لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 07

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ
الفَصْلُ السَّابِعُ
أَعْلَنَ يُوسُفُ فِي عَشَاءِ الأُسْرَةِ أَنَّهُ قَرَّرَ التَّقَدُّمَ لِدِرَاسَةِ الأَدَبِ المُقَارَنِ فِي الجَامِعَةِ، لَا الطِّبَّ كَمَا كَانَ يَظُنُّ الجَمِيعُ أَنَّهُ سَيَفْعَلُ.
— لَيْلَى: الأَدَبُ المُقَارَنُ؟ ظَنَنَّا أَنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ طَبِيبًا، يَا يُوسُفُ.
— يُوسُفُ: كُنْتُ أَظُنُّ ذَلِكَ أَنَا أَيْضًا، لِأَنَّهُ كَانَ يُقَالُ لِي دَائِمًا إِنَّهُ الطَّرِيقُ الآمِنُ. وَلَكِنِّي، بَعْدَ كُلِّ مَا حَدَثَ فِي بَيْتِنَا هَذِهِ السَّنَةَ، اكْتَشَفْتُ أَنِّي مَشْغُولٌ بِأَسْئِلَةٍ عَنِ الهُوِيَّةِ وَاللُّغَةِ أَكْثَرَ مِمَّا أَنَا مَشْغُولٌ بِالعُلُومِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى ابْنِهِ بِفَخْرٍ مَشُوبٍ بِقَلَقٍ خَفِيفٍ لَا يَخْلُو مِنْهُ أَيُّ أَبٍ.
— سَامِرٌ: يُوسُفُ، أَنَا فَخُورٌ بِكَ لِأَنَّكَ تَخْتَارُ طَرِيقَكَ بِنَفْسِكَ. وَلَكِنَّنِي أَسْأَلُكَ، لَا لِأُثَبِّطَكَ، بَلْ لِأَفْهَمَ: أَلَسْتَ خَائِفًا أَنْ تَسِيرَ فِي طَرِيقِ الكِتَابَةِ الَّذِي سِرْتُ فِيهِ أَنَا، بِكُلِّ مَا فِيهِ مِنْ عَدَمِ يَقِينٍ؟
— يُوسُفُ: خَائِفٌ، نَعَمْ. وَلَكِنِّي تَعَلَّمْتُ مِنْكَ، يَا أَبِي، وَلَوْ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ مُبَاشَرَةٍ، أَنَّ الخَوْفَ لَيْسَ سَبَبًا كَافِيًا لِتَجَنُّبِ مَا نُرِيدُهُ حَقًّا. أَنْتَ نَفْسُكَ قُلْتَ لِي مَرَّةً إِنَّ الشَّجَاعَةَ لَيْسَتْ غِيَابَ الخَوْفِ.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الدُّمُوعَ يَقْتَرِبُ مِنْ عَيْنَيْهِ، إِذْ سَمِعَ كَلِمَاتِهِ الخَاصَّةَ تَعُودُ إِلَيْهِ عَلَى لِسَانِ ابْنِهِ، بَعْدَ أَنْ ظَنَّ أَنَّهَا قِيلَتْ فِي لَحْظَةِ ضَعْفٍ لَنْ يَتَذَكَّرَهَا أَحَدٌ.
— لَيْلَى: إِذَنْ، قَرَارُكَ نِهَائِيٌّ؟
— يُوسُفُ: نِهَائِيٌّ، يَا أُمِّي. وَأَعْرِفُ أَنَّهُ طَرِيقٌ صَعْبٌ، وَلَكِنَّهُ طَرِيقِي أَنَا، لَا طَرِيقٌ اخْتَارَهُ أَحَدٌ لِي.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
حِينَ كُنْتُ فِي عُمْرِ يُوسُفَ، لَمْ أَكُنْ أَمْلِكُ رَفَاهِيَةَ اخْتِيَارِ طَرِيقٍ صَعْبٍ بِوَعْيٍ كَامِلٍ. كَانَتِ الظُّرُوفُ تَخْتَارُ عَنِّي أَكْثَرَ مِمَّا كُنْتُ أَخْتَارُ أَنَا.
وَهَا هُوَ ابْنِي، الَّذِي وُلِدَ فِي أَرْضٍ لَمْ أُولَدْ فِيهَا، يَمْلِكُ مِنَ الحُرِّيَّةِ مَا لَمْ أَمْلِكْهُ، وَيَسْتَخْدِمُهَا لِيَخْتَارَ طَرِيقًا يُشْبِهُ طَرِيقِي فِي صُعُوبَتِهِ، لَا لِأَنَّهُ مُجْبَرٌ، بَلْ لِأَنَّهُ يُرِيدُ ذَلِكَ حَقًّا.
رُبَّمَا هَذَا هُوَ أَجْمَلُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُورَثَ فِي المَنْفَى: لَا الأَمَانُ وَحْدَهُ، بَلِ القُدْرَةُ عَلَى اخْتِيَارِ الطَّرِيقِ الصَّعْبِ حِينَ يَكُونُ هُوَ الطَّرِيقَ الصَّادِقَ.
رَنَّ الهَاتِفُ فِي وَقْتٍ غَيْرِ مُعْتَادٍ مِنَ النَّهَارِ. كَانَ المُتَّصِلُ خَالِدًا، أَخَا سَامِرٍ، وَصَوْتُهُ يَحْمِلُ نَبْرَةً لَمْ يَعْهَدْهَا سَامِرٌ مِنْ قَبْلُ: حَمَاسٌ مَشُوبٌ بِتَرَدُّدٍ.
— خَالِدٌ: سَامِرُ، عِنْدِي خَبَرٌ، وَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ تَتَقَبَّلُهُ.
— سَامِرٌ: قُلْ، يَا خَالِدُ. خَيْرًا إِنْ شَاءَ اللهُ.
— خَالِدٌ: قَرَّرْتُ أَنْ أُقَدِّمَ طَلَبَ لُجُوْءٍ. لَيْسَ لِي، بَلْ لِابْنَتِي الصَّغِيرَةِ، لِتَأْتِيَ لِلدِّرَاسَةِ عِنْدَكُمْ فِي أَلْمَانْيَا. أَمَّا أَنَا، فَقَرَّرْتُ أَنْ أَبْقَى.
شَعَرَ سَامِرٌ بِمَزِيجٍ مِنَ الدَّهْشَةِ وَالفَرَحِ.
— سَامِرٌ: وَلَكِنْ، يَا خَالِدُ، لِمَاذَا لَا تَأْتِي أَنْتَ أَيْضًا؟ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَجِدَ حَلًّا لِلْأَوْرَاقِ سَوِيَّةً.
— خَالِدٌ: لِأَنَّنِي، بَعْدَ كُلِّ هَذِهِ السِّنِينَ، فَهِمْتُ أَنَّ بَقَائِي هُنَا لَيْسَ عَجْزًا عَنِ الرَّحِيلِ، بَلْ قَرَارًا وَاعِيًا. وَلَكِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ أَفْرِضَ هَذَا القَرَارَ عَلَى ابْنَتِي. أُرِيدُ أَنْ تَخْتَارَ هِيَ طَرِيقَهَا، كَمَا اخْتَرْتَ أَنْتَ طَرِيقَكَ، وَكَمَا اخْتَرْتُ أَنَا طَرِيقِي.
تَذَكَّرَ سَامِرٌ حِينَهَا كَلِمَاتِ خَالِدٍ القَدِيمَةَ: إِنَّ البَقَاءَ وَالرَّحِيلَ كِلَيْهِمَا قَرَارٌ يَسْتَحِقُّ الِاحْتِرَامَ.
— سَامِرٌ: سَأَكُونُ إِلَى جَانِبِهَا، يَا خَالِدُ، كَأَنَّهَا ابْنَتِي أَنَا. وَعْدٌ.
— خَالِدٌ: أَعْرِفُ ذَلِكَ، يَا سَامِرُ. وَلِهَذَا اطْمَأْنَنْتُ عَلَى قَرَارِي.
أَغْلَقَ سَامِرٌ الهَاتِفَ، وَجَلَسَ لَحْظَةً يُفَكِّرُ فِي دَائِرَةٍ جَدِيدَةٍ مِنَ الحَيَاةِ سَتَبْدَأُ قَرِيبًا فِي بَيْتِهِ: طِفْلَةٌ صَغِيرَةٌ، قَادِمَةٌ مِنْ دِمَشْقَ، سَتُعِيدُ طَرْحَ الأَسْئِلَةِ نَفْسِهَا الَّتِي طَرَحَهَا هُوَ يَوْمًا، فِي زَمَنٍ آخَرَ، وَبِطَرِيقَتِهَا الخَاصَّةِ.
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ الِانْتِظَارِ وَالأَوْرَاقِ، وَصَلَتْ مَرْيَمُ، ابْنَةُ خَالِدٍ، إِلَى مَطَارِ فَرَانْكْفُورْت، فِي الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِهَا، تَحْمِلُ حَقِيبَةً وَاحِدَةً، وَعَيْنَيْنِ وَاسِعَتَيْنِ تُحَاوِلَانِ اسْتِيعَابَ كُلِّ شَيْءٍ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
احْتَضَنَهَا سَامِرٌ طَوِيلًا، وَهُوَ يَتَذَكَّرُهَا طِفْلَةً صَغِيرَةً فِي آخِرِ زِيَارَةٍ لَهُ إِلَى دِمَشْقَ، قَبْلَ سِنِينَ طَوِيلَةٍ.
— مَرْيَمُ: عَمِّي سَامِرُ، هَلْ صَحِيحٌ أَنَّ المَدَارِسَ هُنَا لَا تَسْمَحُ بِالضَّرْبِ أَبَدًا؟
ابْتَسَمَ سَامِرٌ لِسُؤَالِهَا المُفَاجِئِ.
— سَامِرٌ: صَحِيحٌ، يَا مَرْيَمُ. سَتَتَفَاجَئِينَ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ هُنَا، بَعْضُهَا سَيُعْجِبُكِ، وَبَعْضُهَا سَيَبْدُو غَرِيبًا فِي البِدَايَةِ.
فِي البَيْتِ، جَلَسَتْ مَرْيَمُ مَعَ كَرِيسْتِينَ، اللَّتَيْنِ تَفْصِلُ بَيْنَهُمَا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَطْ فِي العُمْرِ، وَلَكِنْ عَالَمَانِ مُخْتَلِفَانِ تَمَامًا فِي التَّجْرِبَةِ.
— كَرِيسْتِينُ: هَلِ اشْتَقْتِ لِسُورِيَا؟
— مَرْيَمُ: اشْتَقْتُ لِأَبِي، وَلِبَيْتِنَا، وَلِرَائِحَةِ اليَاسَمِينِ فِي حَيِّنَا. وَلَكِنِّي أَيْضًا مُتَحَمِّسَةٌ لِلْحَيَاةِ الجَدِيدَةِ هُنَا. هَلْ هَذَا غَرِيبٌ، أَنْ أَشْتَاقَ وَأَتَحَمَّسَ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ؟
— كَرِيسْتِينُ: لَيْسَ غَرِيبًا عَلَى الإِطْلَاقِ. أَبِي يَقُولُ إِنَّ هَذَا شُعُورٌ يَعْرِفُهُ كُلُّ مَنْ أَتَى مِنْ هُنَاكَ.
رَاقَبَ سَامِرٌ ابْنَتَهُ وَابْنَةَ أَخِيهِ مِنْ بَعِيدٍ، وَهُمَا تَتَحَدَّثَانِ بِأُلْفَةٍ سَرِيعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَتَوَقَّعُهَا، رَغْمَ اخْتِلَافِ عَالَمَيْهِمَا.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
رَأَيْتُ فِي عَيْنَيْ مَرْيَمَ شَيْئًا مِنْ نَفْسِي حِينَ وَصَلْتُ إِلَى هَذِهِ البِلَادِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ: ذَلِكَ المَزِيجَ الغَرِيبَ مِنَ الحَنِينِ وَالتَّرَقُّبِ، مِنَ الخَوْفِ وَالأَمَلِ، الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ إِلَّا مَنْ عَاشَهُ.
وَلَكِنَّنِي رَأَيْتُ أَيْضًا فَرْقًا جَوْهَرِيًّا: أَنَا وَصَلْتُ وَحِيدًا، بِلَا مَنْ يَنْتَظِرُنِي بِهَذَا الشَّكْلِ مِنَ الِاحْتِضَانِ. أَمَّا مَرْيَمُ، فَقَدْ وَصَلَتْ إِلَى بَيْتٍ يَنْتَظِرُهَا، وَإِلَى ابْنَةِ عَمٍّ سَتُصْبِحُ صَدِيقَتَهَا، وَإِلَى عَائِلَةٍ تَعَلَّمَتْ، بَعْدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِنَ الصَّمْتِ، كَيْفَ تَفْتَحُ أَبْوَابَهَا بِصِدْقٍ.
رُبَّمَا هَذَا مَا يَعْنِيهِ أَنْ نَتَعَلَّمَ مِنْ أَخْطَائِنَا حَقًّا: أَنْ نَجْعَلَ الطَّرِيقَ أَسْهَلَ عَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدَنَا، لَا أَنْ نَتْرُكَهُمْ يُكَرِّرُونَ الأَخْطَاءَ نَفْسَهَا الَّتِي ارْتَكَبْنَاهَا.
فِي أَوَّلِ يَوْمٍ لَهَا فِي المَدْرَسَةِ الأَلْمَانِيَّةِ، رَافَقَتْهَا لَيْلَى، وَبَقِيَتْ وَاقِفَةً عِنْدَ البَابِ حَتَّى دَخَلَتْ مَرْيَمُ إِلَى الصَّفِّ.
عَادَتْ مَرْيَمُ فِي المَسَاءِ صَامِتَةً أَكْثَرَ مِمَّا اعْتَادَتْ لَيْلَى أَنْ تَرَاهَا فِي الأَيَّامِ القَلِيلَةِ الَّتِي عَرَفَتْهَا فِيهَا.
— لَيْلَى: كَيْفَ كَانَ يَوْمُكِ، يَا مَرْيَمُ؟
— مَرْيَمُ: صَعْبٌ. لَمْ أَفْهَمْ مُعْظَمَ مَا قِيلَ. وَشَعَرْتُ أَنَّنِي غَبِيَّةٌ أَمَامَ زَمِيلَاتِي، رَغْمَ أَنِّي كُنْتُ الأُولَى عَلَى صَفِّي فِي دِمَشْقَ.
جَلَسَتْ لَيْلَى بِجَانِبِهَا، تَتَذَكَّرُ أَيَّامَهَا الأُولَى هِيَ أَيْضًا فِي هَذِهِ البِلَادِ، رَغْمَ أَنَّهَا وَصَلَتْ إِلَيْهَا امْرَأَةً بَالِغَةً لَا طِفْلَةً.
— لَيْلَى: لَسْتِ غَبِيَّةً، يَا مَرْيَمُ. أَنْتِ فَقَطْ تَتَعَلَّمِينَ لُغَةً جَدِيدَةً، وَهَذَا يَحْتَاجُ وَقْتًا. أَنَا نَفْسِي، حِينَ وَصَلْتُ إِلَى هُنَا، شَعَرْتُ بِالشُّعُورِ نَفْسِهِ بِالضَّبْطِ.
— مَرْيَمُ: وَكَيْفَ تَجَاوَزْتِهِ؟
— لَيْلَى: بِالصَّبْرِ، وَبِأَنْ سَمَحْتُ لِنَفْسِي أَنْ أُخْطِئَ كَثِيرًا دُونَ أَنْ أَشْعُرَ بِالخَجَلِ مِنْ ذَلِكَ. الخَطَأُ هُنَا لَيْسَ عَيْبًا، يَا مَرْيَمُ، بَلْ هُوَ الطَّرِيقُ الوَحِيدُ لِلتَّعَلُّمِ.
فَكَّرَتْ مَرْيَمُ فِي كَلَامِهَا لَحْظَةً.
— مَرْيَمُ: عِنْدَنَا فِي المَدْرَسَةِ بِدِمَشْقَ، كَانَ الخَطَأُ يُعَاقَبُ عَلَيْهِ الطَّالِبُ أَمَامَ الصَّفِّ كُلِّهِ.
— لَيْلَى: أَعْرِفُ. وَهَذَا فَرْقٌ كَبِيرٌ سَتَحْتَاجِينَ وَقْتًا لِتَتَصَالَحِي مَعَهُ. وَلَكِنَّهُ فَرْقٌ لِصَالِحِكِ، لَا ضِدَّكِ.
احْتَضَنَتْهَا لَيْلَى، وَشَعَرَتْ أَنَّهَا، فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، تَقُومُ بِدَوْرٍ لَمْ تَتَوَقَّعْهُ يَوْمًا: أَنْ تَكُونَ الجِسْرَ الَّذِي تَعْبُرُ عَلَيْهِ طِفْلَةٌ أُخْرَى نَحْوَ عَالَمٍ جَدِيدٍ، تَمَامًا كَمَا كَانَ سَامِرٌ جِسْرًا لَهَا يَوْمًا، وَإِنْ بِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ.
بَعْدَ أَشْهُرٍ مِنَ انْفِصَالِهِ عَنْ رِيمَا، اسْتَأْجَرَ كَرِيمٌ شَقَّةً صَغِيرَةً قَرِيبَةً مِنْ بَيْتِ أَوْلَادِهِ، لِيَبْقَى قَرِيبًا مِنْهُمْ. الْتَقَاهُ سَامِرٌ فِي زِيَارَةٍ لِلِاطْمِئْنَانِ عَلَيْهِ.
— سَامِرٌ: كَيْفَ الحَالُ، يَا كَرِيمُ؟ كَيْفَ الشَّقَّةُ الجَدِيدَةُ؟
— كَرِيمٌ: صَغِيرَةٌ، وَلَكِنَّهَا مَلِيئَةٌ بِأَشْيَاءَ اخْتَرْتُهَا أَنَا وَحْدِي، لِأَوَّلِ مَرَّةٍ فِي حَيَاتِي. أَشْعُرُ بِغَرَابَةٍ أَحْيَانًا، وَلَكِنِّي أَشْعُرُ أَيْضًا بِرَاحَةٍ لَمْ أَعْرِفْهَا مُنْذُ زَمَنٍ.
— سَامِرٌ: وَكَيْفَ عَلَاقَتُكَ بِرِيمَا الآنَ؟
— كَرِيمٌ: أَفْضَلُ مِمَّا كَانَتْ فِي آخِرِ سَنَتَيْنِ مِنْ زَوَاجِنَا، بِصَرَاحَةٍ. نَتَشَارَكُ فِي أُمُورِ الأَوْلَادِ بِهُدُوءٍ، وَنَتَحَدَّثُ أَحْيَانًا عَنْ أُمُورٍ لَا عَلَاقَةَ لَهَا بِالأَوْلَادِ، كَصَدِيقَيْنِ قَدِيمَيْنِ.
شَرِبَ كَرِيمٌ مِنْ فِنْجَانِهِ، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبْرَةٍ أَكْثَرَ تَأَمُّلًا.
— كَرِيمٌ: أَتَعْرِفُ، يَا سَامِرُ، مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْلِمُنِي فِي كُلِّ هَذِهِ التَّجْرِبَةِ؟ لَيْسَ الِانْفِصَالَ نَفْسَهُ، بَلْ إِدْرَاكِي أَنَّنِي كُنْتُ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَكُونَ زَوْجًا أَفْضَلَ، لَوْ كُنْتُ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَسْمَعَ رِيمَا، لَا أَنْ أَنْتَظِرَ فَقَطْ أَنْ تَفْهَمَ هِيَ مَا أُرِيدُ.
— سَامِرٌ: هَذَا دَرْسٌ صَعْبٌ، وَلَكِنَّهُ ثَمِينٌ. أَنَا أَيْضًا تَعَلَّمْتُهُ مُتَأَخِّرًا.
— كَرِيمٌ: الفَرْقُ بَيْنَنَا، يَا سَامِرُ، أَنَّكَ تَعَلَّمْتَهُ فِي الوَقْتِ المُنَاسِبِ، وَأَنَا تَعَلَّمْتُهُ بَعْدَ فَوَاتِ الأَوَانِ. وَلَكِنِّي عَلَى الأَقَلِّ تَعَلَّمْتُهُ، وَهَذَا سَيُفِيدُنِي فِي أَيِّ عَلَاقَةٍ قَادِمَةٍ.
ابْتَسَمَ سَامِرٌ، وَهُوَ يَرَى فِي صَدِيقِهِ رَجُلًا يُعِيدُ بِنَاءَ نَفْسِهِ مِنْ فَوْقِ أَنْقَاضِ تَجْرِبَةٍ مُؤْلِمَةٍ، بِلَا مَرَارَةٍ تَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُسْتَقْبَلٍ جَدِيدٍ.
طَلَبَتْ مُدَرِّسَةُ فِرَاسٍ لِقَاءَ وَلِيِّ أَمْرِهِ، فَذَهَبَ أَبُو فِرَاسٍ بِنَفْسِهِ، رَغْمَ تَرَدُّدِهِ الطَّوِيلِ فِي التَّعَامُلِ مَعَ المُؤَسَّسَاتِ الأَلْمَانِيَّةِ مُبَاشَرَةً.
فِي المَدْرَسَةِ، أَخْبَرَتْهُ المُدَرِّسَةُ، بِمُسَاعَدَةِ مُتَرْجِمٍ، أَنَّ فِرَاسَ طَالِبٌ مُتَفَوِّقٌ، وَأَنَّهَا تَرَى فِيهِ إِمْكَانِيَّاتٍ كَبِيرَةً، وَتَنْصَحُ بِأَنْ يَلْتَحِقَ بِمَسَارٍ دِرَاسِيٍّ مُتَقَدِّمٍ.
عَادَ أَبُو فِرَاسٍ إِلَى البَيْتِ صَامِتًا، وَجَلَسَ مَعَ أُمِّ فِرَاسٍ فِي المَسَاءِ يُحَدِّثُهَا عَمَّا سَمِعَهُ.
— أَبُو فِرَاسٍ: قَالَتِ المُعَلِّمَةُ إِنَّ فِرَاسَ مِنَ الأَوَائِلِ فِي صَفِّهِ. وَأَنَا، بِصَرَاحَةٍ، لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ ذَلِكَ.
— أُمُّ فِرَاسٍ: وَلِمَاذَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُ؟ الوَلَدُ يُحَاوِلُ أَنْ يُخْبِرَكَ عَنْ دِرَاسَتِهِ دَائِمًا، وَأَنْتَ لَا تَسْمَعُهُ إِلَّا حِينَ يَتَحَدَّثُ بِالأَلْمَانِيَّةِ فِي البَيْتِ.
شَعَرَ أَبُو فِرَاسٍ بِحَرَجٍ خَفِيفٍ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ.
— أَبُو فِرَاسٍ: رُبَّمَا كُنْتُ مَشْغُولًا أَكْثَرَ بِمُحَارَبَةِ اللُّغَةِ الجَدِيدَةِ، عَنْ أَنْ أَرَى مَا يُنْجِزُهُ ابْنِي بِفَضْلِهَا.
— أُمُّ فِرَاسٍ: هَذَا بِالضَّبْطِ مَا حَاوَلْتُ أَنْ أَقُولَهُ لَكَ مُنْذُ زَمَنٍ، يَا أَبَا فِرَاسٍ. اللُّغَةُ الَّتِي تَخَافُهَا هِيَ نَفْسُهَا الَّتِي فَتَحَتْ لِابْنِكَ أَبْوَابًا مَا كُنَّا لِنَحْلُمَ بِهَا فِي دِمَشْقَ.
لَمْ يَرُدَّ أَبُو فِرَاسٍ عَلَى الفَوْرِ. جَلَسَ صَامِتًا لِدَقَائِقَ، ثُمَّ قَالَ بِصَوْتٍ خَفِيضٍ، كَمَنْ يَعْتَرِفُ بِشَيْءٍ صَعْبٍ.
— أَبُو فِرَاسٍ: رُبَّمَا حَانَ الوَقْتُ لِأَتَعَلَّمَ أَنَا أَيْضًا بَعْضَ الكَلِمَاتِ. لَا لِأَتَخَلَّى عَنْ لُغَتِي، بَلْ لِأَفْهَمَ ابْنِي حِينَ يَتَحَدَّثُ عَنْ حَيَاتِهِ.
ابْتَسَمَتْ أُمُّ فِرَاسٍ، فَرِحَةً بِهَذِهِ الخُطْوَةِ الصَّغِيرَةِ، الَّتِي كَانَتْ، فِي دَاخِلِهَا، أَكْبَرَ بِكَثِيرٍ مِمَّا بَدَتْ عَلَيْهِ ظَاهِرِيًّا.
فِي أَحَدِ الأَيَّامِ، وَبَيْنَمَا كَانَتْ لَيْلَى تَزُورُ أُمَّ فِرَاسٍ، وَجَدَتْهَا جَالِسَةً أَمَامَ الطَّاوِلَةِ، تَكْتُبُ شَيْئًا بِخَطِّ يَدٍ مُتَرَدِّدٍ.
— لَيْلَى: مَاذَا تَكْتُبِينَ، يَا أُمَّ فِرَاسٍ؟
— أُمُّ فِرَاسٍ: أَكْتُبُ رِسَالَةً لِأُمِّي، رَحِمَهَا اللهُ. أَعْرِفُ أَنَّهَا لَنْ تَقْرَأَهَا أَبَدًا، فَقَدْ تُوُفِّيَتْ مُنْذُ سَنَوَاتٍ، وَلَكِنِّي أَشْعُرُ أَنَّنِي أَحْتَاجُ أَنْ أَقُولَ لَهَا أَشْيَاءَ لَمْ أَقُلْهَا لَهَا وَهِيَ حَيَّةٌ.
جَلَسَتْ لَيْلَى بِجَانِبِهَا، مُتَأَثِّرَةً بِمَشْهَدِ هَذِهِ المَرْأَةِ الَّتِي عَرَفَتْهَا دَائِمًا هَادِئَةً صَامِتَةً.
— لَيْلَى: مَاذَا كُنْتِ تُرِيدِينَ أَنْ تَقُولِي لَهَا؟
— أُمُّ فِرَاسٍ: أُرِيدُ أَنْ أَقُولَ لَهَا إِنَّنِي فَهِمْتُهَا أَخِيرًا. كَانَتْ تُكَرِّرُ دَائِمًا: اصْبِرِي، اصْبِرِي، وَكُنْتُ أَظُنُّهَا ضَعِيفَةً لِأَنَّهَا لَمْ تُطَالِبْ بِحَقِّهَا يَوْمًا أَمَامَ أَبِي. أَمَّا الآنَ، بَعْدَ أَنْ عِشْتُ أَنَا أَيْضًا زَوَاجًا صَعْبًا فِي بِلَادٍ غَرِيبَةٍ، فَهِمْتُ أَنَّ صَبْرَهَا لَمْ يَكُنْ ضَعْفًا، بَلْ كَانَ نَوْعًا مِنَ القُوَّةِ لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُ كَيْفَ أُسَمِّيهِ.
— لَيْلَى: وَهَلْ مَا زِلْتِ تَرَيْنَ صَبْرَكِ أَنْتِ قُوَّةً، أَمْ تَغَيَّرَ رَأْيُكِ؟
فَكَّرَتْ أُمُّ فِرَاسٍ طَوِيلًا فِي السُّؤَالِ.
— أُمُّ فِرَاسٍ: أَظُنُّ أَنَّ هُنَاكَ نَوْعَيْنِ مِنَ الصَّبْرِ، يَا لَيْلَى: صَبْرٌ يُشْبِهُ الِاسْتِسْلَامَ، وَصَبْرٌ يُشْبِهُ الِانْتِظَارَ الوَاعِيَ لِلَحْظَةٍ مُنَاسِبَةٍ لِلتَّغَيُّرِ. أُمِّي كَانَ صَبْرُهَا مِنَ النَّوْعِ الأَوَّلِ، لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَمْلِكُ خِيَارًا آخَرَ فِي زَمَنِهَا. أَمَّا أَنَا، فَأُحَاوِلُ أَنْ أَجْعَلَ صَبْرِي مِنَ النَّوْعِ الثَّانِي.
طَوَتْ أُمُّ فِرَاسٍ الرِّسَالَةَ بِعِنَايَةٍ، وَوَضَعَتْهَا فِي دُرْجٍ صَغِيرٍ.
— أُمُّ فِرَاسٍ: لَنْ أُرْسِلَهَا إِلَى أَحَدٍ، بِالطَّبْعِ. وَلَكِنَّ كِتَابَتَهَا وَحْدَهَا أَشْعَرَتْنِي بِخِفَّةٍ لَمْ أَشْعُرْ بِهَا مُنْذُ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
ابْتَسَمَتْ لَيْلَى، وَهِيَ تَتَذَكَّرُ سَامِرًا وَنُصُوصَهُ الَّتِي لَا يَنْشُرُهَا، وَتُدْرِكُ أَنَّ الكِتَابَةَ، لِمَنْ يَحْتَاجُهَا، لَيْسَتْ دَائِمًا مِنْ أَجْلِ أَنْ تُقْرَأَ، بَلْ أَحْيَانًا مِنْ أَجْلِ أَنْ تُحَرِّرَ صَاحِبَهَا مِنْ ثِقْلٍ طَالَ حَمْلُهُ.
أُقِيمَ حَفْلُ زِفَافِ سَلْمَى فِي قَاعَةٍ صَغِيرَةٍ، بِحُضُورٍ مَحْدُودٍ اخْتَارَتْهُ بِنَفْسِهَا: أَقْرَبُ صَدِيقَاتِهَا، وَعَدَدٌ قَلِيلٌ مِنْ أَفْرَادِ عَائِلَتِهَا الَّذِينَ تَصَالَحُوا مَعَ قَرَارِهَا.
حَضَرَ سَامِرٌ وَلَيْلَى مَعًا، وَجَلَسَا يُرَاقِبَانِ العَرُوسَ الَّتِي كَانَتْ تَبْدُو أَكْثَرَ ثِقَةً بِنَفْسِهَا مِنْ أَيِّ عَرُوسٍ رَآهَا سَامِرٌ مِنْ قَبْلُ.
— سَامِرٌ: أَتَتَذَكَّرِينَ حِينَ قَالَتْ لَنَا إِنَّهَا لَنْ تَتَزَوَّجَ مُجَدَّدًا أَبَدًا؟
— لَيْلَى: أَتَذَكَّرُ. وَأَتَذَكَّرُ أَيْضًا كَيْفَ عَلَّمَتْنِي، فِي أَصْعَبِ أَيَّامِنَا، أَنَّ الخَطَأَ لَيْسَ فِي التَّجْرِبَةِ نَفْسِهَا، بَلْ فِي أَلَّا نَتَعَلَّمَ مِنْهَا.
فِي أَثْنَاءِ الحَفْلِ، اقْتَرَبَتْ سَلْمَى مِنْ طَاوِلَتِهِمَا لِبُرْهَةٍ، تَحْمِلُ ابْتِسَامَةً وَاسِعَةً.
— سَلْمَى: شُكْرًا لِأَنَّكُمَا هُنَا. لَوْلَا وُقُوفُكُمَا إِلَى جَانِبِي فِي أَصْعَبِ سَنَوَاتِي، لَمَا وَصَلْتُ إِلَى هَذِهِ اللَّحْظَةِ.
— لَيْلَى: بَلْ نَحْنُ مَنْ نَشْكُرُكِ، يَا سَلْمَى. لَقَدْ عَلَّمْتِنِي أَشْيَاءَ عَنْ نَفْسِي مَا كُنْتُ لِأَتَعَلَّمَهَا لَوْلَاكِ.
عَادَتْ سَلْمَى إِلَى زَوْجِهَا وَسَطَ القَاعَةِ، وَبَقِيَ سَامِرٌ وَلَيْلَى يَتَأَمَّلَانِ المَشْهَدَ.
سَامِرٌ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ
نَظَرْتُ إِلَى سَلْمَى وَهِيَ تَرْقُصُ فِي حَفْلِ زِفَافِهَا الثَّانِي، وَفَكَّرْتُ فِي كُلِّ المَسَافَةِ الَّتِي قَطَعَتْهَا مِنْ زَوَاجٍ أَوَّلَ أَنْهَكَهَا، إِلَى امْرَأَةٍ تَخْتَارُ شُرُوطَهَا بِنَفْسِهَا هَذِهِ المَرَّةَ.
أَظُنُّ أَنَّ هَذَا مَا تَمْنَحُهُ الحَيَاةُ لِمَنْ يَنْجُو مِنْ تَجَارِبِهِ القَاسِيَةِ بِوَعْيٍ لَا بِمَرَارَةٍ: فُرْصَةٌ ثَانِيَةٌ، لَيْسَتْ لِتَكْرَارِ المَاضِي، بَلْ لِتَصْحِيحِ مَسَارِهِ.
وَحِينَ نَظَرْتُ إِلَى لَيْلَى بِجَانِبِي، أَدْرَكْتُ أَنَّنَا نَحْنُ أَيْضًا نَعِيشُ نَوْعًا مِنَ الفُرْصَةِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ لَمْ نَفْتَرِقْ يَوْمًا كَمَا افْتَرَقَتْ سَلْمَى عَنْ زَوْجِهَا الأَوَّلِ. فُرْصَةٌ ثَانِيَةٌ دَاخِلَ الزَّوَاجِ نَفْسِهِ، لَا خَارِجَهُ، وَهِيَ رُبَّمَا أَصْعَبُ أَنْوَاعِ الفُرَصِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّهَا تَتَطَلَّبُ أَنْ نُعِيدَ بِنَاءَ شَيْءٍ دُونَ أَنْ نَهْدِمَهُ أَوَّلًا.

لَمْ يَقُلْهَا لِأَحَدٍ 08