ظِلُّ القَرار

روايـة
ظِلُّ القَرار
الجزء الأول

المقدِّمة
بَدَأَتِ الحِكَايَةُ مِنْ بَحْثٍ عَنْ أَسْئِلَةٍ لِأَجْوِبَةٍ، كَانَت تَتَرَدَّدُ أَحْيَانًا أَوْ تُطْرَحُ كَأَنَّهَا كَلَامٌ سَرْدِيٌّ بَدِيهِيٌّ.
ذٰلِكَ النَّوْعُ مِنَ الأَسْئِلَةِ الَّذِي ظَلَّ يَأْبَى أَنْ يُسْجَنَ فِي قَوَالِبَ أَوْ أَمَاكِنَ أَوْ تَوَارِيخَ جَامِدَةٍ بِلَا حَيَاةٍ.
فَلَمْ يَكُنْ لأَحَدٍ أَنْ يَجْزِمَ قَائِلًا:
“هُنَا وُلِدَتِ البِدَايَةُ”،
وَ لِذٰلِكَ لَمْ يَستَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُحَدِّدَ لَهَا يَوْماً يُسَطَّرُ فِي سِجِلٍّ رَسْمِيٍّ ليُقَالَ:
“فِي هٰذِهِ السَّاعَةِ؛ وَمِنْ هَذَا المَكَانِ انْطَلَقَتِ الحِكَايَةُ”.
هَلْ كانَت تشبِهُ شَرارةً مُرتعِشَةً؟ أَمْ ومضةً ضَعيفةً انسَلَّت عَبرَ غُبارِ قريةٍ مَنسِيَّةٍ؟
كأنَّها أَطَلَّتْ كَيْ لا تَجرؤُ عَلى الحياةِ إلا خُلسةً.
تَراها العَينُ فتَفزَعُ في الوَقتِ نَفسِهِ:
فإلى أَينَ تَمضي؟
أَإلى قَريَةٍ ضَبابِيَّةٍ ابتَلَعَها النِّسيانُ؟
أَم إلى حُلمٍ مُهمَلٍ بَقيَ في صَدرِ صاحِبِهِ، يَئِنُّ لأَنَّهُ لم يَكتَمِل يَومًا؟
إنَّ قِصَصَ الحياةِ غَريبَةُ الأَطوارِ.
هي تَختَبِئُ طَويلًا في أَعمَاقِ الصَّمتِ؛
لِتَنْهَضَ مَرَّةً عَلى شَكلِ أَصواتٍ مُتَكَسِّرَةٍ، تَتَهامَسُ في الضَّبابِ فلا يَجرؤُ أَحَدٌ عَلَى تفسِيرِها؛ ومَرَّةً أُخرى كَخَفَقاتِ قَلبٍ مُتعَبٍ، لا أَحَدَ يصغِي إِلَيهِ.
ثُمَّ فَجأَةً، بلا سابِقِ إِنذارٍ، تَنفَجِرُ تِلكَ الأَصواتُ إلى الخارِجِ،
تَبحَثُ عَن مَنفَذٍ، عَن صَدرٍ يَتَّسِعُ لَها.
لكِنَّها كَي تَصيرَ وُجودًا، تَحتاجُ إلى أَرضٍ تَستَقِرُّ فيها، إلى يَدٍ تَحتَضِنُها، وإلى صَدرٍ يَسمَعُها.
فالعَدَمُ لا يُورِقُ، والبذرَةُ تَموتُ إن لَم تَجِد تُربَةً تَمنَحُها حَنانَها.
والذِّكرى وَحدَها لا تَبقى حَيَّةً إلّا إذا ظَلَّلَها أُفُقٌ رَحيمٌ يَحميها مِنَ الرِّياحِ العاتِيَةِ.
لهذا كانَ لا بُدَّ لِتِلكَ الحِكايةِ أن تَبحَثَ عَن مدخَلٍ يَليقُ بِها؛ بابٍ لا يَكشِفُ ما وَراءَهُ إلّا لِمَن يَجرؤُ عَلى فَتحِهِ.
لَيسَ بَحثًا عَن حَقيقَةٍ تُسَجَّلُ، ولا عَن رَقمٍ يُدَوَّنُ، بَل عَن بِدايَةٍ غَيرِ غامِضَةٍ, لَا تُشبِهُ عَتبَةً مُوصَدَةً؛ يَقِفُ المَرءُ أَمامَها وقَلبُهُ يَتَرَدَّدُ قَبلَ أَنْ يَقُولَ:
“هَل أَطرُقُها؟
هَل أَجرؤُ؟”
غَيرَ أَنَّهُ يَعلَمُ في قَرارَةِ نَفسِهِ أَنَّ فَتحَها وَحدَهُ سَيَمنَحُهُ عُبورًا إلى دارٍ مُخبَّأَةٍ خَلفَ الجِدارِ.
فَوقَ ذلِكَ البابِ، كُتِبَ اسمٌ واحِدٌ:
“هاربوُرغ”.
ورَقمٌ واحِدٌ:
الفصل الأول:
قَريةٌ صَغيرَةٌ عِندَ أَطرافِ الإمبراطوريَّةِ، بُيوتُها مُبعثَرَةٌ عَلى ضِفَّةِ النَّهرِ كَالحِجارَةِ الَّتي أَلقاها طِفلٌ ثُمَّ نَسِيَها.
الدُّخانُ يَتَسَلَّلُ بِبُطءٍ مِنَ المَداخِنِ، يَتَلَوَّى في الهَواءِ كَأَنَّهُ يُحاوِلُ عَبَثًا أَن يَمدَّ سِتارًا داكِنًا يُخفِي غُيومَ الحَربِ المُقبِلَةِ.
وفي تِلكَ القَريةِ، كانَ كُلُّ قَلبٍ يَضطَرِبُ في صَدرِهِ، كُلُّ عَينٍ تَتَساءَلُ:
“ما الَّذي يَختَبِئُ وَراءَ هذَا الاسمِ؟ وما الَّذي يُوشِكُ أَن يُولَدَ مَعَ هذَا الرَّقمِ؟”
كَأَنَّ الأَروحَ نَفسَها تَتَحَسَّسُ الطَّريقَ، والجِباهُ تَتَصَبَّبُ عَرَقًا قَبلَ أَن يُقالَ أَوَّلُ حَرفٍ مِنَ الحِكايةِ.
ما زالَ ضَحِكُ الأَطفالِ يَتَرَدَّدُ في السَّاحاتِ كَأَنَّهُ بَقايا ضَوءٍ يَتَشَبَّثُ بِالنَّهارِ، غَيرَ أَنَّهُ لَم يَعُد بَريئًا تَمامًا؛ صارَ يَختَلِطُ بِوشوشاتٍ مُثقلَةٍ، يَتَبادَلُها الشُّيوخُ والنِّساءُ حَولَ مَواقِدِ اللَّيلِ.
أَحَدُ الشُّيوخِ يُحَرِّكُ جَمرَ الحَطَبِ بِعَصًا مُرتَجِفَةٍ، عَيناهُ نِصفُ مُطفَأَتَينِ مِنَ التَّعَبِ، يَهمِسُ بِصَوتٍ يَكادُ يَختَفِي:
“أَهُوَ تَحالُفٌ جَديدٌ؟”
فَتُجيبُهُ اِمرَأَةٌ وَهيَ تَجُرُّ نَفَسًا ثَقيلًا، عَينَاهَا تَزوغانِ نَحوَ الظَّلامِ كَأَنَّهَا تَبحَثُ عَن طَيفٍ يَختَبِئُ هُناكَ:
“أَم حُدودٌ تُعَادُ رَسمُها مِن جَديدٍ؟”
إنَّهُ صَدى الحَربِ القَريبَةِ؛ تُقبِلُ مِثلَ عاصِفَةٍ بَعيدَةٍ، لا تُرَى بَعدُ، لَكِنَّ العِظامَ ارتَعَشَتْ قَبلَ أَن يَهُبَّ رِيحُها.
كانَ كُلُّ قَلبٍ يُحِسُّها بِطَريقَتِهِ:
شَيخٌ يَبتَلِعُ رِيقَهُ بِخَوفٍ صامِتٍ، وَامرَأَةٌ تَشُدُّ طِفلَها إلى صَدرِها أَكثَرَ مِنَ اللازِمِ، وَصَبِيٌّ يَركُضُ ثُمَّ يَتَوَقَّفُ فَجأَةً لِيَتَساءَلَ في سِرِّهِ:
“لِماذا يَتَهامَسُونَ؟ هَلِ اقتَرَبَ شَيءٌ لا أَفهَمُهُ؟”
مَن كانَ يَظُنُّ أَنَّ مِن هُنا، مِن هذَا الرُّكنِ البَعيدِ المَنسِيِّ، سَتَبدَأُ الحِكايةُ؟ حِكايةٌ ستَتَحَدَّى الزَّمَنَ وَستَضحَكُ في وَجهِ الخَرائِطِ. أَهِيَ مُجرَّدُ صُدفَةٍ عابِرَةٍ؟ أَم أَنَّ القَدَرَ كانَ مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ قَد حَسَمَ أَمرَهُ، وَكَتَبَ حُكمَهُ عَلى مَن سَيَقَعُ في ظِلِّهِ؟
وَرُبَّما لَم يَكُن أَكثَرَ مِن نَفَسِ رِيحٍ بارِدَةٍ، مَرَّت عَبرَ نافِذَةٍ مُهمَلَةٍ، فَحَرَّكَت سِتارَةً باهِتَةً في بَيتٍ رِيفِيٍّ صَغيرٍ.
حَفيفٌ خافِتٌ يَكادُ لا يُسمَعُ، لَكِنَّهُ كانَ أَشبَهَ بِالنَّغمَةِ الأُولى في لَحنٍ طَويلٍ لا يَنتَهِي.
هَكَذا، بِبَساطَةٍ لَم يَلحَظها أَحَدٌ، بَدَأَت.
لا في قُصورِ المُلوكِ، حَيثُ الأَبوابُ الثَّقيلَةُ تُفتَحُ عَلى ضَجيجِ الوَلائِمِ، وَلا في صَخَبِ المُدُنِ الكُبرى، بَل في قَريةٍ صَغيرَةٍ ضَئيلَةٍ، بِالكادِ يَلتَفِتُ إِلَيها عابِرُ سَبيلٍ.
في عامٍ لا يَعني لِلكَثيرينَ أَكثَرَ مِن رَقمٍ مُدَوَّنٍ في دَفاتِرِ التَّاريخِ، لَكِنَّهُ لِأحد أَهلِها كانَ بِدايَةَ كُلِّ شَيءٍ.
في سَنَةِ ١٧٥٦، كانَتِ الأَرضُ الَّتي نُسَمِّيها اليَومَ “أَلمانيا” تَرزَحُ تَحتَ ظِلِّ التَّهديدِ المُستَمِرِّ.
لَم يَكُن ذلِكَ الاِسمُ يَومَئِذٍ يَدُلُّ عَلى دَولَةٍ واحِدَةٍ، بَل عَلى فُسَيفِساءَ مِن مَمالِكٍ وَإِماراتٍ وَمُدُنٍ حُرَّةٍ؛ تَتَلاقى أَحيانًا عَلى كَلِمَةٍ واحِدَةٍ، وَتَتَنافَرُ في أَكثَرِ الأَحيانِ تَحتَ عَباءَةٍ اسمُها “الإِمبراطُورِيَّةُ الرُّومانِيَّةُ المُقَدَّسَةُ”.
في الشَّمالِ كانَت بروسيا تُخَطِّطُ بِخُطىً واثِقَةٍ لِتَوسِيعِ نُفوذِها، وَفي الجَنوبِ كانَت عُيونُ آلِ هابسبورغ شاخِصَةً تَتَرَقَّبُ كُلَّ حَرَكَةٍ تُدَبَّرُ في الخَفاءِ، كَذِئابٍ تَتَحَيَّنُ اللَّحظَةَ. وَمِن وَراءِ الجِبالِ وَالأَنهارِ، أَخَذَ صَدى الطُّبولِ يَتَرَدَّدُ، صَوتُهُ البَعيدُ يَقرَعُ القُلوبَ قَبلَ الآذانِ، كَأَنَّهُ يُنذِرُ بِوِلادَةِ ما سَيُسَمِّيهِ النّاسُ فيما بَعدُ “حَربَ السَّنواتِ السَّبعِ”؛ أَوَّلَ حَربٍ عالَمِيَّةٍ مُتَنَكِّرَةٍ بِقِناعِ العُصورِ القَديمَةِ.
فَأَيُّ يَدٍ خَفِيَّةٍ شاءَت أَن تَكونَ تِلكَ القَريةُ المَنسِيَّةُ مَسرَحًا لِوِلادَةٍ كَهذِهِ؟
أَكانَت مُجرَّدَ مُصادَفَةٍ بارِدَةٍ؟
أَم أَنَّ القَدَرَ اختارَ أَن يَفتَحَ سِتارَ التَّاريخِ مِن أَبسَطِ مَكانٍ، لِيُخرِجَ إِلى العالَمِ أَضخَمَ مَلاحِمِهِ؟
وَهَل كانَ أَحَدٌ مِن أَهلِ القَريةِ يَعلَمُ، وَهُوَ يُغلِقُ بابَ بَيتِهِ في تِلكَ اللَّيلَةِ، أَنَّ خُطواتِهِ الصَّغيرَةَ سَتُدَوَّنُ يَومًا عَلى صَفَحاتِ جُزءٍ آَخَرَ مِنَ العَالَمِ؟
كانَتِ الشُّموعُ تَتَراقَصُ عَلى لَهِيبِها، تَتَأَرجَحُ بَينَ إِشراقَةٍ خَجولَةٍ وَانطِفاءَةٍ مُفاجِئَةٍ، كَما لَو أَنَّها مُتَرَدِّدَةٌ بَينَ أَن تَحيَا أَو أَن تَموتَ.
وفي البَعيدِ، عَبَرَ الجُنودُ الحُقولَ كَالعاصِفَةِ، يَقتَلِعُونَ القُرى مِن دفءِ مَطاحِنِها وَحُقولِها، لِيُلقُوا بِها في بُرودَةِ خَنادِقِ الحَربِ.
تَوَقَّفَ أَحَدُ الجُنودِ، شَدَّ قَبضتِهِ حَولَ حَربَةٍ بارِدَةٍ، ثُمَّ هَمَسَ بِصَوتٍ مَبـحوحٍ يَخشَى أَن يَسمَعَهُ الهَواءُ:
“إِلى أَينَ نَحنُ ذاهِبُونَ؟”
فَأَجابَهُ الصَّمتُ المُوحِشُ، صَمتٌ أَثقَلُ مِن وَقعِ الطُّبولِ، وَأَقسَى مِن زَمجَرَةِ المَدافِعِ.
الإِجبَارُ، الوَاجِبُ، وَالخَطَرُ… ثُلاثِيٌّ غَلَّفَ القُلوبَ بِقَلَقٍ خانِقٍ، حَتّى غَدا كُلُّ نَفَسٍ يُسحَبُ كَأَنَّهُ يُنتَزَعُ مِن صَدرٍ مُحاصَرٍ.
وفي خِضَمِّ هذِهِ التَّوَتُّراتِ، عَلى ضِفافِ نَهرِ إِلبَه، جَنوبَ هامبورغ، كانَت قَريةٌ هادِئَةٌ تُدعَى هاربوُرغ تَنامُ عَلى أَحلامِها الصَّغيرَةِ.
هُناكَ، وُلِدَ طِفلٌ اسمُهُ دانيال، في بَيتٍ يَملِكُ مطحَنَةً مائِيَّةً قَديمَةً. لَم يَرَ الأَهلُ في المطحَنَةِ مُجرَّدَ وَسيلَةٍ لِطَحنِ الحُبوبِ أَو كَسبِ الرِّزقِ، بَلِ اعتَبَروها حِصنًا يَصُدُّ عَنهُم عَواصِفَ العالَمِ، وَجِدارًا يَحمِي دِفءَ حَياتِهِم مِن رِيحِ السِّياسَةِ وَالحَربِ.
جَلَسَ الأَبُ ذاتَ مَساءٍ عِندَ بابِ المطحَنَةِ، عابِسَ الجَبِينِ، عَيناهُ غائِرَتانِ في الماءِ المُتَدَفِّقِ تَحتَ عَجَلاتِ الطّاحُونَةِ.
أَخَذَ يُحَدِّثُ نَفسَهُ بِصَوتٍ خافِتٍ، كَأَنَّهُ يَخشَى أَن يَسمَعَهُ الحَجَرُ:
“ماذا لَو جاءَ يَومٌ يُرسَلُ فيهِ ابنِي إِلى حَربٍ لا أَفهَمُ غاياتِها؟”
“ماذا لَوِ ابتَلَعَتهُ نِيرانُ الخَرائِطِ الَّتي رَسَمَها السّاسَةُ وَالدِّينُ؟”
شَدَّ عَلى حافَّةِ الطّاحُونَةِ بِيَدِهِ، كَأَنَّهُ يَستَمِدُّ مِن خَشبِها المَتِينِ بَعضَ ما فَقَدَهُ في قَلبِهِ مِن ثَباتٍ.
أَمَّا المطحَنَةُ نَفسُها، فَكانَت أَكثَرَ مِن آلَةٍ شُيِّدَت بِعَرَقِ الجَبِينِ وَحِكمَةِ المِياهِ. كانَت رَمزًا لِصُمودٍ صامِتٍ، مَلاذًا آمِنًا في زَمَنٍ تَضرِبُهُ العَواصفُ مِن كُلِّ جِهَةٍ.
يَهمِسُ الأَبُ وَهُوَ يُتابِعُ حَرَكَةَ الأَبوابِ الخَشَبِيَّةِ وَصَوتَ الماءِ:
“هُنا، بَينَ جُدرانِها، كُلُّ شَيءٍ يَبدو ثابِتًا… وَكَأَنَّ الزَّمَنَ يَخشَى أَن يَقتَرِبَ.”
أَمَّا الطِّفلُ دانيال، فَكانَ يُراقِبُ المِياهَ وَهِيَ تَتَلأْلَأُ تَحتَ أَشِعَّةِ الشَّمسِ الخافِتَةِ، يَضحَكُ حِينًا، وَيَصمُتُ حِينًا آخَرَ، كَأَنَّهُ يَرى مُستَقبَلَهُ مَرسومًا أَمامَهُ عَلى شَكلِ نَهرٍ لا يَنتَهِي. لَم يَفهَم كَلِماتِ أَبِيهِ، لَكِنَّ قَلبَهُ الصَّغيرَ اَلتَقَطَ قَلَقًا خَفِيًّا تَسَلَّلَ بَينَ نَبرَةِ الصَّوتِ وَارتِجافَةِ اليَدِ.
كانَت هاربوُرغ صَغيرَةً في عَينِ الإِمبراطُورِيَّةِ، تَكادُ لا تُرَى عَلى خَرائِطِ المُلوكِ. غَيرَ أَنَّها، في سِرِّ مَوقِعِها، كانَت قَلبًا نابِضًا بَينَ تَيَّارَينِ مُتَناقِضَينِ:
مِن جِهَةٍ، طُرُقُ التِّجارَةِ الدُّوَلِيَّةِ، وَسُفُنُ المِلحِ وَالقُطنِ القادِمَةِ إِلَى هامبورغ،
وَمِنَ الجِهَةِ الأُخرَى، تَيَّارُ القَلَقِ الَّذي يَجُرُّ سُكّانَها إِلى مُستَقبَلٍ غامِضٍ، كَأَنَّهُم يَسيرونَ عَلى حافَّةِ نَهرٍ عَميقٍ لا يَعرِفُونَ مَتى يَفيضُ.
نَشَأَ دانيالُ مُولِر بَينَ قُوَّتَينِ مُتَناقِضَتَينِ:
صَخَبُ العالَمِ بِالخارِجِ، وَهُدوءُ الطّاحُونَةِ بِالدّاخِلِ.
مُنذُ طُفولتِهِ، كانَ يَشعُرُ بِالعَناصِرِ مِن حَولِهِ كَما لَو أَنَّها كائِناتٌ حَيَّةٌ تُخاطِبُهُ:
الطَّحِينُ يَطيرُ فِي الهَواءِ كَغَيمَةٍ صَغيرَةٍ تُداعِبُ وَجنَتَيهِ،
الغُيومُ تَمُرُّ فَوقَ رَأسِهِ وَتُغَيِّرُ مَلامِحَ السَّماءِ،
وَالماءُ يَنسابُ فِي مَجرَاهُ وَهَمسُهُ يُشبِهُ لُغَةً غامِضَةً لا يَفهَمُها أَحَدٌ سِواهُ.
كُلُّ شَيءٍ حَولَهُ كانَ يَتَكَلَّمُ إِلَيهِ، وَكانَ قَلبُهُ الطِّفلُ يُصغِي بِجِدِّيَّةٍ عَجيبَةٍ.
لَكِنَّ نِيرانَ الحَربِ كانَت تَنتَظِرُ عَلى عَتَباتِ القَدَرِ، لِتُغَيِّرَ مَسارَ حَياتِهِ جَذريًّا.
لَم تَدخُلِ الحَربُ أَوَّلَ مَرَّةٍ عَلى شَكلِ جُنديٍّ يَقتَحِمُ الحُقولَ، بَل جاءَت فِي هَيئَةِ قَرارٍ واحِدٍ، كَلِمَةٍ حاسِمَةٍ كُتِبَت فِي مَكانٍ بَعيدٍ، بَدَت لِلنّاسِ وَعدًا بِالخَلاصِ، غَيرَ أَنَّها فِي الدّاخِلِ فَتَحَت أَبوابَ التَّشَتُّتِ، وَمَهَّدَت لِطَريقٍ طَويلٍ سَيُصاغُ بِالأَلَمِ وَالاختِيارِ، وَسَيَترُكُ فِي أَعمَاقِ الرّوحِ صَدىً يَهمِسُ:
“كُلُّ قَرارٍ يَترُكُ أَثَرًا لا يُمحَى.”
“فَكُلُّ قَرَارٍ يُنْبِتُ ظِلّاً؛ وَلَا أَحَد يَدْرِي مَا الظِّلُّ الَّذِي سَتَجْلِبُهُ قَرَارَاتُ الْيَوْمِ.”
وَبَينَما كانَ دانيالُ يَنمُو عَامًا بَعدَ عَامٍ، كانَتِ الطّاحُونَةُ المائِيَّةُ تُواصِلُ أَنينَها الرَّتِيبَ، كَأُمٍّ لا تَكُفُّ عَنِ الغِناءِ لِطِفلِها. أَجنِحَتُها تَدورُ فِي مَجرَى الماءِ، وَأَحجارُها الثَّقيلَةُ تُصدِرُ صَريرًا يُشبِهُ خَفقانَ قَلبٍ مُتعَبٍ، يَتَرَدَّدُ صَداهُ فِي كُلِّ زاوِيَةٍ مِنَ البَيتِ.
حَتّى حِينَ كانَ صَبِيًّا صَغيرًا، كانَ يَقِفُ عِندَ حافَّةِ الطّاحُونَةِ، يَمدُّ يَدَيهِ فِي تَيّارِ الماءِ، فَيَرتَجِفُ جَسَدُهُ الصَّغيرُ لاهتِزازاتِهِ، وَكَأَنَّ النَّهرَ يُحاوِلُ أَن يُفضِيَ إِلَيهِ بِسِرٍّ لم يقلهُ له والده. يَرفَعُ بَصرَهُ إِلَى انعِكاساتِ الماءِ المُتَلَوِّنَةِ، يَبتَسِمُ أَحيانًا، ثُمَّ يَهمِسُ لِنَفسِهِ:
“كُلُّ شَيءٍ يَتَغَيَّرُ… حَتّى أَنا.”
مِن عَتَبَةِ البَابِ، كانَ الأَبُ يُراقِبُهُ بِصَمتٍ، ذِراعاهُ مَعقودَتانِ فَوقَ حِزامِهِ، وَجَبهَتُهُ مَطوِيَّةٌ بِالقَلَقِ. عَيناهُ لا تُفارِقانِ ذلِكَ الجَسَدَ النَّحيلَ الَّذِي يَجلِسُ أَمامَ الماءِ، بَينَما داخِلُهُ يَموجُ بِأَسئِلَةٍ لا جَوابَ لَها. يُحَدِّثُ نَفسَهُ بِصَوتٍ خافِتٍ، بِالكادِ تَسمَعُهُ الجُدرانُ:
“هَل سَيَعرِفُ كَم هُوَ ثِقَلُ العالَمِ حِينَ تَشتَعِلُ الدُّنيا مِن جَديدٍ؟ هَل سَيَكونُ قَوِيًّا بِما يَكفِي… كَي لا يَنكَسِرَ؟”
يَدُهُ كانَت أَحيانًا تَضغَطُ عَلى خاصِرَتِهِ، وَأَحيانًا أُخرَى تَقبِضُ الهَواءَ كَمَن يُريدُ أَن يُمسِكَ الزَّمَنَ وَيُوقِفَهُ.
أَمَّا دانيالُ، فَلَم يَكُن يَعرِفُ شَيئًا عَن هَذِهِ التَّنبُؤاتِ المُظلِمَةِ الَّتِي تَجثُمُ فِي رَأسِ أَبِيهِ.
بِالنِّسبَةِ لَهُ، كانَتِ الطّاحُونَةُ عالَمًا مُكتَفِيًا بِذاتِهِ:
الجُدرانُ المُشبَّعَةُ بِرائِحَةِ القَمحِ، أَشِعَّةُ الشَّمسِ الَّتِي تَدخُلُ كَسَكاكِينَ ذَهَبِيَّةٍ عَبرَ النَّوافِذِ، وَصَوتُ الماءِ الَّذِي لا يَتَوَقَّفُ عَنِ الغِناءِ.
كُلُّ صَريرٍ، كُلُّ اهتِزازٍ لِلحِجارَةِ كانَ بِالنِّسبَةِ إِلَيهِ حَديثًا خَفِيًّا مَعَ الحَياةِ ذاتِها.
لَكِن تَحتَ هَذِهِ الصُّورَةِ المُشرِقَةِ، كانَ ظِلُّ السَّنَواتِ القادِمَةِ يَمتَدُّ شَيئًا فَشَيئًا.
كانَ دانيالُ يَلمَسُهُ دُونَ أَن يُدرِكَهُ؛ حِينَ يَسمَعُ خُطُواتِ أَبِيهِ الثَّقِيلَةِ فِي أَرجاءِ البَيتِ لَيلًا، خُطُواتٌ كَأَنَّها تُثقِلُ الأَرضَ بِهُمومِها.
كانَ الطِّفلُ يَكتُمُ أَنفاسَهُ وَهُوَ يَتَخَيَّلُ أَنَّ المُصِيبَةَ واقِفَةٌ وَراءَ البَابِ.
فِي تِلكَ اللَّحَظاتِ، كَثِيرًا ما كانَ يَنسَحِبُ إِلَى زاوِيَةٍ صَغيرَةٍ مِنَ الغُرفَةِ، يَضُمُّ رُكبَتَيهِ إِلَى صَدرِهِ، وَيُغَطِّي وَجهَهُ بِذِراعَيهِ، ثُمَّ يَهمِسُ لِنَفسِهِ بِصَوتٍ مُرتَجِفٍ:
“إِذا كانَ كُلُّ شَيءٍ هَشًّا هَكَذا… فَهَل أَستَطِيعُ أَنا أَن أُمسِكَ بِشَيءٍ ثابِتٍ؟”
بَينَما كانَتِ الأُمُّ تنفض بَينَ أَحجارِ الطّاحُونَةِ، يَكسو ثوبُها غُبارُ الطَّحينِ الأَبيضِ كَأَنَّهُ غَيمَةٌ صَغيرَةٌ اِلْتَصَقَت بِجَسدِها، رَأت بِعَينَيْها ما لَم يَقُلْه فَتى البَيتِ. تِلكَ الاِنكساراتُ الخَفِيَّةُ فِي عَينَي دانيال، التَّرَدُّدُ فِي حَركَتِهِ، وَشُرودُ نَظَرِهِ إِلَى ما وَراءَ الماءِ.
اِقتَرَبَت بِهُدوءٍ، وَضَعَت يَدَها عَلى كَتِفِهِ بِرِفقٍ، وَضَغطَت قَليلاً كَأَنَّهَا تُريدُ أَن تُثَبِّتَهُ عَلَى الأَرضِ.
قالَت بِصَوتٍ حَنونٍ مائِلٍ إِلَى الرَّجاء:
“دانيال… كُلُّ شَيءٍ سَيَجِدُ طَريقَهُ. عَلَيكَ فَقَط أَن تَتَعلَّمَ مَن ومَاذَا وَمَتَى تسأل؛ كَيْفَ تُفَكِّرُ.”
لَكِنَّ الفَتى لَم يَسمَعِ الكَلِماتِ وَحدَها. اِرتَجَفَ قَلبُهُ عَلى وَقعِ الاِرتِعاشَةِ الخَفِيَّةِ فِي نَبرَتِها، وَرَأى القَلَقَ يَتَلألأُ فِي عَينَيْها كَما لَو أَنَّهُما مِرآتَانِ لِسَماءٍ ملَبَّدَةٍ. كانَ فِي صَوتِها اِعتِرافٌ صَامتٌ لَم تَنطِقْهُ الشَّفاهُ:
“حَتّى نَحنُ… لَسنا أَكثَرَ مِن غُبارٍ صَغيرٍ فِي مَجرَى الزَّمَنِ.”
وَفِي مَساءٍ غارِقٍ بِلونِ الغُروبِ، حِينَ اِبتَلَعَتِ الشَّمسُ نِصفَهَا فِي نَهرِ إِلبَه، وَرَسَمَتِ الطّاحُونَةُ بِظِلالِها الطَّويلَةِ عَلى صَفحَةِ الماءِ، شَعَرَ دانيالُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ بِثِقلِ القَراراتِ الَّتِي تَنتَظِرُهُ. لَم تَعُدِ الحَياةُ مُجرَّدَ لَعِبٍ مَعَ الماءِ وَالضَّوءِ؛ لَقَد بَدَأَتِ الدُّنيا خَارجَ القَريةِ تَطرُقُ قَلبَهُ بِرِفقٍ، لَكِن بِلا تَوقُّفٍ، كَيَدٍ تُصِرُّ عَلى الدُّخولِ:
“كُلُّ خِيارٍ سَيَترُكُ أَثَرَهُ فِيكَ.”
شَدَّ قَبضَتَيْهِ حَولَ قِطعَةِ خَشبٍ قَديمَةٍ كانَت مُلقاةً بِجانِبِهِ، كَأَنَّهُ يُحاوِلُ أَن يُمسِكَ بِالثَّبَاتِ فِي عالَمٍ لا يَكُفُّ عَنِ الاِهتِزازِ. تَساءَلَ فِي سِرِّهِ بِصَوتٍ مُتهَدِّجٍ:
“مَتى سَتَبدَأُ حَقًّا؟ مَتى يُطالِبُنِي الزَّمَنُ أَن أَخرُجَ لِمُواجَهَتِهِ؟ وَهَل سأكون مُستَعِدّاً… أَم أَنَّنِي سَأَنكَسِرُ مِثلَ أَيِّ غُصنٍ يابِسٍ؟”
لَم يُجِبْهُ خَرِيرُ الماءِ، لَكِنَّهُ أَحَسَّ أَنَّ النَّهرَ يَبتَسِمُ بِسُخْرِيَّةٍ رَقِيقَةٍ، كَمَن يَعرِفُ كُلَّ ما سَيَأتِي. فِي تَدَفُّقَاتِهِ كانَ شَيءٌ مَخفِيٌّ، وَعَدٌ غامِضٌ يَجمَعُ بَينَ العِزاءِ وَالتَّحدِّي، كَصَوتٍ يَهمِسُ فِي أَعماقِهِ:
“ما تَبحثُ عَنهُ مَوجودٌ هُنا مُنذُ البِدايةِ… فَقَط اِنتَظِر.”
الفصل الثاني:
لَم يَكُن جَدِّي يَعرِفُ القِرَاءَةَ وَلا الكِتابَةَ. كانَت تِلكَ الحَقيقَةُ مشتركة فِي عَينَي شُيُوخِ مَدينَتِنا الصَّغيرَةِ “دوما”، المُخبَّأَةِ بَينَ بساتِينٍ وَأَشجارِ غُوطَةٍ واسِعَةٍ مُحيطَةٍ بِدمَشْقَ، أَمرًا طَبيعِيًّا لا يُثيرُ الدَّهشَةَ؛ كَجَذعِ زَيتُونَةٍ عَجوزٍ لَم يَعُد يَتَذَكَّر كَم مَرَّ عَلَيهِ مِن فُصولٍ. لَكِنَّنِي، كُلَّما نَظَرْتُ إِلَيهِ، شَعَرْتُ أَنَّ فِي قَلبِهِ كِتابًا مَفتوحًا لا يَقرَأُهُ أَحَدٌ سِواهُ. كانَ يَقرَأُ العالَمَ بِعَينٍ أُخْرَى ..
رُبَّمَا كَانَتْ عَيْنٍ خَفِيَّةٍ، تُبصِرُ مَا لَا يَراهُ الآخَرونَ.
أَذكُرُهُ يَومًا، واقِفًا أَمامَ الدُّكّانِ حَيثُ تُوَزَّعُ حِصَصُ المَاءِ القَادِمِ مِنْ أحدِ فُرُوعِ نَهْرِ بَردَى لِيَرويَ أَراضي الْفَلّاحِينِ في دوما. كانَ وَجهُهُ ساكِنًا، وَعَيناهُ كَأَنَّهُمَا تُطارِدانِ شَيئًا أبعَدَ مِن صُفوفِ الرِّجالِ المُنتَظِرِين. مَدَّ يَدَهُ بِهُدوءٍ أمامه, كَأنَّمَا كَانَ يَمُدُهَا فَوقَ لَوحَةِ مَفاتِيحِ حاسوبٍ قَديمٍ، فَأَخذَت أَصابِعُهُ تَتحَرَّكُ كَأَنَّهَا ترسمُ عَلى الآلَةِ أَنغَامًا يَعرِفُهَا وَحدَهُ.
لَم تَمضِ ثَوانٍ حَتّى ظَهَرَتِ النَّتيجَةُ الَّتِي كانَ مُديرُ المِياهِ نَفسُهُ يَحتاجُ لَحَظاتٍ طَويلَةٍ مِنَ الوَرقِ وَالقَلَمِ لِيبلغَهَا.
حِينَها، اِرتَجَفَ قَلبِي فِي صَدري. كُنتُ صَغيرًا، لَكِنَّنِي شَعَرْتُ أَنَّنِي أَمامَ سِرٍّ لا يُفسَّرُ. نَظَرْتُ إِلَيهِ مَأخوذًا، وَشَفَتايَ تَرتَجِفَانِ بِسُؤالٍ لَم أَجرُؤ عَلى قَولِه.
هَل يُمكِنُ أَن يَكونَ الجَهْلُ أَحيانًا سِتارًا يُخفي حِكمَةً أَوسعَ مِن كُلِّ كُتُبِ المَدْرَسَةِ الإِعدَادِيَةِ الَّتِي كُنتُ أُدرُسُ فِيهَا؟
وَفِي اليَومِ التّالِي، حِينَ أَخبرتُ مُعَلِّم الرِّيَاضِيَّاتِ بِما رَأَيتُ، رَفَعَ حاجِبَيْهِ بِدَهشَةٍ، وَاقتَرَبَ مِنِّي، وَسَألَنِي بِصَوتٍ مُرتَبِكٍ:
“لِمَن تَنتَمِي هَذِهِ العُيونُ الحاسِبَةُ؟”
لَم أَجِد جَوابًا. لَكِن صُورَةُ جَدِّي، بِابْتِسَامَتِهِ الهَادِئَةِ بَعدَ كُلِّ إِنْجازٍ صَغيرٍ، ظَلَّت تُلاحِقُنِي. كانَ يَرفَعُ زَوايا فَمِهِ بِابْتِسَامَةٍ غامِضَةٍ، كَأَنَّهُ يَحتَفِظُ بِسِرٍّ قَدِيمٍ فِي صَدْرِهِ لا يُريدُ أَن يبوحَ بِهِ. وَكانَ يَقولُ لِي بِبُطْءٍ، وَصَوتُهُ كَنَسْمَةِ لَيْلٍ:
“مِنَ الضَّرورِيِّ دَائِمًا أَن تحافظَ عَلَى هُدوءِ الرَّأْسِ… أَن تُقيِّمَ المَوقِفَ مِن بَعيدٍ، كَما لَو أَنَّكَ تَنظُرُ إِلَيْهِ مِن قِمَّةِ جَبَلٍ.”
كانَ يَجلِسُ بَعْدَها مُتَكِئًا إِلَى الخَلْفِ، يَضَعُ يَدَهُ خَلْفَ رَأسِهِ، وَتَغوصُ عَيناهُ فِي الجِبَالِ البَعِيدَةِ كَأَنَّهُ يَقرَأُ فِيهَا مُستَقبَلًا لا نَراهُ.
كُنتُ أُتابِعُ حَركاتِ جَسَدِهِ الهادئَةِ، فَأَشعُرُ أَنَّها تروِي قِصَصًا مِن صَبْرٍ طَويلٍ، وَيَقَظَةٍ حادَّةٍ، وَفَرَحٍ خافِتٍ بِقُدْرَتِهِ عَلَى السَّيطَرَةِ عَلَى ما يَراهُ الآخَرونَ مُستَحِيلًا.
فِي الصَّفِّ الثَّالِثِ الاِبتِدائِيِّ، عَلَّمَنِي الحِسَابَ بِالأَصابِعِ. لَم أَفهَمْ يَومَها أَنَّ أَصابِعَهُ كانَت تَزرَعُ فِي دَاخِلِي بِذْرَةَ نِظامٍ ذِهنِيٍّ يُشبِهُ قَلبَ آلَةٍ لا تَهْرمُ. طَريقَةٌ غَريبَةٌ تَقومُ عَلَى العَدِّ الثُّنَائِيِّ، الَّذِي سَيُكتَشَفُ لاحِقًا فِي أَعْمَاقِ الحَواسِيبِ، بَينَما كانَ هُوَ يُمارِسُهَا بِعَفَوِيَّةٍ مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ.
كَيْفَ لِرَجُلٍ لا يَعرِفُ الحُروفَ أَن يُعطِينِي هَذَا؟ كُنتُ أَتَساءَلُ فِي دَهشَةٍ. كَيْفَ يَستَطيعُ أَن يبتَكِرَ كَلِماتٍ غَريبَةٍ نُرَدِّدُها فِي البَيتِ ثُمَّ لا نَجدُها لاحِقًا فِي أَصواتِ السُّوقِ وَضَجيجِ الفَلّاحِينِ؟ كَيْفَ لِسِرٍّ أَن يَعيشَ فِي بَيتٍ صَغيرٍ ثُمَّ يَتبَخَّرَ بَينَ النّاسِ كَأَنَّهُ لَم يَكُن؟
وَكُنتُ لا أَنسَى مِعطَفَهُ الخَشِنَ، الَّذِي يَشدُّهُ أَحيانًا حَولَ كَتِفَيْهِ بِحَنُوٍّ عَجيبٍ، وَيُطلقُ عَلَيْهِ اِسمُ “السّاكو”. وَلا حَقِيبَتَهُ القَدِيمَةُ، الَّتِي حَمَلَت اِسمًا لَن يُفارِقَ ذاكِرَتِي: “السّاك”. كُنتُ أُراقِبُهُ وَهُوَ يَمْسِكُ بِها بِوَقَارٍ مُهيبٍ، فَيَختَلِطُ فِي قَلْبِي الاِعجَابُ بِالخَوفِ.
ما الَّذِي تُخفِيهِ هَذِهِ الحَقِيبَةُ؟
وَلماذا تَبْدُو وَكَأَنَّهَا تَحفَظُ سِرًّا يَخَافُ أَنْ يُقالَ؟
وَحينَ كانَ يُمرّرُ أَصابِعَهُ عَلَى صُفوفِ العَدِّ، أَحسَستُ كَأَنَّ أَفكارَهُ تَتَسَرَّبُ إِلَى دَاخِلِي، تَناهَتُ رُوحِي فِي صَمْتٍ، لِتُشكِّلَ مَنطِقِي الخَاصَّ.
تَابَعْتُ حَرَكَاتِ يَدَيْهِ – ثابِتَةٍ وَواثِقَةٍ – وَشَعَرْتُ بِاِرتِجافَةٍ تَسْرِي فِي جَسَدِي.
هَمَسْتُ لِنَفْسِي:
“كَيْفَ يَعْرِفُ كُلَّ هَذَا؟ وَكَيْفَ يَكُونُ العِلْمُ فِي قَلْبِ أُمِّيٍّ لا يَفْتَحُ كِتابًا؟”
اِلْتَفَتَ إِلَيّ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَ ما لَم أَنطِقْ بِهِ. ثُمَّ اِبتَسَمَ تِلكَ الاِبتِسَامَةُ الخَافِتَةُ، المُمتَلِئَةُ بِالعِلْمِ وَالدَّهشَةِ، وَقَالَ بِصَوتٍ عَمِيقٍ كَأَنَّهُ يَنْزِلُ فِي دَاخِلِي:
“كُلُّ ما تَحتاجُ أَن تَعرِفَهُ… مَوجودٌ بِالفِعلِ فِي يَدَيْك.”
وَضَعْتُ أَصابِعِي عَلَى الطَّاوِلَةِ كَما لَو أَنَّهَا آذَانٌ تُنصِتُ إِلَيْهِ، وَكُنتُ أُراقِبُها تَرتَجِفُ أَحيانًا تَحتَ وطأَةِ الصَّمتِ. شَعَرْتُ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ، كُلَّ ضَغطٍ خَفيفٍ، كُلَّ سُكونٍ ثَقِيلٍ، يَحمِلُ فِي دَاخِلِهِ قِصَّةً كَامِلَةً:
قِصَّةَ صَبْرٍ طَويلٍ، وَفَهْمٍ لا يَحتاجُ إِلَى كَلِماتٍ كَثِيرَةٍ، وَعِلْمٍ أَعمَقَ مِن كُلِّ ما قَرَأتُهُ فِي كُتُبِي المدرَسِيَّةِ.
كُنتُ أَبتَلِعُ أَنفَاسِي وَأَتَساءَلُ:
كَيْفَ يَختَبِئُ كُلُّ هَذَا فِي جَسَدِ رَجُلٍ لَم يَعرِفِ القَلَمَ وَلا الوَرَقَ؟
فِي المَساءِ، كُنتُ أَجلِسُ قُربَهُ وَأَقْرَأُ عَلَيهِ قِصَصِي الَّتِي اِستَعَرْتُهَا مِن مَكتَبَةِ المَدْرَسَةِ. يغمِضُ عَينَيْهِ بِبُطءٍ، وَكَأَنَّهُ يَفْتَحُ نافِذَةً سِرِّيَّةً عَلَى زَمَنٍ آخَرَ. أَراهُ يَبتَسِمُ أَحيانًا، كَمَن يَسْمَعُ صَدَى خُطوَاتٍ قادِمَةٍ مِن بَعيدٍ، وَأَحيانًا يَهزُّ رَأْسَهُ بِهُدوءٍ، كَما لَو أَنَّهُ يُوافِقُ عَلَى حَقِيقَةٍ يَعْرِفُهَا مُنذُ زَمَنٍ بَعيدٍ. كَانَتْ عَيناهُ المغْلَقَتَانِ تُحَدِّثانِي أَكثَرَ مِمَّا تَفْعَلُ كَلِمَاتُهُ:
“تابِع… لا تَتَوَقَّف… كُلُّ كَلِمَةٍ تَحمِلُ ظِلًّا أَعرِفُهُ.”
اَلْقِصَصُ اَلَّتِي تَدُورُ أَحْدَاثُهَا فِي بِلادٍ بَعِيدَةٍ كَانَتْ تُثِيرُهُ عَلَى نَحْوٍ خَاصٍّ.
كُنتُ أَقْرَأُ، وَهُوَ ينْصِتُ بِصَمْتٍ نَهِمٍ، يَتَلَقَّفُ اَلْكَلِمَاتِ كَمَا يَتَلَقَّفُ اَلْعَطْشَانُ قَطَرَاتِ اَلْمَاءِ. وَحِينَ أَصِلُ إِلَى اَلنِّهَايَةِ، يَتَنَهَّدُ بِعُمْقٍ وَرِقَّةٍ فِي آنٍ، تَنَهُّدَاً يُشْبِهُ تَنَهُّدَ اَلْعَائِدِ مِنْ سَفَرٍ طَوِيلٍ: مُنْهَكِ اَلْجَسَدِ، لَكِنَّهُ مُمتَلِئُ اَلرُّوحِ. كُنتُ أُحَدِّقُ فِي وَجْهِهِ مُتَسَائِلًا:
هَلْ هُوَ مُجَرَّدُ مُسْتَمِعٍ؟ أَمْ أَنَّهُ عَاشَ هَذِهِ اَلرِّحْلَاتِ يَوْمًا مَا؟
فِي طُفُولَتِي، كُنتُ أَظُنُّ أَنَّ جَدِّي يَخْتَلِقُ اَلْأَحْدَاثَ اَلَّتِي أَصِفُهَا، وَأَنَّ اِبْتِسَامَتَهُ مَا هِيَ إِلَّا تَلَاعُبٌ بِشَغَفِي اَلصَّغِيرِ.
لَكِنْ مَعَ مُرُورِ اَلْأَيَّامِ، بَدَأْتُ أَشْعُرُ أَنَّ وَرَاءَ عَيْنَيْهِ سِرًّا كَبِيرًا.
لكن…
أَكَانَ يُخْفِي عَنَّا مَاضِيًا مُثْقَلًا بِاَلْقِصَصِ، يَخْشَى أَنْ يُثْقِلَهُ عَلَى قُلُوبِنَا اَلصَّغِيرَةِ؟
أَكَانَ يُدَارِي خَوْفَهُ مِنْ أَنْ تَنْكَشِفَ ذَاكِرَةٌ لَا نَسْتَطِيعُ اِحْتِمَالَهَا؟
أَمْ أَنَّهُ كَانَ يَخَافُ عَلَيْنَا مِنْ نَتَائِجِ مَعْرِفَةِ شَيْءٍ مَا؟
حَتَّى ذَلِكَ اَلْعَصْرِ، فِي هُدُوءِ مَا بَعْدَ اَلْغَدَاءِ، حِينَ كَانَ اَلْبَيْتُ يَغْفُو عَلَى سَكِينَةٍ غَامِرَةٍ. جَلَسْتُ عَلَى اَلْأَرْضِ، تُلَاعِبُ أَصَابِعِي بِأَطْرَافِ سَجَّادَةٍ قَدِيمَةٍ مُهْتَرِئَةٍ، فِيمَا عَيْنَايَ تَبْحَثَانِ فِي مَلَامِحِهِ. اِنْحَنَى فَجْأَةً نَحْوِي، وَقَرَّبَ شَفَتَيْهِ مِنْ أُذُنِي، وَهَمَسَ بِصَوْتٍ خَافِتٍ مُتَرَدِّدٍ، كَأَنَّهُ يُشَارِكُ سِرَّهُ مَعَ اَلرِّيحِ لَا مَعِي:
“هَذِهِ اَلْمَسَالِكُ… وَهَذِهِ اَلْكَلِمَاتُ يَا بُنَيَّ… لَمْ أَنْطِقْ بِهَا أَنَا، بَلْ هِيَ مِنْ ذَاكِرَةٍ قَدِيمَةٍ مَضَتْ. كُلُّ مُفْرَدَةٍ سَمِعْتَهَا عَلَى لِسَانِي… مَأْخُوذَةٌ مِنْ مُفْرَدَاتِ جَدِّي.”
تَجَمَّدْتُ فِي مَكَانِي. اِرْتَجَفَتْ أَصَابِعِي فَوْقَ اَلسَّجَّادَةِ، وَعَيْنِي تَشَبَّثَتْ بِوَجْهِهِ. شَعَرْتُ أَنَّنِي لَا أَرَى رَجُلًا أَمَامِي، بَلْ مِرْآةً لِزَمَنٍ يَرْفُضُ أَنْ يُدْفَنَ.
هَلْ حَقًّا مَا يَقُولُهُ؟
أَيُمْكِنُ أَنْ أَكُونَ أَسْمَعُ صَوْتَيْنِ فِي آنٍ:
صَوْتَ جَدِّي، وَصَوْتَ مَاضٍ أَبْعَدَ مِنْهُ بِكَثِيرٍ؟
تَرَكَ جَدِّي يَدَهُ لَحْظَةً عَلَى كَتِفِي، وَزْنًا خَفِيفًا لَكِنَّهُ عَمِيقٌ وَمُرِيحٌ، كَأَنَّ ذَاكِرَتَهُ تَسَلَّلَتْ عبْرَ جِلْدِي إِلَى دَمِي، تَرَنَّمَتْ دَاخِلِي كَلَحْنٍ صَامِتٍ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ سِوَايَ.
تَوَقَّفَتْ أَصَابِعِي عَنِ اَلْعَبَثِ بِأَهْدَابِ اَلْسَّجَّادَةِ، كَأَنَّهَا تُحَاوِلُ أَنْ تُمْسِكَ بِاَلْكَلِمَاتِ اَلْهَارِبَةِ، وَتَسَمَّرَتْ عَيْنِي فِي وَجْهِهِ أَتَسَاءَلُ هَمْسًا:
“كَمْ مِنْ هَذَا اَلزَّمَنِ اَلْقَدِيمِ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْهَمَ حَقًّا؟ وَهَلْ أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِتَحَمُّلِ مَا تَحْمِلُهُ ذَاكِرَتُكَ؟”
لَمْ يَرُدْ، لَكِنَّهُ اِبْتَسَمَ اِبْتِسَامَةً خَافِتَةً، اِبْتِسَامَةً قَالَتْ أَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُ لِأَيِّ لُغَةٍ أَنْ تَبُوحَ بِهِ.
عَيْنَاهُ كَانَتَا تَهِيمَانِ فَوْقَ سَجَّادَةٍ عَتِيقَةٍ، فَوْقَ اَلْجُدْرَانِ اَلْبَاهِتَةِ، كَأَنَّهُمَا تَسْتَحْضِرَانِ كُلَّ حَرَكَةٍ عَابِرَةٍ وَتُعِيدَ إِلَيْهَا قِصَّتَهَا اَلْخَاصَّةَ. ثُمَّ صَمَتَ، وَصَارَ فِي مَلَامِحِهِ ظِلٌّ غَرِيبٌ، كَأَنَّهُ يَتَّبِعُ وَجْهًا بَعِيدًا فِي اَلْغُيُومِ، أَوْ يَسْتَنْشِقُ عَبِيرَ اَلْقَمْحِ وَهُوَ يَتَصَاعَدُ مِنْ طَاحُونَةٍ قَدِيمَةٍ فِي صَبَاحٍ شتَوِيٍّ قَارِسٍ.
وَفَجْأَةً، اِلْتَفَتَ نَحْوِي. عَيْنَاهُ حَدَّقَتَا بِعَيْنَيَّ، بِنَظْرَةٍ لَمْ أَعْرِفْ مِثْلَهَا مِنْ قَبْل؛ نَظْرَةٌ أَرَادَتْ أَنْ تَنْقُشَ فِي قَلْبِي رِسَالَةً تَبْقَى أَبَدًا، رِسَالَةً أَكْبَرَ مِنَ اَلْعُمْرِ.
قَالَ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ اِرْتَجَفَ فِي صَدْرِي قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى أُذُنِي:
“حِينَ جَلَبُوكَ إِلَيَّ بَعْدَ وِلَادَتِكَ لِلْمَرَّةِ اَلْأُولَى… كَانَ لِي اَلْحَظُّ أَنْ أَرَى فِيكَ اَلْمَلَامِحَ اَلَّتِي لَمْ تُفَارِقْنِي يَوْمًا. وَجْهُهُ… لَوْنُ عَيْنَيْهِ… شَعْرُكَ وَآذَانُكَ. شَعَرْتُ كَأَنَّ اَللَّهَ أَعَادَ إِلَيْنَا رُوحًا غَابَتْ، وَأَعْطَانَا إِيَّاكَ لِتَظَلَّ ذَاكِرَتُنَا حَاضِرَةً لَهُ أَبَدًا. اَلْمَوَدَّةُ اَلَّتِي كُنْتُ أَحْمِلُهَا لَهُ، يَا بُنَيَّ، كَانَتْ بِقَدْرِ مَا أُحِبُّكَ أَنْتَ، وَرُبَّمَا أَكْثَرَ… فَقَدْ حَفِظْتُ مَلَامِحَهُ فِي قَلْبِي مِنْ أَجْلِهِ.”
كَانَتْ كَلِمَاتُهُ تُثقِلُ اَلْهَوَاءَ مِنْ حَوْلِي. مَرَّرَ يَدَهُ بِرِفْقٍ عَلَى سَطْحِ اَلطَّاوِلَةِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُشْعِرَ اَلْخَشَبَ بِوَطْأَةِ سِرِّهِ، أَوْ يتْرُكَ لِكَلِمَاتِهِ أَثَرًا لَا يَزُولُ.
صَارَ صَوْتُهُ أَكْثَرَ هُدُوءً، أَقْرَبَ إِلَى اَلْهَمْسِ، كَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ لَحْنٌ لَا يُقَالُ إِلَّا لِي وَحْدِي.
“كَانَ اِسْمُهُ صَالِحُ رَمَضَان… جَاءَ مِنْ مَدِينَةٍ بَعِيدَةٍ تُدْعَى وهْرَانَ فِي اَلْجَزَائِرِ، لِيَسْتَقِرَّ فِي دُومَا. قِيلَ لَنَا إِنَّهُ أَكَبرُ ثَلَاثَةِ أَبْنَاءَ لِتَاجِرٍ كانَ يَعمَلُ في البَحرِ؛ رَحَلَ مِنْ بِلَادٍ أَبْعَدَ، مِنْ مَكَانٍ يُدْعَى هَامْبُورْغ. وَكَانَ لِعَائِلَتِهِ هُنَاكَ، فِي قَرْيَةِ هَارْبُورْغ، قِطْعَةُ أَرْضٍ وَاسِعَةٍ… تَضُمُّ أَيْضًا طَاحُونَةً مَائِيَّةً, كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَبْنَاء… اَلْأَكْبَرُ اِسْمُهُ صَالِح، وَاَلثَّانِي مُحَمَّدُ حَسَن، وَاَلأَصْغَرُ حَمْزَة .”
تَسَارَعَتْ أَنْفَاسِي. أَحْسَسْتُ أَنَّنِي لَمْ أَعُدْ طِفْلًا يصْغِي إِلَى حِكَايَةٍ مِنَ اَلْمَاضِي، بَلْ شَاهِدًا عَلَى سِرٍّ يَتَجَاوَزُنِي. تَسَاءَلْتُ دَاخِلِي:
“مَنْ كَانَ صَالِحُ رَمَضَان حَقًّا؟ وَكَيْفَ تَسَافِرُ مَلَامِحُهُ مِنْ جَسَدٍ إِلَى آخَرَ، مِنْ أَرْضٍ إِلَى أَرْضٍ، لِتصِيرَ حَاضِرَةً فِي وَجْهِي أَنَا؟ أَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ اَلذَّاكِرَةُ أَقْوَى مِنَ اَلْمَوْتِ؟”
تَابَعَ جَدِّي:
“لَكِنَّ اَلْحَيَاةَ لَمْ تَتْرُكْهُم يَمْضُونَ كَمَا أَرَادُوا. أحداثٌ مُبَاغِتَةٌ، كَجُرْحٍ فِي نَسِيجِ اَلْأَيَّامِ، أَجْبَرَتْهُم عَلَى تَرْكِ مَنْزِلِهِم بَعْدَمَا أَصَابَتْهُم الفَاجِعَة.”
رَأَيْتُ كَتْفَي جَدِّي وَهُمَا يَنْهَارَانِ وَهُوَ يَسْتَعِيدُ اَلْمَشْهَدَ، كَأَنَّ اَلْحَمْلَ اَلثَّقِيلَ الَّذِي خَبَّأَهُ لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ اِنْفَلَتَ فَجْأَةً مِنْ دَاخِلِهِ.
عَيْنَاهُ اِلْتَصَقَتَا بِاَلْأَرْضِ، وَيَدَاهُ تَشَابَكَتَا بِلا وَعْيٍ، كَمَنْ يُحَاوِلُ أَنْ يجمعَ شَتَاتَ نَفْسِهِ مِنَ اَلانْكِسَارِ.
وَفِي دَاخِلِي دَوَّى سُؤَالٌ صَامِتٌ:
“كَمْ مِنْ هَذَا اَلأَلَمِ يسْتَطَيعُ أَنْ يَبْتَلِعَهُ اَلْإِنْسَانُ قَبْلَ أَنْ يَنْهَارَ؟”
ظَلَّ اَلْاِسْمُ يَطُنُّ فِي رَأْسِي مِثْلَ لَحْنٍ لَا يَهْدَأُ:
“صَالِحُ رَمَضَان.”
رَدَّدتُهُ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِي، تَحَرَّكَتْ شَفَتَايَ دُونَ صَوْتٍ، وَأَحَاطَتْنِي اَلْحِيرَةُ:
“كَيْفَ حُمِلَ هَذَا اَلْاِسْمُ؟
وَكَيْفَ لِرَجُلٍ غَربِيِّ اَلأَصْلِ أَنْ يمْنَحَ أَبْنَاءَهُ أَسْمَاءً عَرَبِيَّةً بِهَذَا اَلْعُمْقِ؟
أَكَانَ اِنْتِمَاءً؟
أَمْ سِرًّا أَخْفَاهُ فِي صَدْرِهِ؟”
لَمْ يَلْحَظْ جَدِّي أَسْئِلَتِي اَلْمُعَلَّقَةَ فِي اَلْهَوَاءِ، كَانَ غَارِقًا فِي زَمَنِهِ اَلْبَعِيدِ. عَيْنَاهُ ثَابِتَتَانِ فِي اَلأُفُقِ، كَأَنَّهُمَا تَعْبُرَانِ طَبَقَاتِ اَلزَّمَنِ لَا جُدْرَانَ اَلْغُرْفَةِ.
اِنْخَفَضَ صَوْتُهُ أَكْثَرَ، وَصَارَ كَهَمْسٍ يَنْسَابُ مِنْ بَيْنِ أَنْفَاسِهِ اَلثَّقِيلَةِ، كَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ تَفِرَّ اَلذِّكْرَيَاتُ إِنْ نَطَقَ بِهَا بِوُضُوحٍ. كُنْتُ أَرَى أَصَابِعَهُ تَنْزَلِقُ عَلَى سَطْحِ اَلطَّاوِلَةِ، تَتَحَسَّسُ حَوَافَهَا كَأَنَّهَا تُعِيدُ تَرْتِيبَ صُوَرٍ مَفْقُودَةٍ فِي ذَاكِرَتِهِ، صُوَرًا لَا يُرِيدُ أَنْ تَضِيعَ.
ثُمَّ قَالَ:
“لَكِنْ، فِي يَوْمٍ أَسْوَدَ، اِنْدَلَعَتِ اَلْحَرْبُ فِي دُومَا. مَكْتَبُ اَلسِّجِلِّ اَلْمَدَنِيِّ اَلْتَهَمَتْهُ اَلنِّيرَانُ، وَضَاعَتْ مَعَهُ كُلُّ اَلأَوْرَاقِ. تَلَاشَتِ اَلأَسْمَاءُ كَمَا لَوْ كَانَتْ أَوْرَاقًا لَمْ يَتَكَفَّلْ أَحَدٌ بِحِفْظِهَا، فَتَنَاثَرَ اَلتَّارِيخُ فِي اَلرّمَادِ.”
تَسَمَّرْتُ فِي مَكَانِي. قَشَعْرِيرَةٌ صَعِدَتْ ظَهْرِي بِبُطْءٍ، وَتَوَقَّفَ نَفَسِي لِلْحَظَةٍ. شَعَرْتُ أَنَّ اَلأَسْمَاءَ نَفْسَهَا – صَالِح، مُحَمَّدُ حَسَن، حَمْزَة – قَدْ تَحَوَّلَتْ إِلَى طُيُورٍ مُذْعُورَةٍ، تَطِيرُ وَسْطَ دُخَانِ اَلْمَاضِي، تَبْحَثُ عَنْ مَأْوًى وَلَا تَجِدُهُ.
خَفَقَ قَلْبِي بِعُنْفٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ، أَنْ أَفْهَمَ، أَنْ أَصْرخَ فِي وَجْهِ اَلزَّمَنِ:
“لِمَاذَا تُمْحَى اَلأَسْمَاءُ؟ وَمَنْ يَحْفَظُنَا إِنْ ضَاعَتْ أَوْرَاقُنَا؟”
لَكِنَّ اَلصَّمْتَ أَثْقَلَنِي، كَأَنَّنِي أَنَا اَلآخَرُ أَصْبَحْتُ جُزْءًا مِنْ تِلْكَ اَلأَوْرَاقِ اَلْمُحْتَرِقَةِ.
أَخَذَ جَدِّي يتَابِعُ:
“وَمَعَ اِنْحِسَارِ اَلْمَعَارِكِ، وَبَدْءِ اَلدَّوْلَةِ فِي لَمْلمَةِ مَا تَبَعْثَرَ مِنَ اَلْوُجُودِ، بَدَأَ اَلْمُوَظَّفُونَ يَسْأَلُونَ عَنْ اَلنَّاسِ وَأَقَارِبِهِمْ، يُحَاوِلُونَ إِعَادَةَ كِتَابَةِ اَلأَسْمَاءِ. لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَثَائِقُ تَحْفَظُ اَلْحَقَائِقَ، فَكَانَتِ اَلشَّهَادَاتُ اَلشَّفَهِيَّةُ هِيَ اَلْمَرْجِعُ، وَاَلذَّاكِرَةُ هِيَ اَلدَّفْتَرُ، وَاَلنَّاسُ يَرْوُونَ لَا كَمَا فِي اَلأَوْرَاقِ اَلرَّسْمِيَّةِ، بَلْ كَمَا عَاشُوا اَلأَسْمَاءَ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَحَادِيثِهِمْ.
فِي تِلْكَ اَلْحقْبَةِ، لَمْ تَكُنْ لِلْبِلَادِ ذَاكِرَةٌ مُؤَسَّسِيَّةٌ تسْتَندُ إِلَيْهَا.
لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ سِجِلَّاتٌ تُؤَكِّدُ أَوْ تَنْفِي.
كُلُّ مَا وُجِدَ هُوَ وَصْفُ اَلنَّاسِ لِبَعْضِهِمْ اَلْبَعْضِ، أَلْقَابٌ يُطْلِقُونَهَا بِحُبٍّ أَوْ بِسُخْرِيَّةٍ؛ لِتَكْرِيمٍ أَوْ لِإِرْضَاءِ، لِتَثْبِيتِ صُورَةٍ فِي اَلأَذْهَانِ لَا يَمْحُوهَا اَلزَّمَنُ.
كَانَتِ اَلأَسْمَاءُ تُولَدُ مِنَ اَلْمِهَنِ، مِنَ اَلْعَادَاتِ، مِنَ اَلطِّبَاعِ، أَوْ حَتَّى مِنْ نُكْتَةٍ لَحْظِيَّةٍ تَحَوَّلَتْ إِلَى هُوِيَّةٍ كَامِلَةٍ.”
“أَمَّا اَلِابْنُ اَلْأَكْبَرُ، فَقَدِ امْتَازَ بِلِسَانِهِ اَلسَرِيعِ وَحَدِيثِهِ اَلْمُتَدَفِّقِ اَلَّذِي لَا يَعْرِفُ اَلْكَلَلَ.
كَانَ يَشْرَحُ بِتَكرار و تفْصِيلٍ شَدِيدٍ، كَأَنَّهُ يَنْسِجُ مِنَ اَلْكَلَامِ بُيُوتًا مَنْطِقِيَّةً، وَيَمْلَأُهَا بِاَلصُّوَرِ وَاَلْمَعَانِي.
اَلْكَلِمَاتُ اَلَّتِي كَانَ يَنْتَقِيها لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً خَالِصَة، بَلْ كَانَتْ مِنْ لُغَةِ أُمِّهِ، تِلْكَ اَللُّغَةُ الَّتِي وَرِثَهَا عَنْهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ إِرْثًا مُقَدَّسًا. ظَلَّ يُحَافِظُ عَلَيْهَا بَعْدَ وَفَاتِهَا، يَلُمُّ شَتَاتَهَا فِي صَدْرِهِ وَيُصْبِغُ بِهَا كَلَامَهُ كَمَا يُصْبِغُ اَلرَّسَّامُ لَوْحَتَهُ اَلأُولَى.”
“أَهْلُ “دوما” وَقَفُوا أَمَامَ هَذِهِ اَللُّغَةِ اَلْغَرِيبَةِ بِآذَانٍ حَائِرَةٍ. نُطِقُوا بِهَا مُتَعَرِّجًا، فَهْمُهُمْ لَهَا هَشٌّ، لَكِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَوَقَّفُوا عَنْ اَلِاسْتِمَاعِ. كَانَ فِي أَصْوَاتِهِ مَا يَأْسِرُهُمْ، يَدْهَشُهُمْ وَيُسْتَفِزُّهُمْ فِي اَلْوَقْتِ نَفْسِهِ. وَفِي اَلأَزِقَّةِ اَلْمُزْدَحِمَةِ، بَدَأَ اَلنَّاسُ يَبْتَكِرُونَ لَهُ اِسْمًا، اِسْمًا يُشْبِهُ اَلصَّرْخَةَ أَكْثَرَ مِمَّا يُشْبِهُ اَلْوَصْفَ”
“اَلْبَرْبَرِي!” – هَكَذَا كَانُوا يُنَادُونَهُ، وَكَأَنَّ اَلْكَلِمَةَ نَفْسَهَا إِعْلَانٌ عَنْ حُضُورٍ قَوِيٍّ لَا يُمْكِنُ تَجَاهُلُهُ.
“اَلْبَرْبَرِي هُنَا!” – صَرْخَةٌ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا إِعْجَابًا وَشَيْئًا مِنَ اَلانْبِهَارِ اَلْخَائِفِ.
ثُمَّ تَأْتِي اَلْهَمَسَاتُ حِينَ يَغِيبُ: “اَلْبَرْبَرِي رَحَلَ…” – بِنَبْرَةٍ فِيهَا شَوْقٌ وَاِسْتِسْلَامٌ.”
كُنْتُ أُرَاقِبُ هَذِهِ اَلْكَلِمَاتِ وَهِيَ تَتَرَدَّدُ، كَأَنَّهَا اَرْتِجَافَاتٌ فِي اَلْهَوَاءِ تَتَسَلَّلُ إِلَى صَدْرِي عَلَى شَكْلِ مَوْجَاتٍ صَغِيرَةٍ.
يَدَايَ تَشَبَّثَتَا بِأَطْرَافِ اَلطَّاوِلَةِ، فِيمَا قَلْبِي يَهْمِسُ:
“كَمْ مِنَ اَلْقُوَّةِ يُمْكِنُ أَنْ يُخْفِيَهَا اَلْاِسْمُ؟ وَكَمْ مِنَ اَلأَسْرَارِ تَخْتَبِئُ فِي صَوْتِهِ؟”
“ذَلِكَ اَللَّقَبُ – “اَلْبَرْبَرِي” – لَمْ يَكُنْ يَعْنِي فِي لُغَتِهِمْ إِلَّا “كَثِيرَ اَلْكَلاَمِ”. لَكِنَّ اَلْمُفَارَقَةَ أَنَّ كَلِمَاتِهِ لَمْ تُفْهَمْ عَلَى نَحْوٍ كَامِلٍ.
كَانَ أَحَدُهُمْ يقطِبُ جَبِينَهُ وَيَسْأَلُ بِصَوْتٍ خَافِتٍ:
“مَاذَا يَقْصِدُ حَقًّا؟”
فِيمَا يُومِئُ آخَرُونَ بِرُؤُوسِهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ، لَكِنَّ أَعْيُنَهُمْ تفضحُهُم:
“مَزِيجٌ مِنَ اَلشَّكِّ وَاَلْفُضُولِ.”
بِمُرورِ اَلْوَقْتِ، صَارَ أَهْلُ “دوما” يَتَعَوَّدُونَ عَلَى ذَلِكَ اَلصَّوْتِ اَلْغَرِيبِ، صَوْتٌ يَحْمِلُ وُضُوحًا وَغُمُوضًا فِي آنٍ، يُخْفِي اَلْمَعْرِفَةَ أَكْثَرَ مِمَّا يَكْشِفُهَا. وَهَكَذَا، اِسْتَقَرَّ اَلْاِسْمُ فِي اَلأَزِقَّةِ، فِي اَلأَحَادِيثِ، وَفِي اَلْقُلُوبِ:
“اَلْبَرْبَرِي”… لَقَبٌ يُثِيرُ اِحْتِرَامًا غَامِضًا، وَإِعْجَابًا مُتَرَدِّدًا، وَدَهْشَةً لَا تَزُولُ.
لَمْ يُنَادُوهُ بِاسْمِهِ اَلَّذِي كَانَ يَحْمِلُهُ عِندَ قدومِه، بَل بِاللَّقَبِ اَلَّذِي صَارَ أَشَدَّ حُضُورًا وَشُهْرَةً وَاِنْتِشَارًا، حَتَّى بَدَا اِسْمُهُ اَلْحَقِيقِيُّ وَكَأَنَّهُ اِنْسَحَبَ إِلَى اَلظِّلِّ، بَيْنَمَا اِنْدَفَعَ اَللَّقَبُ إِلَى اَلْوَاجِهَةِ، رَاسِخًا فِي اَلذَّاكِرَةِ، محْفُورًا فِي اَلْسِّيرَةِ كَمَا تُحَفَرُ اَلْعَلَامَاتُ عَلَى اَلْحَجَرِ.
لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَابِعًا مِنْ سُوءِ نِيَّةٍ أَوْ اِزْدِرَاءِ، بَل بَدَا كَأَنَّهُ رَدُّ فِعْلٍ غَرِيزِيٍّ مِنْ بِيئَةٍ رِيفِيَّةٍ بَسِيطَةٍ، وَجَدَت نَفْسَهَا أَمَامَ لُغَةٍ بَدَت غَرِيبَةً، غَامِضَةً، قَادِمَةً مِنْ بَعِيدٍ.
كَانُوا يَسْتَمِعُونَ إِلَيْهِ فَلَا يَفْهَمُونَ تَمَامًا، وَيُعْجَبُونَ بِهِ دُونَ أَنْ يَمْلِكُوا تَفْسِيرًا لِإِعْجَابِهِمْ.
كَانَ صَالِحٌ بِطَبْعِهِ فَيَّاضَ اَلْكَلَامِ. كُلَّمَا اِجْتَمَعَ اَلنَّاسُ، كَانَ أَوَّلَ اَلْدَّاخِلِينَ إِلَى اَلدَّائِرَةِ.
يَقِفُ وَسطَهُمْ، يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي اَلْهَوَاءِ، أَصَابِعُهُ تَتَحَرَّكُ كَأَنَّهَا تَرْسُمُ شَكْلًا غَيْرَ مَرْئِيٍّ، كَأَنَّ اَلْمَعَانِي تَحْتَاجُ أَنْ تُرَى بِقَدْرِ مَا تُسْمَعُ.
عَيْنَاهُ تبْرقَانِ بِشَيْءٍ دَاخِلِيٍّ، وَفِي كُلِّ كَلِمَةٍ كَانَ هُنَاكَ صَدًى خَفِيٌّ، كَأَنَّ رُوحَهُ تَتَحَدَّثُ بِلِسَانَيْنِ: لِسَانُ اَلْأَرْضِ اَلْجَدِيدَةِ، وَلِسَانُ اَلْأُمِّ اَلْبَعِيدِ.
“مِنْ أَيْنَ تَأْتِي هَذِهِ اَلْكَلِمَاتُ؟” تَسَاءَلَ أَحَدُ اَلرِّجَالِ يَوْمًا، رَافِعًا حَاجِبَيْهِ بِدَهْشَةٍ، وَعَيْنَاهُ مُعَلَّقَتَانِ عَلَى فَمِ صَالِحٍ.
“كَأَنَّهُ يَتَحَدَّثُ مِنْ وَرَاءِ اَلْبِحَارِ!”
هَمَسَ آخَرُ، وَهُوَ يتَابِعُ بِحِيرَةٍ:
“هَلْ نَحْنُ حَقًّا نَفْهَمُهُ؟ أَمْ أَنَّنَا نَتَظَاهَرُ بِذَلِكَ؟”
كَانَتْ تِلْكَ اَلْكَلِمَاتُ اَلْمُنْثُورَةُ فِي اَلْهَوَاءِ لَيْسَتْ مِنْ لُغَةِ أَهْلِ “دوما”، بَلْ مِنْ لُغَةِ أُمِّهِ اَلَّتِي حَمَلَهَا مَعَهُ مِنْ وُهْرَانَ.
ظَلَّ صَالِحٌ وَفِيًّا لَهَا، يَرْفُضُ أَنْ يَتَخَلَّى عَنْهَا كلْيًا، حَتَّى بَدَا كُلُّ مَقْطَعٍ يَخْرُجُ مِنْ شَفَتَيْهِ نَسِيمًا غَرِيبًا، يَهِبُّ مِنْ شَاطِئٍ بَعِيدٍ مَجْهُولٍ.
فِي عُيُونِ أَهْلِ “دوما”، أَتَى غَرِيبًا. لَمْ يَكُنْ مِنْ تُرَابِهِمْ، وَكَأَنَّهُ أَتَى مِنْ نَجْمٍ آخَرَ.
وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ يَعِيشُ بَيْنَهُمْ، يَغْرِسُ جُذُورَهُ فِي اَلْأَرْضِ ذَاتِهَا، يَزْرَعُ أَوْلَادَهُ بَيْنَهُمْ، وَيُشَارِكُهُمْ تَفَاصِيلَ حَيَاتِهِمُ اَلْيَوْمِيَّةِ كَوَاحِدٍ مِنْهُمْ تَمَامًا. هَذَا اَلتَّنَاقُضُ زَادَهُمْ حِيرَةً، وَزَادَ صُورَتَهُ رُسُوخًا.
لَمْ يَكْشِفْ صَالِحٌ عَنْ اَلْقِصَّةِ اَلْكَامِلَةِ إِلَّا بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَويلَةٍ، لِأَوْلَادِهِ وَحْدَهُمْ. كَانَتْ كَلِمَاتُهُ قَلِيلَةً، يَتْرُكُ بَيْنَهَا فَرَاغَاتٍ وَاسِعَةً، وَكَأَنَّ اَلْمَعْنَى اَلْأَعْمَقَ لَا يُقَالُ بَلْ يُفْهَمُ مِنَ اَلنَّظَرَاتِ، مِنْ اِنْحِنَاءَةِ رَأْسِهِ، أَوْ مِنْ يَدِهِ اَلَّتِي تَسْتَقِرُّ فَجْأَةً عَلَى اَلطَّاوِلَةِ.
تَرَكَ إِرْثًا صَامِتًا، مِثْلَ نَهْرٍ تَحْتَ اَلْأَرْضِ، يسْمَعُ لَهُ خَرِيرٌ خَافِتٌ لَكِنَّهُ لَا يَظْهَرُ لِلْعَيْنِ.
هَذَا، قُلْتُ فِي نَفْسِي، هُوَ اَلْبَدْءُ اَلْحَقِيقِيُّ… بدَايَةُ اَلْسِّيرَةِ اَلَّتِي لَمْ تُكْتَبْ بَعْدُ. بدَايَةُ اَلْحِكَايَةِ اَلَّتِي تَتَسَرَّبُ فِي دِمَائِنَا كَتَسَلُّلِ لَحْنٍ قَدِيمٍ، لَا نَعْرِفُ منْ أَلَّفَهُ، وَمَعَ ذَلِكَ سنَحْفَظُهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ.
كُلَّمَا اِسْتَحْضَرْتُ صُورَتَهُ، أَرَاهُ بِيَدَيْهِ تَجُوبَانِ اَلْهَوَاءَ، بِشَفَتَيْهِ تشَكَّلَانِ كَلِمَاتٍ مَأْلُوفَةٍ وَغَرِيبَةٍ فِي اَلْوَقْتِ نَفْسِهِ، وَبِحُضُورٍ لَا يَزَالُ يَرِنُّ فِي حَرَكَاتِنَا نَحْنُ، أَحْفَادُهُ، كَجَرَسٍ خَفِيٍّ لَا يَخْفَتُ صَدَاهُ.
أَهْلُ اَلْقَرْيَةِ – اَلَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا غَيْرَ لُغَةٍ وَاحِدَةٍ، بِمُفْرَدَاتِهَا اَلْمَحْدُودَةِ – لَمْ يَجِدُوا وَسِيلَةً لِمُجَارَاةِ هَذَا اَلِانْحِرَافِ اَللُّغَوِيِّ إِلَّا أَنْ يَخْتَزِلُوهُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، كَلِمَةٌ تَصِيرُ جَوَابًا لِكُلِّ حِيرَةٍ:
“اَلْبَرْبَرِي!”
كَانُوا يُنَادُونَهُ بِهَا بِصَوْتٍ عَالٍ أَحْيَانًا، كَأَنَّهَا إِعْلَانٌ عَنْ قُوَّةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ، وَبِهَمْسٍ فِي أَحْيَانٍ أُخْرَى، كَاعْتِرَافٍ خَفِيٍّ بِتَمَيُّزِهِ.
وَمَعَ مرُورِ اَلزَّمَنِ، صَارَ اَلْاِسْمُ ظِلًّا مُلَازِمًا لَهُ، يَتْبَعُهُ أَيْنَمَا ذَهَبَ، حَتَّى تَجَذَّرَ فِي هُوِيَّتِهِ أَكْثَرَ مِنْ اِسْمِهِ اَلَّذِي وُلِدَ بِهِ.
بَقِي “اَلْبَرْبَرِي” مُحْفُورًا فِي ذَاكِرَةِ اَلْقَرْيَةِ، يَتَرَدَّدُ عَلَى أَلْسِنَةِ اَلنَّاسِ كَصَدًى لَا يُمْحَى، يَنْتَقِلُ مِنْ جِيلٍ إِلَى آخَرَ، مِثْلَ نَغْمَةٍ قَدِيمَةٍ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ أَنْ يُوقِّفَهَا.
كَانَ صَالِحٌ، ذَاكَ اَلابْنُ اَلَّذِي حمل لَقَبَ “اَلْبَرْبَرِي”، قَدْ جَاءَ مَعَ إِخْوَتِهِ وَزَوْجَةِ أَبِيهِ مِنْ مَدِينَةِ وهْرَان.
وَمَا إِنْ وَطِئَتْ قَدَمَاهُ أَرْضَ “دوما”، حَتَّى بَدَا وَكَأَنَّهُ جَاءَ مُحَمَّلًا بِشَظَايَا قِصَّةٍ أَكْبَرَ مِنْ قُدْرَتِهِ عَلَى اِحْتِوَائِهَا – قِصَّةِ رَجُلٍ غَربِيٍّ عَبَرَ اَلْبَحارَ نَحْوَ اَلشَّرْقِ، لَكِنَّهُ تَمَسَّكَ بِلُغَتِهِ كَمَا يَتَمَسَّكُ اَلْغَرِيقُ بِخَشَبَةِ اَلنَّجَاةِ.
كَانَتْ لُغَتُهُ تَصْدَحُ فِي صَوْتِهِ كَصَدًى بَعِيدٍ، يُذَكِّرُ اَلْسَّامِعِينَ بِزَمَنٍ لَمْ يَعْرِفُوهُ، لَكِنَّهُ ظَلَّ حَاضِرًا فِي نَبَرَاتِهِ وَإِيمَاءَاتِهِ.
كَانَ حَمْزَة، اَلأَخُ اَلأَصْغَرُ، مُخْتَلِفًا مُنْذُ اَلطُّفُولَةِ. فِي خُطُوَاتِهِ حَذَرٌ، وَفِي نَظْرَتِهِ وَقَارٌ مُتَسَائِلٌ، كَأَنَّهُ يفَتِّشُ فِي عُيُونِ اَلنَّاسِ عَنْ خُيُوطٍ خَفِيَّةٍ تَرْبِطُ اَلْعَالَمَ بِبَعْضِهِ.
كَانَ يُصْغِي أَكْثَرَ مِمَّا يَتَكَلَّمُ، وَعِنْدَمَا يَتَكَلَّمُ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَلِيلًا، وَيَمِيلُ بِجَسَدِهِ إِلَى اَلْأَمَامِ كَمَنْ يَقْتَنِصُ لَحْظَةً لَا يُرِيدُ لَهَا أَنْ تفْلِتَ.
كَانَ اَلْحَاضِرُونَ يَلْتَفِتُونَ إِلَيْهِ بِصَمْتٍ، يَقْرَأُونَ فِي عُيُونِهِ يَقَظَةً غَامِضَةً، كَأَنَّهَا تَحْمِلُ وُعُودًا لَمْ تُفْصحْ لهم عَنْهَا اَلْحَيَاةُ بَعْدُ.
أَمَّا مُحَمَّدُ حَسَنٌ، فَقَدْ ظَلَّ مُتَمَسِّكًا بِاسْمِ عَائِلَةِ وَالِدَتِهِ “رَمَضَان”، كَمَا لَوْ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَحْفَظَ اَلأَصْلَ اَلْأَوَّلَ، ذَلِكَ اَلْجِذْرَ اَلْعَمِيقَ اَلَّذِي تَشَعَّبَتْ مِنْهُ بَقِيَّةُ اَلْحِكَايَاتِ. كَانَ يردِّدُ اِسْمَهُ أَمَامَ اَلْآخَرِينَ بِنَبْرَةٍ تَفِيضُ بِاَلْهُدُوءِ، وَكَأَنَّ كُلَّ حَرْفٍ فِيهِ يَنْبِضُ بِاَلِانْتِمَاءِ.
أَحَسَّ أَنَّ هَذَا اَلِاسْمَ لَيْسَ مُجَرَّدَ عَلَامَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ صِلَةٌ خَفِيَّةٌ تَرْبِطُهُ بِاَلْأَسْلَافِ، شِرْيَانٌ نَابِضٌ يَسْرِي فِي عُرُوقِ عَائِلَةِ أُمِّهِ كُلِّهَا.
الفصل الثالث:
التقتِ الرِّوَايَاتُ عَلَى شَاطِئِ البَحْرِ، كَمَا تَتَعَانَقُ الأَمْوَاجُ عَلَى صَخْرَةٍ عَتِيقَةٍ – مُثَابِرَةٍ، ثَابِتَةٍ، وَفِي أَعْمَاقِهَا سِرّ مَا حَمَلَتْهُ فِي طَيَّاتِهَا أيَّامُ وَلَيَالِي وَهْرَانَ، تِلْكَ اللُّؤْلُؤَةُ المُتَلَأْلِئَةُ عَلَى السَّاحِلِ الغَرْبِيِّ لِلْجَزَائِرِ، تَشَابَكَتِ الأَقْدَارُ الَّتِي مَا كَانَتْ لِتَلْتَقِي لَوْلَا الحَنِينُ، وَمَا كَانَ لَهَا أَنْ تُثْمِرَ لَوْلَا حُبُّ المَرَافِئِ، وَمَا كَانَ لَهَا أَنْ تَنْغَرِسَ فِي الأَرْضِ لَوْلَا وَعْدٌ خَفِيٌّ بِأُفُقٍ جَدِيدٍ.
كَانَ عَبَقُ المِلْحِ يَمْتَزِجُ بِرَائِحَةِ الزَّعْتَرِ وَالرّصَاصِ القَدِيمِ، حِينَ وَقَفَ دَانِيَال مُولِر بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ التَّرْحَالِ.
جَسَدُهُ كَانَ مُثقَلًا بِإِرْهَاقِ البَحْرِ، كَتِفَاهُ مُتَدَلِّيَتَانِ وَكَأَنَّهُمَا يَحْمِلَانِ أَثْقَالَ العَوَاصِفِ، لَكِنْ عَيْنَاهُ ظَلَّتَا مُتَلَأْلِئَتَيْنِ، تَبْحَثَانِ فِي البَعِيدِ عَنْ مَعْنًى لَمْ يَعْرِفْ كَيْفَ يُسَمِّيهِ.
“هل وَصَلْتُ حَقًّا، أَمْ أَنَّ الرِّحْلَةَ لَمْ تَبْدَأ بَعْدُ؟” هَمَسَ دَاخِلَهُ، وَهُوَ يحدِقُ فِي الأُفُقِ، كَأَنَّ البَحْرَ نَفْسَهُ يُجِيبُهُ بِصَمْتِهِ المُتَرَامِي.
إِلَى جَانِبِهِ، وَقَفَتْ آنا مَارِيَا، ابْنَةُ عَمِّهِ وَزَوْجَتُهُ، وَارِثَةُ ثَرْوَةٍ مِنَ التِّجَارَةِ وَالمِلَاحَةِ. كَانَتْ حَرَكَاتُهَا تَحْمِلُ فِي آنٍ وَاحِدٍ دِفْئًا صَامِتًا وَقُوَّةً خَفِيَّةً. نَظَرَتْ إِلَيْهِ بِعُمْقٍ، بِعَيْنَيْنِ فِيهِمَا مزِيجٌ مِن رَجَاءٍ وَخَوْفٍ.
“هل أَسْتَطِيعُ أَنْ أُحتفِظَ بِهِ لِي، أَمْ أَنَّ البَحْرَ سَيَخْطِفُهُ مِنِّي مِنْ جَدِيدٍ؟”
تَسَاءَلَتْ، بَيْنَمَا أَصَابِعُهَا تَتَحَرَّكُ بِارْتِبَاكٍ عَلَى حَافَّةِ ثَوْبِهَا، كَأَنَّهَا تَبْحَثُ عَنْ يَقِينٍ تَتَشَبَّثُ بِهِ.
لَمْ يَكُنْ زَوَاجُهُمَا ثَمَرَةَ تَقَالِيدَ صَارِمَةٍ وَلاَ اسْتِجَابَةً لِعُرْفٍ عَائِلِيٍّ قَدِيمٍ.
كلَّا. كَانَ زَوَاجُهُمَا ثَمَرَةَ حُبٍّ نَضَجَ بِبُطْءٍ، كَحَبَّاتِ العِنَبِ تَحْتَ شَمْسٍ حَانِيَةٍ، غَذَّاهُ الشَّوْقُ وَالاخْتِيَارُ مَعًا. حُبٌّ وُلِدَ مِنَ التَّعَبِ، لَكِنَّهُ ظَلَّ يَتَوَهَّجُ مِثْلَ لَهَبٍ عَنِيدٍ، يَرْفُضُ أَنْ يَنْطَفِئَ.
كَانَ هُوَ، فِي لَحَظَاتِ سُكُونِهِ، يَشْعُرُ بِأَنَّ يَدَهَا عَلَى كَتِفِهِ تُسَكِّنُ ارْتِعَاشَةَ قَلْبِهِ، لَكِنَّهَا فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ تُوقِظُهُ مِنْ غَفْوَتِهِ، كَأَنَّهَا تَقُولُ لَهُ بِلاَ كَلَامٍ: “لا تَهْرُبْ، لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ أَنْ تَنْتَمِي.”
وَمَعَ ذَلِكَ… جَاءَتِ الكَارِثَةُ. جَاءَت كَرِيحٍ صَاخِبَةٍ تَقْطَعُ خَيْطَ الأَمَلِ، كَعَاصِفَةٍ لاَ تُنذِرُ بِقُدُومِهَا، فَتُطيحُ بِالسُّكُونِ وَتَفْتَحُ فَجْوَةً فِي الرُّوحِ لاَ يُسَدُّهَا شَيْءٌ.
1783
العَامُ الَّذِي انْهَارَ فِيهِ أَوَّلُ بَيْتٍ لَهُمَا عَلَى أَطْرَافِ هَارْبرْغ.
غُبَارُ النيران يَتَصَاعَدُ كَأَشْبَاحٍ هَائِمَةٍ، الصّرَخَاتُ تَتَقَطَّعُ فِي الفَضَاءِ، بُرُودَةُ اللَّيْلِ تَنْغَرِزُ فِي العِظَامِ – وَالخَسَارَةُ كَانَت أَثْقَلَ مِنْ أَنْ تُحْمَلَ.
الآبَاءُ لَمْ يَعُودُوا يَرْفَعُونَ أَعْيُنَهُمْ إِلَيْهِ، وَالطِّفْلُ الَّذِي لَمْ يَتَجَاوَزْ عَامَهُ الأَوَّلَ، يَصْرُخُ؛ وَلاَ يدْرِكُ أحدٌ أَنَّ صَرْخَاتِهِ الأَخِيرَةَ تلكَ كَانَت إِعْلَانًا عَنْ نهايةٍ زمنٍ؛ وَبَدَايَة حَيَاةٍ لهذه الأُسرةِ الَّتِي أَصبَحَتْ بِلاَ مَأْوًى.
فِي صَدْرِ دَانِيَال فَجْوَةٌ هَائِلَةٌ، كَأَنَّ أَحَدَهُم قَدِ اقْتَلَعَ الهَوَاءَ مِن رِئَتَيْهِ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُ سِوَى صَمْتٍ يُوجِعُهُ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ كَلِمَةٍ.
أَمَّا آنا مَارِيَا فَقَدْ ضَغَطَتْ كَفَّيْهَا عَلَى وَجْهِهَا، تُحَاوِلُ عَبَثًا أَنْ تُسْدِلَ سِتَارًا عَلَى صُورِ الخَرَابِ، لَكِنَّ الدُّمُوعَ اِنْسَلَّتْ بِلاَ إِذْنٍ، سَائِلَةً كَجَدْوَلٍ لاَ يَعْرِفُ التَّوَقُّفَ.
“لِمَاذَا نَحْنُ؟” هَمَسَتْ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ، تَرَدَّدَ السُّؤَالُ كَأَنَّهَا تُخَاطِبُ الفَرَاغَ، أَوْ كَأَنَّهَا ستَجِدُّ جَوَابًا مِنْ قُلُوبٍ لَمْ تَعُدْ تَسْمَعُ. تَكَرَّرَتِ الهَمَسَاتُ، حَتَّى صَارَ صَوْتُهَا كَخَيْطٍ يَتَمَزَّقُ بِبُطْءٍ.
بَيْنَمَا ظَلَّ دَانِيَال صَامِتًا، يَقْبِضُ يَدَيْهِ كَمَنْ يُرِيدُ سَحْقَ الفَرَاغِ، وَيُطبِقُ جُفُونَهُ كَمَنْ يَخْشَى اِنْهِيَارَهُ الدَّاخِلِيَّ. لَمْ يَكُنْ دَاخِلَهُ سِوَى فِكْرَةٍ وَاحِدَةٍ تَتَرَدَّدُ كَصَدًى بَعِيدٍ:
“الهُرُوب…”
نَعَمْ، الهُرُوبُ. أَحْيَانًا لَيْسَ جُبْنًا، بَلْ هو القَرَارُ الأَرْقَى حِينَ تَضِيقُ بِكَ الدُّنْيَا وَتُغْلِقُ أَبْوَابَهَا.
وَهَكَذَا صَارَ البَحْرُ مُوْطِنَهُمْ الجَدِيدُ، وَقَدَرُهُمْ الَّذِي لاَ فِكَاكَ مِنْهُ.
الثَّرَوَاتُ، إِرْثُ العَمِّ وَالجَدِّ، كُلُّهَا عَبَرَتْ مَعَهُمْ. لَكِنَّ البَحْرَ، ذَاكَ الاِمْتِدَادُ الأَزْرَقُ، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ طَرِيقٍ؛ كَانَ مِرْآةً لِدَاخِلِهِمْ:
مُتَقَلِّبًا مِثْلَ قُلُوبِهِمْ، وَاسِعًا مِثْلَ آلَامِهِمْ، مَلِيئًا بِالوُعُودِ الغَامِضَةِ، وَمُثقَلًا بِالتَّهْدِيدَاتِ وَأَسْئِلَةٍ لاَ يُجِيبُ عَنْهَا أَحَدٌ.
الأَعوَامُ تَمُرُّ بِبُطءٍ, وسطَ زَحَامِ المَوَانِئِ، وَرِيَاحِ البَحْرِ المَالِحَةِ، وَالوُجُوهِ المُتَعَبَةِ لِلْمُسَافِرِينَ.
وجَاءَ الخَبَرُ كَخَيْطِ نُورٍ فِي لَيْلٍ حَالِكٍ:
“آنا مَارِيَا تَحْمِلُ فِي رَحِمِهَا طِفْلًا.”
حِينَئِذٍ ارْتَعَشَتْ عَيْنَاهَا بِدَهْشَةٍ، وَضَعَتْ يَدَهَا المُرْتَجِفَةَ عَلَى بَطْنِهَا، بَيْنَمَا ابْتَلَعَ دَانِيَال أَنْفَاسَهُ، وَكَأَنَّ الكَوْنَ كُلَّهُ انْكَمَشَ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
هَلْ يَكُونُ هَذَا الطِّفْلُ بدَايَةَ حَيَاةٍ جَدِيدَةٍ؟ أَمْ اِمْتِدَادًا لِرِحْلَةِ عَذَابٍ لاَ تَنْتَهِي؟
وَقَفَ دَانِيَال طَوِيلًا، كَأَنَّ الكَلِمَاتِ قَدْ هَجَرَتْ لِسَانَهُ. يَدَاهُ، اللَّتَانِ كَانَتَا تَتَشَبَّثَانِ بِالحَبْلِ لَحْظَةً قَبْلَ، أَفْلَتتَا بِبُطْءٍ، حَتَّى بَدَا كَأَنَّ الكَوْنَ نَفْسَهُ تَوَقَّفَ عَنْ التَّأَرْجُحِ. رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَيْهَا، وَكَانَتْ عَيْنَاهُ فِي وَهَجِ الشَّفَقِ تَتَلَأْلَأَنِ بِدُمُوعٍ لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى النُّزُولِ. تَرَدَّدَتْ فِي دَاخِلِهِ فِكْرَةٌ خَافِتَةٌ، لَكِنَّهَا أَضْحَتْ يَقِينًا:
“قَلْبِي قَادِرٌ أَنْ يُغَيِّرَ المَسَارَ… بَعِيدًا عَنْ خَرَائِطِ البِحَارِ اللاّمُتَنَاهِيَةِ، نَحْوَ خَرِيطَةِ الرَّحْمَةِ.”
كَانَتِ المَوَانِئُ الَّتِي طَالَمَا أَغوَتْهُ بِذِكْرَيَاتِ الحَنِينِ قَدْ تَحَوَّلَتْ فِي عَيْنَيْهِ إِلَى مُجَرَّدِ مَحَطَّاتٍ عَابِرَةٍ، أَمَّا البِحَارُ فَمَا عَادَتْ إِلَّا اِمْتِحَانَاتٍ ثَقِيلَةً يَنْبَغِي عبُورُهَا. لَمْ يَعُدْ يَطْلُبُ السَّوَاحِلَ البَعِيدَةَ، بَل شَيْئًا وَاحِدًا، وَاضِحًا وَعَظِيمًا:
“أَمَانُهَا… وَأَمَانُ الصَّغِيرِ.”
وَعِنْدَمَا لَامَسَتْ أَقْدَامُهُمْ اليَابِسَةَ فِي مَدِينَةٍ لَمْ تَكُنْ من قَبْلُ مَدِينةً عَابِرَةً، فِي وَهْرَانَ، شَعَرَ بِصَمْتٍ غَرِيبٍ، صَمْتٍ كَأَنَّ الرِّحْلَةَ كُلَّهَا قَدْ حَبَسَتْ أَنْفَاسَهَا. كَانَ يُرِيدُ لَها أَن تَكُونَ هُدْنَةٌ قَصِيرَةٌ؛ لَحْظَةٌ يَتَوَقَّفُ عِنْدَهَا القَلْبُ قَبْلَ أَنْ يُطَالِبَ البَحْرُ بِأَرْوَاحِهِمْ مِنْ جَدِيدٍ.
لَكِنَّ هَذِهِ المَرَّةَ، لَمْ يَتْبَعْهُ. بَقِيَ.
وَبَيْنَمَا ارْتَخَتِ الحِبَالُ، وَاُنزِلَتِ الأَشْرِعَةُ، وَرَسَتِ السَّفِينَةُ الَّتِي حَلُمَ بِهَا مُنْذُ طُفُولَتِهِ، اتَّخَذَ دَانِيَال قَرَارَهُ. نَزَلَ عَنْ متْنِهَا، وَقَدَمَاهُ تَرْتَجِفَانِ بَيْنَ الأَرْضِ وَاليَقِينِ، لِيَبْدَأَ حَيَاةً جَدِيدَةً.
كَانَ قَد بَنى بَيْتًا فِي وَهران، بَعدَ أَنْ أَيْقَنَا أَنَّ كَارِثَةَ سَنَةِ 1783 لَنْ تَتْرُكَهُ وَزَوجَتَهُ بِسَلَامٍ. وَاتَّخَذَا لَهُمَا سُوقًا صَغِيرًا، كَأَنَّهُما يهْمِسا لِلمَدِينَةِ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ:
“هُنَا سَيَكُونُ لَنَا مَركزٌ بَدِيلٌ عَلَى الأَرضِ.”
وَفِي اللَّيَالِي، حِينَ تَتَمَدَّدُ الظِّلَالُ، كَانَا يَجْلِسا تَحْتَ سَقْفِهِ الجَدِيدِ، يَدُهُ عَلَى عَارِضَتِهِ الخَشَبِيَّةِ، يَهْمِسُ لِنَفْسِهِ بِنَبْرَةٍ يَمْلَؤهَا خَوْفٌ وَطُمَأْنِينَةٌ فِي آنٍ:
“هَذَا البَحْرُ لِي، نَعَمْ… لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ وَحْدَهُ. اليَابِسَةُ أَهَمُّ الآن… مِنْ أَجْلِهَا، وَمِنْ أَجْلِ صَغِيرٍ لَمْ يُولَدْ بَعْدُ.”
وَمِنْ هُنَا، مِنْ أَرْضٍ غَرِيبَةٍ عَنْ مِيرَاثِ أَسْلَافِهِ، لَكِنَّهُ غَرَسَ فِيهَا بُذُورًا جَدِيدَةً، بَدَأَتِ القِصَّةُ بِالتَّشَعُّبِ. كُتِبَتْ نَفْسُهَا فِي دِمَاءِ أَبْنَائِهِ الثَّلَاثَةِ: فِي أَصْوَاتِهِمْ وَلَهَجَاتِهِمْ، فِي نُدُوبِهِمْ، وَفِي دَفَاتِرِ أَرْوَاحِهِمْ. ذِكْرَيَاتٌ تَبَعْثَرَتْ، أُخْرَى احْتَرَقَتْ، وَأُخْرَى ذَابَتْ فِي النِّسْيَانِ. وَمَعَ ذَلِكَ، ظَلَّتْ كُلُّهَا حَاضِرَةً، مِثْلَ شَظَايَا أُغْنِيَةٍ قَدِيمَةٍ تَرْفُضُ أَنْ تَسْكُتَ.
وُلِدَ الطِّفْلُ كَمَا لَوْ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْنِ ضِفَّتَيْنِ لاَ تَعْتَرِفُ أَيُّهُمَا بِأَنَّهُ وَطَنٌ. لاَ خَرِيطَةٌ حَمَلَتْ مَلَامِحَهُ، وَلاَ رَايَةٌ رَفرَفَتْ فَوْقَ رَأْسِهِ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَ مَوْجُودًا، حَيًّا، بِظِلٍّ عَلَى وَجْهِهِ كَأَنَّ فِيهِ صُورَةً بَعِيدَةً لِجَدٍّ رَحَلَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذُرِّيَّتَهُ سَتَتَوَزَّع كَحَبَّاتِ المِلْحِ… وَكَحُبٍّ خَفِيٍّ يُعَجنُ فِي خُبْزِ الغُرْبَةِ.
آنا مَارِيَا اسْتَقَرَّتْ فِي هَذَا الوَطَنِ الغَرِيبِ، لاَ كَمُوَاطِنَةٍ تَنْتَمِي رَسْمِيًّا، بَل كَامرأَةٍ تَتَشَبَّثُ بِعِنَادٍ فِي وَجْهِ الرَّحِيلِ، كَأَنَّهَا تَقُولُ لَهُ: “لَنْ أَسْمَحَ لَكَ أَنْ تَنْتَزِعَ مِنِّي مَنْ أُحِبُّ.”
كَانَتْ تُمْسِكُ بِذِرَاعِ دَانِيَال بِكُلِّ قُوَّتِهَا، كَمَا لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تُثَبِّتَهُ فِي الأَرْضِ، أَنْ تَمْنَعَهُ مِنَ الانْسِيَاقِ وَرَاءَ السُّحُبِ الخَفِيَّةِ لِلْبَحْرِ. وَفِي عَيْنَيْهَا، كَانَ يَحْتَرِقُ أَمَلُ امْرَأَةٍ رَفَضَتْ أَنْ تَخْسَرَ الرَّجُلَ الَّذِي نَجَا مِنَ المَوْتِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ.
أَمَّا دَانِيَال، فَبَقِيَ أَسِيرًا لِقَلَقِهِ الدَّاخِلِيِّ، مُتَأَرْجِحًا كَالْأَمْوَاجِ. عَيْنَاهُ تَتَنَقَّلَانِ بِلاَ قَرَارٍ، كَأَنَّهُمَا تَبْحَثَانِ عَنْ مَرْسَاةٍ لاَ وُجُودَ لَهَا. بَدَا وَكَأَنَّهُ وُلِدَ لِيَكُونَ مُتَرْجِمًا أَزَلِيًّا: بَيْنَ اللُّغَاتِ وَالشُّعُوبِ، بَيْنَ الوُجُوهِ الغَرِيبَةِ وَضِفَافِهَا المُوحِشَةِ.
وَجَاءَتِ اللَّحْظَةُ الأَصْعَبُ:
وُلِدَ الطِّفْلُ بَعْدَ صِرَاعٍ طَوِيلٍ، كَأَنَّهُ آخِرُ امْتِحَانٍ لِلْوَفَاءِ.
آنا، تِلْكَ الَّتِي لَمْ تَشَأ إِلَّا أَنْ تُخْفِ عَنِ الجَمِيعِ هَشَاشَتَهَا، كَادَتْ تَنْكَسِرُ فِي اليَوْمِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ قَلْبُهَا إِلَى الدُّنْيَا عَلَى هَيْئَةِ طِفْلٍ صَغِيرٍ. اجْتَاحَتْهَا الأَمْرَاضُ، سَرَقَتْ مِنْهَا قُوَّتَهَا، وَأَخَذَتْ صَوْتَهَا حَتَّى لَمْ يَبْقَ إِلَّا هَمْسٌ مُتَقَطِّعٌ، أَشْبَهَ بِظِلِّ صَوْتٍ.
أَمَّا دَانِيَال، فَكَانَ يَتَشَبَّثُ بِالعَالَمِ كَمَا يَتَشَبَّثُ الغَرِيقُ بِخَشَبَةٍ وَحِيدَةٍ، مُحَاوِلًا أَلَّا يَنْكَسِرَ هُوَ أَيْضًا.
“أَيْنَ الطَّبِيبُ؟” صَرَخَ دَاخِلَهُ، كَأَنَّ صَوْتَهُ يَرْتَطِمُ بِجُدْرَانٍ صَمَاءَ. رَاحَ يُدَوِّنُ أَسْمَاءَ الأَطِبَّاءِ: عَرَبًا وَفَرَنْسِيِّينَ، إِسْبَانًا وَإِيطَالِيِّينَ… كَأَنَّهُ يَتَنَقَّلُ فِي قَامُوسٍ طِبِّيٍّ جَامِدٍ لاَ يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ. لَكِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ.
آنا ظَلَّتْ مُسْجَاةً عَلَى الفِرَاشِ لسنوات، تَتَأَرْجَحُ بَيْنَ الغَيْبُوبَةِ وَاليَقَظَةِ، وَكُلُّ مَا كَانَ يَتَرَدَّدُ عَلَى شَفَتَيْهَا بِضعْفٍ: “الطِّفْل… أَيْنَ طِفْلِي؟”
حِينَئِذٍ اقْتَرَحَتْ إِحْدَى الطَّبِيبَاتِ، الَّتِي تَابَعَتْ هَذَا الصِّرَاعَ المرِيرَ، اسْتِدْعَاءَ امْرَأَةٍ مِنْ وَهْرَانَ؛ سَيِّدَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِوَجْهِهَا النَّبِيلِ، قِيلَ إِنَّ قَلْبَهَا كَانَ بُسْتَانًا مُضِيئًا، يَفِيضُ رِقَّةً وَحَنَانًا، كَأَنَّ كُلَّ رُوحٍ تلَامِسُهُ تَنْبُتُ فِيهَا أَزْهَارُ الشَّبَابِ وَتَتَشَعُّ بِالخَيْرِ، وَتَتَنَفَّسُ النَّسِيمَ الدَّافِئَ لِأَحْلَامٍ لَمْ تُوَلَدْ بَعْدُ.
هَزَّ دَانِيَال رَأْسَهُ مُوَافِقًا، فَقَدْ نَفِدَ كُلُّ أَمَلٍ آخَرَ.
تَوَلَّتِ المَرْأَةُ رِعَايَةَ الرَّضِيعِ، احْتَضَنَتْهُ بِحَنَانٍ يُشْبِهُ صَلَاةً صَامِتَةً، وَكَأَنَّهَا تَحْفَظُهُ بِاسْمِ أُمِّهِ المُعَلَّقَةِ بَيْنَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ.
وَعِنْدَمَا تَنَفَّسَتْ آنا أَخِيرًا نَسِيمَ التَّعَافِي، طَالَبَتْ بِطِفْلِهَا فَوْرًا. بِيدَيْنِ مُرْتَعِشَتَيْنِ، كَأَنَّهُمَا مَا زَالَتَا تَحْمِلَانِ أَثَرَ المعَانَاةِ، ضَمَّتْهُ إِلَى صَدْرِهَا، وَدَفَنَتْهُ بَيْنَ دُمُوعِهَا. وَكَأَنَّهَا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ تَتَحَدَّى بُرُودَةَ المَوْتِ نَفْسهَا.
ثُمَّ قَرَّبَتْ فَمَهَا مِنْ أُذُنِهِ، وَهَمَسَتْ بِصَوْتٍ مَبْحُوحٍ، لَكِنَّهُ مُحَمَّلٌ بِوَصِيَّةِ أُمٍّ تَنْحَتُهَا النَّارُ وَالدُّمُوعُ:
“كُنْ مِثْلَ أَبِيكَ يَا صَغِيرِي… كُنْ مِثْلَ جَدِّكَ. لاَ تَدَعِ الرِّيحَ تَكْسِرُكَ، وَلاَ تُغْمِضْ عَيْنَيْكَ عَنِ الأَمْوَاجِ.”
الرَّضِيعُ، صَغِيرُ الحَجْمِ كَمَا كَانَ، اسْتَمَعَ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّةِ.
تَابَعَتْ عَيْنَاهُ شَفَتَيِ وَالِدَتِهِ، كَأَنَّهُمَا يَمْتَصَّانِ كُلَّ كَلِمَةٍ تَنْبُضُ بِالحَيَاةِ. ابْتَسَمَ حِينَ ابْتَسَمَتْ، وَإِذَا ارْتَجَفَ صَمْتُ صَوْتِهَا مِنْ أَلَمٍ خَفِيٍّ، انْقَبَضَ جَبِينُهُ الصَّغِيرُ، كَأَنَّهُ يَشْعُرُ بِمَا لَمْ تُعْلِنْهُ الكَلِمَاتُ بَعْدُ، كَأَنَّ صَدَى ذَلِكَ الأَلَمِ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَعْرِفَ العَالَمَ كُلَّهُ.
فِي صَبَاحٍ بَعيدٍ فَتَحَتْ آنا مَارِيَا عَيْنَيْهَا.
لَحْظَةٌ تَاهَتْ فِيهَا نَظْرَتُهَا، كَأَنَّهَا بِحَاجَةٍ لِلتَّأَكُّدِ مِنْ أَنَّ العَالَمَ مَا زَالَ مُوجُودًا، وَأَنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَنْسَحِبْ عَنِ السَّمَاءِ. ثُمَّ وَقَعَتْ عَيْنَاهَا عَلَى الصَّغِيرِ، بِنَظْرَةٍ أَشْرَقَتْ فِي أَرْجَاءِ الغُرْفَةِ، وَكَأَنَّهَا لاَ تُخَاطِبُهُ كَطِفلٍ، بَل كَشَابٍّ صَغِيرٍ يَنْبَغِي أَنْ يَفْهَمَ:
“صَبَاحُ ذَاكَ اليَوْمِ لَمْ يَكُنْ كَسَائِرِ الصَّبَاحَاتِ فِي هَارْبُورْغ…”
“كَانَتِ الشَّفَقُ تَتَنَفَّسُ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهَا تَسْتَمِعُ هِيَ الأُخْرَى لِمَا سَيَأْتِي، وَكَأَنَّهَا تَعْرِفُ أَنَّ فِي هَذَا اليَوْمِ سَيُكْتَبُ فَصْلٌ جَدِيدٌ فِي حَيَاتِهِمْ.
نَسِيمُ نَهْرِ الإِلْبِه، رَطْبٌ وَنَاعِمٌ، مَدَّ يَدَهُ عَلَى النَّافِذَاتِ الخَشَبِيَّةِ، دَاعَبَ الشَّرَفَاتِ، وَأَهْتَزَّتْ أَطْوَاقُ الزُّهُورِ الَّتِي ضَفَرَتْهَا الفَتَيَاتُ لَيْلَةَ البَارِحَةِ عِنْدَ النَّهْرِ. ارْتَفَعَتْ رَائِحَةُ الخُبْزِ الطَّازَجِ مِنَ المَخَابِزِ القَدِيمَةِ، مُخْتَرِقَةً الحَوَاسَّ، تُحْيِي الذِّكْرَيَاتِ الغَارِقَةَ فِي القَلْبِ.
وَخَرَجَ العَمُّ فِرِيدْرِيش (جَدُّكَ) مِنْ بَوَّابَةِ الطَّاحُونَةِ، وَعَيْنَاهُ تَمْتَلِئَانِ بِالفَخْرِ، وَمَعَ ذَلِكَ ثَمَّةَ لَمْحَةٌ مِنَ الحَنِينِ.
اليَوْمَ يَتَزَوَّجُ دَانِيَال… الاِبْنُ الَّذِي لَمْ يُكْمِلْ طَرِيقَ البَحْرِ، وَالَّذِي اِخْتَارَ البَقَاءَ إِلَى جَانِبِ وَالِدِهِ، وَالقَلْبُ مُرْتَاحٌ مِن ثِقَلِ حَجَرِ الطَّاحُونَةِ…”
كَانَتْ كَلِمَاتُهَا ثَقِيلَةً، كَأَنَّهَا تُخَاطِبُ المُسْتَقْبَلَ الخَفِيَّ، كَأَنَّهَا تَرْوِي لِمَنْ يَسْتَمِعُ، لاَ لِلْطِّفْلِ الَّذِي لَمْ يَفْقَهْ بَعْدُ مَعْنَى كَلِمَةِ “زَوَاج”.
وَمَعَ ذَلِكَ، غَرَسَتْ فِي وَعْيِهِ الصَّغِيرِ صُورَةً تُشْبِهُ الرُّوحَ، صُورَةً سَتَظَلُّ تُرَافِقُهُ حِينَ تَتَسَلَّلُ إِلَيْهِ الأَسْئِلَةُ:
“مِنْ أَيْنَ أَتَيْتُ؟ وَمَنْ أَنَا؟”
وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ، بَدَا وَكَأَنَّ الطِّفْلَ شَعَرَ بِالأَصْوَاتِ وَالرَّوَائِحِ وَالوُجُوهِ المُحِيطَةِ بِهِ، كَأَنَّ عَالَمَهُ الصَّغِيرَ بَدَأَ يَرْتَسِمُ، وَبَدَأَ قَلْبُهُ يَتَعَلَّمُ أَنْ يَمْسِكَ الفَرَحَ وَالأَلَمَ مَعًا، بِرِفْقٍ، كَمَا يمْسِكُ المَرْءُ بِخَيْطٍ رَفِيعٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، لاَ يَتْرُكُهُ يَفْلِتُ إِلَّا حِينَ يَثِقُ أَنَّهُ مُسْتَعِدٌّ.
اِنْتَشَرَتْ أَهَازِيجُ هَادِئَةٍ فِي الغُرْفَةِ، خَافِتَةٍ، كَأَنَّهَا أَنْفَاسُ أُمٍّ تَرْبِطُ قَلْبَهَا بِقَلْبِ طِفْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَنْهَضَ بِالكَامِلِ فِي غُرْبَةِ هَذَا العَالَمِ.
آنا مَارِيَا جَذَبَتِ الطِّفْلَ إِلَى صَدْرِهَا، وَمَدَّتْ يَدَهَا بِرِفْقٍ عَلَى خُصْلَاتِهِ الرَّقِيقَةِ. ارْتَعَشَتْ أَصَابِعُهَا قَلِيلًا، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَتْ كَلِمَاتُهَا رَاسِخَةً، كَأَنَّهَا تَهْمِسُ لَهُ بِسِرٍّ مِنْ أَسْرَارِ الأَبَدِيَّةِ فِي أُذُنِهِ:
“دَخَلَ دَانِيَال مِنْ بَوَّابَةِ الطَّاحُونَةِ القَدِيمَةِ، بِمَلَابِسِهِ الدَّاكِنَةِ، وَحذائِهِ الجِلْدِيَّ الَّذِي كَانَ وَالِدُهُ قَدْ صَقَلَهَا مَسَاءَ الأَمْسِ… لَقَدْ أَصْبَحَ رَجُلًا آخَرَ، يَحْمِلُ مَلَامِحَ الجِدِّيَّةِ وَقُوَّةَ النُّضْجِ.”
صَمَتَتْ لِلَّحْظَةٍ، وَكَأَنَّهَا تَسْتَمِعُ فَقَطْ لِلصُّورِ الَّتِي تَصَاعَدَتْ أَمَامَ ذِهْنِهَا كَضَبَابٍ يَخْتَبِئُ فِي الزَّوَايَا. ثُمَّ ابْتَسَمَتْ، ابْتِسَامَةً مُحَمَّلَةً بِالحُبِّ وَلَمْسَةٍ خَفِيَّةٍ مِنَ السُّخْرِيَةِ، وَقَالَتْ:
“عَلَى الكُرْسِيِّ الخَشَبِيِّ القَدِيمِ جَلَسَ فِرِيدْرِيش مُولِر، فِي زَاوِيَةٍ رَأَتِ الكَثِيرَ مِنَ الأَيَّامِ. رَفَعَ كَأْسَهُ، صَغِيرٌ وَبَسِيطٌ، مَمْلُوءٌ بِمَشْرُوبٍ غَرِيبٍ، وَانْحَنَى نَحْوَ جَارِهِ يُوهَان كْرَاوْس:
‘ظَنَنْتُ أَنَّ دَانِيَال لَنْ يَجْرُؤَ أَبَدًا عَلَى الاِعْتِرَافِ لَهَا.’”
ارْتَعَشَتْ نَبْرَةُ صَوْتِهَا قَلِيلًا وَهِيَ تُوَاصِلُ الكَلَامَ، كَأَنَّهَا مُمَثِّلَةٌ يُوَجِّهُهَا شَبَحُ ذِكْرَى خَفِيَّةٍ:
“تَضَخَّمَ ضَحِكُ يُوهَان – فِيهِ كَانَ ضَحِكُ الشُّيُوخِ الَّذِينَ عَرَفُوا أَنَّ الحُبَّ لاَ يَحْتَاجُ كَلِمَاتٍ، بَل أَفْعَالٌ. فَقَالَ:
‘لَمْ يَنْطِقْ بِهَذِهِ الكَلِمَاتِ… لَكِنَّهُ فَعَلَهَا. وَهَلْ يَحْتَاجُ الحُبُّ الحَقِيقِيُّ إِلَى إِذْنٍ؟’”
اِسْتَدَارَتْ إِلَى طِفْلِهَا – ابْنِهَا – وَكَانَتْ كَلِمَاتُهَا تَحْمِلُ صَدًى غَرِيبًا، كَأَنَّ رُوحَ الطِّفْلِ الَّذِي رَاحَ عَادَتْ عَبْرَ الزَّمَنِ لِتَشْهَدَ عَلَى مَا لَمْ يُسْمَحْ لَهُ يَوْمًا بِرُؤْيَتِهِ.
ثُمَّ تَوَقَّفَتْ فَجْأَةً، وَاشْتَدَّ الظَّلَامُ فِي عَيْنَيْهَا، كَأَنَّهَا اِنْتَقَلَتْ مِنْ نُورِ الدُّعَابَةِ إِلَى مَمَرِّ الذِّكْرَى الغَامِضِ. هَمَسَتْ بِصَوْتٍ مُنْخَفِضٍ، كَأَنَّ الكَلِمَاتِ تَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ طَيَّاتِ الزَّمَنِ:
“عَلَى الجَانِبِ الآخَرِ مِنَ البَيْتِ وَقَفَتِ العَرُوسُ – أُمُّكَ – فِي مَرْكَزِ الغُرْفَةِ، تُحِيطُ بِهَا نِسَاءُ القَرْيَةِ. كُنَّ يرنِمْنَ أُغْنِيَةً قَدِيمَةً، أُغْنِيَةً تَحْمِلُ أَنْفَاسَ القُرُونِ:

ظِلُّ القرار 02

Comments

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *