قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
الفَصْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ
فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ مِنْ دَوْرَةِ اللُّغَةِ، اخْتَارَتْ رَهَفُ الْمَقْعَدَ الْأَخِيرَ، كَأَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاقِبَ الْعَالَمَ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلَ فِيهِ. كَانَتِ الْوُجُوهُ حَوْلَهَا خَلِيطًا مِنْ أَفْغَانِسْتَانَ وَإِرِتْرِيَا وَالْعِرَاقِ وَسُورِيَا، وَكَانَتْ كُلُّهَا تَحْمِلُ النَّظْرَةَ ذَاتَهَا؛ حَمَاسَةً مَشُوبَةً بِخَوْفٍ خَفِيٍّ مِنْ فَشَلٍ مَا فِي هَذِهِ الْمُحَاوَلَةِ الْجَدِيدَةِ لِلتَّشَبُّثِ بِالْعَالَمِ عَبْرَ لُغَةٍ لَا تُشْبِهُ شَيْئًا مِمَّا عُرِفَ مِنْ قَبْلُ.
كَانَتِ الْقَاعَةُ بَسِيطَةً، طَاوِلَاتُهَا مُصْطَفَّةٌ عَلَى هَيْئَةِ حَرْفِ الْيُو، وَلَوْحٌ أَبْيَضُ كَبِيرٌ مُعَلَّقٌ فِي الصَّدَارَةِ خُطَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَاتٌ أَلْمَانِيَّةٌ أَوَّلِيَّةٌ بِخَطٍّ وَاضِحٍ: هَالُو، فِي غِيتْس، دَانْكِه. شَعَرَتْ رَهَفُ بِغَرَابَةٍ عَمِيقَةٍ وَهِيَ تَعُودُ إِلَى مَقْعَدِ التَّلْمَذَةِ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ طَالِبَةً جَامِعِيَّةً وَاعِدَةً فِي دِمَشْقَ تَدْرُسُ الْأَدَبَ الْإِنْجِلِيزِيَّ، قَبْلَ أَنْ يُوقِفَ رَحِيلُ اللُّجُوءِ كُلَّ شَيْءٍ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ.
دَخَلَ الْمُعَلِّمُ، رَجُلٌ أَلْمَانِيٌّ فِي أَوَاخِرِ عُقْدِهِ الثَّالِثِ، وَوَزَّعَ الْأَوْرَاقَ بِهُدُوءٍ، ثُمَّ طَلَبَ مِنَ الطُّلَّابِ أَنْ يَتَعَارَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ كَتَمْرِينٍ أَوَّلَ.
الْتَفَتَتْ رَهَفُ إِلَى الْجَالِسِ إِلَى جِوَارِهَا، شَابٌّ أَلْمَانِيٌّ فِي عِشْرِينِيَّاتِهِ، ابْتَسَمَ لَهَا بِحَيَاءٍ ظَاهِرٍ، وَقَالَ بِصَوْتٍ يَتَعَثَّرُ قَلِيلًا:
• مَرْحَبًا، أَنَا تُومْ.
ابْتَسَمَتْ رَهَفُ، وَقَدْ فَاجَأَهَا وُجُودُ أَلْمَانِيٍّ فِي صَفٍّ خُصِّصَ أَصْلًا لِلَّاجِئِينَ الْجُدُدِ:
• مَرْحَبًا، أَنَا رَهَفُ. لِمَاذَا أَنْتَ هُنَا؟ ظَنَنْتُ أَنَّ هَذَا الصَّفَّ مُخَصَّصٌ لِلَّاجِئِينَ فَقَطْ.
ضَحِكَ تُومْ ضَحْكَةً خَفِيفَةً:
• هَذَا الصَّفُّ مَفْتُوحٌ أَيْضًا لِلْأَلْمَانِ الرَّاغِبِينَ فِي التَّطَوُّعِ كَمُسَاعِدِي لُغَةٍ، أَوِ الَّذِينَ يَدْرُسُونَ الْعَرَبِيَّةَ وَيَبْحَثُونَ عَنْ فُرْصَةٍ لِلتَّحَدُّثِ مَعَكُمْ. أَنَا أَدْرُسُ الْعُلُومَ السِّيَاسِيَّةَ، وَأُحَاوِلُ أَنْ أَتَعَلَّمَ الْعَرَبِيَّةَ لِأَفْهَمَ الْمِنْطَقَةَ عَنْ كَثَبٍ لَا عَنْ بُعْدٍ.
ثُمَّ أَضَافَ بِابْتِسَامَةٍ أَكْثَرَ انْفِتَاحًا:
• بِصَرَاحَةٍ، جُزْءٌ مِنْ سَبَبِ وُجُودِي هُنَا هُوَ الْمَلَلُ مِنَ النَّظَرِيَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ. أَشْعُرُ أَنَّ اللِّقَاءَ الْمُبَاشِرَ بِبَشَرٍ حَقِيقِيِّينَ مِنَ الْمِنْطَقَةِ الَّتِي أَدْرُسُهَا يُعَلِّمُنِي أَكْثَرَ مِمَّا يُعَلِّمُنِي أَيُّ كِتَابٍ.
ضَحِكَتْ رَهَفُ:
• إِذَنْ نَحْنُ، فِي نَظَرِكَ، مَادَّةٌ دِرَاسِيَّةٌ حَيَّةٌ؟
احْمَرَّ وَجْهُ تُومْ قَلِيلًا مِنَ الْحَرَجِ:
• لَمْ أَقْصِدِ الْأَمْرَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ! أَقْصِدُ فَقَطْ أَنَّ التَّجْرِبَةَ الْإِنْسَانِيَّةَ الْمُبَاشِرَةَ تُعَلِّمُ أَكْثَرَ مِمَّا تُعَلِّمُ الْمُجَرَّدَاتُ.
ابْتَسَمَتْ رَهَفُ، مُقَدِّرَةً مُحَاوَلَتَهُ تَصْحِيحَ كَلَامِهِ:
• لَا بَأْسَ، أَفْهَمُ قَصْدَكَ. وَأَنَا أَيْضًا أَتَعَلَّمُ مِنْكَ أَشْيَاءَ عَنْ أَلْمَانِيَا لَنْ أَجِدَهَا فِي كِتَابٍ.
• • •
بَدَأَ تُومْ وَرَهَفُ يَتَبَادَلَانِ الْحَدِيثَ فِي فَتَرَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ الْقَصِيرَةِ بَيْنَ الْحِصَصِ، هُوَ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَدَرَّبَ عَلَى مُفْرَدَاتٍ عَرَبِيَّةٍ بَسِيطَةٍ تَعَلَّمَهَا، وَهِيَ تُصَحِّحُ لَهُ نُطْقَهُ بِابْتِسَامَةٍ صَبُورَةٍ، بَيْنَمَا يُسَاعِدُهَا هُوَ فِي فَكِّ طَلَاسِمِ بَعْضِ الْقَوَاعِدِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْمُعَقَّدَةِ.
فِي إِحْدَى الْمَرَّاتِ، حَاوَلَ تُومْ أَنْ يَنْطِقَ جُمْلَةً عَرَبِيَّةً كَامِلَةً تَعَلَّمَهَا مِنْ تَطْبِيقٍ عَلَى هَاتِفِهِ: «كَيْفَ حَالُكِ الْيَوْمَ؟»، غَيْرَ أَنَّ النُّطْقَ خَرَجَ مُشَوَّهًا إِلَى حَدٍّ جَعَلَ رَهَفَ تَنْفَجِرُ ضَاحِكَةً رَغْمًا عَنْهَا.
قَالَ تُومْ، بِابْتِسَامَةٍ مُحْرَجَةٍ لَكِنَّهَا مَرِحَةٌ:
• أَعْرِفُ أَنَّ نُطْقِي سَيِّئٌ، لَكِنِّي عَلَى الْأَقَلِّ أُحَاوِلُ!
قَالَتْ رَهَفُ، وَهِيَ لَا تَزَالُ تَضْحَكُ:
• نُطْقُكَ لَيْسَ سَيِّئًا، بَلْ طَرِيفٌ بِطَرِيقَةٍ لَطِيفَةٍ. دَعْنِي أُعَلِّمْكَ النُّطْقَ الصَّحِيحَ.
أَعَادَتْ رَهَفُ الْجُمْلَةَ بِبُطْءٍ، مَقْطَعًا بَعْدَ مَقْطَعٍ، وَحَاوَلَ تُومْ أَنْ يُكَرِّرَهَا خَلْفَهَا مِرَارًا حَتَّى أَتْقَنَهَا بِشَكْلٍ مَقْبُولٍ، وَشَعَرَا مَعًا بِمُتْعَةٍ حَقِيقِيَّةٍ فِي هَذَا التَّبَادُلِ الْبَسِيطِ، بَعِيدًا عَنْ رَسْمِيَّةِ الصَّفِّ الدِّرَاسِيِّ.
سَأَلَهَا تُومْ فِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، بِفُضُولٍ صَادِقٍ:
• كَيْفَ تَشْعُرِينَ، أَنْ تَتَعَلَّمِي لُغَةً جَدِيدَةً كَامِلَةً فِي هَذَا السِّنِّ؟
فَكَّرَتْ رَهَفُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ:
• أَشْعُرُ أَحْيَانًا أَنَّنِي طِفْلَةٌ مِنْ جَدِيدٍ، أَتَعَلَّمُ كَيْفَ أَتَكَلَّمُ مِنَ الصِّفْرِ. لَكِنْ فِي أَحْيَانٍ أُخْرَى، أَشْعُرُ أَنَّ هَذَا يَمْنَحُنِي فُرْصَةً لِأُعِيدَ اكْتِشَافَ نَفْسِي، بِصَوْتٍ مُخْتَلِفٍ عَنِ الصَّوْتِ الَّذِي عَرَفْتُهُ طَوَالَ حَيَاتِي بِالْعَرَبِيَّةِ.
اسْتَمَعَ تُومْ بِانْتِبَاهٍ، ثُمَّ قَالَ:
• هَذَا مُثِيرٌ لِلِاهْتِمَامِ. أَنَا أَحْيَانًا أَشْعُرُ بِالْمَلَلِ مِنْ كَوْنِي أَلْمَانِيًّا “عَادِيًّا” جِدًّا، وُلِدْتُ هُنَا، وَسَأَعِيشُ هُنَا عَلَى الْأَرْجَحِ طَوَالَ حَيَاتِي، دُونَ أَيِّ تَحَوُّلٍ جَذْرِيٍّ كَالَّذِي تَعِيشِينَهُ أَنْتِ.
ضَحِكَتْ رَهَفُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً:
• أَظُنُّ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَّا يَرَى فِي تَجْرِبَةِ الْآخَرِ شَيْئًا يَفْتَقِدُهُ فِي تَجْرِبَتِهِ الْخَاصَّةِ.
• • •
بَعْدَ أَسَابِيعَ مِنْ هَذِهِ اللِّقَاءَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ فِي الصَّفِّ، بَدَأَتْ رَهَفُ تَشْعُرُ بِشَيْءٍ أَعْمَقَ مِنْ مُجَرَّدِ صَدَاقَةٍ دِرَاسِيَّةٍ عَابِرَةٍ تُجَاهَ تُومْ، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَجْرُؤْ عَلَى الِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ حَتَّى لِنَفْسِهَا بِوُضُوحٍ كَافٍ.
اقْتَرَحَ تُومْ ذَاتَ يَوْمٍ أَنْ يَلْتَقِيَا خَارِجَ الصَّفِّ، فِي مَقْهًى قَرِيبٍ، لِيَتَدَرَّبَا عَلَى الْمُحَادَثَةِ فِي أَجْوَاءَ أَقَلَّ رَسْمِيَّةً.
تَرَدَّدَتْ رَهَفُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُوَافِقَ، وَهِيَ تُفَكِّرُ فِي كَيْفِيَّةِ شَرْحِ هَذَا اللِّقَاءِ لِوَالِدَتِهَا إِنْ سَأَلَتْهَا، فَقَرَّرَتْ أَخِيرًا أَنْ تُخْبِرَهَا بِجُزْءٍ مِنَ الْحَقِيقَةِ فَقَطْ: أَنَّهَا سَتَلْتَقِي بِزَمِيلٍ مِنْ صَفِّ اللُّغَةِ لِتَتَدَرَّبَ عَلَى الْمُحَادَثَةِ.
قَضَتْ رَهَفُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ تُفَكِّرُ مَلِيًّا فِي مَشَاعِرِهَا الْمُتَضَارِبَةِ؛ مِنْ جِهَةٍ، شَعَرَتْ بِحَمَاسَةٍ حَقِيقِيَّةٍ لِلِقَاءِ تُومْ خَارِجَ جَوِّ الصَّفِّ الرَّسْمِيِّ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى شَعَرَتْ بِذَنْبٍ خَفِيفٍ لِأَنَّهَا لَمْ تُخْبِرْ أُمَّهَا بِكَامِلِ الْحَقِيقَةِ، وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تَكْذِبْ تَمَامًا أَيْضًا. حَاوَلَتْ أَنْ تُقْنِعَ نَفْسَهَا أَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ لِقَاءٍ بَرِيءٍ لِمُمَارَسَةِ اللُّغَةِ، لَكِنَّهَا فِي أَعْمَاقِهَا كَانَتْ تَعْرِفُ أَنَّ شَيْئًا أَعْمَقَ بَدَأَ يَتَشَكَّلُ، وَأَنَّ عَلَيْهَا أَنْ تُوَاجِهَ هَذِهِ الْحَقِيقَةَ عَاجِلًا أَمْ آجِلًا.
• • •
فِي الْمَقْهَى، تَحَدَّثَا عَنْ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ تَتَجَاوَزُ اللُّغَةَ: عَنْ أَحْلَامِ رَهَفَ الْجَامِعِيَّةِ، عَنْ دِرَاسَةِ تُومْ لِلْعُلُومِ السِّيَاسِيَّةِ وَاهْتِمَامِهِ بِالشَّرْقِ الْأَوْسَطِ، عَنِ الْمُوسِيقَى الَّتِي يُحِبَّانِهَا، وَعَنِ الْفُرُوقَاتِ الثَّقَافِيَّةِ الَّتِي بَدَآ يُلَاحِظَانِهَا فِي نَظْرَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَى الْعَالَمِ.
سَأَلَهَا تُومْ، بِفُضُولٍ صَادِقٍ:
• مَاذَا كُنْتِ تَدْرُسِينَ فِي دِمَشْقَ، قَبْلَ كُلِّ هَذَا؟
أَجَابَتْ رَهَفُ، وَقَدْ شَعَرَتْ بِحَنِينٍ مُفَاجِئٍ وَهِيَ تَتَحَدَّثُ عَنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنْ حَيَاتِهَا:
• كُنْتُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ دِرَاسَةِ الْأَدَبِ الْإِنْجِلِيزِيِّ. كُنْتُ أَحْلُمُ أَنْ أُصْبِحَ مُتَرْجِمَةً، أَوْ رُبَّمَا أُسْتَاذَةً جَامِعِيَّةً يَوْمًا مَا.
قَالَ تُومْ، بِحَمَاسَةٍ ظَاهِرَةٍ:
• هَذَا رَائِعٌ! وَلِمَاذَا اخْتَرْتِ الْأَدَبَ الْإِنْجِلِيزِيَّ تَحْدِيدًا؟
ابْتَسَمَتْ رَهَفُ بِحَنِينٍ:
• أَحْبَبْتُ الرِّوَايَاتِ مُنْذُ الطُّفُولَةِ، وَكُنْتُ أَقْرَأُ التَّرْجَمَاتِ الْعَرَبِيَّةَ لِلْأَدَبِ الْإِنْجِلِيزِيِّ بِشَغَفٍ، ثُمَّ قَرَّرْتُ أَنْ أَتَعَلَّمَ اللُّغَةَ الْأَصْلِيَّةَ لِأَقْرَأَ النُّصُوصَ كَمَا كَتَبَهَا أَصْحَابُهَا تَمَامًا.
سَأَلَهَا تُومْ:
• وَهَلْ تُفَكِّرِينَ فِي إِكْمَالِ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ هُنَا فِي أَلْمَانِيَا؟
فَكَّرَتْ رَهَفُ قَلِيلًا، بِجِدِّيَّةٍ لَمْ تُشَارِكْهَا مِنْ قَبْلُ مَعَ أَحَدٍ بِهَذَا الْوُضُوحِ:
• أُفَكِّرُ فِي ذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَمْرَ مُعَقَّدٌ. سَأَحْتَاجُ أَوَّلًا أَنْ أُتْقِنَ الْأَلْمَانِيَّةَ بِشَكْلٍ كَافٍ، ثُمَّ أَجِدَ طَرِيقَةً لِمُعَادَلَةِ سَنَتِي الدِّرَاسِيَّةِ الْأُولَى، أَوْ رُبَّمَا أَبْدَأَ مِنْ جَدِيدٍ بِتَخَصُّصٍ مُخْتَلِفٍ قَلِيلًا يُنَاسِبُ فُرَصَ الْعَمَلِ هُنَا بِشَكْلٍ أَفْضَلَ.
اسْتَمَعَ تُومْ بِانْتِبَاهٍ، ثُمَّ قَالَ:
• أَعْرِفُ بَعْضَ الْأَسَاتِذَةِ فِي جَامِعَتِي قَدْ يَسْتَطِيعُونَ مُسَاعَدَتَكِ بِمَعْلُومَاتٍ دَقِيقَةٍ عَنْ كَيْفِيَّةِ مُعَادَلَةِ الدِّرَاسَةِ الْجَامِعِيَّةِ السَّابِقَةِ. يُمْكِنُنِي أَنْ أُرَتِّبَ لَكِ لِقَاءً مَعَ أَحَدِهِمْ إِنْ أَرَدْتِ.
شَعَرَتْ رَهَفُ بِامْتِنَانٍ حَقِيقِيٍّ لِهَذَا الْعَرْضِ:
• هَذَا لُطْفٌ كَبِيرٌ مِنْكَ، شُكْرًا. سَأُفَكِّرُ فِي الْأَمْرِ بِجِدِّيَّةٍ.
سَأَلَهَا تُومْ، بِجُرْأَةٍ مُهَذَّبَةٍ:
• هَلْ يُمْكِنُنِي أَنْ أَسْأَلَكِ سُؤَالًا شَخْصِيًّا؟
أَوْمَأَتْ رَهَفُ بِرَأْسِهَا بِحَذَرٍ:
• تَفَضَّلْ.
• هَلْ تَسْمَحُ عَائِلَتُكِ لَكِ بِالتَّعَرُّفِ عَلَى أَشْخَاصٍ مِثْلِي؟ أَقْصِدُ، أَشْخَاصًا مِنْ خَلْفِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا؟
فَكَّرَتْ رَهَفُ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصِدْقٍ:
• عَائِلَتِي لَيْسَتْ مُتَشَدِّدَةً، لَكِنَّهَا أَيْضًا لَيْسَتْ مُنْفَتِحَةً تَمَامًا عَلَى كُلِّ شَيْءٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً. أَبِي أَكْثَرُ انْفِتَاحًا مِنْ أُمِّي فِي هَذَا الْجَانِبِ تَحْدِيدًا، لَكِنَّ كِلَيْهِمَا يَحْتَاجُ وَقْتًا لِيَتَقَبَّلَ فِكْرَةَ أَنَّنِي أَتَعَرَّفُ عَلَى أَصْدِقَاءَ جُدُدٍ مِنْ خَلْفِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، لَا سِيَّمَا إِنْ تَطَوَّرَ الْأَمْرُ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقَةٍ.
• • •
فِي الْمَسَاءِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ تَسْتَعِدُّ لِلنَّوْمِ، فَاجَأَهَا وَالِدُهَا هَمَّامٌ بِسُؤَالٍ مُبَاشِرٍ:
• كَيْفَ كَانَ يَوْمُكِ مَعَ صَدِيقِكِ مِنْ صَفِّ اللُّغَةِ؟
شَعَرَتْ رَهَفُ بِارْتِبَاكٍ خَفِيفٍ، لَكِنَّهَا قَرَّرَتْ أَنْ تَكُونَ صَادِقَةً أَكْثَرَ مِمَّا خَطَّطَتْ:
• كَانَ جَيِّدًا، يَا أَبِي. اسْمُهُ تُومْ، نَدْرُسُ مَعًا، وَيُسَاعِدُنِي فِي الْأَلْمَانِيَّةِ وَأُسَاعِدُهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ.
سَأَلَهَا هَمَّامٌ بِهُدُوءٍ، دُونَ أَنْ يُظْهِرَ أَيَّ حُكْمٍ مُسْبَقٍ:
• وَهَلْ هُوَ مُجَرَّدُ زَمِيلِ دِرَاسَةٍ، أَمْ ثَمَّةَ شَيْءٌ أَعْمَقُ يَتَطَوَّرُ بَيْنَكُمَا؟
تَفَاجَأَتْ رَهَفُ مِنْ مُبَاشَرَةِ السُّؤَالِ، لَكِنَّهَا أَجَابَتْ بِصِدْقٍ:
• لَسْتُ مُتَأَكِّدَةً بَعْدُ بِصَرَاحَةٍ. أَشْعُرُ بِارْتِيَاحٍ مَعَهُ، وَبِفُضُولٍ لِمَعْرِفَةِ الْمَزِيدِ عَنْهُ، لَكِنِّي لَا أَعْرِفُ إِنْ كَانَ هَذَا مُجَرَّدَ إِعْجَابٍ عَابِرٍ أَمْ شَيْئًا أَكْثَرَ جِدِّيَّةً.
• • •
اسْتَمَعَ هَمَّامٌ بِانْتِبَاهٍ، ثُمَّ قَالَ:
• أُقَدِّرُ صِدْقَكِ مَعِي، يَا رَهَفُ. أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكِ بِشَيْءٍ: أَنَا لَسْتُ قَلِقًا مِنْ فِكْرَةِ تَعَرُّفِكِ عَلَى شَابٍّ أَلْمَانِيٍّ بِحَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ مِنْ أَنْ تَشْعُرِي أَنَّكِ مُضْطَرَّةٌ لِإِخْفَاءِ مَشَاعِرِكِ عَنَّا، أَوْ أَنْ تَعِيشِي عَلَاقَةً مُزْدَوِجَةً، صَرِيحَةً مَعَهُ وَغَيْرَ صَرِيحَةٍ مَعَنَا.
قَالَتْ رَهَفُ، بِامْتِنَانٍ وَاضِحٍ لِهَذَا التَّفَهُّمِ:
• شُكْرًا لَكَ، يَا أَبِي. كُنْتُ أَخْشَى أَنْ تَغْضَبَ أَوْ تَمْنَعَنِي مِنَ الِاسْتِمْرَارِ فِي التَّعَرُّفِ عَلَيْهِ.
قَالَ هَمَّامٌ:
• لَنْ أَمْنَعَكِ، لَكِنِّي أَطْلُبُ مِنْكِ أَمْرَيْنِ: الْأَوَّلُ، أَنْ تَبْقَيْ صَادِقَةً مَعَنَا بِخُصُوصِ تَطَوُّرِ هَذِهِ الْعَلَاقَةِ، مَهْمَا كَانَتِ النَّتِيجَةُ. وَالثَّانِي، أَنْ تَأْخُذِي وَقْتَكِ الْكَافِيَ لِتَعْرِفِي فِعْلًا مَا تُرِيدِينَهُ، دُونَ اسْتِعْجَالٍ بِدَافِعِ الْحُرِّيَّةِ الْجَدِيدَةِ الَّتِي تَشْعُرِينَ بِهَا هُنَا فَجْأَةً بَعْدَ كُلِّ الْقُيُودِ السَّابِقَةِ.
فَكَّرَتْ رَهَفُ فِي كَلَامِهِ طَوِيلًا، ثُمَّ سَأَلَتْ بِصِدْقٍ:
• وَهَلْ تَخْشَى، يَا أَبِي، أَنْ أَنْجَرِفَ بَعِيدًا عَنْ هُوِيَّتِي الْأَصْلِيَّةِ، عَنْ كَوْنِي سُورِيَّةً، إِنْ تَعَمَّقَتْ عَلَاقَتِي بِشَخْصٍ مِنْ خَلْفِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ تَمَامًا؟
فَكَّرَ هَمَّامٌ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ كَامِلٍ:
• أَخْشَى ذَلِكَ أَحْيَانًا، نَعَمْ، بِصَرَاحَةٍ تَامَّةٍ. لَكِنِّي أَدْرَكْتُ مُؤَخَّرًا، مِنْ خِلَالِ تَجَارِبَ أُخْرَى حَوْلَنَا، أَنَّ الْهُوِيَّةَ لَيْسَتْ شَيْئًا هَشًّا يَذُوبُ بِمُجَرَّدِ التَّقَارُبِ مَعَ الْآخَرِ الْمُخْتَلِفِ. هُوِيَّتُكِ، يَا رَهَفُ، سَتَبْقَى مَعَكِ أَيْنَمَا ذَهَبْتِ، وَسَتَتَشَكَّلُ بِطُرُقٍ جَدِيدَةٍ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ جَوْهَرَهَا، مَا دُمْتِ وَاعِيَةً بِهَا وَفَخُورَةً بِهَا.
ابْتَسَمَتْ رَهَفُ، مُتَأَثِّرَةً بِعُمْقِ هَذَا الْجَوَابِ:
• هَذَا أَجْمَلُ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْكَ مُنْذُ وُصُولِنَا إِلَى هُنَا، يَا أَبِي.
• • •
غَيْرَ أَنَّ رَهَفَ حِينَ أَخْبَرَتْ وَالِدَتَهَا لَاحِقًا، بِتَفَاصِيلَ أَقَلَّ مِمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ وَالِدَهَا، شَعَرَتْ سَلْمَى بِقَلَقٍ أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ.
قَالَتْ سَلْمَى، بِنَبْرَةٍ يَشُوبُهَا تَوَتُّرٌ وَاضِحٌ:
• رَهَفُ، أَعْرِفُ أَنَّ الْأُمُورَ هُنَا مُخْتَلِفَةٌ، لَكِنِّي أُرِيدُكِ أَنْ تَكُونِي حَذِرَةً. لَا أَقْصِدُ مَنْعَكِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ، لَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تَنْجَرِفِي بِسُرْعَةٍ كَبِيرَةٍ فِي عَلَاقَةٍ لَا تَعْرِفِينَ إِلَى أَيْنَ سَتَأْخُذُكِ، فِي بَلَدٍ وَثَقَافَةٍ مُخْتَلِفَيْنِ تَمَامًا عَمَّا تَرَبَّيْتِ عَلَيْهِ.
قَالَتْ رَهَفُ، بِصَبْرٍ وَاضِحٍ:
• أُمِّي، أَنَا لَسْتُ طِفْلَةً، وَأَعِدُكِ أَنِّي حَذِرَةٌ وَوَاعِيَةٌ بِكُلِّ خُطْوَةٍ أَتَّخِذُهَا. لَكِنِّي أُرِيدُكِ أَيْضًا أَنْ تَثِقِي بِي قَلِيلًا، وَأَلَّا تَفْتَرِضِي دَائِمًا أَنَّنِي سَأَرْتَكِبُ خَطَأً مَا.
تَوَقَّفَتْ سَلْمَى، وَشَعَرَتْ بِوَخْزَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُلَاحَظَةِ، إِذْ أَدْرَكَتْ أَنَّهَا كَانَتْ تَمِيلُ، دُونَ وَعْيٍ كَافٍ مِنْهَا، إِلَى افْتِرَاضِ الْأَسْوَإِ دَائِمًا، بَدَلَ أَنْ تَمْنَحَ ابْنَتَهَا ثِقَةً أَكْبَرَ بِقُدْرَتِهَا عَلَى اتِّخَاذِ قَرَارَاتِهَا الْخَاصَّةِ بِحِكْمَةٍ.
سَأَلَتْ سَلْمَى، بِصِدْقٍ حَاوَلَتْ فِيهِ أَنْ تَفْهَمَ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تَحْكُمَ:
• هَلْ تَشْعُرِينَ، يَا رَهَفُ، أَنَّنِي أُرَاقِبُكِ أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي؟
تَرَدَّدَتْ رَهَفُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ بِصَرَاحَةٍ طَلَبَتْهَا مِنْهَا أُمُّهَا نَفْسُهَا قَبْلَ أَسَابِيعَ:
• أَحْيَانًا، نَعَمْ يَا أُمِّي. أَشْعُرُ أَنَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَعْرِفِي كُلَّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ فِي حَيَاتِي، وَكَأَنَّ هَذَا سَيَحْمِينِي مِنْ أَيِّ خَطَأٍ. لَكِنَّ الْحِمَايَةَ الْحَقِيقِيَّةَ، أَظُنُّ، تَأْتِي مِنْ ثِقَتِكِ بِي، لَا مِنْ مُرَاقَبَتِكِ الدَّائِمَةِ لِكُلِّ خُطْوَةٍ أَخْطُوهَا.
شَعَرَتْ سَلْمَى بِأَلَمٍ خَفِيفٍ مِنْ هَذَا الِاعْتِرَافِ، لَكِنَّهَا أَدْرَكَتْ أَيْضًا صِدْقَهُ الْعَمِيقَ:
• أَعْتَذِرُ إِنْ جَعَلْتُكِ تَشْعُرِينَ بِهَذَا، يَا رَهَفُ. لَمْ يَكُنْ قَصْدِي أَبَدًا أَنْ أَخْنُقَكِ بِمُرَاقَبَتِي. كُنْتُ فَقَطْ خَائِفَةً، كَأَيِّ أُمٍّ، مِنْ أَنْ أَفْقِدَكِ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْجَدِيدِ الْوَاسِعِ الَّذِي لَا أَفْهَمُ كُلَّ قَوَاعِدِهِ بَعْدُ.
احْتَضَنَتْ رَهَفُ وَالِدَتَهَا بِحَنَانٍ مُفَاجِئٍ:
• لَنْ تَفْقِدِينِي، يَا أُمِّي. أَنَا هُنَا، وَسَأَبْقَى ابْنَتَكِ مَهْمَا تَغَيَّرَتِ الْأَمْكِنَةُ مِنْ حَوْلِنَا. فَقَطْ، امْنَحِينِي مَسَاحَةً لِأَتَعَلَّمَ وَأُخْطِئَ وَأُصَحِّحَ، كَمَا تَتَعَلَّمِينَ أَنْتِ أَيْضًا كُلَّ يَوْمٍ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ.
قَالَتْ سَلْمَى أَخِيرًا، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا، وَدُمُوعٍ خَفِيفَةٍ تَكَادُ تُفْلِتُ مِنْ عَيْنَيْهَا:
• أَنْتِ مُحِقَّةٌ، يَا رَهَفُ. سَأُحَاوِلُ أَنْ أَثِقَ بِكِ أَكْثَرَ، وَأَنْ أَكُونَ مَصْدَرَ دَعْمٍ لَكِ، لَا مَصْدَرَ قَلَقٍ دَائِمٍ يُثْقِلُ عَلَيْكِ كُلَّ خُطْوَةٍ تَخْطِينَهَا فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْجَدِيدَةِ.
• • •
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، ذَهَبَتْ رَهَفُ لِتَتَحَدَّثَ مَعَ صَدِيقَةٍ سُورِيَّةٍ جَدِيدَةٍ الْتَقَتْهَا فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، تُدْعَى لِينَ، مِنْ عَائِلَةٍ وَصَلَتْ قَبْلَ أَشْهُرٍ قَلِيلَةٍ مِنْ عَائِلَةِ مُرَادٍ.
قَالَتْ رَهَفُ لِصَدِيقَتِهَا، وَهُمَا تَجْلِسَانِ فِي الْحَدِيقَةِ:
• هَلْ تَشْعُرِينَ أَنْتِ أَيْضًا أَنَّ أُمَّهَاتِنَا يُرَاقِبْنَنَا أَكْثَرَ مِمَّا يَنْبَغِي هُنَا؟
ضَحِكَتْ لِينُ ضَحْكَةً عَارِفَةً:
• بِالتَّأْكِيدِ. أُمِّي تَسْأَلُنِي عَنْ كُلِّ تَفْصِيلٍ صَغِيرٍ فِي يَوْمِي، وَكَأَنَّهَا تَخْشَى أَنْ أَتَغَيَّرَ فَجْأَةً إِلَى شَخْصٍ آخَرَ تَمَامًا لَا تَعْرِفُهُ.
قَالَتْ رَهَفُ:
• أَظُنُّ أَنَّ هَذَا خَوْفٌ مَشْرُوعٌ مِنْ نَاحِيَتِهِنَّ. نَحْنُ نَتَغَيَّرُ فِعْلًا، بِبُطْءٍ، لَكِنَّنَا نَتَغَيَّرُ. الْمُشْكِلَةُ أَنَّهُنَّ يَخْلِطْنَ أَحْيَانًا بَيْنَ التَّغَيُّرِ الطَّبِيعِيِّ وَالِانْحِرَافِ عَنِ الْقِيَمِ الْأَسَاسِيَّةِ.
فَكَّرَتْ لِينُ قَلِيلًا، ثُمَّ قَالَتْ:
• رُبَّمَا نَحْتَاجُ، نَحْنُ الْفَتَيَاتِ هُنَا، أَنْ نَجِدَ طَرِيقَةً نُطَمْئِنُ بِهَا أُمَّهَاتِنَا، دُونَ أَنْ نَتَخَلَّى عَنْ حَقِّنَا فِي اكْتِشَافِ هَذَا الْعَالَمِ الْجَدِيدِ بِأَنْفُسِنَا.
أُعْجِبَتْ رَهَفُ بِهَذِهِ الْفِكْرَةِ:
• كَلَامٌ حَكِيمٌ. رُبَّمَا يَجِبُ أَنْ نَتَحَدَّثَ مَعَهُنَّ بِصَرَاحَةٍ أَكْبَرَ عَنْ مَخَاوِفِهِنَّ تَحْدِيدًا، بَدَلَ أَنْ نَشْعُرَ بِالْإِحْبَاطِ مِنْ مُرَاقَبَتِهِنَّ فَقَطْ دُونَ أَنْ نَفْهَمَ مَصْدَرَهَا الْحَقِيقِيَّ.
سَأَلَتْهَا لِينُ، بِفُضُولٍ وَدُودٍ:
• وَمَاذَا عَنْ صَدِيقِكِ الْأَلْمَانِيِّ؟ هَلْ أَخْبَرْتِ عَائِلَتَكِ بِكُلِّ شَيْءٍ؟
ابْتَسَمَتْ رَهَفُ ابْتِسَامَةً هَادِئَةً:
• أَخْبَرْتُ أَبِي بِصَرَاحَةٍ كَامِلَةٍ تَقْرِيبًا، وَأَخْبَرْتُ أُمِّي بِجُزْءٍ أَقَلَّ، لَكِنَّنَا الْيَوْمَ تَحَدَّثْنَا بِصَرَاحَةٍ أَكْبَرَ، وَشَعَرْتُ أَنَّهَا بَدَأَتْ تَفْهَمُ أَنَّنِي بِحَاجَةٍ إِلَى مَسَاحَةٍ، لَا إِلَى مُرَاقَبَةٍ دَائِمَةٍ.
قَالَتْ لِينُ، بِابْتِسَامَةٍ دَاعِمَةٍ:
• هَذَا تَقَدُّمٌ جَمِيلٌ. آمُلُ أَنْ أَصِلَ يَوْمًا إِلَى هَذَا النَّوْعِ مِنَ الصَّرَاحَةِ مَعَ أُمِّي.
• • •
فِي الْمَسَاءِ، تَلَقَّتْ رَهَفُ رِسَالَةً مِنْ تُومْ يَسْأَلُهَا فِيهَا إِنْ كَانَتْ تَرْغَبُ فِي اللِّقَاءِ مُجَدَّدًا فِي نِهَايَةِ الْأُسْبُوعِ، هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي نُزْهَةٍ قَصِيرَةٍ عَلَى ضِفَافِ النَّهْرِ الْقَرِيبِ مِنْ مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ.
فَكَّرَتْ رَهَفُ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ تَرُدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَتَبَتْ: «يُسْعِدُنِي ذَلِكَ، لَكِنِّي أَخْبَرْتُ أَهْلِي بِالْأَمْرِ مُسْبَقًا هَذِهِ الْمَرَّةَ، فَلَا تَتَفَاجَأْ إِنْ رَأَيْتَ أَخِي كَرِيمَ يَمُرُّ مِنْ بَعِيدٍ لِلِاطْمِئْنَانِ.»
رَدَّ تُومْ بِرِسَالَةٍ مُبْتَسِمَةٍ: «لَا مُشْكِلَةَ إِطْلَاقًا، أَحْتَرِمُ ذَلِكَ تَمَامًا. يُسْعِدُنِي أَنْ أَلْتَقِيَ بِعَائِلَتِكِ يَوْمًا مَا إِنْ شَعَرْتِ أَنْتِ بِالرَّاحَةِ لِذَلِكَ.»
ابْتَسَمَتْ رَهَفُ وَهِيَ تَقْرَأُ الرِّسَالَةَ، وَشَعَرَتْ لِلْمَرَّةِ الْأُولَى مُنْذُ أَسَابِيعَ أَنَّ الصِّدْقَ، مَهْمَا كَانَ صَعْبًا فِي بِدَايَتِهِ، يَفْتَحُ أَبْوَابًا أَوْسَعَ بِكَثِيرٍ مِمَّا يُغْلِقُهُ.
