذا تَرَكَها هٰكَذا؟” سَأَلَتْ نَفْسَها. “أَمْ أَنَّهُ كانَ يَعْرِفُ أَنَّ هُناكَ مَنْ سَيَرَى ما لَمْ يَرْسُمْهُ؟”
ثُمَّ ظَهَرَ الإِشْعارُ.
تَعْلِيقٌ جَدِيدٌ تَحْتَ اللَّوْحَةِ.
قَرَأَتْهُ دُونَ وَعْيٍ تَقْرِيبًا، كَما نَقْرَأُ الأَشْيَاءَ الَّتِي تَنْتَظِرُنا مِنْ قَبْلَ أَنْ نَبْحَثَ عَنْها:
“أَحْيانًا لا تَكُونُ المَسافَةُ فِي اللَّوْحَةِ… بَلْ فِي مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْها.”
لَمْ تَتَحَرَّكْ. لٰكِنْ شَيْئًا داخِلَها تَحَرَّكَ بِصَمْتٍ—كَما تَتَحَرَّكُ المِياهُ تَحْتَ السَّطْحِ حِينَ تَمُرُّ مَوْجَةٌ لا تَراها العَيْنُ. كَأَنَّ هٰذِهِ الجُمْلَةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلى زُجاجِ شاشَةٍ بارِدَةٍ، بَلْ نُقِشَتْ عَلى جِدارٍ داخِلِيٍّ قَدِيمٍ ظَلَّتْ تَمُرُّ أَمامَهُ سَنَواتٍ دُونَ أَنْ تَقْرَأَهُ.
“المَسافَةُ فِي مَنْ يَنْظُرُ.”
مَنْ أَنْتَ، يا مَنْ كَتَبَ هٰذا؟ مَنْ أَنْتَ يا مَنْ تَتْرُكُ فَراغًا فِي لَوْحَتِكَ وَجُمْلَةً فِي تَعْلِيقِكَ، وَتَمْضِي؟ هَلْ تَعْرِفُ أَنَّ ثَمَّةَ مَنْ تَقِفُ أَمامَ فَراغِكَ وَتَجِدُ فِيهِ صُورَتَها؟
— هَلْ تَسْمَعِينَنِي؟
جاءَ صَوْتُ وائِلٍ مِنْ مَكانٍ يَبْدُو بَعِيدًا، رَغْمَ أَنَّهُ فِي الغُرْفَةِ ذاتِها.
أَغْلَقَتْ سَمَرُ الهاتِفَ بِبُطْءٍ—بِبُطْءٍ مَدْرُوسٍ، كَمَنْ يُغْلِقُ كِتابًا لا يُرِيدُ أَنْ يَفْقِدَ الصَّفْحَةَ. كَمَنْ يَخْشَى أَنْ يُلاحِظَ أَحَدٌ أَنَّ ثَمَّةَ هَواء تَغَيَّرَ فِي الغُرْفَةِ، وَعِطْرًا دَخِيلًا لَمْ يَكُنْ هُنا مِنْ قَبْلِ.
— نَعَمْ.
كَلِمَةٌ واحِدَةٌ. نَظِيفَةٌ. لا أَثَرَ فِيها لِمَا كانَ قَبْلَها.
وَهٰذا بِالضَّبْطِ ما أَتْقَنَتْهُ سَمَرُ مُنْذُ سَنَواتٍ طَوِيلَةٍ—أَنْ تَكُونَ فِي مَكانَيْنِ فِي الوَقْتِ ذاتِهِ، وَأَنْ يَبْدُو صَوْتُها دائِمًا كَأَنَّهُ يَنْتَمِي لِلْمَكانِ الَّذِي هِيَ فِيهِ جَسَدًا. مَوْهِبَةُ النِّساءِ اللَّواتِي تَعَلَّمْنَ مُبَكِّرًا أَنَّ بَعْضَ الأَجْزاءِ مِنْهُنَّ يَجِبُ أَنْ تَعِيشَ فِي السِّرِّ أَوْ لا تَعِيشَ أَبَدًا.
نَظَرَ إِلَيْها وائِلٌ—نَظْرَةً خاطِفَةً، تِلْكَ النَّظْرَةُ الَّتِي تَتَحَقَّقُ وَلا تَبْحَثُ—ثُمَّ عادَ إِلَى حَدِيثِهِ. كَأَنَّ السُّؤالَ لَمْ يَكُنْ يَحْتاجُ إِجابَةً حَقِيقِيَّةً، بَلْ كانَ يَحْتاجُ صَوْتًا فَقَطْ يُثْبِتُ أَنَّ ثَمَّةَ أَحَدًا فِي الغُرْفَةِ.
“هَلْ سَبَقَ لَهُ أَنْ سَأَلَنِي سُؤالًا يَحْتاجُ إِجابَةً حَقِيقِيَّةً؟” فَكَّرَتْ، وَهِيَ تَضَعُ الهاتِفَ عَلَى الطّاوِلَةِ بِهُدُوءٍ كاذِبٍ. “أَمْ أَنَّ الإِجاباتِ الحَقِيقِيَّةَ لا مَكانَ لَها فِي قائِمَةِ ما يَحْتاجُهُ هٰذا البَيْتُ؟”
وَضَعَتِ الهاتِفَ جانِبًا.
وَفِي اللَّحْظَةِ الَّتِي عادَ فِيها صَوْتُ وائِلٍ لِيَمْلَأَ الغُرْفَةَ بِكَلِماتِهِ الواثِقَةِ المُرَتَّبَةِ، كانَتْ سَمَرُ قَدْ خَرَجَتْ مِنَ الغُرْفَةِ—لا بِقَدَمَيْها، بَلْ بِذٰلِكَ الجُزْءِ الأَعْمَقِ مِنْها الَّذِي لَمْ يَعُدْ يَجِدُ هُنا ما يَحْبِسُهُ.
خَرَجَتْ، دُونَ أَنْ تَتَحَرَّكَ.
وَبَقِيَتْ، دُونَ أَنْ تَكُونَ حاضِرَةً.
______________________________________
فِي دِمَشْقَ الَّتِي تَعْرِفُها سَمَرُ، كانَتِ بَعضُ النِّساءِ يَتَعَلَّمْنَ هٰذا مُبَكِّرًا: كَيْفَ تَكُونِينَ هُناكَ وَأَنْتِ لَسْتِ هُناكَ. كَيْفَ تُجِيبِينَ وَأَنْتِ صامِتَةٌ. كَيْفَ تَبْتَسِمِينَ وَشَيْءٌ بِداخِلِكِ يُعِدُّ خُطُواتِهِ نَحْوَ بابٍ لا تَعْرِفِينَ بَعْدُ أَيْنَ يَقَعُ.
كانَتِ الأَزْمَةُ قَدْ عَلَّمَتِ الجَمِيعَ—رِجالًا وَنِساءً—أَنْ يَعِيشُوا عَلى طَبَقَتَيْنِ: ما يُقالُ، وَما يُضْمَرُ. لٰكِنَّ النِّساءَ كُنَّ يُتْقِنَّ الطَّبَقَةَ الثّانِيَةَ بِشَكْلٍ خاصٍّ. يَعِشْنَها كُلَّ يَوْمٍ، مَعَ كُلِّ فِنْجانِ قَهْوَةٍ، وَكُلِّ سُؤالٍ لا يَنْتَظِرُ إِجابَةً.
________________________________________
الفَصْلُ الثّانِي
________________________________________
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، لَمْ تَنَمْ سَمَرُ كَما اعْتادَتْ أَنْ تَنامَ.
لَمْ يَكُنْ أَرَقًا صَرِيحًا يُعْلِنُ عَنْ نَفْسِهِ، وَلا قَلَقًا لَهُ اسْمٌ يُمْكِنُ مُحارَبَتُهُ. بَلْ شَيْءٌ أَكْثَرُ خَفاءً وَأَشَدُّ إِزْعاجًا—يَقَظَةٌ غَيْرُ مُكْتَمِلَةٍ، كَأَنَّ جُزْءً مِنْها قَرَّرَ، بِلا اسْتِئْذانٍ، أَنْ يَبْقَى مُسْتَيْقِظًا هٰذِهِ اللَّيْلَةَ. أَنْ يَجْلِسَ فِي الرُّكْنِ الدّاخِلِيِّ البَعِيدِ وَيُفَكِّرَ. وَيُفَكِّرَ. وَيُفَكِّرَ.
نامَ وائِلٌ بِسُرْعَتِهِ المُعْتادَةِ—تِلْكَ السُّرْعَةُ الَّتِي طالَما اسْتَغْرَبَتْها سَمَرُ فِي صَمْتٍ. النَّوْمُ عِنْدَهُ كانَ قَرارًا بَسِيطًا، كَسائِرِ قَراراتِهِ: يُتَّخَذُ، وَيُنَفَّذُ، دُونَ تَفاوُضٍ مَعَ الذّاتِ وَلا مُصالَحَةٍ مَعَ اليَوْمِ المُنْصَرِمِ. يُغْمِضُ عَيْنَيْهِ، وَيَذْهَبُ. كَأَنَّ النَّوْمَ يَنْتَظِرُهُ عِنْدَ العَتَبَةِ مُرَحِّبًا، لا يُماطِلُهُ وَلا يُسائِلُهُ.
أَمَّا هِيَ، فَظَلَّتْ مُسْتَلْقِيَةً عَلى جانِبِها الأَيْسَرِ—كَعادَتِها حِينَ لا تَعْرِفُ عَلى أَيِّ جانِبٍ تَسْتَقِرُّ—تُحَدِّقُ فِي السَّقْفِ دُونَ أَنْ تَراهُ حَقًّا. كانَتْ عَيْناها مَفْتُوحَتَيْنِ، لٰكِنَّ بَصَرَها كانَ فِي مَكانٍ آخَرَ، يَجُوبُ ما لا يُرى.
“ما الَّذِي حَدَثَ اليَوْمَ؟” سَأَلَتْ نَفْسَها، فِي مُحاوَلَةٍ لِإِعادَةِ تَرْتِيبِ الأَشْياءِ. “لا شَيْءَ. لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ.”
وَهٰذا بِالضَّبْطِ ما كانَ يُرْبِكُها.
حِينَ يَحْدُثُ شَيْءٌ، يُمْكِنُ تَسْمِيَتُهُ. يُمْكِنُ وَضْعُهُ عَلَى الرَّفِّ وَمَعْرِفَةُ خُطُورَتِهِ. لٰكِنْ حِينَ لا يَحْدُثُ شَيْءٌ—حِينَ يَكُونُ كُلُّ ما تَحْمِلُهُ مُجَرَّدَ إِحْساسٍ بِلا مَلامِحَ—فَأَيْنَ تَضَعُهُ؟ وَكَيْفَ تُقْنِعُ نَفْسَها بِأَنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ كُلَّ هٰذا السَّهَرِ؟
كانَ الَّذِي يَتَكَرَّرُ فِي ذاكِرَتِها لَيْسَ حادِثَةً وَلا مَوْقِفًا. كانَ جُمْلَةً.
“أَحْيانًا لا تَكُونُ المَسافَةُ فِي اللَّوْحَةِ… بَلْ فِي مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْها.”
جُمْلَةٌ لَمْ يُوَجِّهْها أَحَدٌ إِلَيْها. كُتِبَتْ فِي فَضاءٍ مَفْتُوحٍ يَقْرَؤُهُ الجَمِيعُ. وَمَعَ ذٰلِكَ كانَتْ تَضْغَطُ عَلى مَكانٍ ما بِداخِلِها—مَكانٍ لا اسْمَ لَهُ فِي أَيِّ تَشْرِيحٍ، لٰكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ كَالقَلْبِ، وَأَحْيانًا أَكْثَرُ إِيلامًا مِنْهُ.
مَدَّتْ يَدَها بِبُطْءٍ نَحْوَ الهاتِفِ عَلَى الطّاوِلَةِ الصَّغِيرَةِ.
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ.
“ماذا تَفْعَلِينَ، يا سَمَرُ؟”
تَراجَعَتْ يَدُها قَلِيلًا—كَأَنَّها تَقْتَرِبُ مِنْ بابٍ لا تَعْرِفُ ما وَراءَهُ، لٰكِنَّها تَعْرِفُ، بِذٰلِكَ الحَدْسِ الَّذِي لا يُجادَلُ، أَنَّ فَتْحَهُ سَيُغَيِّرُ شَيْئًا. لَيْسَ فِي العالَمِ بِالضَّرُورَةِ. لٰكِنْ فِي طَرِيقَةِ رُؤْيَتِهِ.
وَبَعْدَ لَحْظَةٍ—تِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَتَوَهَّمُ فِيها الإِنْسانُ أَنَّهُ لا يَزالُ يَخْتارُ—فَتَحَتْهُ.
أَضاءَتِ الشّاشَةُ الغُرْفَةَ إِضاءَةً خافِتَةً مُؤَقَّتَةً، كَاعْتِرافٍ صَغِيرٍ. ثُمَّ عادَ الظَّلامُ حِينَ اعْتادَتِ العَيْنانِ عَلَى النُّورِ.
لَمْ يَكُنْ هُناكَ جَدِيدٌ. لا رِسالَةَ، لا إِشْعارَ مُهِمًّا. لٰكِنَّها لَمْ تَكُنْ تَبْحَثُ عَنْ جَدِيدٍ.
عادَتْ إِلَى اللَّوْحَةِ نَفْسِها.
هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَرَها كَصُورَةٍ يُقَيَّمُ فِيها التَّكْوِينُ وَاللَّوْنُ وَالتِّقْنِيَةُ. رَأَتْها كَمَساحَةٍ—مَساحَةٍ تَرَكَها أَحَدٌ ما غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ عَنْ سابِقِ قَصْدٍ، كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ الإِكْمالَ لَيْسَ دائِمًا هِبَةً، وَأَنَّ الفَراغَ أَحْيانًا يَقُولُ ما لا تَقُولُهُ الرِّيشَةُ.
“لِماذا هٰذا الفَراغُ هُنا؟” سَأَلَتْ فِي صَمْتِها. “هَلْ أَضافَهُ أَخِيرًا، أَمْ أَنَّهُ بَدَأَ مِنْهُ؟”
ثُمَّ فَتَحَتْ صَفْحَتَهُ كامِلَةً.
لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ لِماذا تَفْعَلُ ذٰلِكَ بِهٰذا الهُدُوءِ—ذٰلِكَ الهُدُوءِ الَّذِي لا يُشْبِهُ القَرارَ، بَلْ يُشْبِهُ الِانْزِلاقَ نَحْوَ شَيْءٍ كانَ يَمِيلُ إِلَيْهِ الجَسَدُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَ العَقْلُ. مَرَّرَتْ بِالصُّوَرِ واحِدَةً تِلْوَ الأُخْرَى. لَوْحاتٌ فِي أَحْجامٍ مُخْتَلِفَةٍ. أَعْمالٌ مِنْ مَوادٍّ لا تَعْرِفُ بَعْضَها. وَنُصُوصٌ قَصِيرَةٌ مُتَناثِرَةٌ كَأَنَّها خُطَّتْ فِي لَحَظاتٍ لَمْ تُحْسَبْ.
لٰكِنَّ الَّذِي شَدَّها لَمْ يَكُنِ الفَنَّ بِحَدِّ ذاتِهِ—لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ مِنَ الفَنِّ ما يَجْعَلُها تُصْدِرُ حُكْمًا تِقْنِيًّا. الَّذِي شَدَّها كانَتِ الطَّرِيقَةُ. تِلْكَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي يَتْرُكُ بِها الأَشْيَاءَ غَيْرَ مُكْتَمِلَةٍ—لا مِنْ إِهْمالٍ، بَلْ مِنْ ثِقَةٍ. كَأَنَّهُ يَعْرِفُ أَنَّ إِتْمامَ كُلِّ شَيْءٍ يَمْنَعُ الآخَرَ مِنَ الدُّخُولِ. وَأَنَّ فِي الفَراغِ دَعْوَةً، لِمَنْ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُدْعَى.
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ.
نَصٌّ قَدِيمٌ. كُتِبَ قَبْلَ أَشْهُرٍ. لٰكِنَّهُ كانَ يَبْدُو كَأَنَّهُ كُتِبَ اللَّيْلَةَ:
“أَحْيانًا لا نَبْحَثُ عَنْ مَنْ يَفْهَمُنا… بَلْ عَنْ مَنْ يَفْهَمُ ما لَمْ نَنْجَحْ نَحْنُ فِي قَوْلِهِ.”
لَمْ تَتَحَرَّكْ.
ثُمَّ انْقَبَضَ شَيْءٌ فِي صَدْرِها—انْقِباضًا خَفِيًّا، كَما يَنْقَبِضُ العَضَلُ حِينَ يُصابُ بِمُفاجَأَةٍ لَمْ تَكُنْ مُؤْلِمَةً، لٰكِنَّها كانَتْ حَقِيقِيَّةً. ثُمَّ انْفَتَحَ ذٰلِكَ الشَّيْءُ بِبُطْءٍ بالِغٍ، كَنافِذَةٍ لَمْ تُفْتَحْ مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ، وَاحْتاجَ فَتْحُها إِلَى بَعْضِ المُقاوَمَةِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَسْلِمَ لِحَرَكَةِ اليَدِ.
“ما لَمْ نَنْجَحْ نَحْنُ فِي قَوْلِهِ.”
كَمْ هُناكَ مِمَّا لَمْ تَنْجَحْ فِي قَوْلِهِ؟ لا لِوائِلَ فَحَسْب—بَلْ لِنَفْسِها. تِلْكَ الأَشْيَاءُ الَّتِي تَعِيشُ فِي الجُزْءِ الدّاخِلِيِّ البَعِيدِ، فِي ذٰلِكَ الرُّكْنِ الَّذِي لا يَزُورُهُ أَحَدٌ، وَلا تَزُورُهُ هِيَ إِلَّا فِي لَحَظاتٍ كَهٰذِهِ، حِينَ يَنامُ العالَمُ وَتَبْقَى هِيَ مُسْتَيْقِظَةً بِلا سَبَبٍ مُعْلَنٍ.
فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، لَمْ تَكُنْ تُفَكِّرُ فِي وائِلٍ. وَلا فِي البَيْتِ وَقَوائِمِهِ وَتَرْتِيبَاتِهِ. وَلا فِي كُلِّ ذٰلِكَ الَّذِي كانَ “واضِحًا” فِي حَياتِها—واضِحًا كَالجُدْرانِ، وَصُلْبًا كَهٰذا، وَبِلا نَوافِذَ مِثْلَها تَمامًا.
فَكَّرَتْ فِي سُؤالٍ واحِدٍ، لَمْ تَجْرُؤْ عَلى تَسْمِيَتِهِ بِوُضُوحٍ، كَأَنَّ التَّسْمِيَةَ سَتَجْعَلُهُ أَكْثَرَ خُطُورَةً:
هَلْ كانَ هُناكَ دائِمًا شَيْءٌ آخَرُ… وَلَمْ أَنْتَبِهْ لَهُ؟
أَمْ أَنَّنِي انْتَبَهْتُ، وَآثَرْتُ أَلّا أَرَى؟
أَغْلَقَتِ الهاتِفَ فَجْأَةً—لا خَوْفًا مِنْ شَيْءٍ خارِجَها، بَلْ مِنْ شَيْءٍ بِداخِلِها. مِنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ حِينَ يَتَوَقَّفُ الإِنْسانُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى شَيْءٍ وَيَبْدَأُ الشَّيْءُ فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ. حِينَ تَنْقَلِبُ العَلاقَةُ بَيْنَ المُتَأَمِّلِ وَالمُتَأَمَّلِ فِيهِ، وَتَجِدُ نَفْسَكَ فَجْأَةً فِي مَوْضِعِ المَوْضُوعِ لا الفاعِلِ.
أَغْلَقَتْهُ. وَوَضَعَتْهُ عَلَى الطّاوِلَةِ. وَأَدارَتْ وَجْهَها نَحْوَ السَّقْفِ.
كانَتِ الغُرْفَةُ فِي الظَّلامِ—الظَّلامِ ذاتِهِ الَّذِي كانَ فِيهِ قَبْلَ عَشْرِ دَقائِقَ. لٰكِنَّها الآنَ كانَتْ تَبْدُو مُخْتَلِفَةً. أَوْ لَيْسَتِ الغُرْفَةُ—بَلْ رُبَّما عَيْناها. رُبَّما أَنَّها باتَتْ تَرَى الغُرْفَةَ بِشَكْلٍ ناقِصٍ هٰذِهِ المَرَّةَ، مِثْلَ لَوْحَةٍ رَأَتْها دائِمًا مُكْتَمِلَةً، ثُمَّ لاحَظَتْ فَجْأَةً ذٰلِكَ الفَراغَ فِي الجِهَةِ اليُسْرَى مِنَ الإِطارِ—ذٰلِكَ الفَراغُ الَّذِي كانَ مَوْجُودًا دائِمًا، لٰكِنَّها لَمْ تَكُنْ مُسْتَعِدَّةً لِرُؤْيَتِهِ.
فِيْ جانِبِها نامَ وائِلٌ.
وَمِنْ جانِبِها، كانَتْ سَمَرُ تَسْأَلُ سَقْفًا لا يُجِيبُ.
________________________________________
فِي أَحْياءِ دِمَشْقَ القَدِيمَةِ الَّتِي تَعْرِفُها أُمَّهاتُ سَمَرُ وَجَدّاتُها، كانَتِ النِّساءُ يَنَمْنَ مُبَكِّرًا وَيُنَبَّهْنَ مُبَكِّرًا، وَلا وَقْتَ بَيْنَهُما لِمِثْلِ هٰذِهِ الأَسْئِلَةِ. لٰكِنْ فِي هٰذِهِ الغُرْفَةِ الجَدِيدَةِ، فِي هٰذا الحَيِّ الَّذِي انتَقَلتْ إِلَيْهِ أسرْتُهَا بَعْدَ الحَرْبِ يَبْدُو عَلَيهِ كَأَنَّ لا شَيْءَ حَدَثَ، كانَتْ سَمَرُ تَحْمِلُ فِي جَسَدِها كُلَّ تِلْكَ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لَمْ تُطْرَحْ. كُلَّ تِلْكَ الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلَعَتْهَا الأُمَّهاتُ وَوَرَّثْنَها لِلْبَناتِ مَعَ الوَصَفاتِ وَأَسْرارِ الطَّبْخِ.
الفَرْقُ الوَحِيدُ أَنَّ سَمَرَ الآنَ كانَتْ لا تَنامُ.
________________________________________
الفَصْلُ الثّالِثُ
________________________________________
فِي الصَّباحِ، لَمْ تَتَذَكَّرْ مَتَى غَفَتْ.
اسْتَيْقَظَتْ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الغَرِيبَةِ الَّتِي لا تُشْبِهُ الصَّحْوَةَ الحَقِيقِيَّةَ—كَأَنَّها لَمْ تَنَمْ بِقَدْرِ ما ابْتَعَدَتْ قَلِيلًا عَنْ نَفْسِها، ثُمَّ عادَتْ إِلَيْها دُونَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ، وَدُونَ أَنْ تَجِدَ نَفْسَها مُنْتَظِرَةً. جَسَدُها فِي السَّرِيرِ، وَشَيْءٌ مِنْها كانَ لا يَزالُ فِي مَكانٍ آخَرَ—ذٰلِكَ المَكانُ الَّذِي لا خَرِيطَةَ لَهُ وَلا عُنْوانَ.
كانَ وائِلٌ قَدْ خَرَجَ.
السَّرِيرُ إِلَى جانِبِها مُرَتَّبٌ بِتِلْكَ التِّلْقائِيَّةِ الَّتِي أَتْقَنَها عَلى مَرِّ السِّنِينَ—لا أَثَرَ لِتَجَعُّدٍ، وَلا فَجْوَةَ فِي الوِسادَةِ، كَأَنَّ جَسَدًا لَمْ يَكُنْ هُناكَ أَصْلًا. “يَنامُ وَيَمْضِي وَلا يَتْرُكُ أَثَرًا”، فَكَّرَتْ سَمَرُ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى جانِبِها مِنَ السَّرِيرِ. ثُمَّ تَساءَلَتْ إِنْ كانَتْ هٰذِهِ مُلاحَظَةً أَمْ شَكْوَى.
وَقَفَتْ فِي المَطْبَخِ دُونَ هَدَفٍ واضِحٍ.
أَعَدَّتِ القَهْوَةَ كَما تَفْعَلُ كُلَّ صَباحٍ—الماءُ، وَالبُنُّ، وَالنّارُ تَحْتَ الرَّكْوَةِ—لٰكِنَّ الطُّقُوسَ نَفْسَها بَدَتْ كَأَنَّها فَقَدَتْ شَيْئًا مِنْ ثِقَلِها المُعْتادِ. كَأَنَّ اليَدَ تَتَحَرَّكُ لِأَنَّها تَعْرِفُ ما يَجِبُ فِعْلُهُ، لا لِأَنَّ صاحِبَتَها حاضِرَةٌ تَمامًا.
وَضَعَتِ الكُوبَ أَمامَها. جَلَسَتْ.
ثُمَّ فَتَحَتِ الهاتِفَ.
________________________________________
هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَذْهَبْ مُباشَرَةً إِلَى اللَّوْحَةِ. ذَهَبَتْ إِلَى الصَّفْحَةِ. إِلَى الِاسْمِ.
كَرِيمٌ.
قَرَأَتْهُ مَرَّةً. ثُمَّ مَرَّةً ثانِيَةً، كَأَنَّ التَّكْرارَ قَدْ يَمْنَحُهُ وَزْنًا مُخْتَلِفًا، أَوْ يَكْشِفُ فِيهِ شَيْئًا لَمْ تَلْحَظْهُ فِي المَرَّةِ الأُولَى. اسْمٌ عادِيٌّ—يَحْمِلُهُ آلافُ الرِّجالِ فِي هٰذِهِ المَدِينَةِ وَفِي غَيْرِها. وَمَعَ ذٰلِكَ كانَ يَبْدُو، وَهِيَ تَقْرَؤُهُ الآنَ، كَأَنَّهُ يَنْتَمِي لِشَخْصٍ يَعْرِفُ كَيْفَ يَتْرُكُ مَساحَةً حَتّى فِي اسْمِهِ.
“ماذا تَفْعَلِينَ؟” سَأَلَتْ نَفْسَها، بِصَوْتٍ داخِلِيٍّ لَمْ يَكُنْ لَوْمًا وَلَمْ يَكُنْ تَشْجِيعًا. كانَ فُضُولًا صادِقًا—كَأَنَّها تُراقِبُ نَفْسَها مِنْ بَعِيدٍ وَتُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَنْتَهِي القِصَّةُ.
ثُمَّ، دُونَ أَنْ تَمْنَحَ العَقْلَ وَقْتًا كافِيًا لِلتَّدَخُّلِ، ضَغَطَتْ عَلى زِرِّ “إِرْسالِ رِسالَةٍ”.
وَتَوَقَّفَتْ.
أَمامَ مُسْتَطِيلٍ أَبْيَضَ فارِغٍ يَنْتَظِرُ.
لَمْ يَكُنْ فِي رَأْسِها نَصٌّ جاهِزٌ. وَلا خُطَّةٌ. وَلا حَتّى فِكْرَةٌ واضِحَةٌ عَمّا يُقالُ لِرَجُلٍ لَمْ تَلْتَقِهِ، لَمْ تَعْرِفْ صَوْتَهُ، لَمْ تَعْرِفْ إِنْ كانَ طَوِيلًا أَمْ قَصِيرًا، هادِئًا أَمْ صاخِبًا—رَجُلٌ لَمْ يَدْخُلْ حَياتَها بِأَيِّ مَعْنًى مادِّيٍّ، وَمَعَ ذٰلِكَ كانَ مَوْجُودًا فِيها بِذٰلِكَ الحُضُورِ المُزْعِجِ غَيْرِ المُفَسَّرِ.
“ماذا تَكْتُبِينَ لِشَخْصٍ كَهٰذا؟”
أَصابِعُها عَلَى الشّاشَةِ. وَالصَّمْتُ فِي المَطْبَخِ كَثِيفٌ كَالدُّخانِ.
كَتَبَتْ:
“أَحْيانًا أَشْعُرُ أَنَّ لَوْحاتِكَ لا تَنْتَهِي عِنْدَ الصُّورَةِ… بَلْ تَبْدَأُ مِنْها.”
حَدَّقَتْ فِي الجُمْلَةِ.
كانَتْ صَحِيحَةً—هٰذا ما شَعَرَتْ بِهِ. لٰكِنْ هَلِ الصَّحِيحُ يُرْسَلُ دائِمًا؟ هَلْ كُلُّ ما هُوَ حَقِيقِيٌّ يَسْتَحِقُّ أَنْ يُقالَ لِغَرِيبٍ فِي صَباحِ يَوْمٍ اعْتِيادِيٍّ، بَيْنَما القَهْوَةُ تَبْرُدُ وَالبَيْتُ فارِغٌ وَالسُّؤالُ الوَحِيدُ المُعَلَّقُ فِي الهَواءِ هُوَ: “ما الَّذِي أَفْعَلُهُ؟”
كانَ بِإِمْكانِها الحَذْفُ. أُصْبُعُها عَلَى الزِّرِّ، وَإِرادَتُها عَلَى الحافَّةِ.
كانَ بِإِمْكانِها إِغْلاقُ الهاتِفِ وَالعَوْدَةُ إِلَى اليَوْمِ كَما هُوَ—كَما كانَ بِالأَمْسِ، وَما قَبْلَهُ، وَكُلِّ الأَيّامِ الَّتِي تُشْبِهُهُ.
لٰكِنَّها أَرْسَلَتْها.
لا بِحَرَكَةٍ دِرامِيَّةٍ وَلا بِقَرارٍ مَدْرُوسٍ. بَلْ بِتِلْكَ اللّامُبالاةِ الخَطِرَةِ الَّتِي تَنْتابُ الإِنْسانَ حِينَ يَكُونُ مُنْتَبِهًا جِدًّا لِشَيْءٍ ما حَتّى يَصِيرَ غافِلًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ آخَرَ.
أَرْسَلَتْها.
ثُمَّ وَضَعَتِ الهاتِفَ عَلَى الطّاوِلَةِ—بِحَذَرِ مَنْ يَضَعُ شَيْئًا هَشًّا لا يَثِقُ بِيَدَيْهِ حَوْلَهُ.
________________________________________
مَرَّتْ دَقائِقُ.
القَهْوَةُ تَبْرُدُ. وَالمَطْبَخُ صامِتٌ. وَالضَّوْءُ الصَّباحِيُّ يَدْخُلُ مِنَ النّافِذَةِ بِزاوِيَةٍ تَجْعَلُ الغُبارَ الصَّغِيرَ مَرْئِيًّا فِي الهَواءِ—تِلْكَ الجُسَيْماتُ الَّتِي لا تُرى إِلّا حِينَ يَكُونُ الضَّوْءُ فِي الزّاوِيَةِ الصَّحِيحَةِ، وَتَخْتَفِي حِينَ يَتَحَرَّكُ.
“رُبَّما لَنْ يَرُدَّ.” فَكَّرَتْ. “رُبَّما يَتَلَقّى مِئاتِ الرَّسائِلِ كَهٰذِهِ. رُبَّما لَنْ يَقْرَأَها أَصْلًا.”
كانَتْ هٰذِهِ الفِكْرَةُ مُرِيحَةً بِطَرِيقَةٍ ما—أَنْ تَنْتَهِي القِصَّةُ قَبْلَ أَنْ تَبْدَأَ. أَنْ تَعُودَ الأَشْيَاءُ إِلَى ما كانَتْ عَلَيْهِ، واضِحَةً وَمُرَتَّبَةً وَفارِغَةً بِشَكْلٍ مَأْلُوفٍ.
ثُمَّ اهْتَزَّ الهاتِفُ.
اهْتِزازَةٌ واحِدَةٌ، بَسِيطَةٌ. لٰكِنَّ أَصابِعَها تَحَرَّكَتْ قَبْلَ أَنْ تُقَرِّرَ—كَما يَتَحَرَّكُ الجَسَدُ نَحْوَ الدِّفْءِ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَ العَقْلُ مِنْ أَيْنَ يَأْتِي.
رِسالَةٌ جَدِيدَةٌ.
فَتَحَتْها.
الرَّدُّ كانَ قَصِيرًا—أَقْصَرَ مِمَّا تَوَقَّعَتْ، وَأَثْقَلَ مِمَّا احْتَمَلَتْ:
“وَأَيْنَ تَبْدَأُ عِنْدَكِ الأَشْيَاءُ الَّتِي لا تَكْتَمِلُ؟”
________________________________________
تَوَقَّفَتْ.
الهاتِفُ فِي يَدِها، وَالجُمْلَةُ أَمامَها، وَالمَطْبَخُ حَوْلَها بِكُلِّ عادِيَّتِهِ—الكُوبُ، وَالطّاوِلَةُ، وَالنّافِذَةُ، وَالضَّوْءُ. كُلُّ شَيْءٍ فِي مَكانِهِ. وَشَيْءٌ واحِدٌ، فَجْأَةً، خارِجَ مَكانِهِ تَمامًا.
لِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ عَنِ اللَّوْحاتِ.
سَأَلَها عَنْها هِيَ.
لَمْ يَقُلْ “اللَّوْحاتُ تَبْدَأُ مِنْ كَذا”، وَلَمْ يَشْرَحْ مَنْهَجَهُ أَوْ رُؤْيَتَهُ الفَنِّيَّةَ أَوْ ما يُرِيدُ قَوْلَهُ مِنْ خِلالِ عَمَلِهِ—كَما يَفْعَلُ النّاسُ حِينَ يَتَحَدَّثُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بَدَلَ أَنْ يُنْصِتُوا. أَخَذَ جُمْلَتَها، وَرَدَّها عَلَيْها كَمِرْآةٍ—لٰكِنَّها مِرْآةٌ تُظْهِرُ ما وَراءَ الوَجْهِ لا الوَجْهَ نَفْسَهُ.
“أَيْنَ تَبْدَأُ عِنْدَكِ الأَشْيَاءُ الَّتِي لا تَكْتَمِلُ؟”
“عِنْدَكِ.” الكَلِمَةُ تِلْكَ.
“عِنْدِي.” فَكَّرَتْ. “وَمَتَى سَأَلَنِي أَحَدٌ ذٰلِكَ مِنْ قَبْلُ؟ وَمَتَى سَأَلْتُ أَنا نَفْسِي؟”
فِي دِمَشْقَ الَّتِي تَعْرِفُها—تِلْكَ المَدِينَةُ الَّتِي تَعَلَّمَتْ مُنْذُ الطُّفُولَةِ أَنَّ الأَشْيَاءَ غَيْرَ المُكْتَمِلَةِ عارٌ لا فَخْرٌ، وَأَنَّ المَرْأَةَ الَّتِي تَبْدَأُ ما لا تُكْمِلُهُ قَصَّرَتْ—لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَسْأَلُ عَنْ بِدَاياتِ النَّقْصِ. كانَ الجَمِيعُ يَسْأَلُ عَنِ النِّهاياتِ. “انْتَهَيْتِ؟ رَتَّبْتِ؟ حَلَلْتِ؟ قَرَّرْتِ؟” أَمَّا السُّؤالُ عَنِ البِدايَةِ—عَنْ تِلْكَ اللَّحْظَةِ السّابِقَةِ لِلْكَسْرِ، حِينَ يَبْدَأُ الشَّيْءُ فِي الِاتِّساعِ قَبْلَ أَنْ يَنْهارَ—فَلَمْ يَكُنْ مِنْ أَسْئِلَةِ أَحَدٍ.
حَتّى هٰذِهِ الجُمْلَةِ.
حَتّى هٰذا الصَّباحِ.
حَتّى هٰذا الرَّجُلِ الغَرِيبِ الَّذِي يَتْرُكُ فِي لَوْحاتِهِ فَراغاتٍ، وَيَتْرُكُ فِي رُدُودِهِ أَسْئِلَةً.
________________________________________
وَضَعَتِ الهاتِفَ عَلَى الطّاوِلَةِ دُونَ أَنْ تَرُدَّ.
لَيْسَ لِأَنَّها لا تُرِيدُ. بَلْ لِأَنَّها، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ وَقْتٍ لا تَعْرِفُ طُولَهُ، كانَتْ أَمامَ سُؤالٍ لا تَعْرِفُ جَوابَهُ—لا لِأَنَّهُ صَعْبٌ، بَلْ لِأَنَّهُ حَقِيقِيٌّ.
وَحَياتُها، حَتّى هٰذا الصَّباحِ، لَمْ تَكُنْ مَلِيئَةً بِالأَسْئِلَةِ الحَقِيقِيَّةِ.
كانَتْ مَلِيئَةً بِالأَجْوِبَةِ الجاهِزَةِ.
نَظَرَتْ إِلَى كُوبِ القَهْوَةِ. كانَ بارِدًا الآنَ. تَمامًا.
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنْذُ سَنَواتٍ، لَمْ يَكُنْ ذٰلِكَ يُزْعِجُها.
________________________________________
كانَتْ جارَتُها أُمُّ سامِرٍ سَتَقُولُ، لَوْ عَرَفَتْ: “اسْتَغْفِرِي اللهَ يا بِنْتِي، رَجُلٌ غَرِيبٌ عَلَى النِّتِّ.” وَكانَتْ أُمُّها سَتَقُولُ: “هٰذِهِ أَفْكارُ البَناتِ اللَّاتِي ما عِنْدَهُنَّ شُغْلٌ.” وَكانَ وائِلٌ—لَوْ خَطَرَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ—لَقالَ: “الأَمْرُ واضِحٌ، كَانَ يَجْدُرُ بِكِ أَنْ لَا تَفْعَلِي!.”
لٰكِنْ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هُنا.
كانَ هُناكَ فَقَطْ مَطْبَخٌ، وَقَهْوَةٌ بارِدَةٌ، وَسُؤالٌ لا يُشْبِهُ أَيَّ سُؤالٍ سَمِعَتْهُ مِنْ قَبْلُ.
________________________________________
الفَصْلُ الرّابِعُ
________________________________________
حَدَّقَتْ فِي الجُمْلَةِ طَوِيلًا.
لَمْ تَكُنْ تَقْرَؤُها فَحَسْب—كانَتْ تُحاوِلُ أَنْ تَفْهَمَ لِماذا شَعَرَتْ أَنَّها لَمْ تُكْتَبْ لَها مِنَ الخارِجِ، بَلْ أُخْرِجَتْ مِنْ مَكانٍ داخِلِها لَمْ تُسَمِّهِ بَعْدُ. كَأَنَّ كَرِيمًا لَمْ يَسْأَلْها سُؤالًا، بَلْ أَمْسَكَ بِمِفْتاحٍ وَجَدَهُ تَحْتَ البابِ—المِفْتاحُ الَّذِي تَرَكَتْهُ هِيَ هُناكَ دُونَ أَنْ تَنْتَبِهَ.
“وَأَيْنَ تَبْدَأُ عِنْدَكِ الأَشْيَاءُ الَّتِي لا تَكْتَمِلُ؟”
أَعادَتْ قِراءَتَهُ. لٰكِنْ هٰذِهِ المَرَّةَ بِنَبْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي رَأْسِها—كَأَنَّ الجُمْلَةَ انْفَصَلَتْ عَنْهُ وَصارَتْ مِلْكَها. كَأَنَّها لَمْ تَعُدْ سُؤالًا يَسْأَلُهُ رَجُلٌ لا تَعْرِفُهُ، بَلْ سُؤالًا تَسْأَلُهُ هِيَ لِنَفْسِها مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ، وَلَمْ تَجِدْ مِنْ قَبْلُ الشَّكْلَ الصَّحِيحَ لِصِياغَتِهِ.
أَغْلَقَتِ الهاتِفَ.
ثُمَّ فَتَحَتْهُ.
وَلَمْ تَكْتُبْ رَدًّا.
بَدَلًا مِنْ ذٰلِكَ، انْتَقَلَتْ إِلَى صَفْحَتِهِ مَرَّةً أُخْرَى—لٰكِنَّها هٰذِهِ المَرَّةَ لَمْ تَكُنْ تَتَصَفَّحُ كَما يَفْعَلُ المَرْءُ حِينَ يَقْتُلُ الوَقْتَ. كانَتْ تَبْحَثُ. عَنْ شَيْءٍ مُحَدَّدٍ لا تَعْرِفُ اسْمَهُ بَعْدُ. لَوْحَةً بِعَيْنِها، أَوْ نَصًّا، أَوْ رُبَّما فِكْرَةً تُشْبِهُها دُونَ أَنْ تَجْرُؤَ عَلَى الِاعْتِرافِ بِذٰلِكَ عَلَنًا—حَتّى لِنَفْسِها.
لٰكِنْ كُلَّما تَأَمَّلَتْ أَكْثَرَ، ازْدادَ الإِحْساسُ بِأَنَّ أَعْمالَهُ لَيْسَتْ قِطَعًا مُنْفَصِلَةً. كانَتْ تَبْدُو كَامْتِدادٍ لِجُمْلَةٍ واحِدَةٍ طَوِيلَةٍ لَمْ تُنْهَ بَعْدُ—كَأَنَّ كُلَّ لَوْحَةٍ تُكْمِلُ ما قالَتْهُ الَّتِي قَبْلَها، وَتَتْرُكُ لِلَّتِي بَعْدَها سُؤالًا جَدِيدًا. عَقْلٌ يُفَكِّرُ بِالرِّيشَةِ، وَيَتْرُكُ لِلَّونِ وَالمَساحَةِ ما لا تَسْتَطِيعُ الكَلمَةُ قَوْلَهُ.
“مِنْ أَيْنَ جاءَ هٰذا الرَّجُلُ؟” تَساءَلَتْ. “وَمِنْ أَيْنَ أَتَتْ هٰذِهِ القُدْرَةُ عَلَى التَّرْكِ؟ عَلَى عَدَمِ الإِكْمالِ دُونَ أَنْ يَبْدُوَ ذٰلِكَ عَجْزًا؟”
فِي المُجْتَمَعِ الَّذِي تَعْرِفُهُ سَمَرُ—ذٰلِكَ المُجْتَمَعُ الَّذِي يُقَيِّمُ الأَشْيَاءَ بِمَدَى اكْتِمالِها: البَيْتُ المُكْتَمِلُ، وَالعائِلَةُ المُكْتَمِلَةُ، وَالحَياةُ الَّتِي لا ثَغَراتٍ فِيها—كانَ الفَراغُ عارًا. أَمّا هُنا، فِي هٰذِهِ الأَعْمالِ، كانَ الفَراغُ هُوَ المَعْنَى.
________________________________________
ثُمَّ جاءَ الرَّدُّ الثّانِي، قَبْلَ أَنْ تَكْتُبَ شَيْئًا:
“لا تَحْتاجِينَ لِلرَّدِّ الآنَ.”
تَوَقَّفَتْ أَصابِعُها فَوْقَ الشّاشَةِ.
كَيْفَ يَعْرِفُ؟ كَيْفَ يَعْرِفُ أَنَّها لَمْ تَرُدَّ، وَأَنَّها لا تَزالُ تُحَدِّقُ فِي صَفْحَتِهِ، وَأَنَّ يَدَها كانَتْ عَلَى وَشْكِ الكِتابَةِ ثُمَّ تَراجَعَتْ؟ أَمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ شَيْئًا—أَمْ أَنَّهُ فَقَطْ كانَ يَعْرِفُ النّاسَ بِشَكْلٍ عامٍّ، وَيَعْرِفُ أَنَّ بَعْضَ الأَسْئِلَةِ تَحْتاجُ وَقْتًا قَبْلَ أَنْ تَجِدَ شَكْلَها؟
“لا تَحْتاجِينَ لِلرَّدِّ الآنَ.”
لا ضَغْطَ. لا انْتِظارَ مُعْلَنًا. لا تِلْكَ اللَّهْفَةُ المُقَنَّعَةُ الَّتِي يُخْفِيها بَعْضُ النّاسِ وَراءَ الهُدُوءِ. فَقَطْ إِذْنٌ—إِذْنٌ بِأَنْ تَأْخُذَ وَقْتَها. وَهٰذا الإِذْنُ، فِي حَدِّ ذاتِهِ، كانَ أَكْثَرَ دِفْئًا مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا سَمِعَتْهُ فِي السَّنَواتِ الأَخِيرَةِ.
وَضَعَتِ الهاتِفَ عَلَى الطّاوِلَةِ.
وَقَفَتْ. مَشَتْ فِي الغُرْفَةِ دُونَ اتِّجاهٍ—إِلَى النّافِذَةِ، ثُمَّ عادَتْ. إِلَى المَطْبَخِ، ثُمَّ عادَتْ. كَمَنْ يُحاوِلُ أَنْ يُفْرِغَ شَيْئًا مِنْ جَسَدِهِ بِالحَرَكَةِ، وَيَكْتَشِفُ أَنَّ ما يَحْمِلُهُ لا يَخْرُجُ مِنَ القَدَمَيْنِ.
كَأَنَّ شَيْئًا صَغِيرًا جِدًّا بَدَأَ يَفْقِدُ تَوازُنَهُ بِداخِلِها—لا يَسْقُطُ بَعْدُ، لٰكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ ثابِتًا كَما كانَ.
________________________________________
فِي المَساءِ، حِينَ فَتَحَ وائِلٌ البابَ بِمِفْتاحِهِ فِي وَقتِهِ المُعْتادِ، جاءَ مَعَهُ هَواءُ البَرّانِيِّ وَالحَدِيثُ العَمَلِيُّ—جَدْوَلٌ وَعَقْدٌ وَالْتِزامٌ وَقَرارٌ لا يَحْتَمِلُ التَّأْجِيلَ. جَلَسَ، وَتَكَلَّمَ، وَسَمَرُ أَمامَهُ تُومِئُ بِالتَّوْقِيتِ الصَّحِيحِ، وَتُجِيبُ بِالمِقْدارِ المُناسِبِ.
لٰكِنَّ جُزْءً مِنْها كانَ فِي مَكانٍ آخَرَ.
لَمْ يَكُنْ غِيابُ الجَسَدِ—كانَتْ مَوْجُودَةً، جالِسَةً، عَيْناها تَنْظُرانِ إِلَيْهِ. لٰكِنَّها كانَتْ تَنْظُرُ مِنْ خَلْفِهِ إِلَى شَيْءٍ لا يَراهُ هُوَ. كَمَنْ يَجْلِسُ أَمامَ نافِذَةٍ وَوَجْهُهُ نَحْوَكَ، لٰكِنَّ ضَوْءَهُ يَأْتِي مِنَ الجِهَةِ الأُخْرَى.
لاحَظَ وائِلٌ. لاحَظَ بِتِلْكَ الطَّرِيقَةِ الخاصَّةِ بِهِ—لا بِقَلَقٍ، وَلا بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ، بَلْ بِمُلاحَظَةٍ تُشْبِهُ تَسْجِيلَ مَعْلُومَةٍ:
— أَنْتِ شارِدَةٌ اليَوْمَ.
ابْتَسَمَتْ. تِلْكَ الِابْتِسامَةُ الجاهِزَةُ الَّتِي لا تَحْتاجُ تَحْضِيرًا—ابْتِسامَةُ السَّنَواتِ الطَّوِيلَةِ:
— مُتْعَبَةٌ قَلِيلًا.
“أَلا تَسْأَلُ مِنْ أَيْنَ؟” فَكَّرَتْ. “أَلا تُرِيدُ أَنْ تَعْرِفَ ما الَّذِي يُتْعِبُ؟”
لَمْ يَسْأَلْ.
وَلَمْ تَكُنْ هٰذِهِ المَرَّةُ الأُولَى. لٰكِنَّها كانَتْ، لِسَبَبٍ لا تَفْهَمُهُ، المَرَّةَ الَّتِي انْتَبَهَتْ فِيها إِلَى أَنَّهُ لا يَسْأَلُ—انْتَبَهَتْ بِوَعْيٍ كامِلٍ، لا بِذٰلِكَ الإِحْساسِ الضَّبابِيِّ الَّذِي كانَتْ تُسْكِتُهُ دائِمًا بِحُجَّةِ أَنَّ بَعضَ الرِّجالَ هٰكَذا، وَأَنَّ شَيئاً من الحَياةَ هٰكَذا، وَأَنَّ كَثِيراً مِنَ النّاسَ هٰكَذا.
وَكانَ عَدَمُ السُّؤالِ مُرِيحًا لَهُما مَعًا—هٰذا ما أَخْبَرَتْ بِهِ نَفْسَها مُنْذُ زَمَنٍ. أَنَّ هٰذا الهُدُوءَ بَيْنَهُما هُوَ نَوْعٌ مِنَ الِاحْتِرامِ، نَوْعٌ مِنَ الِاتِّفاقِ الضِّمْنِيِّ النّاضِجِ. لٰكِنْ فِي هٰذا المَساءِ، فِي هٰذِهِ اللَّحْظَةِ تَحْدِيدًا، بَدَأَتْ تَتَساءَلُ إِنْ كانَ ذٰلِكَ هُدُوءًا حَقِيقِيًّا، أَمْ كانَ مُجَرَّدَ اعْتِيادٍ عَلَى عَدَمِ المُحاوَلَةِ.
________________________________________
حِينَ دَخَلَتْ غُرْفَتَها وَأَغْلَقَتِ البابَ، لَمْ يَكُنِ التَّعَبُ هُوَ ما تَشْعُرُ بِهِ.
كانَ شَيْئًا أَصْعَبَ وَصْفًا—اتِّساعٌ. اتِّساعٌ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي المَسافَةِ بَيْنَها وَبَيْنَ حَياتِها. كَأَنَّ الغُرْفَةَ الَّتِي تَعْرِفُها لَمْ تَتَغَيَّرْ، لٰكِنَّها هِيَ تَحَرَّكَتْ قَلِيلًا، وَمِنْ زاَوِيَتِها الجَدِيدَةِ بَدَأَتْ تَرَى الأَبْعادَ بِشَكْلٍ مُخْتَلِفٍ.
“هَلْ تَتَّسِعُ المَسافَةُ؟ أَمْ أَنَّها كانَتْ هُنا دائِمًا وَأَنا كُنْتُ أُضَيِّقُها بِالِانْشِغالِ؟”
فَتَحَتِ الهاتِفَ.
لا رِسالَةَ جَدِيدَةً.
لٰكِنِ اسْمُهُ—مُجَرَّدُ اسْمِهِ عَلَى الشّاشَةِ—كانَ كافِيًا لِيَجْعَلَ صَمْتَها يَبْدُو أَقَلَّ حِيادِيَّةً. كَأَنَّ الصَّمْتَ اخْتارَ جانِبًا وَلَمْ يَعُدْ رَمادِيًّا.
كَتَبَتْ. حَذَفَتْ.
كَتَبَتْ ثانِيَةً: “أَشْعُرُ أَنَّ…” ثُمَّ تَوَقَّفَتْ. ما الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ بِالضَّبْطِ؟ كَيْفَ تَقُولُ لِغَرِيبٍ ما لَمْ تَسْتَطِعْ قَوْلَهُ لِنَفْسِها بَعْدُ؟
ثُمَّ، فِي لَحْظَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّحَظاتِ الَّتِي يَتَجاوَزُ فِيها الإِنْسانُ نَفْسَهُ، أَرْسَلَتْ:
“لا أَعْرِفُ لِماذا يَبْدُو كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَكَ كَأَنَّهُ يُفَكَّرُ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُقالُ.”
________________________________________
وَضَعَتِ الهاتِفَ.
لٰكِنَّها لَمْ تَضَعْهُ بَعِيدًا هٰذِهِ المَرَّةَ.
أَبْقَتْهُ فِي يَدِها. وَكَأَنَّها أَدْرَكَتْ، بِشَكْلٍ لا يَحْتاجُ تَفْسِيرًا، أَنَّها لَمْ تَعُدْ تَنْتَظِرُ رَدًّا فَحَسْب—بَلْ تَنْتَظِرُ شَيْئًا أَكْبَرَ وَأَهْدَأَ وَأَكْثَرَ خُطُورَةً: تَنْتَظِرُ أَنْ تَرَى كَيْفَ تَبْدُو حَياتُها حِينَ تَبْدَأُ بِالتَّحَرُّكِ مِنْ مَكانِها. حِينَ يُزالُ ذٰلِكَ الثِّقْلُ الشَّفّافُ الَّذِي لا تَعرِفُ اسْمَاً لَهُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ كانَتْ تَعْرِفُهُ.
“هَلْ هٰذا ما يَفْعَلُهُ الفَراغُ فِي لَوْحاتِهِ؟” فَكَّرَتْ. “هَلْ يَجْعَلُ مَنْ يَقِفُ أَمامَهُ يَتَحَرَّكُ دُونَ أَنْ يَعْرِفَ نَحْوَ أَيْنَ؟”
________________________________________
فِي مَكانٍ ما مِنْ دِمَشْقَ—أَوْ رُبَّما خارِجَها الآنَ، فِي تِلْكَ المُدُنِ الَّتِي اسْتَقْبَلَتْ مَنِ اضْطُرُّوا لِلْمُغادَرَةِ—كانَ كَرِيمٌ يَجْلِسُ أَمامَ شاشَتِهِ أَيْضًا. لَوْحَةٌ غَيْرُ مُكْتَمِلَةٍ عَلَى الجِدارِ خَلْفَهُ. وَجُمْلَةٌ وَصَلَتْهُ مِنِ امْرَأَةٍ لا يَعْرِفُ اسْمَها، تَقُولُ إِنَّ أَشْيَاءَهُ يُفَكَّرُ فِيها أَكْثَرَ مِمَّا يُقالُ.
ابْتَسَمَ—ابْتِسامَةً لا يَراها أَحَدٌ.
وَبَدَأَ يَكْتُبُ.
________________________________________
الفَصْلُ الخَامِسُ
________________________________________
لَمْ يَأْتِ الرَّدُّ فَوْرًا.
وَهٰذا لَمْ يَكُنْ مُفاجِئًا. لٰكِنَّهُ كانَ مُخْتَلِفًا—وَسَمَرُ كانَتْ تَعْرِفُ الفَرْقَ بَيْنَ ما هُوَ مُتَوَقَّعٌ وَما هُوَ مُخْتَلِفٌ، حَتّى حِينَ يَبْدُوانِ مُتَشابِهَيْنِ مِنَ الخارِجِ.
الفَرْقُ هٰذِهِ المَرَّةِ لَمْ يَكُنْ فِي الرَّدِّ. كانَ فِيها هِيَ—فِي أَنَّها بَدَأَتْ تُلاحِظُ أَنَّها تَنْتَظِرُ. وَهٰذِهِ المُلاحَظَةُ، فِي حَدِّ ذاتِها، كانَتْ خَبَرًا.
“مَتَى تَوَقَّفْتُ عَنِ الِانْتِظارِ؟” تَساءَلَتْ، وَهِيَ تَضَعُ الهاتِفَ عَلَى السَّرِيرِ إِلَى جانِبِها دُونَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيْهِ مُباشَرَةً. “مَتَى صارَ يَوْمِي مُجَرَّدَ تَسَلْسُلٍ لِأَشْياءِ تَحْدُثُ بِلا تَرَقُّبٍ؟”
كانَ وُجودُ الهاتِفِ وَحْدَهُ كافِيًا لِإِشْغالِ جُزْءٍ مِنِ انْتِباهِها—حُضُورُهُ الصّامِتُ عَلَى السَّطْحِ الأَبْيَضِ لِلسَّرِيرِ، كَشَيْءٍ حَيٍّ يَتَنَفَّسُ فِي الغُرْفَةِ.
فِي الخارِجِ كانَ اللَّيْلُ يَتَقَدَّمُ بِبُطْئِهِ المُعْتادِ. وَفِي الدّاخِلِ كانَتْ حَرَكَةٌ—خَفِيفَةٌ، لا تُرى لٰكِنَّها تُحَسُّ—كَتِلْكَ اللَّحْظَةِ الَّتِي يَبْدَأُ فِيها الجَلِيدُ بِالتَّذَوُّبِ تَحْتَ السَّطْحِ، قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ الماءُ.
شَيْءٌ يَبْدَأُ بِالِانْفِصالِ عَنْ صُورَتِهِ القَدِيمَةِ.
________________________________________
اهْتَزَّ الهاتِفُ.
لَمْ تَتَحَرَّكْ بِسُرْعَتِها المُعْتادَةِ. أَبْقَتْ يَدَها ساكِنَةً لَحْظَةً—اخْتِبارًا صَغِيرًا مَعَ النَّفْسِ: هَلْ لا تَزالُ تَسْتَطِيعُ التَّحَكُّمَ فِي لَحْظَةِ الفَتْحِ؟ هَلْ لا تَزالُ هِيَ مَنْ يَخْتارُ، لا الِاهْتِزازَةَ الصَّغِيرَةَ تِلْكَ؟
ثُمَّ فَتَحَتْ.
“لِأَنَّ الأَشْيَاءَ الَّتِي لا تُقالُ… هِيَ الوَحِيدَةُ الَّتِي نَكُونُ صادِقِينَ فِيها تَمامًا.”
تَوَقَّفَتْ.
لَمْ تُغْلِقِ الهاتِفَ. وَلَمْ تَرُدَّ. جَلَسَتْ تُحَدِّقُ فِي الجُمْلَةِ—لا كَنَصٍّ يُقْرَأُ، بَلْ كَمِرْآةٍ غَيْرِ مُكْتَمِلَةٍ تَعْكِسُ شَيْئًا وَلٰكِنَّها لا تُكْمِلُ الصُّورَةَ.
“الأَشْيَاءُ الَّتِي لا تُقالُ.”
كَمْ مِنْها عِنْدَها؟ كَمْ جُمْلَةٍ ابْتَلَعَتْها فِي وَجْهِ وائِلٍ؟ كَمْ سُؤالًا أَعادَتْهُ إِلَى داخِلِها لِأَنَّ الوَقْتَ لَمْ يَكُنْ مُناسِبًا، أَوْ لِأَنَّ الإِجابَةَ سَتَفْتَحُ بابًا لا تَعْرِفُ كَيْفَ تُغْلِقُهُ؟ كَمْ مَرَّةً أَوْمَأَتْ حِينَ كانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ لا، وَابْتَسَمَتْ حِينَ كانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ لا أَعْرِفُ، وَقالَتْ “تَعِبْتُ قَلِيلًا” حِينَ كانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَقُولَ أَشْياءَ لا اسْمَ لَها عِندَهُ؟
“لِماذا أَفْهَمُهُ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ؟” هٰذا ما سَأَلَتْهُ نَفْسَها—لَيْسَ: ماذا يَقْصِدُ؟ بَلْ: لِماذا أَنا، بِالتَّحْدِيدِ أَنا، أَقِفُ أَمامَ هٰذِهِ الجُمْلَةِ وَأَشْعُرُ أَنَّها كُتِبَتْ لِي؟
كَتَبَتْ، بِحَذَرٍ لَمْ تَعْتَدْهُ:
“وَهَلِ الصِّدْقُ وَحْدَهُ يَكْفِي لِيَجْعَلَ الأَشْياءَ قابِلَةً لِلْحَياةِ؟”
تَرَدَّدَتْ.
لِأَنَّ هٰذِهِ الجُمْلَةَ لَمْ تَكُنْ رَدًّا—كانَتْ اخْتِبارًا. اخْتِبارًا لَهُ، وَاخْتِبارًا لَها. إِنْ أَجابَ بِسُهُولَةٍ، بِجُمْلَةٍ جَمِيلَةٍ جاهِزَةٍ، فَهُوَ يَتَكَلَّمُ. وَإِنْ تَوَقَّفَ، إِنْ أَخَذَ وَقْتَهُ، فَهُوَ يُفَكِّرُ. وَالفَرْقُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ، أَدْرَكَتْ سَمَرُ، كانَ كُلَّ شَيْءٍ.
أَرْسَلَتْ.
وَأَطْفَأَتِ الشّاشَةَ فَوْرًا—كَأَنَّها تَخْشى أَنْ تَرَى الكَلِماتِ وَهِيَ تَخْرُجُ مِنْها وَتُصْبِحُ مِلْكَ شَخْصٍ آخَرَ.
________________________________________
فِي اليَوْمِ التّالِي، صارَتْ تَفْتَحُ الهاتِفَ بِتَكْرارٍ لَمْ تَعْتَدْهُ.
لا تَنْتَظِرُ دائِمًا رِسالَةً. لٰكِنَّها تَنْتَظِرُ احْتِمالَها—وَهٰذا كانَ مُخْتَلِفًا. الِاحْتِمالُ أَهْدَأُ مِنَ الِانْتِظارِ وَأَعْمَقُ مِنْهُ. الِانْتِظارُ يُتْعِبُ، أَمّا احْتِمالُ الشَّيْءِ فَيَجْعَلُهُ حاضِرًا دائِمًا، كَضَوْءٍ خَفِيفٍ لا يُضِيءُ الغُرْفَةَ لٰكِنَّهُ يَمْنَعُ الظَّلامَ الكامِلَ.
فِي أَحَدِ تِلْكَ الأَيّامِ، وَهُما عَلَى الغَداءِ مَعًا، رَفَعَ وائِلٌ عَيْنَيْهِ عَنْ طَبَقِهِ وَسَأَلَها:
— هَلْ هُناكَ شَيْءٌ يُشْغِلُكِ هٰذِهِ الأَيّامَ؟
السُّؤالُ عادِيٌّ—النَّوْعُ الَّذِي يُسْأَلُ بَيْنَ النّاسِ دُونَ أَنْ يَتَوَقَّعَ أَحَدٌ جَوابًا حَقِيقِيًّا. لٰكِنْ وَقْعَهُ عَلَيْها فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَمْ يَكُنْ كَذٰلِكَ. وَقَعَ كَحَجَرٍ صَغِيرٍ يَسْقُطُ فِي ماءٍ ساكِنٍ—الحَجَرُ عادِيٌّ، لٰكِنَّ الماءَ كانَ ساكِنًا جِدًّا.
رَفَعَتْ نَظَرَها إِلَيْهِ.
نَظَرَتْ فِي وَجْهِهِ لَحْظَةً—ذٰلِكَ الوَجْهُ الَّذِي تَعْرِفُهُ مُنْذُ اثْنَيْ عَشَرَ عامًا، الوَجْهُ الَّذِي يَعْرِفُ كَيْفَ يَطْرَحُ الأَسْئِلَةَ الصَّحِيحَةَ فِي الأَوْقاتِ الخاطِئَةِ، أَوِ الأَوْقاتِ الصَّحِيحَةَ بِنَبْرَةٍ خاطِئَةٍ، أَوْ رُبَّما—وَهٰذا ما أَلَمَّها أَكْثَرَ—رُبَّما يَطْرَحُها دُونَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَعِدًّا فِعْلًا لِلْإِجابَةِ.
— لا.
كَلِمَةٌ واحِدَةٌ. قَصِيرَةٌ وَنَظِيفَةٌ. لٰكِنَّها حِينَ خَرَجَتْ، بَدَتْ لَها مَنْقوصَةً—كَأَنَّ شَيْئًا كانَ يَجِبُ أَنْ يَأْتِيَ بَعْدَها وَلَمْ يَأْتِ. كَأَنَّها جُمْلَةٌ قُطِعَتْ فِي مُنْتَصَفِها وَأُعْطِيَتْ عَلَى أَنَّها كامِلَةٌ.
لَمْ يَضْغَطْ. عادَ إِلَى طَعامِهِ.
“كانَ هٰذا الصَّمْتُ بَيْنَنا دائِمًا شَكْلًا مِنْ أَشْكالِ الِاتِّفاقِ”، فَكَّرَتْ. “اتِّفاقٌ عَلَى أَنْ لا أَحَدَ يَضْغَطُ، وَلا أَحَدَ يُحْرِجُ، وَلا أَحَدَ يُطالِبُ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُعْطَى.”
لٰكِنَّها الآنَ، وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ، رَأَتِ الصَّمْتَ مِنْ زاَوِيَةٍ مُخْتَلِفَةٍ—لَمْ يَكُنْ حِمايَةً. كانَ تَأْجِيلًا. وَكُلُّ ما يُؤَجَّلُ طَوِيلًا لا يَخْتَفِي، بَلْ يَتَراكَمُ فِي مَكانٍ لا تَراهُ العَيْنُ، حَتّى يُصْبِحَ ثِقَلًا لا اسْمَ لَهُ.
“وائِل”، فَكَّرَتْ وَهِيَ تَنْظُرُ إِلَى يَدِهِ عَلَى الطّاوِلَةِ، “أَنْتَ رَجُلٌ يَرَى الأَشْيَاءَ الكَبِيرَةَ جَيِّدًا—الصَّفَقاتِ، وَالقَراراتِ، وَالخُطَطِ. لٰكِنَّ الأَشْيَاءَ الصَّغِيرَةَ—تِلْكَ الَّتِي تَحْدُثُ فِي المَسافَةِ بَيْنَ الجُمْلَةِ وَالجُمْلَةِ—هَلْ تَراها أَصْلًا؟ هَلْ تُرِيدُ أَنْ تَراها؟”
لَمْ تَقُلْ شَيْئًا.
وَهُوَ لَمْ يَسْأَلْ.
وَبَيْنَهُما كانَ الطَّعامُ يَبْرُدُ.
________________________________________
فِي المَساءِ، جاءَ الرَّدُّ:
“الحَياةُ لا تَطْلُبُ أَنْ نَفْهَمَها قَبْلَ أَنْ نَعِيشَها.”
قَرَأَتْها. ثُمَّ أَعَادَتْ قِراءَتَها.
كانَتِ الجُمْلَةُ جَمِيلَةً—لٰكِنَّ سَمَرَ لَمْ تَكُنْ تَبْحَثُ عَنِ الجَمالِ. كانَتْ تَبْحَثُ عَنْ شَيْءٍ آخَرَ، شَيْءٍ أَحَدَّ وَأَقَلَّ صَقْلًا. وَقَبْلَ أَنْ تُفَكِّرَ طَوِيلًا، كَتَبَتْ:
“وَماذا عَنِ الأَشْياءِ الَّتِي إِذا عِشْناها… لا تَعُودُ تُفْهَمُ؟”
وَقَفَتْ عِنْدَ الجُمْلَةِ.
لَمْ تَكُنْ تَقصِدُه سُؤالًا فَلْسَفِيًّا—كانَ اقْتِرابًا. اقْتِرابًا مِنْهُ، وَاقْتِرابًا مِنْ شَيْءٍ بِداخِلِها كانَتْ تَتَجَنَّبُ تَسْمِيَتَهُ. لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ تَجْعَلُ الشَّيْءَ حَقِيقِيًّا، وَالحَقِيقَةُ تَطْلُبُ مِنّا أَنْ نَتَّخِذَ مَوْقِفًا.
“هَلْ هٰذا ما أُرِيدُهُ؟ أَنْ أَقْتَرِبَ؟”
لَمْ تُجِبْ عَلَى السُّؤالِ. أَرْسَلَتِ الجُمْلَةَ.
وَبَقِيَ الهاتِفُ فِي يَدِها—لا لِأَنَّها تَنْتَظِرُ، بَلْ لِأَنَّ وَضْعَهُ بَعِيدًا صارَ يَبْدُو كَخَسارَةٍ صَغِيرَةٍ لا تُرِيدُها الآنَ.
________________________________________
فِي مَكانٍ ما، كانَتْ رَنا—صَدِيقَتُها—تَنامُ مُبَكِّرًا كَعَادَتِها، بَعْدَ أَنْ أَطْعَمَتْ أَطْفالَها وَأَغْلَقَتْ أَضْواءَ بَيْتِها الوَاحِدَ تِلْوَ الآخَرِ. وَكانَتْ أُمُّ سَمَرَ فِي غُرْفَتِها تَقْرَأُ، أَوْ تَتَذَكَّرُ، أَوْ تَفْعَلُ ما تَفْعَلُهُ النِّساءُ اللَّواتِي عِشْنَ طَوِيلًا فِي صَمْتٍ مُخْتارٍ. وَكانَ وائِلٌ فِي الغُرْفَةِ المُجاوِرَةِ يَنامُ بِسُرْعَتِهِ المُعْتادَةِ، مُطْمَئِنًّا إِلَى أَنَّ الأُمُورَ واضِحَةٌ وَفِي مَكانِها.
وَكانَتْ سَمَرُ مُسْتَيْقِظَةً—هاتِفُها فِي يَدِها، وَسُؤالٌ فِي رَأْسِها، وَشَيْءٌ ما فِي صَدْرِها يُشْبِهُ الحَياةَ حِينَ تَبْدَأُ بِالتَّحَرُّكِ بَعْدَ سُكُونٍ طَوِيلٍ.
لا تَعْرِفُ إِنْ كانَ ذٰلِكَ جَيِّدًا.
لٰكِنَّها كانَتْ تَعْرِفُ أَنَّهُ حَقِيقِيٌّ.
وَهٰذا، مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ، كانَ يَكْفِي.
