الِابْنُ الْغَرِيبُ 06

الِابْنُ الْغَرِيبُ 05


الِابْنُ الْغَرِيبُ

الفصل السادس والعشرون
بَعْدَ عُرْسِ عَلِيٍّ وَسَنَاءَ، وَبَعْدَ رُؤْيَةِ كُلِّ هَذِهِ الْقِصَصِ الْمُتَشَابِكَةِ مِنْ حَوْلِهِ تَصِلُ إِلَى لَحَظَاتٍ مِنَ السَّلَامِ وَالِالْتِزَامِ الْوَاعِي، بَدَأَ كَرِيمٌ يُفَكِّرُ بِجِدِّيَّةٍ مُتَزَايِدَةٍ فِي مُسْتَقْبَلِهِ الْخَاصِّ مَعَ لِينَا. كَانَا مَعًا مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، عَاشَا خِلَالَهَا تَحَدِّيَاتٍ كَثِيرَةً، بِمَا فِيهَا رِحْلَتُهُ الطَّوِيلَةُ إِلَى سُورِيَا وَعَوْدَتُهُ، وَاخْتَبَرَا عَلَاقَتَهُمَا فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ، فَخَرَجَا مِنْهَا أَقْوَى وَأَكْثَرَ وُضُوحًا حَوْلَ مَا يُرِيدَانِهِ مِنْ مُسْتَقْبَلِهِمَا الْمُشْتَرَكِ.
فِي أَحَدِ الْأَمَاسِي الْهَادِئَةِ، بَعْدَ عَوْدَتِهِمَا مِنَ الْعُرْسِ، جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ لِينَا فِي شُقَّتِهِمَا، وَقَالَ لَهَا بِصِدْقٍ: “لِينَا، بِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ كُلِّ مَا عِشْنَاهُ مَعًا، وَبَعْدَ كُلِّ مَا رَأَيْتُهُ مِنْ قِصَصِ حُبٍّ وَزَوَاجٍ هَذِهِ السَّنَةَ، صِرْتُ مُتَأَكِّدًا أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى أَنِّي أُرِيدُ أَنْ أُمْضِيَ حَيَاتِي مَعَكِ.”
نَظَرَتْ إِلَيْهِ لِينَا بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالْعَاطِفَةِ: “كَرِيمُ، وَأَنَا أَيْضًا أَشْعُرُ بِالشَّيْءِ نَفْسِهِ بِالضَّبْطِ. لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ هُنَاكَ تَحَدِّيَاتٍ حَقِيقِيَّةً أَمَامَنَا، ثَقَافِيَّةً وَدِينِيَّةً وَعَائِلِيَّةً. أَمُسْتَعِدٌّ أَنْتَ لِمُوَاجَهَتِهَا مَعًا، لَا بِوَصْفِهَا عَقَبَاتٍ، بَلْ بِوَصْفِهَا جُزْءًا مِنْ رِحْلَتِنَا؟”
“مُسْتَعِدٌّ تَمَامًا، لِينَا. وَبِصَرَاحَةٍ، تَعَلَّمْتُ هَذِهِ السَّنَةَ أَنَّ التَّحَدِّيَاتِ الثَّقَافِيَّةَ، رَغْمَ صُعُوبَتِهَا، يُمْكِنُ أَنْ تُوَاجَهَ بِصِدْقٍ وَحِوَارٍ مُسْتَمِرٍّ، كَمَا رَأَيْنَا مَعَ عَائِلَتَيْنَا الِاثْنَتَيْنِ.”
قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَ يَدَهَا رَسْمِيًّا، قَرَّرَ كَرِيمٌ أَنْ يَتَّصِلَ بِأَهْلِهِ أَوَّلًا، لَا لِطَلَبِ إِذْنِهِمْ بِالْمَعْنَى التَّقْلِيدِيِّ الصَّارِمِ، بَلْ لِمُشَارَكَتِهِمْ قَرَارَهُ وَلِطَلَبِ مُبَارَكَتِهِمُ الصَّادِقَةِ.
اتَّصَلَ بِغَسَّانَ وَسَلْمَى مَعًا عَبْرَ الْفِيدْيُو، وَقَالَ لَهُمَا بِصِدْقٍ: “أَبِي، أُمِّي، بِصَرَاحَةٍ، قَرَّرْتُ أَنْ أَطْلُبَ يَدَ لِينَا لِلزَّوَاجِ. أُحِبُّهَا كَثِيرًا، وَبَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينِ مَعًا، مُتَأَكِّدٌ أَنَّهَا الشَّرِيكَةُ الْمُنَاسِبَةُ لِحَيَاتِي.”
نَظَرَتْ سَلْمَى إِلَى زَوْجِهَا بِتَرَقُّبٍ، ثُمَّ قَالَتْ: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ كُلِّ مَا عَرَفْنَاهُ عَنْ لِينَا، وَبَعْدَ الْمُكَالَمَةِ الَّتِي أَجْرَيْنَاهَا مَعَهَا، أُبَارِكُ لَكَ هَذَا الْقَرَارَ مِنْ كُلِّ قَلْبِي. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ: أَسَتَتَزَوَّجَانِ فِي أَلْمَانْيَا، أَمْ يُمْكِنُ أَنْ تُفَكِّرَا فِي أَنْ تَجْعَلَا جُزْءًا مِنَ الِاحْتِفَالِ هُنَا فِي سُورِيَا أَيْضًا؟”
فَكَّرَ كَرِيمٌ فِي هَذَا السُّؤَالِ، مُدْرِكًا أَنَّ التَّحَدِّيَ الْأَوَّلَ الْحَقِيقِيَّ فِي رِحْلَةِ الزَّوَاجِ هَذِهِ سَيَكُونُ كَيْفِيَّةَ الْمُوَازَنَةِ بَيْنَ تَقَالِيدِ وَتَوَقُّعَاتِ كِلَا الْعَائِلَتَيْنِ.
“أُمِّي، لَمْ نَحْسِمْ بَعْدُ كُلَّ التَّفَاصِيلِ، لَكِنِّي، بِصَرَاحَةٍ، أُحِبُّ أَنْ نَجِدَ طَرِيقَةً نُكَرِّمُ فِيهَا الثَّقَافَتَيْنِ، لَا أَنْ نَخْتَارَ وَاحِدَةً عَلَى حِسَابِ الْأُخْرَى بِالْكَامِلِ.”
قَالَ غَسَّانُ، بِصَوْتٍ فِيهِ دَعْمٌ وَاضِحٌ: “كَرِيمُ، مَهْمَا كَانَ الْقَرَارُ، نَحْنُ مَعَكَ. لَكِنِّي، بِصَرَاحَةٍ، أَتَمَنَّى أَنْ نَكُونَ جُزْءًا حَقِيقِيًّا مِنَ الِاحْتِفَالِ، لَا مُجَرَّدَ ضُيُوفٍ بَعِيدِينَ.”
“طَبْعًا يَا أَبِي. سَنُرَتِّبُ شَيْئًا يَشْمَلُكُمْ بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ، أَعِدُكَ.”
بَعْدَ هَذِهِ الْمُكَالَمَةِ، وَبَعْدَ أَيَّامٍ مِنَ التَّخْطِيطِ الدَّقِيقِ، قَرَّرَ كَرِيمٌ أَنْ يَطْلُبَ يَدَ لِينَا بِطَرِيقَةٍ تَجْمَعُ بَيْنَ الرُّومَانْسِيَّةِ الْغَرْبِيَّةِ وَالرَّمْزِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ مَعًا. اصْطَحَبَهَا إِلَى حَدِيقَةٍ جَمِيلَةٍ عَلَى ضِفَافِ نَهْرِ إِيزَارَ فِي مِيُونِخَ، حَيْثُ الْتَقَيَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ قَبْلَ سِنِينَ، وَأَحْضَرَ مَعَهُ خَاتَمًا بَسِيطًا وَأَنِيقًا، بِالْإِضَافَةِ إِلَى قِطْعَةِ قُمَاشٍ صَغِيرَةٍ كَانَتْ قَدْ خَاطَتْهَا سَلْمَى بِنَفْسِهَا، مُطَرَّزَةٍ بِنُقُوشٍ سُورِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ، هَدِيَّةً رَمْزِيَّةً مِنْ عَائِلَتِهِ لِعَائِلَةِ لِينَا الْمُسْتَقْبَلِيَّةِ.
جَثَا كَرِيمٌ عَلَى رُكْبَةٍ وَاحِدَةٍ، أَمَامَ لِينَا الْمُنْدَهِشَةِ، وَقَالَ: “لِينَا، مُنْذُ الْيَوْمِ الَّذِي الْتَقَيْنَا فِيهِ هُنَا، عِنْدَ هَذَا النَّهْرِ بِالذَّاتِ، عَرَفْتُ أَنَّكِ شَخْصٌ اسْتِثْنَائِيٌّ. رَافَقْتِنِي فِي أَصْعَبِ رِحْلَةٍ عِشْتُهَا فِي حَيَاتِي، رِحْلَةِ فَهْمِ نَفْسِي وَعَائِلَتِي وَجُذُورِي، وَدَعَمْتِنِي بِصَبْرٍ وَحِكْمَةٍ لَمْ أَكُنْ لِأَتَخَيَّلَهُمَا. أَتَقْبَلِينَ الزَّوَاجَ مِنِّي؟”
دَمَعَتْ عَيْنَا لِينَا بِفَرَحٍ غَامِرٍ: “نَعَمْ، كَرِيمُ! نَعَمْ بِكُلِّ تَأْكِيدٍ!”
عَانَقَهَا بِحَرَارَةٍ، وَسْطَ تَصْفِيقٍ خَفِيفٍ مِنْ بَعْضِ الْمَارَّةِ الَّذِينَ لَاحَظُوا الْمَشْهَدَ الرُّومَانْسِيَّ، وَشَعَرَ كَرِيمٌ بِسَعَادَةٍ غَامِرَةٍ، مَمْزُوجَةٍ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِكُلِّ الدُّرُوسِ الَّتِي جَمَعَهَا خِلَالَ رِحْلَتِهِ الطَّوِيلَةِ، دُرُوسٌ سَاعَدَتْهُ أَنْ يَصِلَ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ بِثِقَةٍ وَوُضُوحٍ لَمْ يَكُنْ يَمْلِكُهُمَا قَبْلَ عَامَيْنِ.
بَعْدَ أَنْ أَعْطَاهَا الْخَاتَمَ، أَخْرَجَ قِطْعَةَ الْقُمَاشِ الْمُطَرَّزَةَ، وَشَرَحَ لَهَا مَعْنَاهَا: “لِينَا، هَذِهِ هَدِيَّةٌ مِنْ أُمِّي، خَاطَتْهَا بِنَفْسِهَا، رَمْزًا لِدُخُولِكِ عَائِلَتَنَا، وَتَقْدِيرًا لِثَقَافَتِكِ أَنْتِ أَيْضًا، لِأَنَّ التَّطْرِيزَ السُّورِيَّ التَّقْلِيدِيَّ، بِصَرَاحَةٍ، يَحْمِلُ رُمُوزًا كَثِيرَةً عَنِ الْحَيَاةِ وَالْحُبِّ وَالِاسْتِمْرَارِيَّةِ.”
تَأَثَّرَتْ لِينَا بِعُمْقٍ بِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ: “كَرِيمُ، هَذَا مُؤَثِّرٌ جِدًّا. أَشْعُرُ أَنِّي أَدْخُلُ عَائِلَتَكَ بِكُلِّ مَعْنَى الْكَلِمَةِ، لَا غَرِيبَةً، بَلْ جُزْءًا حَقِيقِيًّا مِنْهَا.”
فِي الْأَيَّامِ التَّالِيَةِ، اتَّصَلَتْ لِينَا بِوَالِدَيْهَا فِي هَامْبُورْغَ لِتُخْبِرَهُمَا بِالْخَبَرِ. اسْتَمَعَ هَانْزُ وَآنَّا بِفَرَحٍ مَمْزُوجٍ بِبَعْضِ الْقَلَقِ الْمُتَبَقِّي، لَكِنَّهُ قَلَقٌ أَقَلُّ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ زِيَارَتِهِمَا الْأُولَى لِكَرِيمٍ.
“لِينَا، بِصَرَاحَةٍ، نَحْنُ سَعِيدَانِ جِدًّا لِأَجْلِكِ،” قَالَ هَانْزُ عَبْرَ الْهَاتِفِ. “بَعْدَ لِقَائِنَا بِكَرِيمٍ، وَرُؤْيَةِ كَيْفَ يَحْتَرِمُ اسْتِقْلَالِيَّتَكِ وَقَنَاعَاتِكِ، اطْمَأْنَنَّا كَثِيرًا. لَكِنْ أَخْبِرِينَا، كَيْفَ سَتَكُونُ تَفَاصِيلُ حَفْلِ الزِّفَافِ؟”
“أَبِي، بِصَرَاحَةٍ، لَمْ نُخَطِّطْ بَعْدُ، لَكِنَّنَا نُرِيدُ أَنْ نَعْمَلَ شَيْئًا يَجْمَعُ بَيْنَ الثَّقَافَتَيْنِ، يُكَرِّمُ عَائِلَةَ كَرِيمٍ وَتَقَالِيدَهُمْ، وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ يَحْتَرِمُ مَا نُرِيدُهُ نَحْنُ كَزَوْجَيْنِ.”
بَدَتْ آنَّا مُتَحَمِّسَةً: “هَذَا يَبْدُو رَائِعًا يَا لِينَا. رُبَّمَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَعَلَّمَ بَعْضَ الْعَادَاتِ السُّورِيَّةَ، وَنُشَارِكَ فِي تَحْضِيرِ جُزْءٍ مِنَ الْحَفْلِ بِمَا يَعْكِسُ ثَقَافَتَكِ الْجَدِيدَةَ أَيْضًا.”
كَانَتْ هَذِهِ الِاسْتِجَابَةُ الْمُتَحَمِّسَةُ مِنْ وَالِدَيْ لِينَا دَلِيلًا إِضَافِيًّا عَلَى أَنَّ الرِّحْلَةَ الطَّوِيلَةَ مِنَ الْحِوَارِ وَالصِّدْقِ الْمُتَبَادَلِ، الَّتِي بَدَأَهَا كَرِيمٌ قَبْلَ أَشْهُرٍ مَعَ عَائِلَتِهِ فِي سُورِيَا، امْتَدَّتْ تَأْثِيرَاتُهَا لِتَشْمَلَ عَائِلَةَ لِينَا فِي أَلْمَانْيَا أَيْضًا، مِمَّا مَهَّدَ الطَّرِيقَ لِزَوَاجٍ يَجْمَعُ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ بِرُوحٍ مِنَ الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ الْحَقِيقِيِّ، بَدَلَ الْخَوْفِ أَوِ التَّنَازُلِ الْقَسْرِيِّ مِنْ أَيِّ جَانِبٍ.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، اتَّصَلَ كَرِيمٌ بِأَهْلِهِ مُجَدَّدًا لِيُخْبِرَهُمْ بِالْخَبَرِ السَّعِيدِ، وَسَمِعَ فَرْحَةً عَارِمَةً مِنَ الطَّرَفِ الْآخَرِ: سَلْمَى تَبْكِي بِفَرَحٍ، وَغَسَّانُ يَضْحَكُ بِصَوْتٍ عَالٍ نَادِرًا مَا سَمِعَهُ كَرِيمٌ مِنْهُ، وَزِيَادٌ، الَّذِي انْضَمَّ لِلْمُكَالَمَةِ مِنْ مَدِينَتِهِ الْجَامِعِيَّةِ، يَهْتِفُ بِحَمَاسَةٍ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
“الْيَوْمَ طَلَبْتُ يَدَ الْمَرْأَةِ الَّتِي أُحِبُّ، بَعْدَ رِحْلَةٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الْفَهْمِ وَالنُّضْجِ الشَّخْصِيِّ وَالْعَائِلِيِّ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الزَّوَاجَ الْحَقِيقِيَّ لَا يَعْنِي اخْتِيَارَ ثَقَافَةٍ عَلَى حِسَابِ أُخْرَى، بَلْ يَعْنِي بِنَاءَ ثَقَافَةٍ ثَالِثَةٍ، جَدِيدَةٍ، تَحْمِلُ أَفْضَلَ مَا فِي الِاثْنَتَيْنِ، وَتُبْنَى بِصِدْقٍ وَحِوَارٍ مُسْتَمِرٍّ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ وَعَائِلَتَيْهِمَا. أَشْعُرُ أَنَّنِي، أَخِيرًا، أَدْخُلُ هَذِهِ الْمَرْحَلَةَ الْجَدِيدَةَ مِنْ حَيَاتِي بِثِقَةٍ كَامِلَةٍ، لَيْسَ لِأَنَّ كُلَّ التَّحَدِّيَاتِ قَدِ اخْتَفَتْ، بَلْ لِأَنِّي تَعَلَّمْتُ، خِلَالَ هَذِهِ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ، كَيْفَ أُوَاجِهُ التَّحَدِّيَاتِ بِصِدْقٍ وَشَجَاعَةٍ، مَهْمَا كَانَتْ مُعَقَّدَةً.”


الفَصْلُ السَّابِعُ وَالعِشْرُونَ
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنَ الخُطُوبَةِ السَّعِيدَةِ، بَدَأَتْ تَفَاصِيلُ التَّخْطِيطِ العَمَلِيَّةُ لِلزِّفَافِ تَكْشِفُ عَنْ تَحَدِّيَاتٍ لَمْ يَكُنْ كَرِيمٌ وَلِينَا قَدْ فَكَّرَا فِيهَا بِعُمْقٍ كَافٍ مِنْ قَبْلُ.
فِي مُكَالَمَةِ فِيدِيُو جَمَاعِيَّةٍ جَمَعَتِ العَائِلَتَيْنِ، بَدَأَ النِّقَاشُ حَوْلَ تَفَاصِيلِ الحَفْلِ، وَسُرْعَانَ مَا ظَهَرَتِ اخْتِلَافَاتٌ حَقِيقِيَّةٌ فِي التَّوَقُّعَاتِ.
قَالَ غَسَّانُ، بِحَمَاسَةٍ وَاضِحَةٍ: — كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَتَمَنَّى أَنْ نُقِيمَ حَفْلَ كَتْبِ كِتَابٍ تَقْلِيدِيًّا هُنَا فِي سُورِيَا، بِحُضُورِ كُلِّ العَائِلَةِ وَالأَقَارِبِ، كَمَا جَرَتِ العَادَةُ دَائِمًا.
مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ، قَالَتْ أَنَّا، وَالِدَةُ لِينَا، بِلُطْفٍ لَكِنْ بِوُضُوحٍ:
— نَحْنُ أَيْضًا كُنَّا نَأْمُلُ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ جُزْءٌ مِنَ الِاحْتِفَالِ هُنَا فِي أَلْمَانِيَا، حَيْثُ يُمْكِنُ لِأَصْدِقَاءِ لِينَا وَعَائِلَتِهَا المُمْتَدَّةِ أَنْ يُشَارِكُوا بِسُهُولَةٍ، خَاصَّةً أَنَّ السَّفَرَ إِلَى سُورِيَا مُعَقَّدٌ بَعْضَ الشَّيْءِ حَالِيًّا بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ أَفْرَادِ عَائِلَتِنَا.
شَعَرَ كَرِيمٌ بِتَوَتُّرٍ مُتَصَاعِدٍ وَهُوَ يَرَى كِلَا العَائِلَتَيْنِ تُعَبِّرُ عَنْ تَوَقُّعَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا، وَكُلٌّ مِنْهُمَا تَفْتَرِضُ ضِمْنِيًّا أَنَّ حَفْلَهَا هُوَ «الحَفْلُ الرَّئِيسُ».
حَاوَلَ كَرِيمٌ أَنْ يُوَازِنَ الأُمُورَ:
— بَابَا، أَنَّا، بِصَرَاحَةٍ، أَفْهَمُ رَغْبَةَ الطَّرَفَيْنِ. مَا رَأْيُكُمْ أَنْ نُقِيمَ حَفْلَيْنِ: وَاحِدًا بَسِيطًا هُنَا فِي سُورِيَا، لِلْعَائِلَةِ وَالأَقَارِبِ المُبَاشِرِينَ، وَآخَرَ فِي أَلْمَانِيَا، لِأَصْدِقَاءِ لِينَا وَعَائِلَتِهَا المُمْتَدَّةِ؟
بَدَا غَسَّانُ غَيْرَ مُقْتَنِعٍ تَمَامًا:
— كَرِيمُ، حَفْلُ كَتْبِ الكِتَابِ الأَسَاسِيُّ، دِينِيًّا وَاجْتِمَاعِيًّا، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هُنَا، بِحُضُورِ كُلِّ العَائِلَةِ. أَيُّ حَفْلٍ فِي أَلْمَانِيَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَقَطِ احْتِفَالًا إِضَافِيًّا، لَا أَسَاسِيًّا.
مِنْ جِهَتِهَا، بَدَتْ أَنَّا مُسْتَاءَةً قَلِيلًا مِنْ هَذَا التَّرْتِيبِ:
— لَكِنَّ هَذَا يَعْنِي أَنَّ الحَفْلَ «الرَّئِيسَ» سَيَكُونُ بَعِيدًا عَنْ مُعْظَمِ أَصْدِقَاءِ لِينَا وَعَائِلَتِهَا هُنَا، مِمَّا يَجْعَلُهُمْ يَشْعُرُونَ وَكَأَنَّ مُشَارَكَتَهُمْ أَقَلُّ أَهَمِّيَّةً.
كَانَ هَذَا الخِلَافُ، رَغْمَ أَنَّهُ بَدَأَ بِنَبْرَةٍ مُهَذَّبَةٍ، يَحْمِلُ تَحْتَ سَطْحِهِ تَوَتُّرًا حَقِيقِيًّا حَوْلَ أَيِّ ثَقَافَةٍ «تَتَقَدَّمُ» عَلَى الأُخْرَى فِي هَذِهِ المُنَاسَبَةِ المُهِمَّةِ، وَشَعَرَ كَرِيمٌ وَلِينَا بِضَغْطٍ مُتَزَايِدٍ وَهُمَا يُحَاوِلَانِ إِرْضَاءَ الطَّرَفَيْنِ دُونَ التَّنَازُلِ الكَامِلِ عَنْ رَغَبَاتِهِمَا الشَّخْصِيَّةِ.
بَعْدَ أَنْ أَنْهَيَا المُكَالَمَةَ، جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ لِينَا، مُنْهَكَيْنِ نَفْسِيًّا مِنْ هَذَا النِّقَاشِ غَيْرِ المَحْسُومِ.
— لِينَا، بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أَتَوَقَّعْ مِثْلَ هَذَا التَّعْقِيدِ. أَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ عَائِلَةٍ تُحَاوِلُ أَنْ تَفْرِضَ رُؤْيَتَهَا لِـ«الزِّفَافِ الصَّحِيحِ».
تَنَهَّدَتْ لِينَا بِتَعَبٍ:
— أَعْرِفُ يَا كَرِيمُ. وَأَشْعُرُ بِالذَّنْبِ أَيْضًا، لِأَنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ يَشْعُرَ أَهْلُكَ أَنَّ حَفْلَنَا الأَسَاسِيَّ أَقَلُّ أَهَمِّيَّةً مِنْ نَاحِيَتِهِمْ، لَكِنِّي أَيْضًا أُرِيدُ أَنْ يَشْعُرَ أَهْلِي بِالقَدْرِ نَفْسِهِ مِنَ المُشَارَكَةِ الحَقِيقِيَّةِ.
فَكَّرَ كَرِيمٌ طَوِيلًا، ثُمَّ اقْتَرَحَ فِكْرَةً جَدِيدَةً:
— لِينَا، مَا رَأْيُكِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ نُفَكِّرَ فِي حَفْلَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ، أَحَدُهُمَا «أَسَاسِيٌّ» وَالآخَرُ «إِضَافِيٌّ»، نُخَطِّطُ لِحَفْلٍ وَاحِدٍ مُمْتَدٍّ، يَبْدَأُ بِمَرَاسِمَ دِينِيَّةٍ وَعَائِلِيَّةٍ تَقْلِيدِيَّةٍ فِي سُورِيَا، يَحْضُرُهَا مُمَثِّلُونَ عَنْ عَائِلَتِكِ أَيْضًا، ثُمَّ نَنْقُلُ الِاحْتِفَالَ إِلَى أَلْمَانِيَا لِحَفْلِ اسْتِقْبَالٍ أَكْبَرَ، يُشَارِكُ فِيهِ كُلُّ الأَصْدِقَاءِ وَالعَائِلَةُ المُمْتَدَّةُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، بِحَيْثُ يَكُونُ الِاثْنَانِ جُزْءًا مِنِ احْتِفَالٍ وَاحِدٍ مُتَكَامِلٍ، لَا حَفْلَيْنِ مُنْفَصِلَيْنِ بِدَرَجَاتِ أَهَمِّيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ؟
أَضَاءَتْ عَيْنَا لِينَا بِحَمَاسَةٍ:
— كَرِيمُ، هَذِهِ فِكْرَةٌ رَائِعَةٌ فِعْلًا! بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ، لَا نَضْطَرُّ لِاخْتِيَارِ ثَقَافَةٍ عَلَى حِسَابِ أُخْرَى، بَلْ نَبْنِي احْتِفَالًا وَاحِدًا مُتَكَامِلًا يَعْكِسُ كِلَا الجَانِبَيْنِ بِشَكْلٍ مُتَسَاوٍ فِي الأَهَمِّيَّةِ.
———————
فِي اليَوْمِ التَّالِي، اقْتَرَحَ كَرِيمٌ هَذِهِ الفِكْرَةَ عَلَى العَائِلَتَيْنِ مَعًا، مُوَضِّحًا أَنَّ المَرَاسِمَ الدِّينِيَّةَ وَالعَائِلِيَّةَ الأُولَى فِي سُورِيَا لَنْ تَكُونَ «الحَفْلَ الرَّئِيسَ» بِمَعْنَى تَفَوُّقِهِ عَلَى حَفْلِ أَلْمَانِيَا، بَلْ مَرْحَلَةً أُولَى مِنِ احْتِفَالٍ مُتَكَامِلٍ يَمْتَدُّ إِلَى مَرْحَلَةٍ ثَانِيَةٍ فِي أَلْمَانِيَا.
اسْتَمَعَ غَسَّانُ وَأَنَّا بِانْتِبَاهٍ، وَبَعْدَ نِقَاشٍ، وَافَقَ الطَّرَفَانِ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الجَدِيدِ، شَرِيطَةَ أَنْ يُمَثَّلَ كُلُّ جَانِبٍ بِشَكْلٍ حَقِيقِيٍّ فِي كِلْتَا المَرْحَلَتَيْنِ: أَنْ يُسَافِرَ بَعْضٌ مِنْ عَائِلَةِ لِينَا لِحُضُورِ المَرَاسِمِ فِي سُورِيَا، وَأَنْ يُسَافِرَ بَعْضٌ مِنْ عَائِلَةِ كَرِيمٍ لِحُضُورِ حَفْلِ الِاسْتِقْبَالِ فِي أَلْمَانِيَا.
قَالَ غَسَّانُ أَخِيرًا:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، الفِكْرَةُ أَعْجَبَتْنِي. أَشْعُرُ أَنَّ الِاثْنَيْنِ، نَحْنُ وَعَائِلَةَ لِينَا، شُرَكَاءُ حَقِيقِيُّونَ فِي هَذَا الزِّفَافِ، لَا مُجَرَّدَ ضُيُوفٍ فِي مُنَاسَبَةِ الآخَرِينَ.
وَافَقَتْ أَنَّا بِحَمَاسَةٍ مُمَاثِلَةٍ:
— هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنَّا نَأْمُلُهُ. شُكْرًا لَكُمَا، كَرِيمُ وَلِينَا، عَلَى إِيجَادِ حَلٍّ يَحْتَرِمُ الجَمِيعَ.
———————
بَعْدَ أَنْ حُلَّتْ مَسْأَلَةُ مَكَانِ وَتَرْتِيبِ الحَفْلَيْنِ، ظَهَرَ تَحَدٍّ عَمَلِيٌّ آخَرُ: مَنْ سَيَتَحَمَّلُ التَّكَالِيفَ المَادِّيَّةَ لِكُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ مَرَاحِلِ الِاحْتِفَالِ؟
فِي مُكَالَمَةٍ لَاحِقَةٍ، طَرَحَ غَسَّانُ المَوْضُوعَ بِحَذَرٍ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، بِخُصُوصِ تَكَالِيفِ حَفْلِ سُورِيَا، نَحْنُ كَعَائِلَةٍ جَاهِزُونَ لِنَتَحَمَّلَ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْهَا، كَمَا جَرَتِ العَادَةُ عِنْدَنَا. لَكِنْ بِخُصُوصِ حَفْلِ أَلْمَانِيَا، مَا التَّرْتِيبُ المُتَوَقَّعُ؟
أَجَابَ هَانْسُ بِصَرَاحَةٍ مُمَاثِلَةٍ:
— مِنْ نَاحِيَتِنَا، نَحْنُ مُعْتَادُونَ فِي ثَقَافَتِنَا أَنْ يَتَقَاسَمَ الطَّرَفَانِ، أَوْ حَتَّى العَرُوسَانِ أَنْفُسُهُمَا، تَكَالِيفَ الحَفْلِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَتَحَمَّلَ عَائِلَةٌ وَاحِدَةٌ العِبْءَ الأَكْبَرَ.
شَعَرَ كَرِيمٌ بِحَسَّاسِيَّةِ هَذَا المَوْضُوعِ، مُدْرِكًا أَنَّ اخْتِلَافَ التَّقَالِيدِ حَوْلَ مَنْ «يَدْفَعُ» فِي الزَّوَاجِ يَعْكِسُ أَيْضًا اخْتِلَافَاتٍ أَعْمَقَ حَوْلَ مَعْنَى الزَّوَاجِ نَفْسِهِ فِي كِلْتَا الثَّقَافَتَيْنِ: كَوَاجِبٍ عَائِلِيٍّ جَمَاعِيٍّ فِي ثَقَافَتِهِ، وَكَشَرَاكَةٍ فَرْدِيَّةٍ بَيْنَ طَرَفَيْنِ فِي ثَقَافَةِ لِينَا.
اقْتَرَحَ كَرِيمٌ حَلًّا وَسَطًا:
— بَابَا، هَانْسُ، مَا رَأْيُكُمْ أَنْ نَتَّفِقَ عَلَى أَنْ تَتَحَمَّلَ كُلُّ عَائِلَةٍ تَكَالِيفَ الحَفْلِ الَّذِي يُقَامُ فِي بَلَدِهَا، وَأَنَا وَلِينَا نُسَاهِمُ مَعًا بِجُزْءٍ مِنْ مِيزَانِيَّتِنَا الشَّخْصِيَّةِ فِي الحَفْلَيْنِ، رَمْزًا لِمَسْؤُولِيَّتِنَا المُشْتَرَكَةِ كَزَوْجَيْنِ جَدِيدَيْنِ؟
فَكَّرَ الطَّرَفَانِ فِي هَذَا الِاقْتِرَاحِ، وَوَافَقَا عَلَيْهِ بَعْدَ نِقَاشٍ قَصِيرٍ، مُدْرِكَيْنِ أَنَّ هَذَا التَّرْتِيبَ يَحْتَرِمُ تَقَالِيدَ كُلِّ عَائِلَةٍ فِي سِيَاقِهَا الخَاصِّ، بَيْنَمَا يَمْنَحُ كَرِيمًا وَلِينَا أَيْضًا إِحْسَاسًا بِالمُسَاهَمَةِ الشَّخْصِيَّةِ فِي بِنَاءِ حَيَاتِهِمَا المُشْتَرَكَةِ، بَدَلًا مِنَ الِاعْتِمَادِ الكَامِلِ عَلَى أَيٍّ مِنَ العَائِلَتَيْنِ.
قَالَتْ لِينَا لِكَرِيمٍ بَعْدَ المُكَالَمَةِ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، حَتَّى مَسْأَلَةُ المَالِ كَشَفَتْ لَنَا فَرْقًا ثَقَافِيًّا عَمِيقًا لَمْ نَكُنْ نَتَوَقَّعُهُ. لَكِنِّي سَعِيدَةٌ أَنَّنَا اسْتَطَعْنَا، مَرَّةً أُخْرَى، إِيجَادَ حَلٍّ يَحْتَرِمُ الجَمِيعَ.
— وَأَنَا أَيْضًا يَا لِينَا. بِصَرَاحَةٍ، صِرْتُ أَفْهَمُ أَنَّ كُلَّ تَفْصِيلٍ فِي هَذَا الزَّوَاجِ، حَتَّى أَصْغَرَ التَّفَاصِيلِ العَمَلِيَّةِ، يَحْمِلُ مَعَانِيَ ثَقَافِيَّةً أَعْمَقَ مِمَّا كُنَّا نَتَخَيَّلُ، وَكُلُّ تَفْصِيلٍ يَسْتَحِقُّ الصَّبْرَ وَالحِوَارَ نَفْسَهُمَا اللَّذَيْنِ طَبَّقْنَاهُمَا فِي القَرَارَاتِ الكَبِيرَةِ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ:
«اليَوْمَ وَاجَهْنَا أَوَّلَ خِلَافٍ حَقِيقِيٍّ فِي تَخْطِيطِ زِفَافِنَا، خِلَافٌ كَشَفَ أَنَّ حَتَّى أَكْثَرَ الأَشْخَاصِ انْفِتَاحًا وَحُسْنَ نِيَّةٍ قَدْ يَحْمِلُونَ افْتِرَاضَاتٍ ضِمْنِيَّةً عَنِ «الطَّرِيقَةِ الصَّحِيحَةِ» لِفِعْلِ الأَشْيَاءِ، مَبْنِيَّةً عَلَى ثَقَافَتِهِمِ الخَاصَّةِ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الحَلَّ لَيْسَ دَائِمًا فِي اخْتِيَارِ طَرَفٍ عَلَى حِسَابِ آخَرَ، أَوْ حَتَّى فِي تَقْسِيمِ الأُمُورِ بِالتَّسَاوِي الحَرْفِيِّ، بَلْ فِي إِعَادَةِ تَصَوُّرِ المُشْكِلَةِ بِالكَامِلِ بِطَرِيقَةٍ إِبْدَاعِيَّةٍ تَسْمَحُ لِكِلَا الجَانِبَيْنِ أَنْ يَشْعُرَا بِأَهَمِّيَّةٍ مُتَسَاوِيَةٍ حَقِيقِيَّةٍ، لَا مُجَرَّدَ تَنَازُلٍ شَكْلِيٍّ. رُبَّمَا هَذَا هُوَ جَوْهَرُ الزَّوَاجِ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ: لَيْسَ مَزْجَ الثَّقَافَتَيْنِ بِشَكْلٍ سَطْحِيٍّ، بَلِ ابْتِكَارَ طُرُقٍ جَدِيدَةٍ كُلِّيًّا تَحْتَرِمُ جُذُورَ كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ أَنْ تَجْعَلَ إِحْدَاهُمَا تَابِعَةً لِلْأُخْرَى.»


الفصل الثامن والعشرون
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ التَّخْطِيطِ الدَّقِيقِ، جَاءَ أَخِيرًا يَوْمُ حَفْلِ كَتْبِ الْكِتَابِ فِي سُورِيَا، وَسَافَرَ كَرِيمٌ مَعَ لِينَا، وَوَالِدَيْهَا هَانْزَ وَآنَّا، وَأُخْتِهَا غِرِيتَا، لِحُضُورِ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ الْأُولَى مِنِ احْتِفَالِ زِفَافِهِمَا الْمُمْتَدِّ.
اسْتَقْبَلَتِ الْعَائِلَةُ السُّورِيَّةُ بِأَكْمَلِهَا ضُيُوفَهَا الْأَلْمَانَ بِحَفَاوَةٍ غَامِرَةٍ: غَسَّانُ وَسَلْمَى، رِيمَا وَكَمَالٌ وَابْنَتُهُمَا، فُؤَادٌ وَزَوْجَتُهُ، الْجَدَّةُ زَهْرَةُ الَّتِي أَصَرَّتْ عَلَى الْحُضُورِ رَغْمَ حَالَتِهَا الصِّحِّيَّةِ، وَالْخَالَةُ أَمَلُ، وَحَتَّى طَارِقٌ وَمَنَالُ وَعَلِيٌّ وَسَنَاءُ، الَّذِينَ أَصَرُّوا عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ الْمُهِمِّ لِصَدِيقِهِمْ كَرِيمٍ.
جَلَسَتْ لِينَا، مُرْتَدِيَةً فُسْتَانًا تَقْلِيدِيًّا سُورِيًّا بَسِيطًا اخْتَارَتْهُ بِعِنَايَةٍ بِمُسَاعَدَةِ سَلْمَى، مُحَاطَةً بِنِسَاءِ الْعَائِلَةِ اللَّوَاتِي بَدَأْنَ يُعَلِّمْنَهَا بَعْضَ الْعِبَارَاتِ الْعَرَبِيَّةَ الْبَسِيطَةَ وَسْطَ ضَحَكَاتٍ مُتَبَادَلَةٍ.
قَالَتْ سَلْمَى لِلِينَا، بَيْنَمَا كَانَتْ تُسَاعِدُهَا فِي ارْتِدَاءِ بَعْضِ الْمُجَوْهَرَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ: “لِينَا، هَذِهِ أَسَاوِرُ كَانَتْ لِأُمِّي، وَأَعْطَيْتُهَا لِرِيمَا يَوْمَ عُرْسِهَا، وَالْآنَ أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَكِ إِيَّاهَا أَنْتِ أَيْضًا، رَمْزًا إِلَى أَنَّكِ صِرْتِ جُزْءًا مِنْ عَائِلَتِنَا.”
تَأَثَّرَتْ لِينَا بِعُمْقٍ: “شُكْرًا جَزِيلًا، سَلْمَى. أَشْعُرُ بِشَرَفٍ حَقِيقِيٍّ لِهَذِهِ الْهَدِيَّةِ.”
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، جَلَسَ هَانْزُ مَعَ غَسَّانَ وَفُؤَادٍ، يَتَبَادَلُونَ أَحَادِيثَ عَبْرَ تَرْجَمَةِ كَرِيمٍ الْمُتَقَطِّعَةِ، لَكِنَّهُمْ وَجَدُوا، رَغْمَ حَاجِزِ اللُّغَةِ، أَرْضِيَّةً مُشْتَرَكَةً فِي حَدِيثِهِمْ عَنْ أَهَمِّيَّةِ الْعَائِلَةِ وَالْقِيَمِ الَّتِي يُرِيدُونَ تَوْرِيثَهَا لِأَبْنَائِهِمْ.
قَالَ هَانْزُ، بَعْدَ أَنْ تَرْجَمَ لَهُ كَرِيمٌ بَعْضَ كَلِمَاتِ غَسَّانَ: “أَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِرُؤْيَةِ كَيْفَ تُحِيطُ هَذِهِ الْعَائِلَةُ الْكَبِيرَةُ بِابْنِنَا وَابْنَتِنَا بِكُلِّ هَذَا الْحُبِّ وَالدَّعْمِ.”
ابْتَسَمَ غَسَّانُ بِفَخْرٍ: “وَأَنَا مُمْتَنٌّ أَيْضًا لِأَنَّ لِينَا، رَغْمَ اخْتِلَافِ ثَقَافَتِهَا، جَاءَتْ بِقَلْبٍ مَفْتُوحٍ، تَحْتَرِمُ عَادَاتِنَا وَتَتَعَلَّمُ مِنْهَا بَدَلَ أَنْ تَخَافَ مِنْهَا.”
بَدَأَ حَفْلُ كَتْبِ الْكِتَابِ رَسْمِيًّا بِحُضُورِ الشَّيْخِ رَاتِبٍ، الَّذِي تَلَا الْفَاتِحَةَ وَبَعْضَ الْآيَاتِ الْمُنَاسِبَةِ، ثُمَّ أَجْرَى مَرَاسِمَ الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ بِحُضُورِ الشُّهُودِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ. تُرْجِمَتِ الْكَلِمَاتُ الْأَسَاسِيَّةُ لِلِينَا وَلِعَائِلَتِهَا عَبْرَ كَرِيمٍ وَأُخْتِهِ رِيمَا، اللَّذَيْنِ تَنَاوَبَا عَلَى التَّرْجَمَةِ الْفَوْرِيَّةِ طَوَالَ الْحَفْلِ.
بَعْدَ إِتْمَامِ الْعَقْدِ رَسْمِيًّا، وَقَفَ الشَّيْخُ رَاتِبٌ لِيَقُولَ كَلِمَةً قَصِيرَةً، مُوَجِّهًا حَدِيثَهُ بِشَكْلٍ خَاصٍّ إِلَى كَرِيمٍ وَلِينَا: “كَرِيمُ، لِينَا، رَأَيْتُ فِي الْأَشْهُرِ الْأَخِيرَةِ كَيْفَ تَحَوَّلَتْ هَذِهِ الْعَائِلَةُ، بِفَضْلِ صِدْقِكُمْ وَشَجَاعَتِكُمْ، إِلَى نَمُوذَجٍ حَيٍّ لِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الْحِوَارُ الْحَقِيقِيُّ بَيْنَ الْأَجْيَالِ وَالثَّقَافَاتِ. أَتَمَنَّى لَكُمَا زَوَاجًا يَحْمِلُ رُوحَ الصِّدْقِ وَالِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ نَفْسَهَا الَّتِي رَأَيْتُهَا تَتَشَكَّلُ فِي هَذَا الْبَيْتِ.”
بَعْدَ الْحَفْلِ الدِّينِيِّ، انْتَقَلَ الْجَمِيعُ إِلَى حَدِيقَةٍ كَبِيرَةٍ اسْتَأْجَرَتْهَا الْعَائِلَةُ لِإِقَامَةِ وَلِيمَةٍ احْتِفَالِيَّةٍ، امْتَلَأَتْ بِأَطْبَاقِ الطَّعَامِ السُّورِيِّ التَّقْلِيدِيِّ، مِنْ وَرَقِ الْعِنَبِ إِلَى الْكِبَّةِ وَالْمَنْسَفِ، وَمُوسِيقَى الدَّبْكَةِ الشَّعْبِيَّةِ الَّتِي شَجَّعَ فِيهَا كَرِيمٌ لِينَا وَعَائِلَتَهَا عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي الرَّقْصِ التَّقْلِيدِيِّ وَسْطَ ضَحَكَاتٍ وَتَشْجِيعٍ مِنَ الْجَمِيعِ.
رَقَصَتْ لِينَا، بِحَمَاسَةٍ مُتَعَثِّرَةٍ لَكِنَّهَا صَادِقَةٌ، مُحَاوِلَةً تَقْلِيدَ خُطُوَاتِ الدَّبْكَةِ، بَيْنَمَا كَانَ طَارِقٌ وَعَلِيٌّ يُعَلِّمَانِهَا بِبَرَاعَةٍ وَسْطَ تَصْفِيقٍ حَارٍّ مِنَ الْحَاضِرِينَ. حَتَّى هَانْزُ وَآنَّا انْضَمَّا إِلَى الدَّائِرَةِ فِي النِّهَايَةِ، بِحَرَكَاتٍ مُرْتَبِكَةٍ لَكِنَّهَا مَلِيئَةٌ بِالْفَرَحِ، وَسْطَ تَشْجِيعِ الْجَمِيعِ.
فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ مِنَ الْحَفْلِ، جَلَسَتْ زَهْرَةُ، مُنْهَكَةً قَلِيلًا لَكِنْ سَعِيدَةً، تُرَاقِبُ الْمَشْهَدَ بِأَكْمَلِهِ، فَاقْتَرَبَتْ مِنْهَا لِينَا، وَجَلَسَتْ بِجَانِبِهَا، وَحَاوَلَتْ أَنْ تَتَوَاصَلَ مَعَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ الْبَسِيطَةِ الَّتِي تَعَلَّمَتْهَا: “جَدَّتِي زَهْرَةُ، شُكْرًا.”
ابْتَسَمَتْ زَهْرَةُ بِتَأَثُّرٍ، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِ لِينَا، وَقَالَتْ لَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ تَرْجَمَ كَرِيمٌ: “جَدَّتِي تَقُولُ إِنَّهَا سَعِيدَةٌ جِدًّا بِرُؤْيَتِكِ جُزْءًا مِنَ الْعَائِلَةِ، وَإِنَّهَا تَتَمَنَّى لَكِ وَلِكَرِيمٍ حَيَاةً أَسْعَدَ بِكَثِيرٍ مِمَّا عَاشَتْهُ هِيَ فِي شَبَابِهَا، حَيَاةً مَبْنِيَّةً عَلَى الِاخْتِيَارِ الْحُرِّ وَالصِّدْقِ.”
تَأَثَّرَتْ لِينَا بِعُمْقٍ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَعَانَقَتْ زَهْرَةَ بِحَنَانٍ، عِنَاقًا تَجَاوَزَ حَاجِزَ اللُّغَةِ وَالثَّقَافَةِ، لِيَصِلَ مُبَاشَرَةً إِلَى جَوْهَرٍ إِنْسَانِيٍّ مُشْتَرَكٍ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالِامْتِنَانِ.
خِلَالَ الْوَلِيمَةِ، وَبِمَا أَنَّ زِيَادًا لَمْ يَسْتَطِعِ الْحُضُورَ شَخْصِيًّا بِسَبَبِ امْتِحَانَاتٍ جَامِعِيَّةٍ مُهِمَّةٍ، أَصَرَّ الْجَمِيعُ عَلَى الِاتِّصَالِ بِهِ عَبْرَ الْفِيدْيُو، وَوُضِعَ الْهَاتِفُ عَلَى طَاوِلَةٍ مَرْكَزِيَّةٍ لِيَتَمَكَّنَ مِنْ مُشَاهَدَةِ الِاحْتِفَالِ وَالْمُشَارَكَةِ فِيهِ وَلَوْ عَنْ بُعْدٍ.
“مَبْرُوكٌ يَا كَرِيمُ! كُنْتُ أَتَمَنَّى لَوْ كُنْتُ مَعَكُمْ!” صَاحَ زِيَادٌ بِحَمَاسَةٍ عَبْرَ الشَّاشَةِ، وَسْطَ ضَحِكِ الْجَمِيعِ.
“وَأَنَا أَتَمَنَّاكَ مَعَنَا يَا زِيَادُ، لَكِنِّي أَعْرِفُ أَنَّ امْتِحَانَاتِكَ أَهَمُّ الْآنَ. سَنَحْتَفِلُ مَرَّةً أُخْرَى حِينَ تَزُورُنَا.”
فِي لَحْظَةٍ هَادِئَةٍ وَسْطَ صَخَبِ الْحَفْلِ، جَلَسَ غَسَّانُ بِجَانِبِ ابْنِهِ كَرِيمٍ، وَنَظَرَ إِلَيْهِ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِمَشَاعِرَ لَا تُقَالُ بِسُهُولَةٍ.
“كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، وَأَنَا أَرَاكَ الْيَوْمَ، تَتَزَوَّجُ وَتَبْدَأُ حَيَاةً جَدِيدَةً، تَذَكَّرْتُ أَوَّلَ يَوْمٍ عُدْتَ فِيهِ مِنْ أَلْمَانْيَا، وَكَيْفَ اسْتَقْبَلْتُكَ بِبُرُودٍ لَمْ يَكُنْ يَسْتَحِقُّهُ رُجُوعُكَ.”
“أَبِي، هَذَا كُلُّهُ صَارَ مَاضِيًا الْآنَ. وَالْيَوْمَ، بِصَرَاحَةٍ، مَا كُنْتُ لِأَصِلَ إِلَى هَذِهِ السَّعَادَةِ لَوْلَا رِحْلَتُنَا مَعًا.”
احْتَضَنَ غَسَّانُ ابْنَهُ بِقُوَّةٍ: “كَرِيمُ، أَنَا فَخُورٌ بِكَ أَكْثَرَ مِمَّا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُعَبِّرَ عَنْهُ بِكَلِمَاتٍ. وَبِصَرَاحَةٍ، شُكْرًا لَكَ لِأَنَّكَ عَلَّمْتَنَا جَمِيعًا، كَعَائِلَةٍ، كَيْفَ نُحِبُّ بِصِدْقٍ أَكْبَرَ.”
كَانَتْ هَذِهِ اللَّحْظَةُ، وَسْطَ كُلِّ صَخَبِ الِاحْتِفَالِ وَمُوسِيقَى الدَّبْكَةِ وَضَحَكَاتِ الْأَصْدِقَاءِ، أَعْمَقَ لَحْظَةٍ عَاشَهَا كَرِيمٌ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِأَكْمَلِهِ: اعْتِرَافُ أَبِيهِ الصَّرِيحُ بِتَحَوُّلِهِ الشَّخْصِيِّ، وَامْتِنَانُهُ الصَّادِقُ لِرِحْلَةٍ اسْتَغْرَقَتْ أَكْثَرَ مِنْ عَامٍ مِنَ الصِّدْقِ وَالْمُوَاجَهَاتِ الصَّعْبَةِ وَالِاعْتِرَافَاتِ الْمُؤْلِمَةِ، لِتَصِلَ أَخِيرًا إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ مِنَ الْفَرَحِ الْخَالِصِ الْمُشْتَرَكِ.
فِي نِهَايَةِ الْحَفْلِ، وَبَيْنَمَا كَانَ الْجَمِيعُ يُوَدِّعُونَ بَعْضَهُمْ اسْتِعْدَادًا لِلْمَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الِاحْتِفَالِ فِي أَلْمَانْيَا بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ، جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ لِينَا فِي زَاوِيَةٍ هَادِئَةٍ مِنَ الْحَدِيقَةِ، يَتَأَمَّلَانِ الْيَوْمَ الَّذِي مَرَّ بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ لَكِنَّهُ تَرَكَ أَثَرًا عَمِيقًا.
“لِينَا، كَيْفَ تَشْعُرِينَ بَعْدَ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ زَوَاجِنَا؟”
ابْتَسَمَتْ لِينَا بِدُمُوعِ فَرَحٍ لَا تَزَالُ فِي عَيْنَيْهَا: “كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، هَذَا كَانَ أَجْمَلَ يَوْمٍ فِي حَيَاتِي. لَمْ أَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنِّي سَأَشْعُرُ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنَ الِانْتِمَاءِ لِثَقَافَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ ثَقَافَتِي، لَكِنَّ عَائِلَتَكَ جَعَلَتْنِي أَشْعُرُ بِذَلِكَ بِكُلِّ صِدْقٍ.”
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، بَعْدَ أَنْ عَادَ إِلَى غُرْفَتِهِ فِي بَيْتِ أَهْلِهِ:
“الْيَوْمَ تَزَوَّجْتُ الْمَرْأَةَ الَّتِي أُحِبُّ، وَسْطَ عَائِلَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ثَقَافِيًّا لَكِنَّهُمَا وَجَدَتَا، بِفَضْلِ الصِّدْقِ وَالِانْفِتَاحِ الْمُتَبَادَلِ، أَرْضِيَّةً مُشْتَرَكَةً عَمِيقَةً مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالِاحْتِرَامِ. أَدْرَكْتُ أَنَّ الزِّفَافَ الْحَقِيقِيَّ لَيْسَ مُجَرَّدَ احْتِفَالٍ بَيْنَ شَخْصَيْنِ، بَلِ احْتِفَالٌ بِإِمْكَانِيَّةِ التَّلَاقِي الْإِنْسَانِيِّ عَبْرَ كُلِّ الْحَوَاجِزِ الثَّقَافِيَّةِ وَاللُّغَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، حِينَ يَكُونُ هُنَاكَ اسْتِعْدَادٌ صَادِقٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لِلِانْفِتَاحِ وَالتَّعَلُّمِ مِنْ بَعْضِهِمَا الْبَعْضِ.”


الفَصْلُ التَّاسِعُ وَالعِشْرُونَ
بَعْدَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ مِنْ حَفْلِ كَتْبِ الكِتَابِ فِي سُورِيَا، سَافَرَ غَسَّانُ وَسَلْمَى، بِرِفْقَةِ رِيمَا وَزِيَادٍ الَّذِي انْضَمَّ إِلَيْهِمَا مِنْ مَدِينَتِهِ الجَامِعِيَّةِ القَرِيبَةِ، إِلَى هَامْبُورْغَ لِحُضُورِ المَرْحَلَةِ الثَّانِيَةِ مِنِ احْتِفَالِ الزِّفَافِ: حَفْلِ اسْتِقْبَالٍ أَكْبَرَ، يَجْمَعُ أَصْدِقَاءَ لِينَا وَعَائِلَتَهَا المُمْتَدَّةَ وَزُمَلَاءَ كَرِيمٍ فِي العَمَلِ.
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ زِيَارَةٍ لِغَسَّانَ وَسَلْمَى إِلَى أُورُوبَّا، وَشَعَرَا بِمَزِيجٍ مِنَ الحَمَاسَةِ وَالقَلَقِ وَهُمَا يَسْتَعِدَّانِ لِمُوَاجَهَةِ ثَقَافَةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ كُلِّ مَا عَرَفَاهُ طَوَالَ حَيَاتِهِمَا.
اسْتَقْبَلَهُمَا هَانْسُ وَأَنَّا بِحَفَاوَةٍ بَالِغَةٍ فِي مَنْزِلِهِمَا، وَحَاوَلَ الجَمِيعُ، رَغْمَ حَاجِزِ اللُّغَةِ، أَنْ يَتَوَاصَلُوا بِابْتِسَامَاتٍ صَادِقَةٍ وَإِيمَاءَاتٍ وُدِّيَّةٍ، بِمُسَاعَدَةِ كَرِيمٍ وَلِينَا فِي التَّرْجَمَةِ كُلَّمَا اسْتَدْعَى الأَمْرُ.
فِي اليَوْمِ التَّالِي، أَثْنَاءَ التَّجَوُّلِ فِي شَوَارِعِ هَامْبُورْغَ، لَاحَظَتْ سَلْمَى، بِفُضُولٍ صَادِقٍ، تَفَاصِيلَ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ الأَلْمَانِيَّةِ: النِّظَامَ الصَّارِمَ فِي المُرُورِ، وَاحْتِرَامَ الطَّوَابِيرِ، وَالهُدُوءَ العَامَّ فِي الأَمَاكِنِ العَامَّةِ.
قَالَتْ سَلْمَى لِكَرِيمٍ، بِابْتِسَامَةٍ مُتَأَمِّلَةٍ: — كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ النَّاسَ هُنَا مُنَظَّمُونَ كَثِيرًا، لَكِنْ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ أَشْعُرُ بِوَحْدَةٍ أَكْبَرَ فِي الشَّارِعِ، لَا كَمَا عِنْدَنَا حِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ الجِيرَانُ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ حَالِكَ فِي كُلِّ مَكَانٍ.
ابْتَسَمَ كَرِيمٌ:
— صَحِيحٌ يَا أُمِّي، كُلُّ ثَقَافَةٍ لَهَا طَرِيقَتُهَا فِي التَّفَاعُلِ الِاجْتِمَاعِيِّ. هُنَا يَحْتَرِمُونَ الخُصُوصِيَّةَ أَكْثَرَ، لَكِنَّ هَذَا لَا يَعْنِي غِيَابَ الدِّفْءِ، بَلْ يَظْهَرُ بِطُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ.
———————
جَاءَ يَوْمُ حَفْلِ الِاسْتِقْبَالِ، أُقِيمَ فِي قَاعَةٍ أَنِيقَةٍ تُطِلُّ عَلَى بُحَيْرَةٍ صَغِيرَةٍ فِي ضَوَاحِي هَامْبُورْغَ، بِحُضُورِ أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ ضَيْفٍ مِنْ أَصْدِقَاءِ لِينَا وَزُمَلَائِهَا وَعَائِلَتِهَا المُمْتَدَّةِ، بِالإِضَافَةِ إِلَى بَعْضِ زُمَلَاءِ كَرِيمٍ فِي العَمَلِ، مِنْ بَيْنِهِمْ شْتِيفَانُ، الَّذِي أَصْبَحَ الآنَ صَدِيقًا حَقِيقِيًّا بَعْدَ حِوَارِهِمَا الصَّادِقِ فِي مَكَانِ العَمَلِ.
ارْتَدَتْ لِينَا فُسْتَانَ زِفَافٍ أَبْيَضَ أَنِيقًا بِطِرَازٍ أُورُوبِّيٍّ كِلَاسِيكِيٍّ، بَيْنَمَا ارْتَدَى كَرِيمٌ بَدْلَةً رَسْمِيَّةً، لَكِنَّهُ أَصَرَّ عَلَى إِضَافَةِ لَمْسَةٍ سُورِيَّةٍ: وِشَاحًا حَرِيرِيًّا تَقْلِيدِيًّا مُطَرَّزًا، هَدِيَّةً أُخْرَى مِنْ سَلْمَى، يَرْتَدِيهِ فَوْقَ كَتِفِهِ بِفَخْرٍ.
خِلَالَ الحَفْلِ، أَلْقَى هَانْسُ كَلِمَةً قَصِيرَةً، تَرْجَمَهَا كَرِيمٌ لِوَالِدَيْهِ:
— لِينَا، كَرِيمُ، أَشْعُرُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِرُؤْيَةِ ابْنَتِي تَجِدُ شَرِيكَ حَيَاةٍ يَحْتَرِمُهَا وَيَدْعَمُ طُمُوحَاتِهَا بِصِدْقٍ. وَأَشْعُرُ أَيْضًا بِامْتِنَانٍ لِعَائِلَةِ كَرِيمٍ، الَّتِي فَتَحَتْ قَلْبَهَا لَنَا بِكُلِّ كَرَمٍ وَصِدْقٍ، رَغْمَ كُلِّ الِاخْتِلَافَاتِ الثَّقَافِيَّةِ بَيْنَنَا.
عِنْدَمَا تَرْجَمَ كَرِيمٌ هَذِهِ الكَلِمَاتِ لِأَبِيهِ، تَأَثَّرَ غَسَّانُ بِعُمْقٍ، وَطَلَبَ أَنْ يَرُدَّ بِكَلِمَةٍ قَصِيرَةٍ أَيْضًا، تَرْجَمَتْهَا رِيمَا لِلْحَاضِرِينَ:
— أَشْكُرُكُمْ جَمِيعًا عَلَى اسْتِقْبَالِكُمُ الدَّافِئِ لَنَا فِي بَلَدِكُمْ. ابْنِي كَرِيمٌ عَلَّمَنِي، خِلَالَ العَامِ المَاضِي، أَنَّ المَحَبَّةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تَعْرِفُ حُدُودًا جُغْرَافِيَّةً أَوْ ثَقَافِيَّةً، وَأَنَّ أَعْمَقَ أَشْكَالِ الِاحْتِرَامِ هِيَ أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ بَعْضِنَا البَعْضِ بَدَلًا مِنْ أَنْ نَخَافَ مِنِ اخْتِلَافَاتِنَا.
قُوبِلَتْ هَذِهِ الكَلِمَاتُ بِتَصْفِيقٍ حَارٍّ مِنْ جَمِيعِ الحَاضِرِينَ، وَشَعَرَ كَرِيمٌ بِفَخْرٍ عَمِيقٍ بِرُؤْيَةِ وَالِدِهِ يَتَحَدَّثُ بِهَذِهِ الحِكْمَةِ وَالِانْفِتَاحِ أَمَامَ حَشْدٍ مِنَ الغُرَبَاءِ الثَّقَافِيِّينَ.
———————
خِلَالَ الحَفْلِ، تَحَدَّثَتْ سَلْمَى مَعَ أَنَّا، بِمُسَاعَدَةِ تَرْجَمَةِ رِيمَا، عَنْ تَجْرِبَتَيْهِمَا كَأُمَّهَاتٍ، وَاكْتَشَفَتَا، رَغْمَ اخْتِلَافِ ثَقَافَتَيْهِمَا الظَّاهِرِيِّ، أَوْجُهَ تَشَابُهٍ عَمِيقَةٍ فِي مَخَاوِفِهِمَا وَآمَالِهِمَا لِأَبْنَائِهِمَا.
قَالَتْ أَنَّا: — سَلْمَى، بِصَرَاحَةٍ، كُنْتُ قَلِقَةً جِدًّا حِينَ أَخْبَرَتْنِي لِينَا بِعَلَاقَتِهَا بِكَرِيمٍ، خَوْفًا مِنْ أَنْ تَفْقِدَ اسْتِقْلَالِيَّتَهَا. لَكِنَّ رُؤْيَتَكُمْ كَعَائِلَةٍ، وَرُؤْيَةَ كَيْفَ يَحْتَرِمُ كَرِيمٌ لِينَا، بَدَّلَتْ نَظْرَتِي تَمَامًا.
تَرْجَمَتْ رِيمَا، ثُمَّ أَجَابَتْ سَلْمَى بِصِدْقٍ:
— وَأَنَا أَيْضًا كُنْتُ خَائِفَةً أَنَّ لِينَا سَتُبْعِدُ ابْنِي عَنْ قِيَمِنَا وَثَقَافَتِنَا. لَكِنِ الآنَ، بَعْدَ أَنْ تَعَرَّفْتُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ، فَهِمْتُ أَنَّ الخَوْفَ كَانَ فَقَطْ مِنَ الجَهْلِ بِالطَّرَفِ الآخَرِ، لَا مِنْ حَقِيقَةٍ مَوْجُودَةٍ فِعْلًا.
تَصَافَحَتِ المَرْأَتَانِ بِحَرَارَةٍ، وَسْطَ ابْتِسَامَاتٍ مُتَبَادَلَةٍ تَجَاوَزَتْ حَاجِزَ اللُّغَةِ لِتَصِلَ إِلَى تَفَاهُمٍ إِنْسَانِيٍّ عَمِيقٍ.
———————
خِلَالَ الحَفْلِ، الْتَقَى زِيَادٌ مُجَدَّدًا بِغْرِيتَا، أُخْتِ لِينَا الصُّغْرَى، الَّتِي كَانَ قَدْ تَعَرَّفَ عَلَيْهَا سَرِيعًا فِي زِيَارَةٍ سَابِقَةٍ. تَحَدَّثَا لِفَتْرَةٍ طَوِيلَةٍ عَنْ دِرَاسَتِهَا فِي الفُنُونِ وَعَنْ حَيَاتِهِ الجَامِعِيَّةِ الجَدِيدَةِ فِي أَلْمَانِيَا، وَاكْتَشَفَا اهْتِمَامَاتٍ مُشْتَرَكَةً كَثِيرَةً، مِنْ حُبِّ المُوسِيقَى إِلَى شَغَفٍ مُشْتَرَكٍ بِالتَّصْوِيرِ الفُوتُوغْرَافِيِّ.
— زِيَادُ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّكَ مُهْتَمٌّ بِالتَّصْوِيرِ أَيْضًا! قَالَتْ غْرِيتَا بِحَمَاسَةٍ.
— نَعَمْ، بِصَرَاحَةٍ، خَالَتِي أَمَلُ عَلَّمَتْنِي بَعْضَ الأَسَاسِيَّاتِ قَبْلَ أَنْ أُسَافِرَ. أَشْعُرُ أَنَّ التَّصْوِيرَ طَرِيقَةٌ جَمِيلَةٌ أُوَثِّقُ بِهَا تَجْرِبَتِي فِي الغُرْبَةِ.
— يَجِبُ أَنْ تُرِيَنِي بَعْضَ صُوَرِكَ! رُبَّمَا يُمْكِنُنَا أَنْ نَخْرُجَ لِلتَّصْوِيرِ مَعًا فِي وَقْتٍ مَا، إِنْ كُنْتَ مُهْتَمًّا.
ابْتَسَمَ زِيَادٌ بِحَيَاءٍ مَمْزُوجٍ بِحَمَاسَةٍ:
— بِالتَّأْكِيدِ، هَذَا سَيَكُونُ جَمِيلًا كَثِيرًا.
كَانَتْ هَذِهِ بِدَايَةَ صَدَاقَةٍ جَدِيدَةٍ بَيْنَ الشَّابَّيْنِ، لَمْ تَتَّضِحْ مَلَامِحُهَا الكَامِلَةُ بَعْدُ، لَكِنَّهَا حَمَلَتْ بُذُورَ احْتِمَالٍ جَمِيلٍ لِفَصْلٍ قَادِمٍ مِنْ هَذِهِ القِصَّةِ العَائِلِيَّةِ المُتَشَابِكَةِ.
مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، كَانَتِ ابْنَةُ رِيمَا الصَّغِيرَةُ، فِي رِحْلَتِهَا الأُولَى خَارِجَ سُورِيَا، مُنْدَهِشَةً بِبُحَيْرَةِ هَامْبُورْغَ وَبِكُلِّ التَّفَاصِيلِ الجَدِيدَةِ مِنْ حَوْلِهَا، تَرْكُضُ بِفَرَحٍ بَيْنَ الضُّيُوفِ، بَيْنَمَا رَاقَبَتْهَا رِيمَا وَكَمَالُ بِابْتِسَامَةٍ مُشْتَرَكَةٍ.
— كَمَالُ، أَتَرَى كَيْفَ أَنَّ ابْنَتَنَا سَعِيدَةٌ؟ قَالَتْ رِيمَا.
— نَعَمْ، وَبِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ هَذِهِ السَّفْرَةَ فَتَحَتْ عَيْنَيْهَا عَلَى عَالَمٍ أَوْسَعَ بِكَثِيرٍ مِمَّا كَانَتْ تَتَخَيَّلُهُ.
— رُبَّمَا، فِي المُسْتَقْبَلِ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نُسَافِرَ أَكْثَرَ كَعَائِلَةٍ، نُوَسِّعُ أُفُقَ ابْنَتِنَا أَكْثَرَ.
— فِكْرَةٌ جَمِيلَةٌ يَا رِيمَا. بَعْدَ كُلِّ هَذَا التَّغَيُّرِ الَّذِي حَدَثَ فِينَا هَذِهِ السَّنَةَ، بِصَرَاحَةٍ، صِرْتُ أَكْثَرَ انْفِتَاحًا عَلَى أَفْكَارٍ جَدِيدَةٍ كَثِيرَةٍ.
فِي نِهَايَةِ الحَفْلِ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ الأَضْوَاءُ تَنْعَكِسُ عَلَى البُحَيْرَةِ القَرِيبَةِ، رَقَصَ كَرِيمٌ وَلِينَا رَقْصَتَهُمَا الأُولَى كَزَوْجَيْنِ، بِمُوسِيقَى هَادِئَةٍ اخْتَارَاهَا مَعًا بِعِنَايَةٍ، تَمْزِجُ بَيْنَ أَلْحَانٍ غَرْبِيَّةٍ كِلَاسِيكِيَّةٍ وَلَمْسَةٍ مِنَ المُوسِيقَى الشَّرْقِيَّةِ فِي النِّهَايَةِ، رَمْزًا لِدَمْجِ ثَقَافَتَيْهِمَا بِتَنَاغُمٍ حَقِيقِيٍّ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، مِنْ غُرْفَةِ الفُنْدُقِ الَّتِي اسْتَأْجَرَهَا مَعَ لِينَا:
«اليَوْمَ أَكْمَلْنَا المَرْحَلَةَ الثَّانِيَةَ مِنِ احْتِفَالِ زِفَافِنَا، وَشَهِدْتُ بِأُمِّ عَيْنِي كَيْفَ يُمْكِنُ لِعَائِلَتَيْنِ مِنْ ثَقَافَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ تَمَامًا أَنْ يَجِدَا، بِصِدْقٍ وَانْفِتَاحٍ.


الفَصْلُ الثَّلَاثُونَ
بِتَشْجِيعٍ مِنِ اخْتِصَاصِيٍّ وَضَعَ خُطَّةً عِلَاجِيَّةً لِسَامِرَ، طَلَبَ الأَبَوَانِ مِنْ سَامِرَ أَنْ يَقْضِيَ وَقْتًا أَطْوَلَ مَعَهُمَا، بَعِيدًا عَنْ أَيِّ نِقَاشٍ مُبَاشِرٍ، بَلْ فَقَطْ لِإِعَادَةِ بِنَاءِ القُرْبِ العَاطِفِيِّ الَّذِي شَعَرَا أَنَّهُمَا فَقَدَاهُ قَدِيمًا. بَدَأَ الِاثْنَانِ يَقْضِيَانِ كُلَّ أُمْسِيَةٍ مَعًا، يَطْبُخَانِ سَوِيًّا، يُشَاهِدَانِ مُسَلْسَلًا تِلِفِزْيُونِيًّا مُفَضَّلًا، يَتَحَدَّثَانِ عَنْ ذِكْرَيَاتِ طُفُولَتِهِ، دُونَ أَيِّ ضَغْطٍ عَلَى أَيٍّ مِنْهُمَا لِحَلِّ التَّنَاقُضِ الأَكْبَرِ فَوْرًا.


الفَصْلُ الحَادِي وَالثَّلَاثُونَ
بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الزِّفَافِ، وَبَيْنَمَا كَانَ كَرِيمٌ وَلِينَا يَسْتَقِرَّانِ فِي حَيَاتِهِمَا الزَّوْجِيَّةِ الجَدِيدَةِ فِي مِيُونِخَ، جَاءَ يَوْمٌ اكْتَشَفَتْ فِيهِ لِينَا أَنَّهَا حَامِلٌ، خَبَرٌ اسْتَقْبَلَهُ الزَّوْجَانِ بِفَرَحٍ غَامِرٍ، مَمْزُوجًا بِوَعْيٍ عَمِيقٍ بِالمَسْؤُولِيَّةِ الجَدِيدَةِ القَادِمَةِ.
جَلَسَ كَرِيمٌ مَعَ لِينَا فِي شَقَّتِهِمَا، يُحَدِّقُ فِي نَتِيجَةِ الفَحْصِ بِدَهْشَةٍ سَعِيدَةٍ:
— لِينَا، سَنُصْبِحُ أَهْلًا!
ابْتَسَمَتْ لِينَا بِدُمُوعِ فَرَحٍ:
— أَعْرِفُ، يَا كَرِيمُ! لَا أَزَالُ لَا أُصَدِّقُ الأَمْرَ.
بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ مِنِ اسْتِيعَابِ الخَبَرِ، قَرَّرَ الزَّوْجَانِ إِخْبَارَ عَائِلَتَيْهِمَا، بَدْءًا بِمُكَالَمَةِ فِيدِيُو جَمَاعِيَّةٍ جَمَعَتِ الجَمِيعَ.
عِنْدَمَا أَعْلَنَ كَرِيمٌ الخَبَرَ، انْفَجَرَتْ سَلْمَى بِفَرَحٍ صَاخِبٍ:
— اللهُ يُبَارِكُ فِيكُمْ! حَفِيدِي أَوْ حَفِيدَتِي الأُولَى مِنْكَ يَا كَرِيمُ!
ضَحِكَ غَسَّانُ بِصَوْتٍ عَالٍ:
— مَبْرُوكٌ يَا كَرِيمُ! صِرْنَا فِعْلًا أَجْدَادًا!
مِنَ الجَانِبِ الآخَرِ، عَبَّرَ هَانْسُ وَأَنَّا عَنْ فَرَحِهِمَا بِالحَمَاسَةِ نَفْسِهَا:
— هَذَا خَبَرٌ رَائِعٌ! نَحْنُ سَعِيدَانِ جِدًّا لَكُمَا!
———————
بَعْدَ الفَرْحَةِ الأُولَى، بَدَأَتْ تَظْهَرُ تَدْرِيجِيًّا بَعْضُ الأَسْئِلَةِ العَمَلِيَّةِ وَالعَمِيقَةِ الَّتِي كَانَ الجَمِيعُ قَدْ نَاقَشَهَا نَظَرِيًّا مِنْ قَبْلُ، لَكِنَّهَا أَصْبَحَتِ الآنَ حَقِيقِيَّةً وَمَلْمُوسَةً.
فِي مُكَالَمَةٍ لَاحِقَةٍ، سَأَلَتْ سَلْمَى بِحَذَرٍ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، هَلْ فَكَّرْتُمَا كَيْفَ سَتُرَبِّيَانِ الطِّفْلَ؟ بِأَيِّ دِينٍ، بِأَيِّ لُغَةٍ، بِأَيِّ ثَقَافَةٍ أَسَاسِيَّةٍ؟
نَظَرَ كَرِيمٌ إِلَى لِينَا، ثُمَّ أَجَابَ بِصِدْقٍ:
— أُمِّي، بِصَرَاحَةٍ، لَمْ نُنَاقِشْ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ بَعْدُ، لَكِنَّنَا مُتَّفِقَانِ عَلَى مَبْدَإٍ أَسَاسِيٍّ: سَيَتَعَرَّفُ الطِّفْلُ عَلَى الثَّقَافَتَيْنِ بِعُمْقٍ وَاحْتِرَامٍ، اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وَالأَلْمَانِيَّةِ مَعًا، وَالدِّينِ الإِسْلَامِيِّ وَالمَسِيحِيِّ كَمَعْرِفَةٍ، مِنْ غَيْرِ فَرْضِ أَيِّ هُوِيَّةٍ وَاحِدَةٍ عَلَيْهِ بِشَكْلٍ قَسْرِيٍّ.
بَدَتْ سَلْمَى غَيْرَ مُقْتَنِعَةٍ تَمَامًا:
— لَكِنْ يَا كَرِيمُ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ ثَمَّةَ قَرَارٌ وَاضِحٌ بِخُصُوصِ الدِّينِ عَلَى الأَقَلِّ، لَا فَقَطْ «مَعْرِفَةُ الِاثْنَيْنِ».
تَدَخَّلَتْ لِينَا بِلُطْفٍ:
— سَلْمَى، أَفْهَمُ قَلَقَكِ تَمَامًا. مَا نُخَطِّطُ لَهُ هُوَ أَنْ نُعَلِّمَ طِفْلَنَا القِيَمَ الأَسَاسِيَّةَ المُشْتَرَكَةَ بَيْنَ الدِّينَيْنِ: الصِّدْقَ، الرَّحْمَةَ، احْتِرَامَ الآخَرِينَ. وَحِينَ يَكْبَرُ، سَيَكُونُ لَدَيْهِ المَعْرِفَةُ الكَافِيَةُ لِيَخْتَارَ، بِوَعْيٍ كَامِلٍ، الهُوِيَّةَ الدِّينِيَّةَ الَّتِي يَشْعُرُ بِانْتِمَاءٍ حَقِيقِيٍّ لَهَا، بَدَلًا مِنْ أَنْ نَفْرِضَ عَلَيْهِ اخْتِيَارًا لَمْ يَفْهَمْهُ بَعْدُ.
فَكَّرَتْ سَلْمَى طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
— بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أَكُنْ لِأُفَكِّرَ هَكَذَا لَوْ لَمْ أَعِشْ كُلَّ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ مَعَكُمْ هَذِهِ السَّنَةَ. لَكِنِّي الآنَ، أَفْهَمُ أَكْثَرَ أَنَّ أَهَمَّ شَيْءٍ هُوَ أَنْ يَكْبَرَ الطِّفْلُ بِمَحَبَّةٍ وَصِدْقٍ، أَكْثَرَ مِنْ فَرْضِ هُوِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَيْهِ بِالقُوَّةِ.
———————
فِي الأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ، بَدَأَ كَرِيمٌ وَلِينَا بِالتَّخْطِيطِ لِتَفَاصِيلَ عَمَلِيَّةٍ أَكْثَرَ: قَرَّرَا أَنْ يَتَحَدَّثَا مَعَ طِفْلِهِمَا بِكِلْتَا اللُّغَتَيْنِ مُنْذُ الوِلَادَةِ، بِحَيْثُ يَكْتَسِبُ اللُّغَتَيْنِ بِشَكْلٍ طَبِيعِيٍّ؛ وَقَرَّرَا أَنْ يَحْتَفِلَا بِالأَعْيَادِ الدِّينِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ مِنْ كِلَا الجَانِبَيْنِ، رَمَضَانَ وَالعِيدَ كَمَا عِيدَ المِيلَادِ وَعِيدَ الفِصْحِ، لَا كَطُقُوسٍ مُتَضَارِبَةٍ بَلْ كَفُرَصٍ لِلتَّعَلُّمِ وَالِاحْتِفَالِ المُشْتَرَكِ.
عِنْدَمَا زَارَتْهُمَا رِيمَا فِي مِيُونِخَ خِلَالَ زِيَارَةٍ قَصِيرَةٍ، وَرَأَتِ الخُطَطَ الَّتِي وَضَعَاهَا، قَالَتْ بِإِعْجَابٍ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ طِفْلَكُمْ سَيَكْبَرُ بِغِنًى ثَقَافِيٍّ كَبِيرٍ، أَكْثَرَ بِكَثِيرٍ مِنْ أَيٍّ مِنَّا.
— بِصَرَاحَةٍ يَا رِيمَا، هَذَا بِالضَّبْطِ مَا نَتَمَنَّاهُ. لَيْسَ أَنْ يَعِيشَ الطِّفْلُ فِي تَنَاقُضٍ بَيْنَ ثَقَافَتَيْنِ، بَلْ أَنْ يَعِيشَ فِي غِنًى مُزْدَوَجٍ، يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُ وَيَبْنِيَ هُوِيَّتَهُ الخَاصَّةَ بِوَعْيٍ كَامِلٍ.
فِي وَقْتٍ لَاحِقٍ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ لِينَا تَتَحَدَّثُ مَعَ وَالِدَتِهَا أَنَّا عَنِ المَوْضُوعِ نَفْسِهِ، أَعْرَبَتْ أَنَّا عَنْ دَعْمِهَا الكَامِلِ:
— لِينَا، بِصَرَاحَةٍ، أَعْتَقِدُ أَنَّ هَذَا النَّهْجَ هُوَ الأَكْثَرُ حِكْمَةً. سَيَعْرِفُ طِفْلُكُمَا أَنَّهُ مَحْبُوبٌ وَمَقْبُولٌ مِنْ كِلَا الجَانِبَيْنِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ يَشْعُرَ يَوْمًا أَنَّهُ مُضْطَرٌّ لِلِاخْتِيَارِ بَيْنَ هُوِيَّتَيْنِ مُتَعَارِضَتَيْنِ.
———————
عِنْدَمَا وَصَلَ الخَبَرُ إِلَى الجَدَّةِ زَهْرَةَ، الَّتِي كَانَتْ لَا تَزَالُ تَتَعَافَى تَدْرِيجِيًّا مِنْ نَوْبَتِهَا القَلْبِيَّةِ السَّابِقَةِ، أَضَاءَ وَجْهُهَا بِفَرَحٍ عَمِيقٍ.
— يَا رَبِّ، أَشْكُرُكَ! سَأَرَى جِيلًا رَابِعًا مِنْ عَائِلَتِنَا! قَالَتْ بِصَوْتٍ مُرْتَجِفٍ مِنَ التَّأَثُّرِ، وَهِيَ تَتَحَدَّثُ مَعَ كَرِيمٍ عَبْرَ الهَاتِفِ.
— جَدَّتِي، بِصَرَاحَةٍ، أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونِي بِخَيْرٍ وَقُوَّةٍ حِينَ يَصِلُ الطِّفْلُ، حَتَّى تَرَيْهِ بِعَيْنَيْكِ.
— إِنْ شَاءَ اللهُ يَا حَبِيبِي، إِنْ شَاءَ اللهُ. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ شَيْئًا: دَعْهُ يَعْرِفُ قِصَّتِي، قِصَّةَ زَهْرَةَ، وَقِصَّةَ تَوْفِيقَ، وَقِصَّةَ كُلِّ الصَّمْتِ الَّذِي عِشْنَاهُ حَتَّى جِئْتَ أَنْتَ وَكَسَرْتَهُ. أُرِيدُ الجِيلَ الجَدِيدَ أَنْ يَعْرِفَ مِنْ أَيْنَ جَاءَ، حَتَّى يُقَدِّرَ أَكْثَرَ الحُرِّيَّةَ الَّتِي سَيَكْبَرُ فِيهَا.
تَأَثَّرَ كَرِيمٌ بِعُمْقٍ:
— أَعِدُكِ يَا جَدَّتِي، سَيَعْرِفُ قِصَّتَكِ كَامِلَةً، وَقِصَّةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا سَاهَمَ فِي هَذَا التَّغْيِيرِ.
بَعْدَ إِغْلَاقِ المُكَالَمَةِ، جَلَسَ غَسَّانُ وَحْدَهُ فِي الشُّرْفَةِ، يَتَأَمَّلُ فِكْرَةَ أَنْ يُصْبِحَ جَدًّا قَرِيبًا، وَفَكَّرَ فِي كُلِّ الطَّرِيقِ الَّذِي قَطَعَهُ هُوَ شَخْصِيًّا: مِنْ أَبٍ صَارِمٍ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يُعَبِّرُ عَنْ مَشَاعِرِهِ، إِلَى رَجُلٍ تَعَلَّمَ، بِصُعُوبَةٍ وَصَبْرٍ، كَيْفَ يَحْتَضِنُ التَّغْيِيرَ بَدَلًا مِنْ مُقَاوَمَتِهِ.
اتَّصَلَ بِكَرِيمٍ مَسَاءَ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَقَالَ لَهُ بِصِدْقٍ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أُفَكِّرُ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ الجَدِّ أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ. أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ مُخْتَلِفًا عَنِ الجَدِّ الَّذِي عَرَفْتُهُ أَنَا، جَدِّكَ الحَاجِّ سَلِيمٍ، الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ حُبِّهِ إِلَّا بِالصَّرَامَةِ.
— بَابَا، بِصَرَاحَةٍ، أَنْتَ أَصْلًا صِرْتَ جَدًّا مُخْتَلِفًا، مِنْ خِلَالِ كُلِّ التَّغْيِيرِ الَّذِي أَحْدَثْتَهُ فِي حَيَاتِكَ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ. سَيَكْبَرُ الطِّفْلُ وَمَعَهُ جَدٌّ يُصْغِي، وَيَتَفَهَّمُ، وَيُعَبِّرُ عَنْ حُبِّهِ بِصَرَاحَةٍ.
— أَتَمَنَّى ذَلِكَ يَا كَرِيمُ. أَتَمَنَّى أَنْ أَكُونَ جَدًّا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعْطِيَ حَفِيدَهُ مَا لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُعْطِيَهُ لِأَبْنَائِي فِي البِدَايَةِ: الِاسْتِمَاعَ الحَقِيقِيَّ، مُنْذُ أَوَّلِ يَوْمٍ.
عَادَ كَرِيمٌ إِلَى دَفْتَرِهِ القَدِيمِ، الَّذِي كَانَ قَدْ أَصْبَحَ الآنَ سِجِلًّا طَوِيلًا لِرِحْلَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ وَالعَائِلِيَّةِ، وَكَتَبَ:
«اليَوْمَ بَدَأْنَا، أَنَا وَلِينَا، رِحْلَةً جَدِيدَةً كُلِّيًّا: رِحْلَةَ الأُبُوَّةِ وَالأُمُومَةِ، وَأَدْرَكْتُ أَنَّ كُلَّ الدُّرُوسِ الَّتِي تَعَلَّمْتُهَا خِلَالَ العَامِ المَاضِي – أَهَمِّيَّةَ الصِّدْقِ، وَاحْتِرَامَ الِاخْتِيَارِ الفَرْدِيِّ، وَالقُدْرَةَ عَلَى حَمْلِ التَّنَاقُضَاتِ الثَّقَافِيَّةِ بِصَبْرٍ وَمَحَبَّةٍ – سَتَكُونُ ضَرُورِيَّةً أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ وَقْتٍ مَضَى مَعَ دُخُولِنَا هَذِهِ المَرْحَلَةَ الجَدِيدَةَ. طِفْلُنَا القَادِمُ لَنْ يَرِثَ فَقَطْ جِينَاتِنَا، بَلْ سَيَرِثُ أَيْضًا، أَتَمَنَّى، حِكْمَةَ كُلِّ الرِّحْلَةِ الطَّوِيلَةِ الَّتِي عِشْنَاهَا كَعَائِلَتَيْنِ، مِنَ الخَوْفِ إِلَى الفَهْمِ، وَمِنَ الصَّمْتِ إِلَى الصِّدْقِ.»


الفَصْلُ الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ
بَعْدَ عَامٍ تَقْرِيبًا مِنْ نَوْبَتِهَا القَلْبِيَّةِ الأُولَى، وَبَيْنَمَا كَانَتِ العَائِلَةُ تَسْتَعِدُّ لِاسْتِقْبَالِ مَوْلُودِ كَرِيمٍ وَلِينَا الأَوَّلِ، تَدَهْوَرَتْ صِحَّةُ الجَدَّةِ زَهْرَةَ تَدْرِيجِيًّا خِلَالَ أَسَابِيعَ قَلِيلَةٍ. لَمْ تَكُنْ نَوْبَةً حَادَّةً هَذِهِ المَرَّةَ، بَلْ ضَعْفًا عَامًّا بَدَا وَكَأَنَّ جَسَدَهَا، بَعْدَ أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ عَامًا مِنَ الحَيَاةِ، بَدَأَ بِبَسَاطَةٍ يَسْتَعِدُّ لِلرَّاحَةِ الأَخِيرَةِ.
جَلَسَ حَوْلَهَا فِي أَيَّامِهَا الأَخِيرَةِ كُلُّ مَنْ أَحَبَّهَا: غَسَّانُ وَسَلْمَى، فُؤَادُ وَنَجَاةُ، رِيمَا وَكَمَالُ وَابْنَتُهُمَا، حَتَّى الخَالَةُ أَمَلُ الَّتِي لَمْ تُفَارِقْ غُرْفَتَهَا، وَسَامِرُ الَّذِي حَرَصَ أَنْ يَقْضِيَ مَعَهَا وَقْتًا طَوِيلًا.
فِي أَحَدِ أَيَّامِهَا الأَخِيرَةِ، وَبَيْنَمَا كَانَ الجَمِيعُ يَتَنَاوَبُونَ عَلَى الجُلُوسِ مَعَهَا، طَلَبَتْ زَهْرَةُ أَنْ تَتَحَدَّثَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى حِدَةٍ، بِصَوْتٍ ضَعِيفٍ لَكِنْ وَاضِحٍ.
مَعَ غَسَّانَ، قَالَتْ:
— غَسَّانُ، ابْنِي، فَخُورَةٌ بِكَ كَثِيرًا. صِرْتَ أَبًا وَجَدًّا يُصْغِي، وَهَذَا أَعْظَمُ إِرْثٍ يُمْكِنُ أَنْ تَتْرُكَهُ لِأَبْنَائِكَ وَأَحْفَادِكَ.
مَعَ فُؤَادَ:
— فُؤَادُ، بِصَرَاحَةٍ، عُمْرَكَ كُلَّهُ كُنْتَ الحَارِسَ المُتَشَدِّدَ، لَكِنِّي رَأَيْتُكَ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ الأَخِيرَتَيْنِ تَتَعَلَّمُ أَنْ تُلَيِّنَ قَلْبَكَ، خَاصَّةً مَعَ سَامِرَ. اسْتَمِرَّ هَكَذَا.
مَعَ سَلْمَى:
— سَلْمَى، يَا بِنْتِي، كُنْتِ زَوْجَةً وَفِيَّةً طَوَالَ عُمْرِكِ، وَالآنَ صِرْتِ أَيْضًا امْرَأَةً تُحَقِّقُ حُلْمَهَا. اللهُ يُبَارِكُ فِيكِ.
مَعَ نَجَاةَ، الَّتِي جَلَسَتْ بِجَانِبِهَا بِحَذَرٍ:
— نَجَاةُ، أَعْرِفُ أَنَّكِ تَمُرِّينَ بِوَقْتٍ صَعْبٍ مَعَ سَامِرَ. لَكِنْ دَعِينِي أَقُلْ لَكِ شَيْئًا: المَحَبَّةُ الَّتِي تَحْمِلِينَهَا لِابْنِكِ أَهَمُّ مِنْ أَيِّ قَنَاعَةٍ أُخْرَى. اسْتَمِرِّي فِي مُحَاوَلَتِكِ أَنْ تَفْهَمِي، فَبِهَذَا وَحْدَهُ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَكْبُرَ كَبَشَرٍ.
مَعَ سَامِرَ نَفْسِهِ:
— سَامِرُ، ابْنِي، عِشْتُ حَيَاتِي كُلَّهَا بِصَمْتٍ عَنْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ كَانَ يَجِبُ أَنْ أَقُولَهَا. لَا تُكَرِّرْ غَلْطَتِي. عِشْ حَيَاتَكَ بِصِدْقٍ، مَهْمَا كَلَّفَكَ هَذَا الصِّدْقُ.
جَاءَ دَوْرُ الخَالَةِ أَمَلَ، الَّتِي أَمْسَكَتْ بِيَدِ زَهْرَةَ بِحَنَانٍ:
— أَمَلُ، حَبِيبَتِي، ضَحَّيْتِ بِحَيَاتِكِ مِنْ أَجْلِ وَاجِبٍ حَقِيقِيٍّ، لَكِنِّي رَأَيْتُكِ الآنَ تَعُودِينَ لِتَعِيشِي لِنَفْسِكِ. اسْتَمِرِّي فِي هَذَا الطَّرِيقِ، وَلَا تَخَافِي أَنْ تُحِبِّي مِنْ جَدِيدٍ إِنْ جَاءَتِ الفُرْصَةُ.
عِنْدَمَا حَانَ دَوْرُ كَرِيمٍ، الَّذِي سَافَرَ خِصِّيصًا مِنْ مِيُونِخَ فِي آخِرِ أُسْبُوعَيْنِ لِحَمْلِ لِينَا الأَخِيرَيْنِ، أَمْسَكَتْ زَهْرَةُ بِيَدِهِ بِقُوَّةٍ مُفَاجِئَةٍ رَغْمَ ضَعْفِهَا:
— كَرِيمُ، حَبِيبِي، أَنْتَ السَّبَبُ فِي كُلِّ هَذَا التَّغْيِيرِ الجَمِيلِ الَّذِي رَأَيْتُهُ فِي عَائِلَتِنَا قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ. عِشْتُ لِأَرَى بَيْتَنَا يَتَعَلَّمُ أَنْ يُحِبَّ بِصِدْقٍ، وَهَذِهِ أَعْظَمُ هَدِيَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُعْطِيَنِيهَا.
— جَدَّتِي، أَنَا المُمْتَنُّ لَكِ، عَلَى كُلِّ حِكْمَتِكِ وَصَبْرِكِ مَعِي.
— كَرِيمُ، أُرِيدُ مِنْكَ وَعْدًا أَخِيرًا: دَعْ طِفْلَكَ يَعْرِفُ قِصَّتِي كَامِلَةً، بِمَا فِيهَا تَوْفِيقُ، وَدَعْهُ يَكْبَرُ بِحُرِّيَّةٍ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنَا، وَلَا حَتَّى أَنْتَ، فِي البِدَايَةِ، أَنْ أَحْلُمَ بِهَا.
— وَعَدْتُكِ يَا جَدَّتِي، مِنْ كُلِّ قَلْبِي.
فِي آخِرِ أَيَّامِهَا، طَلَبَتْ زَهْرَةُ أَنْ يُقْرَأَ لَهَا القُرْآنُ بِصَوْتٍ هَادِئٍ، وَأَنْ تُفْتَحَ نَافِذَةُ غُرْفَتِهَا لِتَرَى ضَوْءَ الشَّمْسِ الأَخِيرَ يَتَسَلَّلُ عَبْرَ السَّتَائِرِ. أَمْسَكَتْ بِيَدِ سَلْمَى بِيَدٍ، وَيَدِ غَسَّانَ بِاليَدِ الأُخْرَى، وَأَغْمَضَتْ عَيْنَيْهَا بِسَلَامٍ، وَكَأَنَّهَا تَسْتَسْلِمُ أَخِيرًا لِرَاحَةٍ طَالَ انْتِظَارُهَا بَعْدَ عُمْرٍ طَوِيلٍ مِنَ الصَّمْتِ وَالصَّبْرِ وَالحِكْمَةِ المُتَأَخِّرَةِ.
بَعْدَ يَوْمَيْنِ، وَفِي لَيْلَةٍ هَادِئَةٍ، رَحَلَتْ زَهْرَةُ بِسَلَامٍ، مُحَاطَةً بِكُلِّ مَنْ أَحَبُّوهَا، تَارِكَةً وَرَاءَهَا إِرْثًا مِنَ الحِكْمَةِ وَالصِّدْقِ الَّذِي زَرَعَتْهُ، بِوَعْيٍ أَوْ بِغَيْرِ وَعْيٍ، فِي كُلِّ فَرْدٍ مِنْ عَائِلَتِهَا الكَبِيرَةِ.
________________________________________
كَانَ الحُزْنُ عَلَى رَحِيلِ زَهْرَةَ عَمِيقًا وَصَادِقًا، لَكِنَّهُ اتَّخَذَ طَابَعًا مُخْتَلِفًا تَمَامًا عَنْ أَيِّ حِدَادٍ عَرَفَتْهُ هَذِهِ العَائِلَةُ مِنْ قَبْلُ. بَدَلًا مِنَ الصَّمْتِ المَكْتُومِ وَالتَّظَاهُرِ بِالقُوَّةِ الَّذِي اعْتَادَتْ عَلَيْهِ فِي مَآتِمَ سَابِقَةٍ، سَمَحَتِ العَائِلَةُ لِنَفْسِهَا هَذِهِ المَرَّةَ بِالحُزْنِ بِصِدْقٍ كَامِلٍ، وَبِمُشَارَكَةِ الذِّكْرَيَاتِ بِحُرِّيَّةٍ، حَتَّى تِلْكَ المُؤْلِمَةَ أَوِ المُضْحِكَةَ مِنْهَا.
خِلَالَ أَيَّامِ العَزَاءِ، جَلَسَ الجَمِيعُ يَتَشَارَكُونَ قِصَصًا عَنْ زَهْرَةَ: عَنْ حِكْمَتِهَا، عَنْ دُعَابَاتِهَا الخَفِيَّةِ، وَحَتَّى عَنِ اعْتِرَافِهَا الأَخِيرِ لِكَرِيمٍ بِحُبِّهَا القَدِيمِ لِتَوْفِيقَ، وَهِيَ قِصَّةٌ قَرَّرَ كَرِيمٌ أَنْ يُشَارِكَهَا مَعَ العَائِلَةِ كَامِلَةً، بَعْدَ أَنِ اسْتَأْذَنَ رُوحَ جَدَّتِهِ فِي ذَلِكَ، شَاعِرًا أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تُرْوَى، لَا أَنْ تُدْفَنَ مَعَهَا.
قَالَتْ رِيمَا، وَهِيَ تَسْتَمِعُ لِلْقِصَّةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ: — بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أَكُنْ أَتَخَيَّلُ أَنَّ جَدَّتِي عَاشَتْ حُبًّا مَكْتُومًا كَهَذَا طَوَالَ حَيَاتِهَا. لَكِنِّي أَشْعُرُ أَنَّ مَعْرِفَتِي بِهَذِهِ القِصَّةِ جَعَلَتْنِي أَفْهَمُهَا أَكْثَرَ، وَأُحِبُّهَا أَكْثَرَ بِوَصْفِهَا إِنْسَانَةً كَامِلَةً، لَا مُجَرَّدَ جَدَّةٍ.
قَالَ فُؤَادُ، مُتَأَثِّرًا بِعُمْقٍ: — أُمِّي عَلَّمَتْنَا دَرْسًا أَخِيرًا حَتَّى بَعْدَ وَفَاتِهَا: أَنْ نَحْكِيَ قِصَصَنَا بِصِدْقٍ، حَتَّى المُؤْلِمَةَ مِنْهَا، لِأَنَّنَا بِهَذَا وَحْدَهُ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ بَعْضِنَا وَنُحِبَّ بَعْضَنَا بِعُمْقٍ أَكْبَرَ.
كَانَ هَذَا الحِدَادُ، رَغْمَ حُزْنِهِ الحَقِيقِيِّ، مُخْتَلِفًا عَنْ أَيِّ حِدَادٍ سَابِقٍ عَرَفَتْهُ هَذِهِ العَائِلَةُ: حِدَادًا مَلِيئًا بِالصِّدْقِ، بِالضَّحِكِ أَحْيَانًا وَسْطَ الدُّمُوعِ، وَبِإِحْسَاسٍ عَمِيقٍ بِالِامْتِنَانِ لِحَيَاةٍ عَاشَتْهَا زَهْرَةُ بِكُلِّ تَعْقِيدِهَا وَتَنَاقُضَاتِهَا، لَا حَيَاةً مِثَالِيَّةً مُصْطَنَعَةً تُرْوَى فَقَطْ بِالكَلِمَاتِ الجَاهِزَةِ عَنِ «المَرْأَةِ الصَّالِحَةِ».
خِلَالَ أُسْبُوعِ العَزَاءِ التَّقْلِيدِيِّ، لَاحَظَ كَرِيمٌ فَرْقًا جَوْهَرِيًّا بَيْنَ هَذَا الحِدَادِ وَحِدَادِ جَدِّهِ الحَاجِّ سَلِيمٍ الَّذِي سَمِعَ عَنْهُ مِنْ وَالِدِهِ: فِي حِدَادِ جَدِّهِ، كَانَ الصَّمْتُ هُوَ السَّائِدَ، لَا أَحَدَ يَجْرُؤُ أَنْ يَذْكُرَ أَيَّ شَيْءٍ غَيْرَ إِيجَابِيٍّ عَنِ الفَقِيدِ، وَكَأَنَّ المَوْتَ يَفْرِضُ قَدَاسَةً صَارِمَةً تَمْنَعُ أَيَّ حَدِيثٍ صَادِقٍ عَنْ تَعْقِيدَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ. أَمَّا فِي حِدَادِ زَهْرَةَ، فَقَدْ سُمِحَ لِلْجَمِيعِ أَنْ يَتَذَكَّرُوهَا بِوَصْفِهَا إِنْسَانَةً كَامِلَةً: حَكِيمَةً لَكِنَّهَا أَيْضًا خَائِفَةٌ أَحْيَانًا، صَابِرَةً لَكِنَّهَا أَيْضًا حَزِينَةٌ عَلَى أَحْلَامٍ لَمْ تَتَحَقَّقْ، مُحِبَّةً لَكِنَّهَا أَيْضًا حَمَلَتْ نَدَمًا صَامِتًا لِعُقُودٍ.
قَالَ غَسَّانُ، فِي أَحَدِ أَمَاسِي العَزَاءِ، بِصَوْتٍ هَادِئٍ: — بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ أُمِّي، لَوْ رَأَتْ كَيْفَ نَتَذَكَّرُهَا الآنَ، بِصِدْقٍ كَامِلٍ، كَانَتْ سَتَكُونُ فَخُورَةً أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ حِدَادٍ تَقْلِيدِيٍّ مَلِيءٍ بِالكَلَامِ المُنَمَّقِ الفَارِغِ.
انْضَمَّ الشَّيْخُ رَاتِبٌ إِلَى مَجْلِسِ العَزَاءِ فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَأَلْقَى كَلِمَةً قَصِيرَةً تَكْرِيمًا لِزَهْرَةَ، أَشَارَ فِيهَا إِلَى أَنَّ الحِكْمَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تُقَاسُ بِغِيَابِ الأَخْطَاءِ أَوِ النَّدَمِ، بَلْ بِالقُدْرَةِ عَلَى النُّمُوِّ وَالتَّعَلُّمِ حَتَّى فِي أَوَاخِرِ العُمُرِ، كَمَا فَعَلَتْ زَهْرَةُ حِينَ اعْتَرَفَتْ أَخِيرًا بِحَقِيقَتِهَا لِحَفِيدِهَا كَرِيمٍ.
________________________________________
بَعْدَ أُسْبُوعَيْنِ فَقَطْ مِنْ رَحِيلِ زَهْرَةَ، وَبَيْنَمَا كَانَتِ العَائِلَةُ لَا تَزَالُ تَعِيشُ حِدَادَهَا العَمِيقَ، جَاءَتْ لِينَا لِتَضَعَ مَوْلُودَهَا الأَوَّلَ: طِفْلَةً صَغِيرَةً، اخْتَارَ لَهَا الوَالِدَانِ اسْمًا يَحْمِلُ رَمْزِيَّةً عَمِيقَةً: «زَهْرَةُ»، تَيَمُّنًا بِجَدَّةِ كَرِيمٍ الَّتِي رَحَلَتْ لِلتَّوِّ.
بَكَى غَسَّانُ بِصَوْتٍ عَالٍ حِينَ سَمِعَ الخَبَرَ عَبْرَ الهَاتِفِ، بُكَاءً يَحْمِلُ خَلِيطًا مِنَ الحُزْنِ عَلَى فُقْدَانِ أُمِّهِ وَالفَرَحِ بِمَوْلِدِ حَفِيدَتِهِ الأُولَى فِي الأُسْبُوعَيْنِ نَفْسِهِمَا تَقْرِيبًا.
— كَرِيمُ، سَمَّيْتُمُوهَا زَهْرَةَ؟
— نَعَمْ يَا بَابَا. شَعَرْنَا أَنَّ أَنْسَبَ تَكْرِيمٍ لِجَدَّتِي أَنْ يَسْتَمِرَّ اسْمُهَا فِي جِيلٍ جَدِيدٍ، يَحْمِلُ مَعَهُ كُلَّ الحِكْمَةِ وَالصِّدْقَ الَّذِي عَلَّمَتْنَا إِيَّاهُ.
سَافَرَ غَسَّانُ وَسَلْمَى، رَغْمَ حُزْنِهِمَا العَمِيقِ، إِلَى مِيُونِخَ بَعْدَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ لِرُؤْيَةِ حَفِيدَتِهِمَا الجَدِيدَةِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَحِينَ حَمَلَتْ سَلْمَى الطِّفْلَةَ الصَّغِيرَةَ بَيْنَ يَدَيْهَا لِلْمَرَّةِ الأُولَى، بَكَتْ بِصَمْتٍ، دُمُوعًا تَحْمِلُ كُلَّ مَشَاعِرِ الفَقْدِ وَالفَرَحِ المُتَشَابِكَةِ.
— زَهْرَةُ الصَّغِيرَةُ، جَدَّتُكِ الكَبِيرَةُ كَانَتْ مَلَاكًا حَقِيقِيًّا، وَأَتَمَنَّى أَنْ تَكْبَرِي حَامِلَةً حِكْمَتَهَا وَصِدْقَهَا نَفْسَهُ.
جَلَسَ غَسَّانُ بِجَانِبِهَا، يَنْظُرُ إِلَى حَفِيدَتِهِ بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالدُّمُوعِ وَالفَخْرِ مَعًا:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، أَشْعُرُ أَنَّ أُمِّي، رَغْمَ رَحِيلِهَا، تَسْتَمِرُّ مَعَنَا فِي هَذِهِ الطِّفْلَةِ الصَّغِيرَةِ. كَمَا يَقُولُ اسْمُهَا، هِيَ اسْتِمْرَارِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ لِكُلِّ مَا بَنَيْنَاهُ مَعًا.
فِي تِلْكَ الزِّيَارَةِ، أَحْضَرَ غَسَّانُ مَعَهُ صُنْدُوقَ الرَّسَائِلِ القَدِيمَ الَّذِي كَانَتْ زَهْرَةُ قَدِ احْتَفَظَتْ بِهِ، بِمَا فِيهَا رِسَالَةُ تَوْفِيقَ الَّتِي أَعْطَتْهَا لِكَرِيمٍ سَابِقًا، وَقَالَ:
— كَرِيمُ، بِصَرَاحَةٍ، بَعْدَ وَفَاةِ أُمِّي، وَجَدْتُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً أُخْرَى بَيْنَ أَغْرَاضِهَا، صُوَرًا قَدِيمَةً، وَرَسَائِلَ، بَعْضُهَا مِنْ أَصْدِقَاءَ وَأَقَارِبَ لَا أَعْرِفُهُمْ. أَحْبَبْتُ أَنْ تَحْتَفِظَ بِهَا أَنْتَ، حَتَّى تَحْكِيَ قِصَّةَ جَدَّتِكَ الكَامِلَةَ لِزَهْرَةَ الصَّغِيرَةِ يَوْمًا مَا.
تَصَفَّحَ كَرِيمٌ الصُّنْدُوقَ بِعَيْنَيْنِ دَامِعَتَيْنِ، وَوَجَدَ بَيْنَ الأَوْرَاقِ القَدِيمَةِ صُورَةً بِالأَبْيَضِ وَالأَسْوَدِ لِزَهْرَةَ فِي شَبَابِهَا، بِجَانِبِ تَوْفِيقَ، صُورَةً لَمْ يَرَهَا مِنْ قَبْلُ، مَحْفُوظَةً بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ رَغْمَ مُرُورِ عُقُودٍ.
— بَابَا، هَذِهِ أَوَّلُ مَرَّةٍ أَرَى فِيهَا صُورَةَ تَوْفِيقَ فِعْلِيًّا. كَانَ شَكْلُهُ شَابًّا وَسِيمًا.
— نَعَمْ، وَتَرَى كَيْفَ كَانَتْ أُمِّي وَاقِفَةً بِجَانِبِهِ بِابْتِسَامَةٍ لَمْ أَرَهَا فِي أَيِّ صُورَةٍ أُخْرَى لَهَا؟ رُبَّمَا هَكَذَا كَانَ شَكْلُهَا الحَقِيقِيُّ، قَبْلَ أَنْ تَفْرِضَ عَلَيْهَا الحَيَاةُ الصَّمْتَ لِعُقُودٍ.
لِينَا، الَّتِي كَانَتْ تَسْتَمِعُ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ وَهِيَ تَحْمِلُ ابْنَتَهَا الصَّغِيرَةَ، قَالَتْ بِتَأَثُّرٍ:
— أَعْتَقِدُ أَنَّ زَهْرَةَ الصَّغِيرَةَ، حِينَ تَكْبَرُ، سَتَحْمِلُ لَيْسَ فَقَطِ اسْمَ جَدَّتِهَا الكُبْرَى، بَلْ أَيْضًا إِرْثًا كَامِلًا مِنْ قِصَصِ الصِّدْقِ وَالشَّجَاعَةِ الَّتِي بَنَتْهَا هَذِهِ العَائِلَةُ عَلَى مَدَى جِيلَيْنِ كَامِلَيْنِ.
عَادَ الجَمِيعُ يَتَأَمَّلُونَ الطِّفْلَةَ النَّائِمَةَ بِهُدُوءٍ، رَمْزًا حَيًّا لِاسْتِمْرَارِيَّةٍ لَا تَنْقَطِعُ، حَتَّى فِي أَصْعَبِ لَحَظَاتِ الفَقْدِ.
كَتَبَ كَرِيمٌ فِي دَفْتَرِهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى ابْنَتِهِ النَّائِمَةِ بَيْنَ ذِرَاعَيْ لِينَا:
«فِي الأَسَابِيعِ القَلِيلَةِ نَفْسِهَا، وَدَّعْنَا جَدَّتِي زَهْرَةَ، وَرَحَّبْنَا بِابْنَتِنَا الصَّغِيرَةِ زَهْرَةَ. تَعَلَّمْتُ أَنَّ الحَيَاةَ، فِي أَعْمَقِ لَحَظَاتِهَا، تَحْمِلُ هَذَا التَّنَاقُضَ الجَمِيلَ وَالمُؤْلِمَ مَعًا: المَوْتَ وَالوِلَادَةَ، الفَقْدَ وَالِاسْتِمْرَارِيَّةَ، الحُزْنَ وَالفَرَحَ، مُتَشَابِكَيْنِ فِي نَسِيجٍ وَاحِدٍ لَا يَنْفَصِلُ. جَدَّتِي رَحَلَتْ، لَكِنَّهَا تَرَكَتْ وَرَاءَهَا لَيْسَ فَقَطْ ذِكْرَى، بَلْ حِكْمَةً حَيَّةً اسْتَمَرَّتْ فِي كُلِّ قَرَارٍ صَادِقٍ اتَّخَذْنَاهُ كَعَائِلَةٍ خِلَالَ العَامَيْنِ المَاضِيَيْنِ، وَهَذِهِ الحِكْمَةُ، أَتَمَنَّى، سَتَسْتَمِرُّ الآنَ فِي حَفِيدَتِهَا الصَّغِيرَةِ الَّتِي تَحْمِلُ اسْمَهَا، لِتَبْدَأَ فَصْلًا جَدِيدًا كُلِّيًّا مِنْ حِكَايَتِنَا العَائِلِيَّةِ الطَّوِيلَةِ.»


الِابْنُ الْغَرِيبُ 07