قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 21

اَلْفَصْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ
قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ
ظَنَّ سَلِيمٌ، بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنِ اعْتِرَافِهِ فِي لِقَاءِ الرِّجَالِ الْأُسْبُوعِيِّ، أَنَّ الْحِسَابَ قَدْ أُقْفِلَ عِنْدَ تِلْكَ الْجَلْسَةِ الْوَاحِدَةِ، وَأَنَّ ثِقْلَ مَاضِيهِ قَدْ أَخَذَ يَخِفُّ رُوَيْدًا رُوَيْدًا كَمَا خُيِّلَ إِلَيْهِ تِلْكَ اللَّيْلَةَ. غَيْرَ أَنَّ الْحَيَاةَ، كَمَا عَلَّمَتْهُ مِرَارًا، قَلَّمَا تَتْرُكُ الْحِسَابَاتِ الْقَدِيمَةَ مُغْلَقَةً بِهَذِهِ السُّهُولَةِ الْمُطَمْئِنَّةِ.
كَانَتْ وَفَاءُ قَدْ لَاحَظَتْ فِي الْأَسَابِيعِ الْأَخِيرَةِ أَنَّ سَلِيمًا غَدَا أَكْثَرَ انْفِتَاحًا؛ يَحْضُرُ اللِّقَاءَاتِ الِاجْتِمَاعِيَّةَ بِثِقَةٍ لَمْ تَأْلَفْهَا مِنْهُ، وَيَتَحَدَّثُ إِلَى الْجِيرَانِ بِحُرِّيَّةٍ ظَنَّتْهَا قَدِ انْطَفَأَتْ فِيهِ مُنْذُ سِنِينَ طَوِيلَةٍ. وَظَنَّتْ، كَمَا ظَنَّ هُوَ، أَنَّ أَشَقَّ مَرَاحِلِ رِحْلَةِ الِاعْتِرَافِ وَالْمُصَالَحَةِ مَعَ الذَّاتِ قَدْ طُوِيَتْ، وَأَنَّ مَا تَبَقَّى لَيْسَ سِوَى أَنْ يَتَعَايَشَا مَعَ ذَلِكَ الْمَاضِي بِسَلَامٍ يَتَرَسَّخُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
وَفِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ، أَثْنَاءَ احْتِفَالٍ حَشَدَ عَائِلَاتٍ سُورِيَّةً عَدِيدَةً فِي الْمَرْكَزِ الِاجْتِمَاعِيِّ بِمُنَاسَبَةِ عِيدٍ وَطَنِيٍّ، وَقَعَتْ عَيْنَا سَلِيمٍ عَلَى رَجُلٍ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُ لِقَاءَهُ: قَرِيبٌ لِمُعْتَقَلٍ سَابِقٍ، تُوُفِّيَ تَحْتَ وَطْأَةِ التَّعْذِيبِ فِي فَرْعٍ أَمْنِيٍّ عَمِلَ فِيهِ سَلِيمٌ يَوْمًا مُوَظَّفًا إِدَارِيًّا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ صِلَةٌ مُبَاشِرَةٌ بِالتَّحْقِيقَاتِ نَفْسِهَا.
تَعَرَّفَ الرَّجُلُ عَلَى سَلِيمٍ فِي الْحَالِ، وَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُ وَجْهِهِ تَغَيُّرًا مُفَاجِئًا:
– أَنْتَ! أَنْتَ كُنْتَ تَعْمَلُ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟
شَعَرَ سَلِيمٌ بِالدَّمِ يَتَجَمَّدُ فِي عُرُوقِهِ، وَحَاوَلَ أَنْ يَرُدَّ بِهُدُوءٍ:
– كُنْتُ مُوَظَّفًا إِدَارِيًّا هُنَاكَ، نَعَمْ. لَمْ أُشَارِكْ فِي أَيِّ تَحْقِيقٍ مُبَاشِرٍ.
——————————
رَفَعَ الرَّجُلُ صَوْتَهُ حَتَّى اسْتَلْفَتَ أَنْظَارَ مَنْ حَوْلَهُ:
– إِدَارِيًّا؟ أَخِي مَاتَ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ تَحْتَ التَّعْذِيبِ! وَأَنْتَ تَقُولُ إِنَّكَ كُنْتَ مُجَرَّدَ مُوَظَّفٍ إِدَارِيٍّ بَرِيءٍ؟
تَجَمَّعَ النَّاسُ حَوْلَهُمَا فِي لَمْحَةٍ، وَشَعَرَتْ وَفَاءُ، الَّتِي كَانَتْ تَقِفُ عَلَى مَقْرُبَةٍ، بِرُعْبٍ حَقِيقِيٍّ وَهِيَ تَرَى زَوْجَهَا يُوَاجَهُ عَلَنًا أَمَامَ هَؤُلَاءِ الْغُرَبَاءِ وَالْمَعَارِفِ الْجُدُدِ.
حَاوَلَتْ وَفَاءُ أَنْ تَتَقَدَّمَ لِتَقِفَ إِلَى جَانِبِ زَوْجِهَا، غَيْرَ أَنَّ يَدَ أُمِّ خَالِدٍ، الَّتِي كَانَتْ وَاقِفَةً قَرِيبًا، أَمْسَكَتْ بِذِرَاعِهَا بِلُطْفٍ:
– انْتَظِرِي لَحْظَةً، دَعِيهِ يَتَحَدَّثُ أَوَّلًا. التَّدَخُّلُ الْمُتَسَرِّعُ قَدْ يَزِيدُ الْأَمْرَ اشْتِعَالًا.
حَاوَلَ سَلِيمٌ أَنْ يَشْرَحَ، بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ:
– أَفْهَمُ غَضَبَكَ، وَأَتَفَهَّمُهُ تَمَامًا. لَمْ أُشَارِكْ فِي أَيِّ تَعْذِيبٍ أَوِ اسْتِجْوَابٍ، كَانَ عَمَلِي مَحْصُورًا فِي الْأَوْرَاقِ الْإِدَارِيَّةِ. لَكِنِّي أُدْرِكُ أَنَّ هَذَا لَا يَمْحُو أَلَمَكَ، وَلَا يُبَرِّئُنِي مِنْ مَسْؤُولِيَّتِي الْأَخْلَاقِيَّةِ عَنْ كَوْنِي جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ النِّظَامِ بِرُمَّتِهِ.
——————————
لَمْ يَهْدَأْ الرَّجُلُ بِسُهُولَةٍ، بَلِ اسْتَمَرَّ فِي تَوْجِيهِ اتِّهَامَاتٍ حَادَّةٍ، بَيْنَمَا انْقَسَمَ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ بَيْنَ مُتَعَاطِفٍ مَعَ الرَّجُلِ الْغَاضِبِ، وَآخَرَ يُحَاوِلُ أَنْ يَفْهَمَ مَوْقِفَ سَلِيمٍ بِإِنْصَافٍ أَكْبَرَ.
قَالَ أَحَدُ الْحَاضِرِينَ، وَهُوَ الرَّجُلُ الْمُسِنُّ نَفْسُهُ الَّذِي كَانَ قَدِ اسْتَمَعَ إِلَى اعْتِرَافِ سَلِيمٍ فِي اللِّقَاءِ الْأُسْبُوعِيِّ سَابِقًا:
– أَرْجُوكُمْ، لَا نُحَوِّلَنَّ هَذَا الِاجْتِمَاعَ إِلَى مَحْكَمَةٍ عَلَنِيَّةٍ. سَلِيمٌ اعْتَرَفَ بِمَاضِيهِ صَادِقًا أَمَامَنَا جَمِيعًا مُنْذُ أَشْهُرٍ، وَهَذَا يَسْتَحِقُّ تَقْدِيرًا، لَا مَزِيدًا مِنَ الْإِدَانَةِ الْعَلَنِيَّةِ الْمُهِينَةِ.
غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ الْغَاضِبَ لَمْ يَقْتَنِعْ:
– اعْتِرَافٌ فِي لِقَاءٍ خَاصٍّ شَيْءٌ، وَمُوَاجَهَةُ الْحَقِيقَةِ أَمَامَ أَقَارِبِ الضَّحَايَا شَيْءٌ آخَرُ تَمَامًا!
——————————
غَادَرَ سَلِيمٌ وَوَفَاءُ ذَلِكَ التَّجَمُّعَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ فِي صَمْتٍ ثَقِيلٍ، وَعَادَا إِلَى غُرْفَتِهِمَا دُونَ أَنْ يَنْبِسَ أَحَدُهُمَا بِكَلِمَةٍ طَوَالَ الطَّرِيقِ.
وَحِينَ أَغْلَقَا الْبَابَ أَخِيرًا، انْهَارَتْ وَفَاءُ بَاكِيَةً:
– سَلِيمُ، أَخْشَى الْآنَ أَنْ يَعْرِفَ الْجَمِيعُ، أَنْ يُنْبَذَ أَوْلَادُنَا بِسَبَبِ مَاضِيكَ.
شَعَرَ سَلِيمٌ بِثِقَلِ هَذَا الْخَوْفِ يُضَاعِفُ ثِقَلَ خَجَلِهِ الْخَاصِّ:
– أَعْرِفُ، وَأَنَا آسِفٌ جِدًّا لِأَنِّي جَلَبْتُ عَلَيْكِ وَعَلَى الْأَوْلَادِ هَذَا الْعِبْءَ. رُبَّمَا كَانَ عَلَيَّ أَنْ أَبْقَى صَامِتًا، أَلَّا أَعْتَرِفَ بِشَيْءٍ لِأَحَدٍ.
قَالَتْ وَفَاءُ، بَيْنَ دُمُوعِهَا:
– لَا، لَا أَظُنُّ أَنَّ الصَّمْتَ كَانَ سَيَحُلُّ شَيْئًا. لَكِنَّنِي أَخَافُ الْآنَ مِنْ رُدُودِ الْأَفْعَالِ، مِنْ نَظَرَاتِ النَّاسِ، مِنْ أَنْ يَكْبُرَ أَوْلَادُنَا حَامِلِينَ وَصْمَةً لَمْ يَخْلُقُوهَا بِأَنْفُسِهِمْ.
جَلَسَ سَلِيمٌ إِلَى جَانِبِهَا، وَحَاوَلَ أَنْ يُهَدِّئَ رَوْعَهَا رَغْمَ أَنَّهُ يَحْمِلُ الْخَوْفَ نَفْسَهُ:
– يَزَنُ، ابْنُنَا، أَخْبَرَنِي مُنْذُ أَشْهُرٍ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَيَّ، وَأَنَّ الْأَبَ الَّذِي يَعْرِفُهُ هُوَ مَنْ رَبَّاهُ، لَا مَنْ حَمَلَ رُتْبَةً عَسْكَرِيَّةً قَدِيمَةً. أَظُنُّ أَنَّ أَوْلَادَنَا أَقْوَى مِمَّا نَتَخَيَّلُ، وَأَنَّهُمْ قَدْ يَسْتَوْعِبُونَ هَذَا التَّعْقِيدَ خَيْرًا مِمَّا يَسْتَوْعِبُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْبَالِغِينَ حَوْلَنَا.
تَنَفَّسَتْ وَفَاءُ بِعُمْقٍ، مُحَاوِلَةً أَنْ تَهْدَأَ:
– أَتَمَنَّى أَنْ تَكُونَ مُحِقًّا. لَكِنَّ الْخَوْفَ مِنْ نَظَرَاتِ الْآخَرِينَ عَلَى أَوْلَادِنَا يَبْقَى خَوْفًا حَقِيقِيًّا، لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَجَاهَلَهُ بِسُهُولَةٍ.
——————————
فِي الْيَوْمِ التَّالِي، طَلَبَ سَلِيمٌ لِقَاءً خَاصًّا مَعَ الرَّجُلِ الْغَاضِبِ، عَبْرَ وَسَاطَةِ الرَّجُلِ الْمُسِنِّ الَّذِي كَانَ قَدْ حَاوَلَ تَهْدِئَةَ الْمَوْقِفِ فِي التَّجَمُّعِ.
جَلَسَا فِي مَقْهًى هَادِئٍ، بَعِيدَيْنِ عَنْ أَعْيُنِ الْآخَرِينَ، وَبَدَأَ سَلِيمٌ الْكَلَامَ بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ لَكِنَّهُ حَازِمٌ:
– لَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ أَنْ تُسَامِحَنِي، فَلَيْسَ ذَلِكَ حَقًّا لِي أَنْ أَطْلُبَهُ. لَكِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُطْلِعَكَ عَلَى كُلِّ التَّفَاصِيلِ الَّتِي أَعْرِفُهَا عَنْ ذَلِكَ الْفَرْعِ، مِنْ غَيْرِ تَجْمِيلٍ وَلَا تَبْرِيرٍ. لَعَلَّ هَذِهِ التَّفَاصِيلَ تُعِينُكَ عَلَى فَهْمِ مَا جَرَى لِأَخِيكَ، وَلَوْ جُزْئِيًّا.
أَصْغَى الرَّجُلُ فِي صَمْتٍ مُتَوَتِّرٍ، بَيْنَمَا رَوَى لَهُ سَلِيمٌ كُلَّ مَا يَعْرِفُهُ عَنْ آلِيَّاتِ الْعَمَلِ فِي ذَلِكَ الْفَرْعِ، وَعَنِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي كَانَ يَتَعَامَلُ مَعَهَا، وَعَنْ حُدُودِ صَلَاحِيَّاتِهِ وَمَسْؤُولِيَّاتِهِ الْفِعْلِيَّةِ، وَعَنْ شُعُورِهِ بِالْعَجْزِ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةً عَنْ تَغْيِيرِ شَيْءٍ فِي نِظَامٍ أَكْبَرَ مِنْهُ بِكَثِيرٍ.
سَأَلَهُ الرَّجُلُ، بِصَوْتٍ يَحْمِلُ أَلَمًا عَمِيقًا:
– هَلْ تَعْرِفُ اسْمَ مَنْ كَانَ مَسْؤُولًا مُبَاشَرَةً عَنْ قِسْمِ التَّحْقِيقِ الَّذِي مَرَّ بِهِ أَخِي؟
فَكَّرَ سَلِيمٌ طَوِيلًا، مُتَرَدِّدًا بَيْنَ رَغْبَتِهِ فِي الْمُسَاعَدَةِ وَخَوْفِهِ مِنْ أَنْ يُوَرِّطَ نَفْسَهُ أَكْثَرَ:
– أَعْرِفُ بَعْضَ الْأَسْمَاءِ، نَعَمْ. لَمْ أَكُنْ أَتَعَامَلُ مَعَهُمْ مُبَاشَرَةً، لَكِنِّي سَمِعْتُ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً فِي مَمَرَّاتِ ذَلِكَ الْمَبْنَى. سَأُخْبِرُكَ بِكُلِّ مَا أَعْرِفُ، فَأَنْتَ تَسْتَحِقُّ أَنْ تَعْرِفَ كُلَّ تَفْصِيلٍ يُمْكِنُ أَنْ يُعِينَكَ عَلَى فَهْمِ مَا جَرَى لِأَخِيكَ، حَتَّى لَوْ لَمْ يُغَيِّرْ هَذَا شَيْئًا مِنَ الْمَاضِي.
شَارَكَ سَلِيمٌ، بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ، كُلَّ مَا يَذْكُرُهُ مِنْ تَفَاصِيلَ، وَشَعَرَ وَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِثِقْلٍ مُضَاعَفٍ: ثِقْلُ تَذَكُّرِ تِلْكَ الْأَيَّامِ، وَثِقْلُ إِدْرَاكِهِ أَنَّ مَعْرِفَتَهُ بِهَذِهِ التَّفَاصِيلِ، رَغْمَ عَدَمِ مُشَارَكَتِهِ الْمُبَاشِرَةِ، تَجْعَلُهُ جُزْءًا مِنْ آلَةٍ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُوقِفَهَا.
——————————
بَعْدَ أَنِ انْتَهَى سَلِيمٌ مِنْ رِوَايَتِهِ، صَمَتَ الرَّجُلُ طَوِيلًا، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ مِمَّا تَوَقَّعَ سَلِيمٌ:
– أَعْرِفُ أَنَّ غَضَبِي بِالْأَمْسِ رُبَّمَا كَانَ مُوَجَّهًا إِلَيْكَ عَلَى نَحْوٍ غَيْرِ عَادِلٍ تَمَامًا، فَأَنْتَ لَسْتَ مَنْ قَتَلَ أَخِي مُبَاشَرَةً. لَكِنَّ إِدْرَاكِي أَنَّ أَشْخَاصًا كَثِيرِينَ، مِثْلَكَ، أَسْهَمُوا بِصَمْتِهِمْ أَوْ بِعَمَلِهِمُ الْإِدَارِيِّ فِي اسْتِمْرَارِ تِلْكَ الْآلَةِ، هَذَا مَا يَصْعُبُ عَلَيَّ ابْتِلَاعُهُ.
قَالَ سَلِيمٌ بِصِدْقٍ:
– أَفْهَمُ ذَلِكَ تَمَامًا، وَلَنْ أَطْلُبَ مِنْكَ أَنْ تَتَجَاوَزَهُ سَرِيعًا. لَكِنِّي أُرِيدُكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنِّي أَحْمِلُ هَذَا الثِّقَلَ كُلَّ يَوْمٍ، وَأَنِّي اخْتَرْتُ أَخِيرًا أَنْ أُوَاجِهَهُ بَدَلَ أَنْ أُخْفِيَهُ، وَلَوْ كَلَّفَنِي هَذَا مُوَاجَهَاتٍ مُؤْلِمَةً كَتِلْكَ الَّتِي حَدَثَتْ بِالْأَمْسِ.
سَأَلَهُ الرَّجُلُ، بِفُضُولٍ مَمْزُوجٍ بِأَلَمٍ:
– هَلْ نَدِمْتَ يَوْمًا عَلَى أَنَّكَ لَمْ تَسْتَقِلْ مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ، رَغْمَ كُلِّ الْمَخَاطِرِ الَّتِي كَانَتْ سَتَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ؟
فَكَّرَ سَلِيمٌ طَوِيلًا قَبْلَ أَنْ يُجِيبَ بِصِدْقٍ كَامِلٍ:
– أَنْدَمُ كُلَّ يَوْمٍ تَقْرِيبًا، لَكِنَّ النَّدَمَ لَا يُغَيِّرُ مَا حَدَثَ. فِي كُلِّ مَرَّةٍ أُفَكِّرُ فِيهَا فِي تِلْكَ السَّنَوَاتِ، أَتَسَاءَلُ: هَلْ كَانَ بِإِمْكَانِي أَنْ أَفْعَلَ شَيْئًا مُخْتَلِفًا؟ أَنْ أَسْتَقِيلَ رَغْمَ الْمَخَاطِرِ؟ أَنْ أُسَاعِدَ أُنَاسًا بِطُرُقٍ صَغِيرَةٍ خَفِيَّةٍ دُونَ أَنْ يُكْتَشَفَ أَمْرِي؟ لَا أَمْلِكُ إِجَابَاتٍ مُرِيحَةً عَنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ، وَأَظُنُّ أَنِّي سَأَحْمِلُهَا مَعِي بَقِيَّةَ حَيَاتِي.
تَأَثَّرَ الرَّجُلُ بِهَذَا الِاعْتِرَافِ الصَّادِقِ، وَقَالَ بِصَوْتٍ أَهْدَأَ:
– عَلَى الْأَقَلِّ أَنْتَ تَطْرَحُ هَذِهِ الْأَسْئِلَةَ عَلَى نَفْسِكَ، وَلَا تَتَهَرَّبُ مِنْهَا. هَذَا أَكْثَرُ مِمَّا كُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ مِنْ هَذَا اللِّقَاءِ، بِصَرَاحَةٍ.
——————————
افْتَرَقَا مِنْ غَيْرِ مُصَالَحَةٍ كَامِلَةٍ، لَكِنْ بِشَيْءٍ مِنَ التَّفَاهُمِ الْمُتَبَادَلِ بَدَا مُسْتَحِيلًا قَبْلَ يَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ. عَادَ سَلِيمٌ إِلَى وَفَاءَ، وَأَخْبَرَهَا بِتَفَاصِيلِ اللِّقَاءِ.
قَالَتْ وَفَاءُ، بِارْتِيَاحٍ حَذِرٍ:
– عَلَى الْأَقَلِّ لَمِ انْتَهِ اللِّقَاءُ بِمُوَاجَهَةٍ أُخْرَى.
قَالَ سَلِيمٌ:
– لَمْ نَنْتَهِ إِلَى مُصَالَحَةٍ كَامِلَةٍ، وَلَا أَظُنُّهَا سَتَحْدُثُ قَرِيبًا، بَلْ لَا أَظُنُّ أَنَّ مِنْ حَقِّي أَصْلًا أَنْ أَطْلُبَهَا. لَكِنِّي شَعَرْتُ، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، أَنِّي قُلْتُ الْحَقِيقَةَ كَامِلَةً لِشَخْصٍ تَضَرَّرَ مُبَاشَرَةً مِنْ ذَلِكَ النِّظَامِ، لَا مُجَرَّدَ اعْتِرَافٍ عَامٍّ فِي دَائِرَةٍ آمِنَةٍ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ.
——————————
فِي الْأَسَابِيعِ التَّالِيَةِ، لَاحَظَتْ وَفَاءُ تَغَيُّرًا تَدْرِيجِيًّا فِي تَعَامُلِ بَعْضِ الْجِيرَانِ مَعَهُمَا: بَعْضُهُمْ غَدَا أَكْثَرَ تَحَفُّظًا، وَآخَرُونَ، عَلَى نَحْوٍ مُفَاجِئٍ، أَبْدَوْا تَفَهُّمًا أَعْمَقَ، لَا سِيَّمَا أُولَئِكَ الَّذِينَ عَرَفُوا تَفَاصِيلَ اعْتِرَافِ سَلِيمٍ الْكَامِلِ فِي اللِّقَاءِ الْأُسْبُوعِيِّ.
قَالَتْ أُمُّ خَالِدٍ لِوَفَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ، وَهُمَا تَنْتَظِرَانِ دَوْرَهُمَا فِي الْمَطْبَخِ الْمُشْتَرَكِ:
– سَمِعْتُ بِمَا جَرَى. أَعْرِفُ أَنَّ الْأَمْرَ صَعْبٌ عَلَيْكُمَا، لَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ سَلِيمًا أَظْهَرَ شَجَاعَةً حَقِيقِيَّةً بِمُوَاجَهَةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ بَدَلَ الْهُرُوبِ.
تَأَثَّرَتْ وَفَاءُ بِهَذَا الدَّعْمِ غَيْرِ الْمُتَوَقَّعِ:
– شُكْرًا لَكِ، يَا أُمَّ خَالِدٍ. لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُ أَنْ يَتَفَهَّمَ أَحَدٌ هَذَا الْمَوْقِفَ الْمُعَقَّدَ بِهَذَا التَّعَاطُفِ.
أَضَافَتْ أُمُّ خَالِدٍ، بِصِدْقٍ يَحْمِلُ خِبْرَتَهَا الْخَاصَّةَ:
– أَتَعْرَفِينَ، نَحْنُ أَيْضًا فِي عَائِلَتِنَا نَحْمِلُ أَشْيَاءَ لَا نَتَحَدَّثُ عَنْهَا بِسُهُولَةٍ. كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا خَرَجَ مِنْ هُنَاكَ بِحَقِيبَةٍ مَلْأَى بِذِكْرَيَاتٍ لَا نَعْرِفُ كَيْفَ نَتَعَامَلُ مَعَهَا هُنَا. رُبَّمَا الْأَهَمُّ لَيْسَ أَنْ نَحْكُمَ عَلَى بَعْضِنَا بِسُرْعَةٍ، بَلْ أَنْ نَتَعَلَّمَ كَيْفَ نَحْمِلُ هَذِهِ الْحَقَائِبَ مَعًا، جِيرَانًا عَلَى الْأَقَلِّ، وَلَوْ لَمْ نَكُنْ أَصْدِقَاءَ مُقَرَّبِينَ.
شَعَرَتْ وَفَاءُ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَأَدْرَكَتْ أَنَّ ذَلِكَ الْمُجْتَمَعَ الصَّغِيرَ الَّذِي بَدَأَ يَتَشَكَّلُ حَوْلَهُمْ فِي مَرْكَزِ الْإِيوَاءِ، عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَوَتُّرَاتٍ وَخِلَافَاتٍ، يَحْمِلُ أَيْضًا قُدْرَةً حَقِيقِيَّةً عَلَى التَّعَاطُفِ تَفُوقُ أَحْيَانًا مَا كَانَتْ تَتَوَقَّعُهُ.
——————————
فِي الْمَسَاءِ، وَبَيْنَمَا كَانَا يَتَهَيَّآنِ لِلنَّوْمِ، قَالَتْ وَفَاءُ لِسَلِيمٍ:
– أَظُنُّ أَنَّنَا تَجَاوَزْنَا أَصْعَبَ اخْتِبَارٍ حَقِيقِيٍّ لِصِدْقِكَ الْجَدِيدِ. لَمْ يَكُنِ الِاعْتِرَافُ فِي دَائِرَةٍ آمِنَةٍ صَعْبًا بِقَدْرِ مُوَاجَهَةِ الْحَقِيقَةِ أَمَامَ مَنْ تَضَرَّرَ مُبَاشَرَةً.
قَالَ سَلِيمٌ، بِإِرْهَاقٍ يَمْتَزِجُ بِرَاحَةٍ عَمِيقَةٍ:
– أَظُنُّ أَنِّي تَعَلَّمْتُ شَيْئًا مُهِمًّا مِنْ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ كُلِّهَا: الصِّدْقُ لَا يَعْنِي أَنْ يَقْبَلَكَ الْجَمِيعُ أَوْ يُسَامِحَكَ الْجَمِيعُ فَوْرًا. إِنَّمَا يَعْنِي أَنْ تَعِيشَ مِنْ غَيْرِ ثِقَلِ الْكَذِبِ، وَلَوْ حَمَلَ هَذَا الْعَيْشُ الصَّادِقُ أَحْيَانًا مُوَاجَهَاتٍ مُؤْلِمَةً.
أَضَافَ سَلِيمٌ، بِصَوْتٍ أَكْثَرَ هُدُوءًا:
– وَرُبَّمَا، يَا وَفَاءُ، لَنْ أَصِلَ يَوْمًا إِلَى مُصَالَحَةٍ كَامِلَةٍ مَعَ كُلِّ مَنْ تَضَرَّرَ مِنْ ذَلِكَ النِّظَامِ الَّذِي كُنْتُ جُزْءًا مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ دَوْرِي هَامِشِيًّا. لَكِنِّي أَسْتَطِيعُ، عَلَى الْأَقَلِّ، أَنْ أَعِيشَ صَادِقًا مَعَ نَفْسِي وَمَعَكِ وَمَعَ أَوْلَادِنَا، وَأَنْ أَتْرُكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا دَائِمًا لِأَيِّ حِوَارٍ صَادِقٍ، مَهْمَا كَانَ مُؤْلِمًا، بَدَلَ أَنْ أُغْلِقَهُ بِذَرِيعَةِ حِمَايَةِ نَفْسِي مِنَ الْمُوَاجَهَةِ.
ابْتَسَمَتْ وَفَاءُ، وَأَمْسَكَتْ بِيَدِهِ:
– هَذَا بِالضَّبْطِ مَا تَعَلَّمْتُهُ أَنَا أَيْضًا مِنْكَ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ كُلِّهَا، يَا سَلِيمُ. رُبَّمَا لَنْ نَصِلَ يَوْمًا إِلَى خَاتِمَةٍ مِثَالِيَّةٍ لِهَذَا الْجُزْءِ مِنْ مَاضِينَا، لَكِنَّنَا نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نَحْمِلُهُ مَعًا، لَا كُلٌّ مِنَّا وَحْدَهُ كَمَا كَانَ الْحَالُ فِي سُورِيَةَ.
وَفِي الصَّبَاحِ التَّالِي، أَخْبَرَ سَلِيمٌ ابْنَهُ يَزَنَ بِتَفَاصِيلِ مَا جَرَى، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُخْفِيَ عَنْهُ شَيْئًا، وَفَاءً بِوَعْدٍ قَطَعَهُ عَلَى نَفْسِهِ مُنْذُ حَدِيثِهِمَا الْأَوَّلِ فِي الْحَدِيقَةِ قَبْلَ أَشْهُرٍ.
أَصْغَى يَزَنُ بِانْتِبَاهٍ تَامٍّ، ثُمَّ قَالَ بِنُضْجٍ فَاجَأَ أَبَاهُ مِنْ جَدِيدٍ:
– أَبِي، مَا جَرَى بِالْأَمْسِ صَعْبٌ، لَكِنَّهُ يُثْبِتُ لِي أَنَّ اخْتِيَارَكَ أَنْ تَكُونَ صَادِقًا كَانَ الِاخْتِيَارَ الصَّحِيحَ، وَلَوْ كَلَّفَكَ مُوَاجَهَاتٍ مُؤْلِمَةً. أُفَضِّلُ أَبًا يُوَاجِهُ مَاضِيَهُ بِصِدْقٍ، وَلَوْ كَانَ مُؤْلِمًا، عَلَى أَبٍ يَعِيشُ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ خَائِفًا مِنْ أَنْ يُكْتَشَفَ سِرُّهُ يَوْمًا.
شَعَرَ سَلِيمٌ بِامْتِنَانٍ عَمِيقٍ لِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الْجِيلَ الْجَدِيدَ، عَلَى مَا وَرِثَهُ مِنْ قَسْوَةِ الظُّرُوفِ، يَحْمِلُ حِكْمَةً وَقُدْرَةً عَلَى التَّسَامُحِ تَفُوقُ أَحْيَانًا مَا يَمْلِكُهُ جِيلُهُ هُوَ نَفْسُهُ.


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 22


قُلُوبٌ بَيْنَ رَحِيلَيْنِ 20