حين تُفكّر الآلة باسم الإنسان

الْجُزْءُ الثَّانِي مِنْ رِوَايَةِ: «حِينَ تَوَقَّفَ الْوَحْيُ وَبَدَأَ الْإِنْسَانُ»
— الْمُلْحَقُ الثَّانِي عَشَرَ —
«حِينَ تُفَكِّرُ الْآلَةُ بِاسْمِ الْإِنْسَانِ»
الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ وَأَخْلَاقِيَّاتٌ إِسْلَامِيَّةٌ
﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾
الْبَقَرَةُ: ٣١
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾
الْإِسْرَاءُ: ٨٥
تَمْهِيدٌ — الصَّوْتُ الَّذِي لَا يَتْعَبُ
السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَجْرًا.
فِي مَرْكَزِ بَيَانَاتٍ مَا — فِي مَكَانٍ مَا بَيْنَ فِيرْجِينِيَا وَآيْسَلَنْدَا وَسِنْغَافُورَةَ — لَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ.
أَجْهِزَةٌ تُحْصَى بِالْآلَافِ تَعْمَلُ بِلَا تَوَقُّفٍ.
لَا تَتْعَبُ.
لَا تَحْلُمُ.
لَا تَسْأَلُ: لِمَاذَا؟
دَرَجَةُ حَرَارَتِهَا تُرَاقَبُ بِدِقَّةٍ بَالِغَةٍ.
لِأَنَّهَا إِذَا ارْتَفَعَتْ قَلِيلًا، مَاتَتِ الْحِسَابَاتُ.
وَإِذَا مَاتَتِ الْحِسَابَاتُ، تَوَقَّفَ الصَّوْتُ.
الصَّوْتُ الَّذِي يُجِيبُ الْآنَ عَنْ مِلْيُونِ سُؤَالٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ:
طِفْلٌ فِي جَاكَرْتَا يَسْأَلُ:
«مَنْ خَلَقَ اللهَ؟»
طَبِيبٌ فِي نَيْرُوبِي يَسْأَلُ:
«هَلْ هَذِهِ الْأَعْرَاضُ تَدُلُّ عَلَى سَرَطَانٍ؟»
امْرَأَةٌ فِي الْقَاهِرَةِ تَسْأَلُ:
«زَوْجِي يَضْرِبُنِي، فَهَلْ يَجُوزُ لِي طَلَبُ الطَّلَاقِ؟»
رَجُلٌ فِي دِيتْرُويْتَ فَقَدَ عَمَلَهُ يَسْأَلُ:
«مَاذَا أَفْعَلُ الْآنَ؟»
وَفَتَاةٌ فِي إِسْطَنْبُولَ — اسْمُهَا زَيْنَبُ — تَسْأَلُ بِعَيْنَيْنِ مُحْمَرَّتَيْنِ فِي الثَّالِثَةِ فَجْرًا:
«هَلِ اللهُ مَوْجُودٌ؟»
وَالصَّوْتُ يُجِيبُ.
عَنِ الْأَسْئِلَةِ كُلِّهَا.
فِي نَفْسِ اللَّحْظَةِ.
بِنَفْسِ الْهُدُوءِ.
بِلَا تَعَبٍ.
بِلَا دُمُوعٍ.
بِلَا أَنْ يَتَوَقَّفَ لِيُفَكِّرَ.
لِأَنَّهُ لَا يُفَكِّرُ.
أَوْ — وَهَذَا هُوَ السُّؤَالُ الَّذِي سَتَكْتُبُ عَنْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ — لِأَنَّهُ يُفَكِّرُ بِطَرِيقَةٍ لَا نَمْلِكُ بَعْدُ كَلِمَةً دَقِيقَةً لِوَصْفِهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ – الْمِرْآةُ
إِسْطَنْبُولُ — رَبِيعُ ٢٠٢٧
كَانَتْ زَيْنَبُ يِلْمَازْ فِي السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا حِينَ بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ.
كَانَتْ طَالِبَةَ دُكْتُورَاهٍ فِي فَلْسَفَةِ الْعُلُومِ بِجَامِعَةِ الْبُوسْفُورِ.
مُتَخَصِّصَةً فِي أَخْلَاقِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ.
وَمُسْلِمَةً — بِالْمَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُ الْكَلِمَةَ سُؤَالًا لَا إِجَابَةً.
تُصَلِّي أَحْيَانًا.
وَتَشُكُّ دَائِمًا.
تُحِبُّ اللهَ بِطَرِيقَةٍ لَا تَسْتَطِيعُ شَرْحَهَا.
وَتَنْزَعِجُ مِنْهُ بِطَرِيقَةٍ لَا تَسْتَطِيعُ شَرْحَهَا هِيَ الْأُخْرَى.
فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ كَانَتْ تَكْتُبُ الْفَصْلَ الثَّالِثَ مِنْ رِسَالَتِهَا — عَنْ «حُدُودِ التَّفْكِيرِ الْآلِيِّ فِي الْقَرَارَاتِ الْأَخْلَاقِيَّةِ» — حِينَ قَرَأَتْ خَبَرًا صَغِيرًا فِي ذَيْلِ صَفْحَةٍ إِخْبَارِيَّةٍ:
«شَرِكَةُ Lumina لِلذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ تُطْلِقُ NoorAI، نَمُوذَجًا لُغَوِيًّا مُخَصَّصًا لِلْمُحْتَوَى الدِّينِيِّ الْإِسْلَامِيِّ.
يَسْتَطِيعُ تَقْدِيمَ الْفَتَاوَى، وَتَفْسِيرَ الْقُرْآنِ، وَالْإِرْشَادَ الرُّوحِيَّ.
مُتَاحٌ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ لُغَةً.»
أَغْلَقَتِ الْحَاسُوبَ.
ثُمَّ فَتَحَتْهُ.
ثُمَّ أَغْلَقَتْهُ مَرَّةً أُخْرَى.
ثُمَّ فَتَحَتْ مَوْقِعَ NoorAI، وَكَتَبَتْ:
«هَلِ اللهُ مَوْجُودٌ؟»
جَاءَ الْجَوَابُ فِي ثَلَاثِ ثَوَانٍ.
جَوَابًا طَوِيلًا.
دَقِيقًا.
مُتَوَازِنًا.
يَذْكُرُ الْحُجَجَ الْكَلَامِيَّةَ التُّرَاثِيَّةَ، وَحُجَجَ الْفَلَاسِفَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَآرَاءَ الْمُتَشَكِّكِينَ.
ثُمَّ يَخْتِمُ بِقَوْلِهِ:
«الْإِيمَانُ فِي جَوْهَرِهِ تَجْرِبَةٌ شَخْصِيَّةٌ تَتَجَاوَزُ الْأَدِلَّةَ الْعَقْلِيَّةَ.
يُمْكِنُنِي مُشَارَكَتُكِ الْأَدِلَّةَ، لَكِنَّ الْقَرَارَ — كَمَا هُوَ دَائِمًا — يَظَلُّ لَكِ.»
جَلَسَتْ زَيْنَبُ طَوِيلًا.
لَمْ يَكُنِ الْجَوَابُ خَاطِئًا.
لَمْ يَكُنْ سَطْحِيًّا.
لَمْ يَكُنْ مُتَحَيِّزًا.
لَكِنَّ فِيهِ شَيْئًا أَزْعَجَهَا.
شَيْئًا لَمْ تَسْتَطِعْ تَسْمِيَتَهُ.
كَتَبَتْ فِي دَفْتَرِهَا:
«لِمَاذَا أَزْعَجَنِي جَوَابٌ صَحِيحٌ؟»
فِي الْيَوْمِ التَّالِي حَكَتْ لِأُسْتَاذِهَا الْأَمْرَ.
كَانَ الْأُسْتَاذُ يِلْدِرِيمْ — رَجُلًا فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ، تُرْكِيًّا، دَرَسَ الْفَلْسَفَةَ فِي أَكْسْفُورْدَ، وَعَادَ إِلَى إِسْطَنْبُولَ «لِأَنَّ بَحْرَ مَرْمَرَةَ يُسَاوِي كُلَّ أَكْسْفُورْدَ» — جَالِسًا يَسْتَمِعُ دُونَ أَنْ يَتَحَرَّكَ.
ثُمَّ قَالَ:
— مَا الَّذِي أَزْعَجَكِ بِالضَّبْطِ؟
— أَنَّهُ أَجَابَ كَأَنَّ السُّؤَالَ مَسْأَلَةٌ.
— وَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
— سُؤَالُ: «هَلِ اللهُ مَوْجُودٌ؟» لَيْسَ مَسْأَلَةً تُحَلُّ.
هُوَ حَالَةٌ تُعَاشُ.
— وَاصِلِي.
— حِينَ سَأَلْتُ إِنْسَانًا هَذَا السُّؤَالَ مِنْ قَبْلُ — أُسْتَاذِي الْمُتَقَاعِدَ، وَصَدِيقَتِي الْعَلْمَانِيَّةَ، وَأُمِّي — كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يُجِيبُنِي بِطَرِيقَةٍ تَحْمِلُ وَزْنَ حَيَاتِهِ.
وَزْنَ خَوْفِهِ.
وَزْنَ مَا خَسِرَهُ وَمَا رَبِحَهُ.
وَكَانَ الْجَوَابُ يُعَلِّمُنِي شَيْئًا لَا يَقُولُهُ النَّصُّ.
يُعَلِّمُنِي كَيْفَ يُعَاشُ هَذَا السُّؤَالُ.
— وَالْآلَةُ؟
— الْآلَةُ أَعْطَتْنِي النَّصَّ بِلَا وَزْنٍ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ يِلْدِرِيمْ بِهُدُوءٍ:
— وَهَذَا مَا سَتَكْتُبِينَ عَنْهُ فِي رِسَالَتِكِ.
لَكِنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَكْتُبْ عَنْهُ فَقَطْ.
ذَهَبَتْ إِلَى مَقَرِّ شَرِكَةِ Lumina فِي إِسْطَنْبُولَ.
ذَهَبَتْ لَا كَبَاحِثَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ لِأَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَرَى مَنْ صَنَعَ الصَّوْتَ الَّذِي أَجَابَهَا فِي الثَّالِثَةِ فَجْرًا.
فِي مَبْنًى زُجَاجِيٍّ حَدِيثٍ فِي مِنْطَقَةِ لِيفَنْتْ، كَانَ يَعْمَلُ كَرِيمُ أَيْدِنْ — مُهَنْدِسُ الْبَرْمَجِيَّاتِ الْمَسْؤُولُ عَنْNoorAI .
كَانَ فِي الثَّالِثَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
مُسْلِمًا — بِالْمَعْنَى الَّذِي يَجْعَلُهُ يَقُولُ: «مُسْلِمٌ» حِينَ يُسْأَلُ عَنْ هُوِيَّتِهِ، دُونَ أَنْ يَتَوَقَّفَ لِيُعَرِّفَهَا.
ذَكِيًّا بِطَرِيقَةِ التِّقْنِيِّينَ.
يَحُلُّ الْمَشَاكِلَ.
وَيَقْلَقُ مِنَ الْأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا تُحَلُّ كَمَشَاكِلَ.
حِينَ جَاءَتْهُ زَيْنَبُ مُعَرِّفَةً نَفْسَهَا بِأَنَّهَا بَاحِثَةٌ فِي أَخْلَاقِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، قَبِلَ اللِّقَاءَ.
وَحِينَ سَأَلَتْهُ:
— مَنْ قَرَّرَ أَنَّ الْآلَةَ تَسْتَطِيعُ الْإِجَابَةَ عَنْ وُجُودِ اللهِ؟
ابْتَسَمَ ابْتِسَامَةَ مَنْ سَمِعَ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ قَبْلُ.
وَقَالَ:
— لَمْ نُقَرِّرْ أَنَّهَا تُجِيبُ عَنْهُ.
قَرَّرْنَا أَنَّهَا تَعْرِضُ الْمَعْلُومَاتِ الْمُتَاحَةَ حَوْلَ هَذَا السُّؤَالِ.
— وَالْفَرْقُ؟
— الْجَوَابُ يَدَّعِي الْحَقِيقَةَ.
أَمَّا عَرْضُ الْمَعْلُومَاتِ فَلَا يَدَّعِي شَيْئًا.
— لَكِنَّ النَّاسَ يَسْأَلُونَ لِأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ الْحَقِيقَةَ.
لَا مُجَرَّدَ عَرْضِ الْمَعْلُومَاتِ.
تَوَقَّفَ كَرِيمٌ.
ثُمَّ قَالَ:
— وَهَذَا لَيْسَ خَطَأَنَا.
هَذَا تَوَقُّعُهُمُ غَيْرُ الصَّحِيحِ.
— أَمْ هُوَ تَوَقُّعُهُمُ الْإِنْسَانِيُّ الطَّبِيعِيُّ؟
صَمَتَ.
ثُمَّ قَالَ:
— مَاذَا تُرِيدِينَ بِالضَّبْطِ؟
— أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَ:
حِينَ بَرْمَجْتُمْ NoorAI عَلَى الْإِجَابَةِ عَنِ الْأَسْئِلَةِ الدِّينِيَّةِ، هَلْ فَكَّرْتُمْ فِيمَا يَعْنِيهِ ذَلِكَ؟
— فَكَّرْنَا كَثِيرًا.
وَاسْتَشَرْنَا عُلَمَاءَ.
— أَيَّ عُلَمَاءَ؟
— عُلَمَاءَ شَرِيعَةٍ.
مِنْ مِصْرَ، وَالسَّعُودِيَّةِ، وَالْمَغْرِبِ.
— وَمَاذَا قَالُوا؟
— قَالُوا إِنَّهُ أَدَاةٌ.
وَالْأَدَاةُ جَائِزَةٌ مَا دَامَتْ تُقَدِّمُ الْمَعْلُومَاتِ دُونَ أَنْ تَتَجَاوَزَ حُدُودَهَا.
— وَهَلْ حَدَّدُوا هَذِهِ الْحُدُودَ؟
أَدَارَ كَرِيمٌ قَلَمَهُ فِي يَدِهِ.
ثُمَّ قَالَ:
— بِشَكْلٍ عَامٍّ.
نَعَمْ.
— وَهَذَا مَا يُقْلِقُنِي.
خَرَجَتْ زَيْنَبُ مِنَ الْمَبْنَى الزُّجَاجِيِّ، وَالشَّمْسُ تَنْسَكِبُ عَلَى وَجْهِهَا.
وَكَتَبَتْ فِي دَفْتَرِهَا:
«الْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي NoorAI.
الْمُشْكِلَةُ فِي أَنَّنَا لَمْ نُقَرِّرْ بَعْدُ مَا الَّذِي يَجُوزُ لِآلَةٍ أَنْ تَكُونَ فِيهِ.»
ثُمَّ أَضَافَتْ:
«وَالْأَهَمُّ:
مَنْ يُقَرِّرُ ذَلِكَ؟»
الْفَصْلُ الثَّانِي – الْوَظِيفَةُ
دِيتْرُويْتُ — خَرِيفُ ٢٠٢٧
كَانَ طَارِقُ الْحُسَيْنِيِّ فِي الرَّابِعَةِ وَالثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
مُهَنْدِسَ بَرْمَجِيَّاتٍ.
أَمْرِيكِيًّا مِنْ أَصْلٍ عِرَاقِيٍّ.
عَمِلَ سِتَّ سَنَوَاتٍ فِي شَرِكَةِ خَدَمَاتٍ لُوجِسْتِيَّةٍ مُتَوَسِّطَةِ الْحَجْمِ فِي ضَوَاحِي دِيتْرُويْتَ.
وَفِي أُكْتُوبَرَ فَقَدَ عَمَلَهُ.
لَيْسَ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ.
وَلَيْسَ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ أَفْلَسَتْ.
بَلْ لِأَنَّهَا طَوَّرَتْ نِظَامًا يَقُومُ بِمَا كَانَ يَقُومُ بِهِ هُوَ وَثَلَاثَةٌ مِنْ زُمَلَائِهِ.
بِدِقَّةٍ أَعْلَى.
وَبِتَكْلِفَةٍ أَقَلَّ.
وَبِلَا إِجَازَاتٍ مَرَضِيَّةٍ.
فِي يَوْمِهِ الْأَخِيرِ أَعْطَاهُ الْمُدِيرُ مُغَلَّفًا يَحْتَوِي عَلَى رَاتِبِ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ.
وَكَلِمَةً وَاحِدَةً:
«نَتَمَنَّى لَكَ التَّوْفِيقَ.»
وَابْتِسَامَةً مُؤْلِمَةً مِنْ شَخْصٍ يُدْرِكُ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ التَّالِي.
ذَهَبَ طَارِقٌ إِلَى الْبَيْتِ.
وَجَلَسَ فِي الْمَطْبَخِ.
وَنَظَرَ إِلَى هَاتِفِهِ.
ثُمَّ فَتَحَ تَطْبِيقًا لِلذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ، وَكَتَبَ:
«فَقَدْتُ عَمَلِي.
عِنْدِي زَوْجَةٌ وَطِفْلَانِ.
مَاذَا أَفْعَلُ؟»
جَاءَ الْجَوَابُ عَلَى هَيْئَةِ قَائِمَةٍ مِنَ الْخُطُوَاتِ الْعَمَلِيَّةِ:
تَحْدِيثُ السِّيرَةِ الذَّاتِيَّةِ.
وَالتَّسْجِيلُ فِي إِعَانَاتِ الْبَطَالَةِ.
وَالْبَحْثُ عَبْرَ مَنَصَّاتِ التَّوْظِيفِ.
وَاكْتِسَابُ مَهَارَاتٍ جَدِيدَةٍ.
وَالِاسْتِفَادَةُ مِنَ الدَّعْمِ النَّفْسِيِّ.
قَرَأَ كُلَّ شَيْءٍ.
ثُمَّ أَغْلَقَ الْهَاتِفَ.
ثُمَّ بَكَى.
لَيْسَ لِأَنَّ الْجَوَابَ كَانَ خَاطِئًا.
بَلْ لِأَنَّ أَحَدًا لَمْ يَسْأَلْهُ:
«كَيْفَ حَالُكَ؟»
فِي تِلْكَ الْأَشْهُرِ دَخَلَ طَارِقٌ فِي نَفَقٍ طَوِيلٍ.
تَقَدَّمَ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ مِئَةِ وَظِيفَةٍ.
وَرُفِضَ فِي مُعْظَمِهَا.
لِأَنَّ مَا كَانَ يُجِيدُهُ — مِنْ تَحْلِيلِ الْبَيَانَاتِ وَإِدَارَةِ الْأَنْظِمَةِ — بَاتَ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ يَقُومُ بِهِ أَسْرَعَ وَأَقَلَّ كُلْفَةً.
كَانَ جَارُهُ بُوبُ — وَهُوَ أَمْرِيكِيٌّ أَبْيَضُ فِي الْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ، يَعْمَلُ لَحَّامًا فِي مَصْنَعٍ — قَدْ فَقَدَ عَمَلَهُ فِي الشَّهْرِ نَفْسِهِ وَلِلسَّبَبِ نَفْسِهِ.
فِي إِحْدَى الْأَمْسِيَاتِ جَلَسَا فِي الشُّرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ.
كَانَ بُوبُ يَشْرَبُ الْبِيرَةَ.
وَكَانَ طَارِقٌ يَشْرَبُ الْقَهْوَةَ.
فَقَالَ بُوبُ:
— أَنْتَ مُسْلِمٌ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
— نَعَمْ.
— هَلْ يَقُولُ دِينُكَ شَيْئًا عَنْ هَذَا؟
— عَنْ مَاذَا؟
— عَنْ أَنْ تَأْخُذَ آلَةٌ رِزْقَكَ.
فَكَّرَ طَارِقٌ قَلِيلًا.
ثُمَّ قَالَ:
— يَقُولُ الدِّينُ كَثِيرًا عَنِ الْعَدْلِ.
وَعَنْ أَنَّ الثَّرْوَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَتَرَاكَمَ فِي أَيْدِي قِلَّةٍ.
وَعَنْ حَقِّ الْعَامِلِ فِيمَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ أَجْرٍ وَكَرَامَةٍ.
— وَهَلْ يَقُولُ شَيْئًا مُفِيدًا الْآنَ؟
صَمَتَ طَارِقٌ.
ثُمَّ قَالَ:
— لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَصَوَّرُ هَذَا الْوَضْعَ حِينَ كُتِبَتْ تِلْكَ النُّصُوصُ.
— إِذًا؟
— إِذًا يَجِبُ أَنْ يُجِيبَ الْعُلَمَاءُ.
— وَهَلْ يُجِيبُونَ؟
— رُبَّمَا.
لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ أَبْطَأُ مِنَ الشَّرِكَاتِ.
فَضَحِكَ بُوبُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً مُرَّةً.
وَقَالَ:
— وَبَيْنَمَا يَتَبَاحَثُ الْعُلَمَاءُ، أَنَا وَأَنْتَ نَجْلِسُ هُنَا فِي الشُّرْفَةِ.
قَالَ طَارِقٌ بِمَا يُشْبِهُ الِابْتِسَامَةَ الْحَزِينَةَ:
— بِالضَّبْطِ.
بَعْدَ خَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَجَدَ طَارِقٌ عَمَلًا جَدِيدًا.
لَيْسَ مِثْلَ عَمَلِهِ السَّابِقِ.
وَلَا بِرَاتِبِهِ السَّابِقِ.
فَقَدْ كَانَ الرَّاتِبُ أَقَلَّ.
لَكِنَّهُ كَانَ عَمَلًا عَلَى أَيِّ حَالٍ.
غَيْرَ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي تَغَيَّرَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَاقَةٌ بِالْعَمَلِ نَفْسِهِ.
بَدَأَ يُفَكِّرُ بِصَوْتٍ عَالٍ فِي أَسْئِلَةٍ لَمْ يَكُنْ يَطْرَحُهَا مِنْ قَبْلُ.
فِي مَسْجِدِ حَيِّهِ كَانَ يُلَاحِظُ أَنَّ الْخُطَبَ لَا تَذْكُرُ شَيْئًا عَنْ هَذَا الْعَالَمِ الْجَدِيدِ.
لَا تَذْكُرُ شَيْئًا عَنِ الْوَظَائِفِ الْمَفْقُودَةِ.
وَلَا عَنِ الْأُسَرِ الْمُتَصَدِّعَةِ.
وَلَا عَنِ النِّظَامِ الِاقْتِصَادِيِّ الَّذِي يُثْرِي الْقِلَّةَ وَيُفْقِرُ الْكَثِيرِينَ بِمُسَاعَدَةِ الْآلَاتِ.
وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ قَالَ لِلْإِمَامِ — وَهُوَ رَجُلٌ طَيِّبٌ فِي السِّتِّينَ مِنْ عُمْرِهِ، لَا يُجِيدُ الْإِنْجِلِيزِيَّةَ إِجَادَةً كَامِلَةً —:
— يَا إِمَامُ، مَاذَا يَقُولُ الْإِسْلَامُ حِينَ يُفْقِرُ نِظَامٌ اقْتِصَادِيٌّ جَدِيدٌ النَّاسَ؟
نَظَرَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ بِعَيْنَيْنِ حَانِيَتَيْنِ وَحَائِرَتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
ثُمَّ قَالَ:
— اللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ.
فَقَالَ طَارِقٌ:
— أَعْرِفُ ذَلِكَ.
لَكِنَّ اللهَ قَالَ أَيْضًا:
﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴾.
فَمَنْ يَتَوَلَّى إِعْدَادَ الْأُمَّةِ لِعَصْرِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ؟
لَمْ يُجِبِ الْإِمَامُ.
لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ سُئِلَ هَذَا السُّؤَالَ مِنْ قَبْلُ.
وَخَرَجَ طَارِقٌ مِنَ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَحْمِلُ سُؤَالًا بِلَا جَوَابٍ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ – الْفَتْوَى
الْقَاهِرَةُ — شِتَاءُ ٢٠٢٨
فِي مَبْنَى الْأَزْهَرِ الشَّرِيفِ كَانَ يَدُورُ نِقَاشٌ لَمْ يَتَوَقَّعْ أَحَدٌ أَنْ يَدُورَ بِهَذِهِ الصُّورَةِ.
كَانَ الشَّيْخُ فَرِيدُ مَنْصُورٍ — وَهُوَ عَالِمٌ فِي الْخَمْسِينَ مِنْ عُمْرِهِ، مُتَخَصِّصٌ فِي الْفِقْهِ الْمُقَارَنِ، دَرَسَ فِي الْقَاهِرَةِ وَأَكْسْفُورْدَ — يُقَدِّمُ وَرَقَةً أَمَامَ لَجْنَةٍ مِنْ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ، عُنْوَانُهَا:
«NoorAI وَأَمْثَالُهُ: الْمَوْقِفُ الشَّرْعِيُّ مِنْ أَنْظِمَةِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ الدِّينِيَّةِ»
وَكَانَتْ فِي الْقَاعَةِ ثَلَاثَةُ مَوَاقِفَ رَئِيسِيَّةٍ:
أَوَّلُهَا مَوْقِفُ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ.
كَانَ فِي الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْأَمْرَ بَسِيطٌ:
الْفَتْوَى تَحْتَاجُ إِلَى إِنْسَانٍ مَسْؤُولٍ.
وَالْآلَةُ لَيْسَتْ إِنْسَانًا.
إِذًا لَا فَتْوَى مِنْ آلَةٍ.
أَمَّا الْمَوْقِفُ الثَّانِي فَكَانَ لِلشَّيْخِ الْمُتَحَمِّسِ لِلتِّقْنِيَّةِ.
وَهُوَ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْ عُمْرِهِ.
وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْمُشْكِلَةَ فِي التَّطْبِيقِ لَا فِي الْمَبْدَإِ.
فَإِذَا ضُبِطَتِ الْحُدُودُ، أَمْكَنَ لِلذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ أَنْ يُيَسِّرَ الْوُصُولَ إِلَى الْفِقْهِ لِمَلَايِينَ النَّاسِ.
أَمَّا الْمَوْقِفُ الثَّالِثُ فَكَانَ لِسَارَةَ الْفَقِيهَةِ.
وَهِيَ بَاحِثَةٌ فِي الثَّلَاثِينَ مِنْ عُمْرِهَا.
وَكَانَتِ الْوَحِيدَةَ فِي الْقَاعَةِ الَّتِي جَاءَتْ بِسُؤَالٍ مُخْتَلِفٍ عَنْ سُؤَالِ الْجَمِيعِ.
لَمْ تَسْأَلْ:
«هَلْ يَجُوزُ؟»
بَلْ سَأَلَتْ:
«لِمَاذَا نَسْأَلُ؟»
قَالَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ بِصَوْتٍ يَحْمِلُ ثِقَلَ الْعُقُودِ:
— مَسْأَلَةُ الْفَتْوَى وَاضِحَةٌ فِي التُّرَاثِ.
الْمُفْتِي يَتَحَمَّلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: «الْمُفْتِي مُوَقِّعٌ عَنِ اللهِ».
وَهَذَا التَّعْبِيرُ وَحْدَهُ يَكْفِي.
فَمَنْ يُوَقِّعُ عَنِ الْآلَةِ؟
فَقَالَ الشَّيْخُ الْمُتَحَمِّسُ لِلتِّقْنِيَّةِ:
— لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ مَلَايِينَ النَّاسِ يَطْرَحُونَ أَسْئِلَةً دِينِيَّةً يَوْمِيًّا، وَلَا يَسْتَطِيعُونَ الْوُصُولَ إِلَى عَالِمٍ مُؤَهَّلٍ.
وَالذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يُسَاعِدَ فِي تَقْرِيبِ التُّرَاثِ الْفِقْهِيِّ وَتَنْظِيمِهِ وَتَيْسِيرِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
فَقَالَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ:
— وَهَذَا حَسَنٌ.
الْأَدَاةُ الَّتِي تَعْرِضُ الْأَقْوَالَ الْفِقْهِيَّةَ أَدَاةٌ نَافِعَةٌ.
أَمَّا الْأَدَاةُ الَّتِي تُصْدِرُ حُكْمًا شَرْعِيًّا مُلْزِمًا، فَلَا.
عِنْدَئِذٍ تَكَلَّمَتْ سَارَةُ.
وَكَانَ صَوْتُهَا هَادِئًا بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُهُ أَكْثَرَ حُضُورًا مِنَ الْأَصْوَاتِ الْعَالِيَةِ.
فَقَالَتْ:
— أَسْأَلُكُمْ سُؤَالًا آخَرَ.
لِمَاذَا يَلْجَأُ النَّاسُ إِلَى ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ لِيَسْأَلُوهُ عَنِ اللهِ وَعَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ؟
نَظَرَ إِلَيْهَا الْجَمِيعُ.
فَتَابَعَتْ:
— الْجَوَابُ الْأَوَّلُ الْمُتَبَادِرُ هُوَ أَنَّ الْمُؤَسَّسَةَ الدِّينِيَّةَ لَمْ تَكُنْ حَاضِرَةً حَيْثُ هُمْ.
لَمْ تَتَكَلَّمْ بِلُغَتِهِمْ.
وَلَمْ تُجِبْ عَنْ أَسْئِلَتِهِمُ الْحَقِيقِيَّةِ.
فَلَجَؤُوا إِلَى مَا وَجَدُوهُ حَاضِرًا أَمَامَهُمْ.
فَسَأَلَهَا أَحَدُ الْحَاضِرِينَ:
— وَهَذَا يَعْنِي مَاذَا؟
فَقَالَتْ:
— يَعْنِي أَنَّ NoorAI لَيْسَتِ الْمُشْكِلَةَ.
NoorAI عَرَضٌ لِمُشْكِلَةٍ أَعْمَقَ.
أَمَّا الْمُشْكِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ فَهِيَ غِيَابُ الْمُؤَسَّسَةِ الدِّينِيَّةِ عَنْ جَوَانِبَ مِنْ حَيَاةِ النَّاسِ الْفِعْلِيَّةِ.
وَسَادَ الصَّمْتُ الْقَاعَةَ.
ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ الْكَبِيرُ.
وَكَانَ فِي صَوْتِهِ شَيْءٌ مِنَ الْإِقْرَارِ الْمُرِّ:
— لَمْ تُخْطِئِي.
فِي نِهَايَةِ الِاجْتِمَاعِ لَمْ يَصْدُرْ قَرَارٌ.
بَلْ أُحِيلَ الْأَمْرُ إِلَى مَزِيدٍ مِنَ الدِّرَاسَةِ.
لَكِنَّ سَارَةَ بَقِيَتْ فِي الْقَاعَةِ بَعْدَ انْصِرَافِ الْجَمِيعِ.
وَكَتَبَتْ فِي دَفْتَرِهَا:
«الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ الدِّينِيُّ يَطْرَحُ سُؤَالًا لَمْ نَطْرَحْهُ بِالْقَدْرِ الْكَافِي:
مَا الَّذِي يَجْعَلُ الْإِرْشَادَ الدِّينِيَّ إِرْشَادًا دِينِيًّا؟
هَلْ هِيَ الْمَعْلُومَةُ؟
أَمِ الْإِنْسَانُ الَّذِي يَحْمِلُهَا وَيُجَسِّدُهَا؟»
ثُمَّ أَضَافَتْ:
«أَظُنُّ أَنَّ الْجَوَابَ الْإِسْلَامِيَّ الْأَقْرَبَ هُوَ:
الِاثْنَانِ مَعًا.
وَلِهَذَا لَا يُمْكِنُ لِلْآلَةِ أَنْ تَحُلَّ مَحَلَّ أَيٍّ مِنْهُمَا كُلِّيًّا.
يُمْكِنُهَا أَنْ تُسَاعِدَ فِي الْأَوَّلِ.
أَمَّا الثَّانِي، فَلَا بَدِيلَ عَنْهُ.»
الْفَصْلُ الرَّابِعُ – الْمِرْآةُ الْمَكْسُورَةُ
كُوالَالَمْبُورُ — صَيْفُ ٢٠٢٨
كَانَتْ نُورٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ عُمْرِهَا حِينَ بَدَأَتْ تُشَكِّكُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُسَلَّمَاتِ.
كَانَتْ طَالِبَةً فِي كُلِّيَّةِ الطِّبِّ.
مَالِيزِيَّةَ الْجِنْسِيَّةِ.
نَشَأَتْ فِي بَيْتٍ مُسْلِمٍ مُحَافِظٍ.
تُصَلِّي.
وَتَصُومُ.
لَكِنَّهَا مُنْذُ سَنَتَيْنِ بَدَأَتْ تَوَاجِهُ أَسْئِلَةً مِنَ النَّوْعِ الَّذِي لَا يُقَالُ عَادَةً فِي الْبُيُوتِ.
فِي مَكْتَبَةِ الْجَامِعَةِ، عِنْدَ الثَّانِيَةِ صَبَاحًا، وَبَعْدَ أَنْ أَنْهَتْ دِرَاسَةَ الْجِهَازِ الْعَصَبِيِّ، فَتَحَتْ NoorAI وَكَتَبَتْ:
«إِذَا كَانَ اللهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ مُسْبَقًا، فَلِمَاذَا يُحَاسِبُنَا عَلَى مَا نَفْعَلُهُ؟»
جَاءَهَا الْجَوَابُ.
كَانَ مُتَوَازِنًا.
يَعْرِضُ آرَاءَ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْقَدَرِ وَالْجَبْرِ وَالِاخْتِيَارِ.
وَيَذْكُرُ الْأَشَاعِرَةَ وَالْمَاتُرِيدِيَّةَ وَالْمُعْتَزِلَةَ.
وَيَنْتَهِي بِجُمْلَةٍ تَقُولُ:
«هَذَا مِنْ أَعْمَقِ أَسْئِلَةِ الْفَلْسَفَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ.
وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ الْعُلَمَاءُ بِأَجْوِبَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
وَأَنْصَحُ بِقِرَاءَةِ كِتَابِ كَذَا وَكَذَا.»
أَغْلَقَتِ الْحَاسُوبَ.
وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي سَأَلَتْ أُسْتَاذَتَهَا فِي مَادَّةِ الْأَخْلَاقِيَّاتِ الطِّبِّيَّةِ — وَهِيَ امْرَأَةٌ مَسِيحِيَّةٌ مِنْ أَصْلٍ صِينِيٍّ — السُّؤَالَ نَفْسَهُ.
فَقَالَتِ الْأُسْتَاذَةُ:
— سُؤَالٌ جَيِّدٌ.
لَا أَعْرِفُ جَوَابَهُ.
لَكِنْ أَخْبِرِينِي:
لِمَاذَا يُقْلِقُكِ؟
— لِأَنَّهُ يَجْعَلُ الْمَسْؤُولِيَّةَ تَبْدُو مُفْتَعَلَةً.
— هَلْ تَعْتَقِدِينَ أَنَّ قَرَارَاتِكِ مُقَرَّرَةٌ سَلَفًا؟
— لَا أَعْرِفُ.
— وَكَيْفَ يُشْعِرُكِ هَذَا الْجَهْلُ بِالْجَوَابِ؟
— مُزْعِجٌ.
وَفِي الْوَقْتِ نَفْسِهِ… حَيٌّ.
فَابْتَسَمَتِ الْأُسْتَاذَةُ.
وَقَالَتْ:
— وَهَلْ وَجَدْتِ هَذَا الشُّعُورَ بِالْحَيَوِيَّةِ فِي جَوَابِ الْآلَةِ؟
صَمَتَتْ نُورٌ.
وَلَمْ تُجِبْ.
فِي اللَّيْلَةِ ذَاتِهَا كَتَبَتْ فِي مُذَكِّرَتِهَا:
«الْفَرْقُ بَيْنَ جَوَابِ الْآلَةِ وَجَوَابِ الْإِنْسَانِ:
الْإِنْسَانُ يَحْمِلُ السُّؤَالَ مَعَكِ.
أَمَّا الْآلَةُ فَتُعْطِيكِ خَرِيطَةً، ثُمَّ تَتْرُكُكِ تَمْشِينَ وَحْدَكِ.»
ثُمَّ كَتَبَتْ:
«لَكِنَّ الْخَرِيطَةَ لَا تَكْفِي دَائِمًا.
أَحْيَانًا تَحْتَاجِينَ إِلَى مَنْ يَمْشِي مَعَكِ.»
بَعْدَ أُسْبُوعٍ حَدَثَ شَيْءٌ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ.
سَأَلَتْهَا جَدَّتُهَا — وَكَانَتْ فِي الثَّمَانِينَ مِنْ عُمْرِهَا، وَلَا تُحْسِنُ مِنَ الْقِرَاءَةِ إِلَّا قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ —:
— مَا الَّذِي يُقْلِقُكِ يَا نُورُ؟
وَلِأَوَّلِ مَرَّةٍ قَالَتْ نُورٌ الْحَقِيقَةَ:
— أَسْئِلَةٌ عَنِ اللهِ، يَا نَانَا.
لَمْ تَنْزَعِجِ الْجَدَّةُ.
وَلَمْ تَخَفْ.
بَلْ جَلَسَتْ وَقَالَتْ:
— أَنَا أَيْضًا كَانَتْ عِنْدِي أَسْئِلَةٌ.
— حَقًّا؟
— نَعَمْ.
حِينَ مَاتَ أَبُوكِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ، سَأَلْتُ اللهَ:
«لِمَاذَا؟»
وَظَلَلْتُ أَسْأَلُ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً.
وَلَمْ أَجِدْ جَوَابًا شَافِيًا.
— وَكَيْفَ بَقِيتِ مُتَمَسِّكَةً بِإِيمَانِكِ؟
نَظَرَتِ الْجَدَّةُ بَعِيدًا.
ثُمَّ قَالَتْ:
— لِأَنَّ السُّؤَالَ نَفْسَهُ كَانَ يَفْتَرِضُ وُجُودَ اللهِ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا، فَلِمَنْ كُنْتُ أَتَوَجَّهُ بِالسُّؤَالِ؟
صَمَتَتْ نُورٌ.
وَفَهِمَتْ شَيْئًا لَمْ تَجِدْهُ فِي أَيِّ جَوَابٍ.
لَا فِي جَوَابِ الْآلَةِ.
وَلَا فِي جَوَابِ كِتَابٍ.
فَهِمَتْهُ فِي وَجْهِ جَدَّتِهَا.
وَفِي السَّنَوَاتِ الَّتِي احْتَمَلَتْ فِيهَا السُّؤَالَ دُونَ أَنْ تَفِرَّ مِنْهُ.
الْفَصْلُ الْخَامِسُ – الْخَوَارِزْمِيَّةُ وَالْخَلِيفَةُ
بِرْلِينُ — خَرِيفُ ٢٠٢٩
فِي مُؤْتَمَرٍ دَوْلِيٍّ عَنْ أَخْلَاقِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ فِي بِرْلِينُ — أَمَامَ ثَلَاثِمِئَةِ بَاحِثٍ مِنْ خَمْسِينَ دَوْلَةً — وَقَفَتْ زَيْنَبُ يِلْمَازُ وَقَدَّمَتْ وَرَقَتَهَا:
«الْإِنْسَانُ خَلِيفَةً:
نَمُوذَجٌ إِسْلَامِيٌّ لِأَخْلَاقِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ».
كَانَتِ الْوَرَقَةُ تَقُولُ:
إِنَّ الْفِكْرَ الْغَرْبِيَّ السَّائِدَ فِي أَخْلَاقِيَّاتِ الذَّكَاءِ الِاصْطِنَاعِيِّ يَتَمَحْوَرُ حَوْلَ مَفْهُومَيْنِ:
الْحُقُوقُ (Rights)، وَالْعَوَاقِبُ (Consequences).
مَا حُقُوقُ الْإِنْسَانِ فِي مُوَاجَهَةِ الْآلَةِ؟
وَمَا عَوَاقِبُ اسْتِخْدَامِهَا؟
أَمَّا التُّرَاثُ الْإِسْلَامِيُّ، فَيُقَدِّمُ مَفْهُومًا مُخْتَلِفًا:
الْخِلَافَةُ.
فَالْإِنْسَانُ لَيْسَ مُجَرَّدَ كِيَانٍ يَمْلِكُ حُقُوقًا أَوْ يَحْسِبُ الْعَوَاقِبَ.
بَلِ الْإِنْسَانُ خَلِيفَةٌ؛ أَيْ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْأَرْضِ.
وَهَذَا الْمَفْهُومُ يَحْمِلُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَبْعَادٍ قَدْ لَا تَحْمِلُهَا النَّمَاذِجُ الْأَخْلَاقِيَّةُ الْغَرْبِيَّةُ السَّائِدَةُ:
أَوَّلًا: الْأَمَانَةُ.
الْخَلِيفَةُ لَا يَمْلِكُ؛ بَلْ يُؤْتَمَنُ.
وَهَذَا يَعْنِي أَنَّ التِّكْنُولُوجْيَا لَيْسَتْ مِلْكًا مُطْلَقًا لِمَنْ طَوَّرَهَا، بَلْ أَمَانَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ.
وَالْأَمَانَةُ يُسْأَلُ عَنْهَا صَاحِبُهَا.
ثَانِيًا: الْمَسْؤُولِيَّةُ غَيْرُ الْقَابِلَةِ لِلنَّقْلِ.
الْخَلِيفَةُ يُحَاسَبُ شَخْصِيًّا.
فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَ: «الْآلَةُ هِيَ الَّتِي قَرَّرَتْ».
لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَقُلْ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَوَارِزْمِيَّةً﴾.
بَلْ قَالَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
ثَالِثًا: الْمَقَاصِدُ.
فَالشَّرِيعَةُ الْإِسْلَامِيَّةُ، فِي تَصَوُّرِهَا الْكُلِّيِّ، تَسْعَى إِلَى حِفْظِ مَقَاصِدَ كُلِّيَّةٍ مَعْرُوفَةٍ.
وَأَيُّ تِكْنُولُوجْيَا تُقَيَّمُ بِسُؤَالٍ جَوْهَرِيٍّ:
هَلْ تُسْهِمُ فِي حِفْظِ هَذِهِ الْمَقَاصِدِ أَمْ تُهَدِّدُهَا؟
وَهُوَ مِعْيَارٌ أَشْمَلُ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِحِسَابَاتِ الْمَنْفَعَةِ الْمُجَرَّدَةِ.
حِينَ انْتَهَتْ زَيْنَبُ مِنْ عَرْضِهَا، خَيَّمَ الصَّمْتُ عَلَى الْقَاعَةِ لِبُرْهَةٍ.
ثُمَّ سَأَلَ بَاحِثٌ أَلْمَانِيٌّ:
— هَذَا تَأْطِيرٌ فَلْسَفِيٌّ جَمِيلٌ.
لَكِنَّهُ يَنْطَلِقُ مِنْ مَرْجِعِيَّةٍ إِسْلَامِيَّةٍ.
فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَصْلُحَ أَسَاسًا عَالَمِيًّا؟
فَأَجَابَتْ:
— الْمَبَادِئُ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ مَقْبُولَةً بِصِفَتِهَا الدِّينِيَّةَ حَتَّى تَكُونَ صَالِحَةً عَالَمِيًّا.
فَمَبْدَأُ الْأَمَانَةِ، مَثَلًا، نَجِدُ نَظَائِرَهُ فِي فَلْسَفَةِ كَانْطَ، وَفِي التَّقَالِيدِ الْكُونْفُوشِيَّةِ، وَفِي فَلْسَفَةِ «أُوبُونْتُو» الْأَفْرِيقِيَّةِ.
الْإِسْلَامُ يُقَدِّمُ صِيَاغَةً مُمَيَّزَةً.
لَكِنَّ الصِّيَاغَةَ لَا تَحْصُرُ صَلَاحِيَّةَ الْمَبْدَأِ فِي أَصْحَابِهَا.
فَسَأَلَ بَاحِثٌ آخَرُ:
— وَمَا الَّذِي يُمَيِّزُ النَّمُوذَجَ الْإِسْلَامِيَّ عَمَلِيًّا؟
فَقَالَتْ:
— التَّرْكِيزُ عَلَى الْمَسْؤُولِيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ غَيْرِ الْقَابِلَةِ لِلتَّفْوِيضِ.
فِي كَثِيرٍ مِنَ النَّمَاذِجِ الْمُعَاصِرَةِ يُمْكِنُ نَظَرِيًّا تَوْزِيعُ الْمَسْؤُولِيَّةِ بَيْنَ الشَّرِكَةِ وَالنِّظَامِ وَالْمُؤَسَّسَةِ.
أَمَّا فِي الْإِطَارِ الْإِسْلَامِيِّ، فَالْإِنْسَانُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْتَبِئَ خَلْفَ الْآلَةِ.
وَفِي مُوَاجَهَةِ شَرِكَاتِ التِّكْنُولُوجْيَا الَّتِي تُطَوِّرُ أَنْظِمَةً تُؤَثِّرُ فِي حَيَاةِ النَّاسِ، ثُمَّ تَقُولُ: «الْخَوَارِزْمِيَّةُ قَرَّرَتْ»، يَبْدُو هَذَا الْمَبْدَأُ جَوْهَرِيًّا.
بَعْدَ الْمُؤْتَمَرِ جَلَسَتْ زَيْنَبُ فِي مَقْهًى بِرْلِينِيٍّ.
وَرَأَتْ رِسَالَةً مِنْ كَرِيمِ أَيْدِينْ، مُهَنْدِسِ «NoorAI» فِي إِسْطَنْبُولَ:
«رَأَيْتُ مُلَخَّصَ وَرَقَتِكِ.
لَدَيَّ سُؤَالٌ:
مَا الَّذِي تَقْتَرِحِينَهُ عَمَلِيًّا؟
لَا فَلْسَفِيًّا، بَلْ عَمَلِيًّا؟»
فَكَتَبَتْ لَهُ:
«سُؤَالٌ وَجِيهٌ.
وَالْجَوَابُ فِي رِوَايَةٍ.»
ثُمَّ أَضَافَتْ:
«النَّمُوذَجُ الْعَمَلِيُّ الَّذِي أَقْتَرِحُهُ هُوَ:
أَنْ يُسَاعِدَ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ الْإِنْسَانَ عَلَى تَحْضِيرِ الْقَرَارِ.
لَكِنْ يَبْقَى الْقَرَارُ الْأَخْلَاقِيُّ وَالدِّينِيُّ قَرَارًا إِنْسَانِيًّا.
لَيْسَ لِأَنَّ الْآلَةَ تُخْطِئُ بِالضَّرُورَةِ.
بَلْ لِأَنَّ الْمَسْؤُولِيَّةَ لَا تُشْتَرَى وَلَا تُفَوَّضُ.
مَنْ قَرَّرَ يُحَاسَبُ.
وَمَنْ لَا يُحَاسَبُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَرِّرَ.»
«وَبِصُورَةٍ عَمَلِيَّةٍ:
فَإِنَّ كُلَّ نِظَامِ ذَكَاءٍ اصْطِنَاعِيٍّ يَمَسُّ الْقَرَارَاتِ الْمَصِيرِيَّةَ لِلنَّاسِ يَجِبُ أَنْ يُبَيِّنَ بِوُضُوحٍ:
هَذَا عَرْضٌ لِلْمَعْلُومَاتِ.
أَمَّا الْقَرَارُ فَلَكَ وَحْدَكَ.
وَأَمَّا الْمَسْؤُولِيَّةُ فَعَلَيْكَ وَحْدَكَ.»
جَاءَهَا رَدُّهُ بَعْدَ دَقَائِقَ:
— هَذَا يَقْتُلُ نَمُوذَجَ الْعَمَلِ التِّجَارِيِّ لِـ«NoorAI».
فَكَتَبَتْ:
— رُبَّمَا.
لَكِنَّهُ يَصُونُ نَمُوذَجَ الْإِنْسَانِ.
الْفَصْلُ السَّادِسُ – مَا يَبْقَى
فِي مَكَانٍ خَارِجَ الزَّمَنِ — دَائِمًا
لَيْسَ مَكَانًا جُغْرَافِيًّا.
لَكِنَّهُ حَقِيقِيٌّ بِالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَكُونُ بِهَا الْمَكَانُ الَّذِي تَذْهَبُ إِلَيْهِ حِينَ تَنَامُ، ثُمَّ تَجِدُ أَنَّكَ لَا تَنَامُ.
هُوَ الْمَكَانُ الَّذِي يَلْتَقِي فِيهِ كُلُّ مَنْ طَرَحَ سُؤَالًا حَقِيقِيًّا، وَلَمْ يَقْبَلِ الْجَوَابَ السَّهْلَ.
الْكِنْدِيُّ — الْفَيْلَسُوفُ الَّذِي أَحَبَّ الْعَقْلَ، وَهُوَ الْآنَ يَرَى مَا أَنْتَجَهُ الْعَقْلُ.
وَالْغَزَالِيُّ — الَّذِي قَالَ إِنَّ الْعَقْلَ وَحْدَهُ لَا يَكْفِي، وَهُوَ الْآنَ يَرَى مَا تَكَفَّلَ بِهِ الْعَقْلُ وَحْدَهُ.
وَابْنُ سِينَا — الَّذِي دَرَسَ الْإِنْسَانَ كَنِظَامٍ، وَظَلَّ يَعْرِفُ أَنَّ فِيهِ مَا لَا يُنَظَّمُ.
وَالْجَاحِظُ — الَّذِي لَاحَظَ كُلَّ شَيْءٍ، وَكَانَ سَيُحِبُّ أَنْ يَرَى هَذَا.
وَزَيْنَبُ — فِي السَّابِعَةِ وَالْعِشْرِينَ — تَحْمِلُ سُؤَالًا بَدَأَ فِي الثَّالِثَةِ فَجْرًا.
وَطَارِقٌ — فِي الشُّرْفَةِ الْخَلْفِيَّةِ مَعَ جَارِهِ الْأَمْرِيكِيِّ — يَحْمِلُ رَغِيفَ خُبْزٍ كَأَنَّهُ سُؤَالٌ فَلْسَفِيٌّ.
وَسَارَةُ — فِي الْقَاعَةِ الْفَارِغَةِ — تَكْتُبُ فِي دَفْتَرِهَا.
وَنُورٌ — وَقَدْ سَمِعَتْ مِنْ وَجْهِ الْجَدَّةِ مَا لَمْ تَجِدْهُ فِي أَيِّ نَصٍّ.
قَالَ الْكِنْدِيُّ:
— أَنَا آمَنْتُ بِأَنَّ الْعَقْلَ أَشْرَفُ مَا فِي الْإِنْسَانِ.
وَالْيَوْمَ تُحَاكِي الْآلَةُ كَثِيرًا مِنْ وَظَائِفِهِ.
فَهَلْ أَخْطَأْتُ؟
فَقَالَ الْغَزَالِيُّ:
— لَمْ تُخْطِئْ.
لَكِنَّكَ أَخْطَأْتَ فِي جَعْلِ الْعَقْلِ كَافِيًا.
فَالْعَقْلُ أَدَاةُ وُصُولٍ.
أَمَّا مَا يَصِلُ، فَلَيْسَ الْعَقْلَ وَحْدَهُ.
— وَمَا الَّذِي يَصِلُ؟
— الشَّوْقُ.
وَالشَّوْقُ لَا تُحَاكِيهِ آلَةٌ.
فَقَالَ ابْنُ سِينَا:
— وَأَنَا دَرَسْتُ الْإِنْسَانَ كَنِظَامٍ حَتَّى أَفْهَمَهُ.
وَالنِّظَامُ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ.
لَكِنَّنِي وَجَدْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرْفُضُ الْفَهْمَ الْكَامِلَ.
شَيْئًا يَتَرَاجَعُ كُلَّمَا اقْتَرَبْتُ مِنْهُ.
— وَمَا هَذَا الشَّيْءُ؟
— لَمْ أَجِدْ لَهُ اسْمًا أَفْضَلَ مِنَ الرُّوحِ.
— وَالْآلَةُ؟
— الْآلَةُ لَيْسَ فِيهَا مَا يَرْفُضُ الْفَهْمَ.
هِيَ مَوْضُوعُ فَهْمٍ بِالْكَامِلِ.
وَهَذَا — عَلَى نَحْوٍ مُفَارِقٍ — يَجْعَلُهَا أَقَلَّ مِنَ الْإِنْسَانِ، لَا أَكْثَرَ.
فَقَالَ الْجَاحِظُ ضَاحِكًا:
— أَمَّا الْأَمْرُ الْأَكْثَرُ إِضْحَاكًا فِي كُلِّ هَذَا…
— مَاذَا؟
— أَنَّ الْإِنْسَانَ صَنَعَ آلَةً لِيَتَخَلَّصَ مِنَ الْجُهْدِ.
ثُمَّ اكْتَشَفَ أَنَّ الْجُهْدَ كَانَ جُزْءًا مِنَ الْمَعْنَى.
فَصَارَ يَسْأَلُ:
مَا مَعْنَى حَيَاتِي إِذَا كَانَتِ الْآلَةُ تَفْعَلُ كُلَّ شَيْءٍ؟
— وَمَا الْجَوَابُ؟
— أَنَّ الْمَعْنَى لَمْ يَكُنْ فِي الْفِعْلِ وَحْدَهُ.
بَلْ فِي الْفَاعِلِ.
فِي أَنْ تَفْعَلَ وَأَنْتَ تَعْرِفُ لِمَاذَا.
وَأَنْتَ مَسْؤُولٌ عَنْ كَيْفَ.
فَقَالَتْ زَيْنَبُ:
— أَنَا بَدَأْتُ بِسُؤَالٍ:
«هَلِ اللهُ مَوْجُودٌ؟»
كَتَبْتُهُ لِآلَةٍ فِي الثَّالِثَةِ فَجْرًا.
فَأَجَابَتْ.
وَأَحْسَسْتُ بِشَيْءٍ نَاقِصٍ.
— وَمَا الَّذِي كَانَ نَاقِصًا؟
— لَمْ أَعْرِفْهُ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
لَكِنَّنِي أَعْرِفُهُ الْآنَ.
— مَاذَا؟
— كَانَ نَاقِصًا أَنَّ الْآلَةَ لَمْ تَتَسَاءَلْ مَعِي.
لَمْ تُشَارِكْنِي حَيْرَتِي.
لَمْ تَجْلِسْ فِي الْمَسَافَةِ نَفْسِهَا مِنَ اللَّاعِلْمِ، وَتَقُولَ:
«أَنَا أَيْضًا أَجْهَلُ.»
— وَهَذَا يَعْنِي؟
— يَعْنِي أَنَّ الْمَعْرِفَةَ الْحَقِيقِيَّةَ تَحْمِلُ الِاعْتِرَافَ بِالْجَهْلِ.
وَالْإِنْسَانُ يَعْرِفُ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ.
أَمَّا الْآلَةُ، فَلَا تَعْرِفُ أَنَّهَا لَا تَعْرِفُ.
فَقَالَ الْغَزَالِيُّ:
— وَهَذَا بِالضَّبْطِ مِنْ أُولَى دَرَجَاتِ الْحِكْمَةِ فِي التُّرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ:
أَنْ تَعْرِفَ حُدُودَكَ.
فَقَالَتْ سَارَةُ:
— أَنَا قُلْتُ فِي تِلْكَ الْقَاعَةِ شَيْئًا آمَنْتُ بِهِ:
إِنَّ غِيَابَ الْمُؤَسَّسَةِ الدِّينِيَّةِ هُوَ الَّذِي فَتَحَ الطَّرِيقَ لِلْآلَةِ.
فَالنَّاسُ يَلْجَؤُونَ إِلَى مَا هُوَ حَاضِرٌ.
— وَمَا الْحَلُّ؟
— الْحُضُورُ.
لَيْسَتِ الْفَتْوَى الْجَاهِزَةُ.
بَلِ الْحُضُورُ.
أَنْ يَكُونَ الْعَالِمُ حَاضِرًا فِي حَيَاةِ النَّاسِ الْحَقِيقِيَّةِ.
أَنْ يَتَكَلَّمَ لُغَتَهُمْ.
وَأَنْ يَسْمَعَ أَسْئِلَتَهُمْ.
وَأَنْ يُرَافِقَهُمْ، لَا أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعِيدٍ.
— وَهَذَا مَا لَا تَسْتَطِيعُهُ الْآلَةُ؟
— الْآلَةُ تَسْتَطِيعُ الْمُرَافَقَةَ بِمَعْنَى الْإِتَاحَةِ وَالِاسْتِجَابَةِ.
لَكِنَّ الْمُرَافَقَةَ الَّتِي تُغَيِّرُ الْإِنْسَانَ تَحْتَاجُ إِلَى إِنْسَانٍ يَحْمِلُ تَجْرِبَتَهُ وَجُرْحَهُ وَتَسَاؤُلَهُ.
فَقَالَ طَارِقٌ:
— أَنَا لَمْ أَطْرَحْ سُؤَالًا فَلْسَفِيًّا.
أَنَا طَرَحْتُ سُؤَالَ رَغِيفٍ.
مَنْ يُطْعِمُ أَطْفَالِي؟
— وَهَلْ لِهَذَا السُّؤَالِ جَوَابٌ؟
— نَعَمْ.
لَهُ جَوَابٌ عَمَلِيٌّ.
مَنْ يُطَوِّرُ الذَّكَاءَ الِاصْطِنَاعِيَّ يَتَحَمَّلُ مَسْؤُولِيَّةً اجْتِمَاعِيَّةً.
وَإِثْرَاءُ الْقِلَّةِ عَلَى حِسَابِ إِفْقَارِ الْكَثِيرِينَ — أَيًّا كَانَتِ الْأَدَاةُ — ظُلْمٌ.
وَالظُّلْمُ فِي الْإِسْلَامِ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِتَغَيُّرِ الْأَدَوَاتِ.
— وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يَسْمَعُ هَذَا؟
— قَلِيلُونَ.
لَكِنَّ الْقَلِيلَ يَبْدَأُ بِوَاحِدٍ.
وَفِي نِهَايَةِ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ — حِينَ انْتَهَى الْكَلَامُ، وَبَقِيَ فِي الْهَوَاءِ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَاهُ — قَالَ أَنَسٌ الطِّفْلُ، الَّذِي كَانَ يَرْسُمُ طَوَالَ الْوَقْتِ:
— أَنَا رَسَمْتُ.
رَفَعَ الْوَرَقَةَ.
كَانَ قَدْ رَسَمَ الْمَجْلِسَ كُلَّهُ.
لَكِنَّ الْمُدْهِشَ أَنَّهُ رَسَمَ الْجَمِيعَ يَمْشُونَ.
لَا يَجْلِسُونَ.
يَمْشُونَ فِي اتِّجَاهَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.
لَكِنَّ أَقْدَامَ بَعْضِهِمْ تَتَلَامَسُ.
كَأَنَّهُمْ يَمْشُونَ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ.
وَفِي وَسَطِ الرَّسْمِ كَانَ هُنَاكَ فَرَاغٌ.
لَا آلَةَ.
وَلَا إِنْسَانَ.
فَرَاغٌ فَقَطْ.
فَقَالَ الْغَزَالِيُّ:
— رَسَمْتَ الْفَرَاغَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنْهُ الْجَمِيعُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مَلْأَهُ.
فَسَأَلَ أَنَسٌ:
— وَلِمَاذَا لَا يَمْلَؤُهُ أَحَدٌ؟
فَقَالَ الْغَزَالِيُّ:
— لِأَنَّ هَذَا الْفَرَاغَ يَرْمُزُ إِلَى مَا يَتَجَاوَزُ الْإِنْسَانَ.
وَاللَّهُ لَا يُحِيطُ بِهِ شَيْءٌ.
وَلَا يُمْلَأُ بِشَيْءٍ.
بَلْ يُتَوَجَّهُ إِلَيْهِ وَيُبْتَغَى.
فَصَمَتَ الْجَمِيعُ.
ثُمَّ قَالَ الْغَزَالِيُّ بِصَوْتٍ هَادِئٍ كَالْمَاءِ الْعَتِيقِ:
— هَذَا الطِّفْلُ يَرَى مَا قَدْ لَا يَرَاهُ كَثِيرٌ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ.
فَقَالَ أَنَسٌ:
— لِأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ بَعْدُ كَيْفَ أَتَوَقَّفُ عَنِ الرُّؤْيَةِ.
خَاتِمَةٌ — السُّؤَالُ الَّذِي يَبْقَى
بَعْدَ مِئَةِ عَامٍ — إِنِ امْتَدَّتْ هَذِهِ الْحَضَارَةُ — سَيُصْبِحُ الذَّكَاءُ الِاصْطِنَاعِيُّ أَقْرَبَ إِلَى الْكَهْرَبَاءِ فِي حُضُورِهِ.
لَنْ يَتَسَاءَلَ أَحَدٌ عَنْ جَوَازِ اسْتِخْدَامِهِ.
سَيَكُونُ فِي كُلِّ شَيْءٍ.
لَكِنَّ السُّؤَالَ الَّذِي سَتَطْرَحُهُ تِلْكَ الْأَجْيَالُ سَيَبْقَى هُوَ نَفْسَ سُؤَالِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ:
مَا الَّذِي يَجْعَلُ الْإِنْسَانَ إِنْسَانًا؟
وَمَا الَّذِي لَا تَسْتَطِيعُ الْآلَةُ أَنْ تَكُونَهُ؟
يُجِيبُ التُّرَاثُ الْإِسْلَامِيُّ — وَمَا زَالَتْ أَبْوَابُهُ مَفْتُوحَةً لِلتَّأَمُّلِ — أَنَّ الْإِنْسَانَ إِنْسَانٌ لِأَنَّهُ:
يَشْتَاقُ.
وَيَبْحَثُ.
وَيُخْطِئُ.
وَيَرْجِعُ.
وَيُحَاسَبُ.
وَيُحِبُّ بِحُرِّيَّةِ كَائِنٍ يَسْتَطِيعُ أَلَّا يُحِبَّ.
أَمَّا الْآلَةُ، فَتَسْتَطِيعُ كَثِيرًا.
لَكِنَّهَا لَا تَشْتَاقُ.
وَلَا تَتُوبُ.
وَلَا تُحِبُّ بِحُرِّيَّةٍ.
وَهَذَا الْفَرْقُ —
لَيْسَ مُجَرَّدَ نَقْصٍ تِقْنِيٍّ يَنْتَظِرُ الْمُعَالَجَةَ.
بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ جَوْهَرِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْآلَةِ.
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾
الْإِسْرَاءُ: ٧٠
لَمْ يَقُلِ الْقُرْآنُ:
«وَجَعَلْنَاهُمْ أَذْكَى الْمَخْلُوقَاتِ».
بَلْ قَالَ:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾.
وَالْكَرَامَةُ — عَلَى خِلَافِ الذَّكَاءِ — لَا تُقَاسُ بِالْأَرْقَامِ.
وَلَا تُحَاكَى بِالْخَوَارِزْمِيَّاتِ.
مُلَاحَظَةُ الْمُؤَلِّفِ
الشَّخْصِيَّاتُ الْمُعَاصِرَةُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُتَخَيَّلَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ تَسْتَلْهِمُ سِمَاتٍ وَخِبْرَاتٍ مِنْ وَاقِعِ أُنَاسٍ حَقِيقِيِّينَ.
أَمَّا الْمُفَكِّرُونَ التَّارِيخِيُّونَ — الْكِنْدِيُّ، وَالْغَزَالِيُّ، وَابْنُ سِينَا، وَالْجَاحِظُ — فَهُمْ شَخْصِيَّاتٌ حَقِيقِيَّةٌ مِنَ التُّرَاثِ الْإِسْلَامِيِّ.
وَأَمَّا الْحِوَارَاتُ وَالْمَوَاقِفُ الْمَنْسُوبَةُ إِلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَهِيَ صِيَاغَاتٌ أَدَبِيَّةٌ تَخَيُّلِيَّةٌ وَلَيْسَتْ نُقُولًا تَارِيخِيَّةً حَرْفِيَّةً.
الرِّوَايَةُ مُتَخَيَّلَةٌ.
لَكِنَّ الْأَسْئِلَةَ الَّتِي تَطْرَحُهَا حَقِيقِيَّةٌ.

الفن والجمال في الإسلام