قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الفَصْلُ التَّاسِعُ
فِي صَبَاحِ أَوَّلِ يَوْمٍ دِرَاسِيٍّ لِابْنَتِهِ رِيمَا الصُّغْرَى، جَلَسَ كِنَان شَاهِين بِجَانِبِهَا عَلَى حَافَّةِ السَّرِيرِ، دَقَائِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى المَدْرَسَةِ الأَلْمَانِيَّةِ لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي حَيَاتِهَا، وَقَالَ لَهَا بِصَوْتٍ جَادٍّ لَمْ تَعْتَدْهُ مِنْهُ كَثِيرًا:
— يَا حَيَاةَ أَبِيهَا، سَيَسْأَلُونَكِ فِي المَدْرَسَةِ عَنْ دِينِنَا. لَا بَأْسَ أَنْ تَقُولِي إِنَّنَا دُرُوزٌ، لَكِنْ لَا تَخُوضِي فِي تَفَاصِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. لَا تَتَحَدَّثِي عَنْ عَادَاتِنَا الخَاصَّةِ، وَلَا عَنْ مُعْتَقَدَاتِنَا، وَلَا حَتَّى عَنْ أَسْمَاءِ بَعْضِ الطُّقُوسِ. هَذَا أَمْرٌ بَيْنَنَا، لَا يَخُصُّ أَحَدًا غَيْرَنَا.
نَظَرَتِ الطِّفْلَةُ، وَهِيَ فِي الحَادِيَةِ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهَا، إِلَى وَالِدِهَا بِحَيْرَةٍ وَاضِحَةٍ:
— لِمَاذَا يَا أَبِي؟ أَلَيْسَ مِنَ الجَيِّدِ أَنْ أَشْرَحَ لَهُمْ مَنْ نَحْنُ؟
أَجَابَ كِنَان بِحَزْمٍ هَادِئٍ:
— بَعْضُ الأَشْيَاءِ يَا صَغِيرَتِي أَجْمَلُ حِينَ تَبْقَى بَيْنَنَا، لَا حِينَ تُشْرَحُ لِكُلِّ مَنْ يَسْأَلُ. هَذَا جُزْءٌ مِنْ كَوْنِنَا دُرُوزًا: نَحْفَظُ أَسْرَارَنَا، وَنَحْتَرِمُ خُصُوصِيَّتَنَا، حَتَّى فِي أَبْعَدِ بُقْعَةٍ مِنَ الأَرْضِ نَصِلُ إِلَيْهَا.
وَكَانَتْ زَوْجَتُهُ رِيمَا الكُبْرَى تَسْتَمِعُ مِنْ عَتَبَةِ البَابِ، صَامِتَةً، وَقَدْ لَاحَظَتْ فِي الأَسَابِيعِ الأَخِيرَةِ أَنَّ زَوْجَهَا أَصْبَحَ أَكْثَرَ تَشَدُّدًا فِي هَذَا المَوْضُوعِ تَحْدِيدًا مِمَّا كَانَ عَلَيْهِ فِي السُّوَيْدَاءِ نَفْسِهَا، وَكَأَنَّ الشُّعُورَ بِالغُرْبَةِ يَدْفَعُهُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِكُلِّ تَفْصِيلٍ مِنْ تَفَاصِيلِ الهُوِيَّةِ القَدِيمَةِ بِقُوَّةٍ مُضَاعَفَةٍ، خَوْفًا مِنْ أَنْ يَذُوبَ كُلُّ شَيْءٍ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي هَذَا المَكَانِ الجَدِيدِ.
كَانَتْ هَذِهِ الوَصِيَّةُ امْتِدَادًا لِتَقْلِيدٍ عَائِلِيٍّ عَرِيقٍ حَمَلَهُ كِنَان مَعَهُ مِنَ السُّوَيْدَاءِ، حَيْثُ تَرَبَّى عَلَى مَبْدَأِ «كِتْمَانِ السِّرِّ» الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أَعْمِدَةِ العَقِيدَةِ الدُّرْزِيَّةِ، لَا كَوَسِيلَةٍ لِلتَّخَفِّي، بَلْ كَشَكْلٍ مِنْ أَشْكَالِ احْتِرَامِ قَدَاسَةِ المَعْرِفَةِ الدِّينِيَّةِ، الَّتِي لَا تُمْنَحُ إِلَّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَ سَنَوَاتٍ مِنَ الإِعْدَادِ الرُّوحِيِّ.
لَكِنَّ هَذَا التَّقْلِيدَ، الَّذِي بَدَا طَبِيعِيًّا تَمَامًا فِي بِيئَةِ السُّوَيْدَاءِ المُتَجَانِسَةِ، بَدَأَ يَصْطَدِمُ بِوَاقِعٍ جَدِيدٍ كُلِّيًّا فِي أَلْمَانِيَا، حَيْثُ تَجِدُ ابْنَتُهُ نَفْسَهَا، يَوْمِيًّا تَقْرِيبًا، مُحَاطَةً بِأَسْئِلَةٍ فُضُولِيَّةٍ مِنْ زُمَلَاءِ صَفٍّ لَمْ يَسْمَعُوا مِنْ قَبْلُ بِكَلِمَةِ «دُرْزِيٍّ».
فِي المَسَاءِ الأَوَّلِ بَعْدَ المَدْرَسَةِ، عَادَتْ رِيمَا الصُّغْرَى إِلَى البَيْتِ، وَوَجْهُهَا يَحْمِلُ ارْتِبَاكًا وَاضِحًا.
سَأَلَتْهَا وَالِدَتُهَا رِيمَا الكُبْرَى — وَقَدْ تَشَابَهَ الاِسْمَانِ صُدْفَةً عَائِلِيَّةً، فَالاِبْنَةُ سُمِّيَتْ عَلَى اسْمِ جَدَّتِهَا الَّتِي هِيَ نَفْسُهَا وَالِدَتُهَا —:
— كَيْفَ كَانَ يَوْمُكِ؟
أَجَابَتِ الطِّفْلَةُ بِتَرَدُّدٍ:
— سَأَلَتْنِي مُعَلِّمَتِي عَنْ دِينِنَا أَمَامَ كُلِّ الصَّفِّ. قُلْتُ إِنَّنَا دُرُوزٌ، فَسَأَلَتْنِي مَاذَا يَعْنِي ذَلِكَ بِالضَّبْطِ. لَمْ أَعْرِفْ مَاذَا أَقُولُ، فَقُلْتُ إِنَّهُ سِرٌّ عَائِلِيٌّ وَلَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَشْرَحَ أَكْثَرَ.
تَبَادَلَ كِنَان وَزَوْجَتُهُ نَظْرَةً قَلِقَةً، ثُمَّ سَأَلَتِ الأُمُّ:
— وَكَيْفَ كَانَ رَدُّ فِعْلِ المُعَلِّمَةِ وَالأَطْفَالِ؟
— ضَحِكَ بَعْضُ الأَطْفَالِ، وَقَالُوا إِنَّنِي أَخْتَلِقُ الأَمْرَ لِأَنَّنِي لَا أَعْرِفُ دِينِي الحَقِيقِيَّ. شَعَرْتُ بِحَرَجٍ شَدِيدٍ.
أَضَافَتْ رِيمَا، بِصَوْتٍ أَخْفَتَ، وَكَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ يُزْعِجَ وَالِدَهَا مَا سَتَقُولُهُ:
— طِفْلَةٌ اسْمُهَا لُوتِه قَالَتْ إِنَّ كُلَّ الأَدْيَانِ الَّتِي تَعْرِفُهَا إِمَّا مَسِيحِيَّةٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ، وَأَنَّ كَلِمَةَ «دُرْزِيٍّ» لَيْسَتْ دِينًا حَقِيقِيًّا، بَلْ شَيْءٌ اخْتَرَعْتُهُ لِأَتَجَنَّبَ الإِجَابَةَ. لَمْ أَعْرِفْ كَيْفَ أَرُدُّ عَلَيْهَا.
غَضِبَ كِنَان لِهَذَا الخَبَرِ، لَكِنَّهُ حَاوَلَ أَنْ يُخْفِيَ غَضَبَهُ أَمَامَ ابْنَتِهِ:
— لَا تَهْتَمِّي بِضَحِكِهِمْ. سِرُّنَا أَثْمَنُ مِنْ أَنْ نَشْرَحَهُ لِمَنْ لَا يُقَدِّرُهُ.
كَانَ ابْنُهُمَا الأَكْبَرُ، سَامِر، ذُو السَّبْعَةَ عَشَرَ عَامًا، قَدِ اسْتَمَعَ إِلَى هَذَا الحِوَارِ مِنْ غُرْفَتِهِ المُجَاوِرَةِ، وَحِينَ خَرَجَتْ أُخْتُهُ الصُّغْرَى لِتَلْعَبَ، دَخَلَ عَلَى وَالِدِهِ وَقَالَ بِصَرَاحَةٍ اعْتَادَ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا مَعَهُ مُنْذُ فَتْرَةٍ قَصِيرَةٍ فَقَطْ:
— أَبِي، لَا أَظُنُّ أَنَّ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الأَمْرِ سَتَنْجَحُ هُنَا.
نَظَرَ إِلَيْهِ كِنَان بِجِدِّيَّةٍ:
— مَاذَا تَقْصِدُ؟
— أَقْصِدُ أَنَّ أُخْتِي لَا تَفْهَمُ حَتَّى الأَسَاسِيَّاتِ عَنْ دِينِنَا لِتَشْرَحَهَا أَوْ تُخْفِيَهَا. نَحْنُ الاِثْنَانِ كَبِرْنَا نَسْمَعُ كَلِمَةَ «سِرٍّ» فِي كُلِّ مَرَّةٍ نَسْأَلُ فِيهَا عَنْ تَفَاصِيلِ عَقِيدَتِنَا، حَتَّى صِرْنَا لَا نَعْرِفُ عَنْهَا شَيْئًا حَقِيقِيًّا سِوَى أَنَّهَا «سِرٌّ». كَيْفَ تُرِيدُ مِنْهَا أَنْ تُدَافِعَ عَنْ هُوِيَّةٍ لَا تَفْهَمُهَا هِيَ نَفْسُهَا؟
شَعَرَ كِنَان بِوَخْزَةٍ مِنْ كَلَامِ ابْنِهِ، الَّذِي لَامَسَ شَيْئًا لَمْ يَجْرُؤْ عَلَى الاِعْتِرَافِ بِهِ لِنَفْسِهِ مِنْ قَبْلُ:
— هَذَا تَقْلِيدُنَا، يَا سَامِر. لَمْ نَخْتَرِعْ نَحْنُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ.
قَالَ سَامِر، بِنَبْرَةٍ فِيهَا احْتِرَامٌ لَكِنَّهَا حَازِمَةٌ أَيْضًا:
— أَعْرِفُ أَنَّهُ تَقْلِيدٌ قَدِيمٌ، وَأَحْتَرِمُهُ. لَكِنَّنَا لَسْنَا فِي السُّوَيْدَاءِ، حَيْثُ كُلُّ مَنْ حَوْلَنَا يَفْهَمُ هَذَا التَّقْلِيدَ ضِمْنِيًّا دُونَ شَرْحٍ. هُنَا، الصَّمْتُ الكَامِلُ يُفْهَمُ كَغُمُوضٍ أَوْ حَتَّى كَخَجَلٍ مِنْ هُوِيَّتِنَا، لَا كَاحْتِرَامٍ لَهَا.
صَمَتَ كِنَان طَوِيلًا، يُفَكِّرُ فِي كَلَامِ ابْنِهِ، ثُمَّ قَالَ أَخِيرًا:
— رُبَّمَا أَنْتَ مُحِقٌّ جُزْئِيًّا. دَعْنِي أُفَكِّرْ فِي الأَمْرِ أَكْثَرَ.
فِي اليَوْمِ التَّالِي، طَلَبَتْ مُدِيرَةُ المَدْرَسَةِ لِقَاءَ كِنَان وَزَوْجَتِهِ، بَعْدَ أَنْ أَبْلَغَتْهَا المُعَلِّمَةُ بِمَا حَدَثَ. جَلَسَا أَمَامَهَا، وَمُتَرْجِمَةٌ عَرَبِيَّةٌ تُسَاعِدُ فِي نَقْلِ الحِوَارِ.
قَالَتِ المُدِيرَةُ بِلُطْفٍ وَاضِحٍ:
— نُرِيدُ فَقَطْ أَنْ نَفْهَمَ كَيْفَ نَتَعَامَلُ بِشَكْلٍ أَفْضَلَ مَعَ ابْنَتِكُمْ. لَاحَظْنَا أَنَّهَا تَرْتَبِكُ حِينَ تُسْأَلُ عَنْ خَلْفِيَّتِهَا الدِّينِيَّةِ، وَنُرِيدُ أَنْ نَتَجَنَّبَ أَيَّ إِحْرَاجٍ لَهَا فِي المُسْتَقْبَلِ.
شَرَحَ كِنَان، بِحَذَرٍ شَدِيدٍ فِي اخْتِيَارِ كَلِمَاتِهِ:
— نَحْنُ دُرُوزٌ، وَهِيَ طَائِفَةٌ دِينِيَّةٌ تَوْحِيدِيَّةٌ، لَهَا تَقَالِيدُهَا الخَاصَّةُ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المَعْرِفَةِ الدِّينِيَّةِ. نَحْنُ لَا نُخْفِي هُوِيَّتَنَا، لَكِنَّنَا لَا نُنَاقِشُ تَفَاصِيلَ عَقِيدَتِنَا الدَّاخِلِيَّةِ إِلَّا بَيْنَ أَفْرَادِ الطَّائِفَةِ أَنْفُسِهِمْ. هَذَا لَيْسَ تَعَصُّبًا، بَلْ تَقْلِيدٌ قَدِيمٌ نَحْتَرِمُهُ.
اسْتَمَعَتِ المُدِيرَةُ بِاهْتِمَامٍ، ثُمَّ سَأَلَتْ سُؤَالًا لَمْ يَتَوَقَّعْهُ كِنَان:
— هَلْ تُفَضِّلُونَ أَنْ نُعْفِيَ ابْنَتَكُمْ مِنَ الأَسْئِلَةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ فِي الصَّفِّ، أَمْ أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقَةً نَشْرَحُ بِهَا لِلْأَطْفَالِ الآخَرِينَ هَذَا التَّقْلِيدَ دُونَ اِنْتِهَاكِ خُصُوصِيَّتِكُمْ؟
تَوَقَّفَ كِنَان، مُتَفَاجِئًا مِنْ هَذَا العَرْضِ المَرِنِ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهُ مِنْ نِظَامٍ مَدْرَسِيٍّ غَرِيبٍ عَنْهُ كُلِّيًّا:
— هَلْ يُمْكِنُ فِعْلًا أَنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ؟
أَجَابَتِ المُدِيرَةُ بِابْتِسَامَةٍ:
— بِالتَّأْكِيدِ. لَدَيْنَا تَجْرِبَةٌ سَابِقَةٌ مَعَ عَائِلَاتٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ دِينِيَّةٍ مُتَنَوِّعَةٍ، وَنَحْرِصُ دَائِمًا عَلَى احْتِرَامِ خُصُوصِيَّةِ كُلِّ عَائِلَةٍ، بِشَرْطِ أَنْ نَفْهَمَ نَحْنُ الحَدَّ الَّذِي يُمْكِنُ الحَدِيثُ عَنْهُ، وَالحَدَّ الَّذِي يُفَضَّلُ عَدَمُ الخَوْضِ فِيهِ.
أَضَافَتِ المُدِيرَةُ، وَهِيَ تَتَصَفَّحُ مُلَاحَظَاتٍ أَمَامَهَا:
— لَدَيْنَا أَيْضًا حِصَّةٌ تُسَمَّى «التَّعَرُّفُ عَلَى الأَدْيَانِ»، نَسْتَضِيفُ فِيهَا أَحْيَانًا أَوْلِيَاءَ أُمُورٍ لِيَتَحَدَّثُوا بِإِيجَازٍ عَنْ خَلْفِيَّاتِهِمِ الدِّينِيَّةِ لِلْأَطْفَالِ، بِشَكْلٍ عَامٍّ وَمُبَسَّطٍ، دُونَ الخَوْضِ فِي التَّفَاصِيلِ العَمِيقَةِ. أَيَهُمُّكَ أَنْ تُشَارِكَ أَنْتَ أَوْ زَوْجَتُكَ فِي هَذِهِ الحِصَّةِ يَوْمًا مَا؟
تَبَادَلَ كِنَان وَزَوْجَتُهُ نَظْرَةً مُتَفَاجِئَةً، ثُمَّ قَالَ كِنَان بِحَذَرٍ:
— يَجِبُ أَنْ أُفَكِّرَ فِي الأَمْرِ. لَيْسَ قَرَارًا يُمْكِنُ أَنْ أَتَّخِذَهُ بِسُرْعَةٍ.
قَالَتِ المُدِيرَةُ بِتَفَهُّمٍ:
— بِالطَّبْعِ، لَا عَجَلَةَ فِي الأَمْرِ. الأَهَمُّ أَنَّ ابْنَتَكُمْ لَا تَشْعُرُ بِالحَرَجِ أَوِ العُزْلَةِ بِسَبَبِ هُوِيَّتِهَا. سَنَتَحَدَّثُ مَعَ مُعَلِّمَتِهَا لِتَكُونَ أَكْثَرَ حَسَاسِيَّةً فِي طَرْحِ الأَسْئِلَةِ أَمَامَ الصَّفِّ كَامِلًا.
شَكَرَهَا كِنَان وَزَوْجَتُهُ، وَخَرَجَا مِنَ المَكْتَبِ بِشُعُورٍ مُخْتَلِطٍ بَيْنَ الاِرْتِيَاحِ لِهَذَا التَّفَهُّمِ غَيْرِ المُتَوَقَّعِ، وَالقَلَقِ مِنْ سُؤَالِ المُشَارَكَةِ فِي الحِصَّةِ الَّذِي فَتَحَ أَمَامَهُمَا اِحْتِمَالًا لَمْ يُفَكِّرَا فِيهِ مِنْ قَبْلُ.
فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ، تَحَدَّثَ كِنَان مَعَ زَوْجَتِهِ بِانْفِعَالٍ مَمْزُوجٍ بِارْتِيَاحٍ:
— لَمْ أَتَوَقَّعْ هَذَا النَّوْعَ مِنَ التَّفَهُّمِ. فِي سُورِيَا، كُنَّا نَتَعَامَلُ مَعَ فُضُولِ الآخَرِينَ إِمَّا بِالصَّمْتِ الكَامِلِ أَوْ بِمُوَاجَهَاتٍ مُحْرِجَةٍ أَحْيَانًا. هُنَا، يَبْدُو أَنَّ هُنَاكَ طَرِيقَةً مُؤَسَّسِيَّةً لِلتَّعَامُلِ مَعَ الاِخْتِلَافِ نَفْسِهِ.
قَالَتْ زَوْجَتُهُ، بِتَفْكِيرٍ عَمَلِيٍّ:
— لَكِنَّ هَذَا لَا يَحُلُّ المُشْكِلَةَ الأَعْمَقَ، يَا كِنَان. اِبْنَتُنَا سَتَكْبَرُ هُنَا، وَسَتَحْتَاجُ أَنْ تَفْهَمَ مِنْ نَفْسِهَا مَا تَعْنِيهِ هُوِيَّتُهَا الدُّرْزِيَّةُ، لَا أَنْ تَكْتَفِيَ بِجُمْلَةِ «سِرٌّ عَائِلِيٌّ» فِي كُلِّ مَرَّةٍ يُسْأَلُ عَنْهَا.
فَكَّرَ كِنَان فِي كَلَامِهَا طَوِيلًا، وَأَدْرَكَ أَنَّهَا تُلَامِسُ نُقْطَةً لَمْ يَكُنْ قَدْ فَكَّرَ فِيهَا بِعُمْقٍ كَافٍ.
بَعْدَ أَسَابِيعَ، وَأَثْنَاءَ اجْتِمَاعٍ مَعَ شَيْخٍ دُرْزِيٍّ مُسِنٍّ، كَانَ قَدِ الْتَقَاهُ فِي مُنَاسَبَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ لِعَائِلَاتٍ سُورِيَّةٍ مُتَعَدِّدَةِ الطَّوَائِفِ، طَرَحَ كِنَان عَلَيْهِ هَذَا التَّسَاؤُلَ بِصَرَاحَةٍ.
كَانَ الشَّيْخُ، أَبُو سُلَيْمَان، قَدْ وَصَلَ إِلَى أَلْمَانِيَا قَبْلَ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ، وَيُعْرَفُ بَيْنَ الجَالِيَةِ الدُّرْزِيَّةِ الصَّغِيرَةِ هُنَاكَ بِحِكْمَتِهِ وَاِنْفِتَاحِهِ، رَغْمَ تَمَسُّكِهِ الشَّدِيدِ بِجَوْهَرِ التَّعَالِيمِ.
اسْتَمَعَ الشَّيْخُ بِصَبْرٍ إِلَى قِصَّةِ كِنَان الكَامِلَةِ، بِمَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُهُ مَعَ اِبْنِهِ سَامِر، ثُمَّ قَالَ:
— يَا كِنَان، تَعْلِيمُنَا الدِّينِيُّ يَقُولُ إِنَّ كِتْمَانَ السِّرِّ فَضِيلَةٌ، نَعَمْ. لَكِنَّهُ لَا يَعْنِي أَنْ نَتْرُكَ أَبْنَاءَنَا حَائِرِينَ لَا يَعْرِفُونَ حَتَّى الأَسَاسِيَّاتِ العَامَّةَ عَنْ هُوِيَّتِهِمْ. هُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ الأَسْرَارِ الدِّينِيَّةِ العَمِيقَةِ، الَّتِي تُكْشَفُ تَدْرِيجِيًّا لِمَنْ يَسْتَحِقُّهَا بَعْدَ الإِعْدَادِ الرُّوحِيِّ، وَبَيْنَ المَعْرِفَةِ العَامَّةِ الأَسَاسِيَّةِ الَّتِي يَحِقُّ لِكُلِّ دُرْزِيٍّ أَنْ يَعْرِفَهَا عَنْ نَفْسِهِ: تَارِيخُ طَائِفَتِهِ، قِيَمُهَا العَامَّةُ، مَبَادِئُهَا الأَخْلَاقِيَّةُ.
سَأَلَهُ كِنَان:
— كَيْفَ أُوَازِنُ بَيْنَ الاِثْنَيْنِ إِذَنْ مَعَ ابْنَتِي؟
أَجَابَ الشَّيْخُ بِحِكْمَةٍ:
— عَلِّمْهَا القِيَمَ العَامَّةَ بِوُضُوحٍ: التَّوْحِيدَ، الصِّدْقَ، اِحْتِرَامَ الجَارِ مَهْمَا كَانَ دِينُهُ، حِفْظَ العَهْدِ. هَذِهِ لَيْسَتْ أَسْرَارًا، بَلْ أَخْلَاقٌ يُمْكِنُهَا أَنْ تَشْرَحَهَا لِأَيِّ زَمِيلٍ يَسْأَلُهَا دُونَ أَنْ تَخُونَ أَيَّ شَيْءٍ مُقَدَّسٍ. أَمَّا التَّفَاصِيلُ العَمِيقَةُ لِلْعَقِيدَةِ، فَتِلْكَ تَأْتِي لَاحِقًا، حِينَ تَكْبَرُ وَتُصْبِحُ مُسْتَعِدَّةً لَهَا، كَمَا نَتَعَلَّمُهَا نَحْنُ جَمِيعًا بِالتَّدْرِيجِ.
سَأَلَ كِنَان سُؤَالًا آخَرَ كَانَ يُقْلِقُهُ بِشِدَّةٍ:
— وَمَاذَا عَنِ ابْنِنَا سَامِر؟ أَخْشَى أَنْ يَبْتَعِدَ كُلِّيًّا عَنْ هُوِيَّتِهِ إِنِ اسْتَمَرَّ يَشْعُرُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عَنْهَا مُحَاطٌ بِالغُمُوضِ.
فَكَّرَ الشَّيْخُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ:
— اِبْنُكَ فِي سِنٍّ يَحْتَاجُ فِيهَا أَنْ يَشْعُرَ أَنَّهُ شَرِيكٌ فِي فَهْمِ هُوِيَّتِهِ، لَا مُجَرَّدُ مُتَلَقٍّ لِأَوَامِرَ صَامِتَةٍ. اِجْلِسْ مَعَهُ، اِشْرَحْ لَهُ الفَرْقَ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ مُشَارَكَتُهُ وَمَا يَجِبُ الحِفَاظُ عَلَيْهِ، وَدَعْهُ يُشَارِكُ فِي القَرَارِ بَدَلَ أَنْ تَفْرِضَهُ عَلَيْهِ فَقَطْ. الشَّبَابُ هُنَا، فِي هَذَا المُجْتَمَعِ المُنْفَتِحِ، يَحْتَاجُونَ أَنْ يَفْهَمُوا «لِمَاذَا»، لَا أَنْ يَكْتَفُوا بِـ«هَكَذَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ».
شَكَرَ كِنَان الشَّيْخَ عَلَى نَصِيحَتِهِ، وَشَعَرَ أَنَّ حَدِيثَهُ مَعَهُ، رَغْمَ قِصَرِهِ، أَنَارَ لَهُ طَرِيقًا كَانَ يَتَلَمَّسُهُ فِي الظَّلَامِ مُنْذُ أَسَابِيعَ.
قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا، سَأَلَهُ كِنَان سُؤَالًا أَخِيرًا:
— أَتَظُنُّ يَا شَيْخُ أَنَّ اِنْفِتَاحَنَا هُنَا، وَلَوِ الجُزْئِيَّ، سَيُغْضِبُ كِبَارَ الطَّائِفَةِ فِي السُّوَيْدَاءِ لَوْ سَمِعُوا بِهِ؟
اِبْتَسَمَ الشَّيْخُ أَبُو سُلَيْمَان اِبْتِسَامَةً عَمِيقَةً:
— يَا كِنَان، الطَّائِفَةُ نَفْسُهَا عَاشَتْ قُرُونًا وَهِيَ تَتَكَيَّفُ مَعَ كُلِّ بِيئَةٍ وُجِدَتْ فِيهَا، مِنْ جَبَلِ لُبْنَانَ إِلَى حَوْرَانَ إِلَى فِلَسْطِينَ، ثُمَّ إِلَى الشَّتَاتِ الَّذِي نَعِيشُهُ اليَوْمَ. الحِفَاظُ عَلَى الجَوْهَرِ لَا يَعْنِي الجُمُودَ عَلَى الشَّكْلِ نَفْسِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ. أَظُنُّ أَنَّ أَجْدَادَنَا، لَوْ رَأَوْا كَيْفَ نُحَاوِلُ أَنْ نُحَافِظَ عَلَى إِيمَانِنَا وَسْطَ كُلِّ هَذَا التَّغْيِيرِ، لَفَخَرُوا بِنَا أَكْثَرَ مِمَّا لَوْ رَأَوْنَا نَتَجَمَّدُ عَلَى شَكْلٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَذُوبَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ تَحْتِنَا.
شَعَرَ كِنَان بِرَاحَةٍ عَمِيقَةٍ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَاتِ، وَوَدَّعَ الشَّيْخَ بِاِمْتِنَانٍ حَقِيقِيٍّ، حَامِلًا مَعَهُ شُعُورًا جَدِيدًا بِأَنَّ المُرُونَةَ لَيْسَتْ خِيَانَةً لِلتَّقْلِيدِ، بَلْ قَدْ تَكُونُ أَحْيَانًا السَّبِيلَ الوَحِيدَ لِبَقَائِهِ حَيًّا عَبْرَ الأَجْيَالِ.
عَادَ كِنَان إِلَى البَيْتِ بِفَهْمٍ جَدِيدٍ، وَجَلَسَ مَعَ ابْنَتِهِ فِي المَسَاءِ، وَقَالَ لَهَا بِنَبْرَةٍ مُخْتَلِفَةٍ عَنْ نَبْرَةِ الصَّبَاحِ الأَوَّلِ:
— يَا رِيمَا، أُرِيدُ أَنْ أُصَحِّحَ لَكِ شَيْئًا قُلْتُهُ لَكِ سَابِقًا. لَيْسَ عَلَيْكِ أَنْ تَقُولِي «سِرٌّ عَائِلِيٌّ» فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَسْأَلُكِ أَحَدٌ عَنْ دِينِنَا. يُمْكِنُكِ أَنْ تَشْرَحِي أَنَّ الدُّرُوزَ يُؤْمِنُونَ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، وَيُقَدِّرُونَ الصِّدْقَ وَالأَمَانَةَ وَحِفْظَ الجَارِ، وَأَنَّ هَذِهِ القِيَمَ هِيَ مَا يَحْكُمُ حَيَاتَنَا اليَوْمِيَّةَ. أَمَّا التَّفَاصِيلُ الدِّينِيَّةُ العَمِيقَةُ، فَتِلْكَ أُمُورٌ نَتَعَلَّمُهَا نَحْنُ الكِبَارَ تَدْرِيجِيًّا، وَسَتَتَعَلَّمِينَهَا أَنْتِ أَيْضًا حِينَ تَكْبَرِينَ.
أَضَاءَ وَجْهُ رِيمَا الصُّغْرَى بِفَرَحٍ وَاضِحٍ:
— إِذَنْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَشْرَحَ لِزُمَلَائِي بَعْضَ الأَشْيَاءِ عَنْ دِينِنَا دُونَ أَنْ أَكْذِبَ عَلَيْهِمْ أَوْ أَخْجَلَ؟
اِبْتَسَمَ كِنَان:
— بِالضَّبْطِ. الصَّمْتُ الَّذِي طَلَبْتُهُ مِنْكِ فِي البِدَايَةِ لَمْ يَكُنْ خَطَأً كَامِلًا، لَكِنَّهُ كَانَ نَاقِصًا. الآنَ تَعَلَّمْنَا مَعًا، أَنَا وَأَنْتِ، كَيْفَ نَحْمِي مَا هُوَ مُقَدَّسٌ فِعْلًا، بَيْنَمَا نُشَارِكُ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُشَارَكَ بِفَخْرٍ.
دَعَا كِنَان بَعْدَهَا اِبْنَهُ سَامِر لِلْجُلُوسِ مَعَهُمَا، وَقَالَ لَهُ بِصَرَاحَةٍ لَمْ يَعْتَدْ اسْتِخْدَامَهَا:
— سَامِر، فَكَّرْتُ طَوِيلًا فِيمَا قُلْتَهُ لِي، وَأَعْتَقِدُ أَنَّكَ كُنْتَ مُحِقًّا. أُرِيدُ أَنْ أَجْلِسَ مَعَكَ، بِشَكْلٍ مُنْتَظِمٍ، لِأَشْرَحَ لَكَ مَا أَسْتَطِيعُ شَرْحَهُ مِنْ تَارِيخِنَا وَقِيَمِنَا، حَتَّى تَفْهَمَ مِنْ نَفْسِكَ مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تُشَارِكَهُ، وَمَا يَسْتَحِقُّ أَنْ تُحَافِظَ عَلَيْهِ، بَدَلَ أَنْ تَكْتَفِيَ بِسَمَاعِ كَلِمَةِ «سِرٍّ» دُونَ سِيَاقٍ.
شَعَرَ سَامِر بِمُفَاجَأَةٍ سَارَّةٍ مِنْ هَذَا التَّغَيُّرِ فِي مَوْقِفِ وَالِدِهِ:
— هَذَا يَعْنِي الكَثِيرَ لِي، يَا أَبِي. لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ أَنْ أَتَخَلَّى عَنْ هُوِيَّتِي، كُنْتُ فَقَطْ أُرِيدُ أَنْ أَفْهَمَهَا بِشَكْلٍ أَعْمَقَ لِأُدَافِعَ عَنْهَا بِثِقَةٍ، لَا أَنْ أُخْفِيَهَا بِحَرَجٍ.
قَالَ كِنَان، وَهُوَ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى كَتِفِ ابْنِهِ:
— وَأَنَا أَدْرَكْتُ مُتَأَخِّرًا أَنَّ حِمَايَةَ الهُوِيَّةِ لَا تَعْنِي إِخْفَاءَهَا بِالكَامِلِ، بَلْ مَعْرِفَتَهَا جَيِّدًا أَوَّلًا، ثُمَّ اِخْتِيَارَ مَا يُشَارَكُ بِحِكْمَةٍ. سَأَبْدَأُ مَعَكَ وَمَعَ أُخْتِكَ فِي جَلَسَاتٍ أُسْبُوعِيَّةٍ قَصِيرَةٍ، نَتَحَدَّثُ فِيهَا عَنْ تَارِيخِ طَائِفَتِنَا وَقِيَمِهَا، دُونَ أَنْ نَخُوضَ فِي الأَسْرَارِ العَمِيقَةِ الَّتِي لَيْسَتْ وَقْتَهَا بَعْدُ.
اِبْتَسَمَ سَامِر بِاِمْتِنَانٍ حَقِيقِيٍّ:
— أَشْكُرُكَ يَا أَبِي. أَظُنُّ أَنَّ هَذَا بِالضَّبْطِ مَا كُنَّا نَحْتَاجُهُ، أَنَا وَرِيمَا، مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا.
فِي الأُسْبُوعِ التَّالِي، وَأَثْنَاءَ حِصَّةِ «التَّعَرُّفِ عَلَى الأَدْيَانِ» فِي مَدْرَسَةِ رِيمَا، وَافَقَ كِنَان أَخِيرًا، بَعْدَ تَرَدُّدٍ طَوِيلٍ وَنِقَاشٍ مَعَ زَوْجَتِهِ وَالشَّيْخِ أَبِي سُلَيْمَان، عَلَى أَنْ يَحْضُرَ وَيُشَارِكَ بِإِيجَازٍ عَنْ خَلْفِيَّتِهِ الدِّينِيَّةِ.
وَقَفَ أَمَامَ صَفٍّ مِنَ الأَطْفَالِ الفُضُولِيِّينَ، وَقَالَ، بِمُسَاعَدَةِ مُتَرْجِمَةٍ، جُمَلًا بَسِيطَةً تَحْمِلُ الكَثِيرَ مِنَ التَّفْكِيرِ الَّذِي سَبَقَهَا:
— نَحْنُ الدُّرُوزُ نُؤْمِنُ بِإِلَهٍ وَاحِدٍ، وَنُقَدِّرُ الصِّدْقَ وَحِفْظَ الجَارِ وَالوَفَاءَ بِالعَهْدِ أَكْثَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ آخَرَ تَقْرِيبًا. لَدَيْنَا تَارِيخٌ طَوِيلٌ مِنَ العَيْشِ فِي جِبَالِ سُورِيَا وَلُبْنَانَ، وَتَعَلَّمْنَا عَبْرَ قُرُونٍ كَيْفَ نُحَافِظُ عَلَى هُوِيَّتِنَا حَتَّى فِي أَصْعَبِ الظُّرُوفِ. بَعْضُ تَفَاصِيلِ عَقِيدَتِنَا نَحْتَفِظُ بِهَا لِأَنْفُسِنَا، لَيْسَ خَجَلًا، بَلْ لِأَنَّنَا نُؤْمِنُ أَنَّ بَعْضَ المَعْرِفَةِ تَحْتَاجُ نُضْجًا مُعَيَّنًا لِتُفْهَمَ بِشَكْلٍ صَحِيحٍ، تَمَامًا كَمَا تَتَعَلَّمُونَ أَنْتُمْ أَشْيَاءَ جَدِيدَةً كُلَّ عَامٍ حَسَبَ نُضْجِكُمْ.
رَفَعَتْ إِحْدَى الطَّالِبَاتِ يَدَهَا وَسَأَلَتْ:
— وَهَلْ هَذَا يَعْنِي أَنَّ رِيمَا لَنْ تُخْبِرَنَا أَبَدًا عَنْ دِينِهَا؟
اِبْتَسَمَ كِنَان، وَنَظَرَ إِلَى اِبْنَتِهِ الَّتِي كَانَتْ تَجْلِسُ فِي الصَّفِّ، فَخُورَةً وَمُنْتَبِهَةً:
— رِيمَا سَتُخْبِرُكُمْ بِكُلِّ مَا يُمْكِنُهَا أَنْ تُخْبِرَكُمْ بِهِ، وَسَتَتَعَلَّمُ مَعَ الوَقْتِ كَيْفَ تُشَارِكُ أَكْثَرَ فَأَكْثَرَ، تَمَامًا كَمَا تَتَعَلَّمُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا أَشْيَاءَ جَدِيدَةً كُلَّ يَوْمٍ عَنِ العَالَمِ مِنْ حَوْلِكُمْ.
نَظَرَتْ رِيمَا إِلَى وَالِدِهَا بِعَيْنَيْنِ مَلِيئَتَيْنِ بِالفَخْرِ، وَشَعَرَتْ لِلْمَرَّةِ الأُولَى مُنْذُ وُصُولِهَا إِلَى أَلْمَانِيَا أَنَّ هُوِيَّتَهَا لَمْ تَعُدْ عِبْئًا يَجِبُ إِخْفَاؤُهُ، بَلْ كَنْزًا تَتَعَلَّمُ كَيْفَ تَحْمِلُهُ بِثِقَةٍ مُتَنَامِيَةٍ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ.
بَعْدَ اِنْتِهَاءِ الحِصَّةِ، اِقْتَرَبَتِ الطَّالِبَةُ لُوتِه، الَّتِي كَانَتْ قَدْ شَكَّكَتْ فِي وُجُودِ دِينِ رِيمَا أَصْلًا، وَاعْتَذَرَتْ بِخَجَلٍ وَاضِحٍ:
— لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كُلَّ هَذَا. أَعْتَذِرُ إِنْ كُنْتُ قَدْ جَرَحْتُكِ بِكَلَامِي السَّابِقِ.
اِبْتَسَمَتْ رِيمَا اِبْتِسَامَةً وَاسِعَةً، شَعَرَتْ فِيهَا بِثِقَةٍ لَمْ تَعْرِفْهَا مِنْ قَبْلُ:
— لَا بَأْسَ، لَمْ تَكُونِي تَعْرِفِينَ، وَأَنَا أَيْضًا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أَشْرَحُ بِشَكْلٍ جَيِّدٍ. الآنَ نَعْرِفُ أَكْثَرَ، كِلْتَانَا.
عَادَتْ رِيمَا إِلَى البَيْتِ ذَلِكَ اليَوْمَ بِخُطًى مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا عَنْ خُطَاهَا فِي أَوَّلِ يَوْمٍ دِرَاسِيٍّ، خُطَى فَتَاةٍ بَدَأَتْ تَكْتَشِفُ أَنَّ حَمْلَ هُوِيَّتِهَا بِفَخْرٍ لَا يَعْنِي كَشْفَ كُلِّ أَسْرَارِهَا، بَلْ يَعْنِي بِبَسَاطَةٍ أَنْ تَعْرِفَ نَفْسَهَا جَيِّدًا أَوَّلًا، ثُمَّ تَخْتَارَ بِثِقَةٍ مَا تُرِيدُ أَنْ تُشَارِكَهُ مَعَ العَالَمِ مِنْ حَوْلِهَا.
