متحف الأيام المفقودة 31

مُتْحَفُ الأَيَّامِ المَفْقُودَة
الفَصْلُ الحَادِي وَالثَّلَاثُون – هِيرَاقْلِيطُس — حِينَ يَكُونُ النِّسْيَانُ نَهْرًا لَا قَبْرًا
________________________________________
لَمْ تَكُنِ القَاعَةُ الجَدِيدَةُ مِثْلَ سَابِقَاتِهَا.
لَمْ يَكُنْ فِيهَا ذَهَبٌ وَلَا رُخَامٌ، وَلَا أَعْمِدَةٌ شَامِخَةٌ تَمَسُّ السَّقْفَ بِكِبْرِيَاءِ المَعَابِدِ.
كَانَتْ مُجَرَّدَ صَخْرَةٍ كَبِيرَةٍ رَمَادِيَّةِ اللَّوْنِ، وَعِرَةِ السَّطْحِ، تَقِفُ عَلَى ضَفَّةِ نَهْرٍ صَغِيرٍ لَا يَعْلُو صَوْتُهُ فَوْقَ هَمْسٍ مُتَوَاصِلٍ، كَأَنَّهُ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِأَسْرَارٍ لَا يُفْضِي بِهَا إِلَى أَحَدٍ.
وَقَفَ سَامِرٌ لَحْظَةً عِنْدَ العَتَبَةِ، يَسْتَنْشِقُ هَوَاءً رَطْبًا يَحْمِلُ رَائِحَةَ الطِّحَالِبِ وَالتُّرَابِ المَبْلُولِ، رَائِحَةً قَدِيمَةً كَأَنَّهَا تَنْتَمِي إِلَى زَمَنٍ قَبْلَ أَنْ تُخْتَرَعَ الكَلِمَاتُ.
جَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ رَجُلٌ فِي الخَمْسِينَ مِنَ العُمْرِ، كَأَنَّ الزَّمَنَ نَحَتَهُ مِنَ الصَّخْرَةِ ذَاتِهَا.
كَانَ وَجْهُهُ عَابِسًا بِطَبِيعَتِهِ لَا بِغَضَبٍ عَارِضٍ، كَمَنْ رَأَى مِنَ الحَقَائِقِ مَا يَجْعَلُ الابْتِسَامَةَ السَّهْلَةَ ضَرْبًا مِنَ الغَفْلَةِ.
كَانَ يُحَدِّقُ فِي المَاءِ الجَارِي بِتَرْكِيزٍ لَا يَخْتَلِفُ عَنْ تَرْكِيزِ طَبِيبٍ يَفْحَصُ جُرْحًا خَفِيًّا، أَوْ فَيْلَسُوفٍ يَقْرَأُ فِي حَرَكَةِ المَاءِ مَا لَا يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ فِي أَسْفَارٍ.
________________________________________
اقْتَرَبَ سَامِرٌ بِخُطُوَاتٍ حَذِرَةٍ، وَكَأَنَّهُ يَخْشَى أَنْ يُخِلَّ بِتَوَازُنٍ دَقِيقٍ فِي المَكَانِ.
رَفَعَ الرَّجُلُ رَأْسَهُ دُونَ أَنْ يَلْتَفِتَ، وَكَأَنَّهُ أَحَسَّ بِقُدُومِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْمَعَ صَوْتَ خُطُوَاتِهِ:
ـ اقْتَرِبْ، إِنْ كُنْتَ تَظُنُّ أَنَّكَ سَتَجِدُ نَفْسَ النَّهْرِ الَّذِي رَأَيْتَهُ قَبْلَ لَحْظَةٍ.
تَوَقَّفَ سَامِرٌ، مُرْتَبِكًا:
ـ لَا أَفْهَمُ مَا تَعْنِي.
ـ هَذَا مَتَوَقَّعٌ.
الْتَفَتَ الرَّجُلُ أَخِيرًا، وَكَانَتْ عَيْنَاهُ حَادَّتَيْنِ كَشَفْرَتَيْ سِكِّينٍ صَقِيلَتَيْنِ، تَخْتَرِقَانِ الظَّاهِرَ بِلَا اسْتِئْذَانٍ:
ـ أَنَا هِيرَاقْلِيطُسُ. وَمَا قُلْتُهُ لَيْسَ لُغْزًا، بَلْ هُوَ أَبْسَطُ حَقِيقَةٍ يَتَجَاهَلُهَا مُعْظَمُ النَّاسِ طِوَالَ حَيَاتِهِمْ: لَا يُمْكِنُكَ أَنْ تَدْخُلَ نَفْسَ النَّهْرِ مَرَّتَيْنِ.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى حَجَرٍ قَرِيبٍ، وَنَظَرَ إِلَى المَاءِ:
ـ لَكِنَّ النَّهْرَ هُوَ النَّهْرُ ذَاتُهُ.
أَوْمَأَ هِيرَاقْلِيطُسُ بِرَأْسِهِ، كَأَنَّهُ كَانَ يَنْتَظِرُ هَذِهِ الجُمْلَةَ تَحْدِيدًا:
ـ هَذَا مَا تَرَاهُ العَيْنُ الكَسُولَةُ.
أَمَّا العَقْلُ الَّذِي يَتَأَمَّلُ، فَيَرَى أَنَّ المِيَاهَ الَّتِي لَمَسَتْ قَدَمَكَ قَبْلَ لَحْظَةٍ قَدْ جَرَتْ بَعِيدًا الآنَ، مَضَتْ نَحْوَ البَحْرِ أَوِ البَحِيرَةِ أَوْ بَاطِنِ الأَرْضِ، وَجَاءَتْ مِيَاهٌ جَدِيدَةٌ تَمَامًا مَحَلَّهَا.
النَّهْرُ يَبْدُو ثَابِتًا لِأَنَّ اسْمَهُ ثَابِتٌ، وَلِأَنَّ حَوَافَّهُ لَمْ تَتَحَرَّكْ، لَكِنَّ مَاءَهُ فِي تَغَيُّرٍ مُسْتَمِرٍّ لَا يَتَوَقَّفُ لَحْظَةً وَاحِدَةً.
________________________________________
أَدَارَ سَامِرٌ هَذِهِ الفِكْرَةَ فِي ذِهْنِهِ:
ـ هَذَا مَنْطِقِيٌّ بِخُصُوصِ الأَنْهَارِ، لَكِنَّ مَا عَلَاقَتَهُ بِي شَخْصِيًّا؟
ابْتَسَمَ هِيرَاقْلِيطُسُ ابْتِسَامَةً سَاخِرَةً خَفِيفَةً، كَمَنْ يَسْمَعُ سُؤَالًا كَانَ يَنْتَظِرُ طَرْحَهُ مُنْذُ أُلُوفِ السِّنِينَ:
ـ أَنْتَ أَيْضًا نَهْرٌ، يَا سَامِرُ.
وَإِنْ كُنْتَ لَا تَشْعُرُ بِذَلِكَ.
جَسَدُكَ يَتَغَيَّرُ بِاسْتِمْرَارٍ: خَلَايَاكَ تَمُوتُ وَتُسْتَبْدَلُ فِي دَوَرَانٍ لَا يَنْقَطِعُ.
تَأَمَّلْ هَذَا: الجِلْدُ الَّذِي تَلْبَسُهُ الآنَ لَيْسَ جِلْدَكَ الَّذِي كُنْتَ تَلْبَسُهُ قَبْلَ سَبْعِ سَنَوَاتٍ، فَقَدِ اسْتُبْدِلَتْ خَلَايَاهُ كُلُّهَا تَقْرِيبًا.
وَحَتَّى خَلَايَا دِمَاغِكَ، الَّتِي تَعْتَقِدُ أَنَّهَا تَحْفَظُ مَنْ أَنْتَ، تَتَغَيَّرُ وَتَتَشَكَّلُ وَتُعِيدُ بِنَاءَ اتِّصَالَاتِهَا مَعَ كُلِّ تَجْرِبَةٍ جَدِيدَةٍ.
وَأَفْكَارُكَ تَتَطَوَّرُ، وَقِيَمُكَ تَتَعَمَّقُ.
حَتَّى ذِكْرَيَاتُكَ نَفْسُهَا، الَّتِي تَظُنُّهَا صُوَرًا ثَابِتَةً مَحْفُوظَةً كَمَا حَدَثَتْ بِالضَّبْطِ، تَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَسْتَحْضِرُهَا.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِقَلَقٍ جَدِيدٍ يَنْبَثِقُ مِنْ مَكَانٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ أَنَّهُ مَوْجُودٌ:
ـ تَقْصِدُ أَنَّ ذِكْرَيَاتِي لَيْسَتْ دَقِيقَةً؟
أَنَّهَا تَتَغَيَّرُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أَتَذَكَّرُهَا؟
أَوْمَأَ هِيرَاقْلِيطُسُ بِرَأْسِهِ بِحَزْمٍ، كَمَنْ يُقَرِّرُ حَقِيقَةً عِلْمِيَّةً لَا رَأْيًا شَخْصِيًّا:
ـ بِالضَّبْطِ.
هَذَا مَا اكْتَشَفَهُ عُلَمَاؤُكُمْ لَاحِقًا، فِي زَمَنِكُمُ البَعِيدِ، رَغْمَ أَنَّنِي تَوَصَّلْتُ إِلَيْهِ بِالتَّأَمُّلِ الفَلْسَفِيِّ وَحْدَهُ.
تَخَيَّلْ أَنَّكَ تَمْلِكُ وَرْقَةً كَتَبْتَ عَلَيْهَا قِصَّةً فِي طُفُولَتِكَ.
وَكُلَّمَا أَرَدْتَ أَنْ تَقْرَأَهَا، اضْطُرِرْتَ إِلَى نَسْخِهَا مَرَّةً أُخْرَى بِخَطِّكَ.
فِي كُلِّ نَسْخَةٍ، تُضِيفُ حَرْفًا أَوْ تَحْذِفُ تَفْصِيلًا، دُونَ أَنْ تَقْصِدَ ذَلِكَ، وَدُونَ أَنْ تَشْعُرَ بِهِ.
هَكَذَا بِالضَّبْطِ تَعْمَلُ الذَّاكِرَةُ البَشَرِيَّةُ: كُلُّ مَرَّةٍ تَسْتَدْعِي فِيهَا ذِكْرَى، أَنْتَ لَا تَسْتَرْجِعُهَا كَمَا هِيَ، بَلْ تُعِيدُ بِنَاءَهَا جُزْئِيًّا، مُتَأَثِّرًا بِحَالَتِكَ المِزَاجِيَّةِ الحَالِيَّةِ، وَبِمَعْرِفَتِكَ الجَدِيدَةِ، وَبِكُلِّ مَا مَرَّ بِكَ مُنْذُ آخِرِ مَرَّةٍ تَذَكَّرْتَهَا فِيهَا.
________________________________________
فَتَحَ سَامِرٌ فَمَهُ، ثُمَّ أَغْلَقَهُ مَرَّةً أُخْرَى.
كَانَ ثَمَّةَ شَيْءٌ مُزْعِجٌ فِي هَذِهِ الفِكْرَةِ، شَيْءٌ يَمَسُّ شَيْئًا أَعَزَّ مَا يَمْلِكُهُ:
ـ إِذَنْ كُلُّ ذَاكِرَةٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً بِوُضُوحٍ، هِيَ فِي الحَقِيقَةِ كَذِبٌ مُنَظَّمٌ بِطَرِيقَةٍ مَا؟
ضَحِكَ هِيرَاقْلِيطُسُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً جَافَّةً، كَأَنَّهُ وَجَدَ فِي الصِّيَاغَةِ شَيْئًا يَسْتَحِقُّ الاعْتِرَافَ بِهِ:
ـ كَلِمَةُ “كَذِبٍ” قَاسِيَةٌ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ بَعِيدَةً تَمَامًا عَنِ الحَقِيقَةِ.
أُفَضِّلُ أَنْ أُسَمِّيَهَا “إِعَادَةَ بِنَاءٍ مُسْتَمِرَّةً”، لَا كَذِبًا مُتَعَمَّدًا، بَلْ طَبِيعَةَ الذَّاكِرَةِ نَفْسِهَا الَّتِي لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ ثَابِتَةً تَمَامًا فِي كَوْنٍ يَتَغَيَّرُ بِلَا تَوَقُّفٍ.
فَكِّرْ فِي رَجُلٍ فَقَدَ صَدِيقَهُ المَقْرَبَ فِي حَادِثَةٍ.
فِي السَّنَةِ الأُولَى بَعْدَ الرَّحِيلِ، يَسْتَعِيدُ ذِكْرَاهُ مَلِيئَةً بِالأَلَمِ الحَادِّ وَالذُّنُوبِ الثَّقِيلَةِ.
بَعْدَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، تَتَحَوَّلُ نَفْسُ الذِّكْرَى إِلَى شَيْءٍ أَدْفَأَ، أَقْرَبَ إِلَى الاِمْتِنَانِ مِنَ العَذَابِ.
هَلْ تَغَيَّرَتِ الوَقَائِعُ؟
لَا.
لَكِنَّ الذَّاكِرَةَ أُعِيدَ تَشْكِيلُهَا وَفْقَ مَنْ أَصْبَحَ صَاحِبُهَا.
________________________________________
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى النَّهْرِ بِعَيْنَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ عَمَّا كَانَتَا عَلَيْهِ قَبْلَ دَقَائِقَ:
ـ هَذَا يَعْنِي أَنَّهُ حَتَّى لَوِ اسْتَعَدْتُ يَوْمِيَ المَفْقُودَ، فَلَنْ تَكُونَ اسْتِعَادَةً دَقِيقَةً كَامِلَةً لِمَا حَدَثَ فِعْلًا؟
أَوْمَأَ هِيرَاقْلِيطُسُ بِرَأْسِهِ:
ـ عَلَى الأَرْجَحِ، لَا.
سَتَكُونُ إِعَادَةَ بِنَاءٍ، مُتَأَثِّرَةً بِكُلِّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ الآنَ، لَا نُسْخَةً طَبْقَ الأَصْلِ لِمَا حَدَثَ فِعْلًا فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ.
لَكِنْ دَعْنِي أَسْأَلُكَ سُؤَالًا مُضَادًّا: هَلْ هَذَا يَجْعَلُ تِلْكَ الذِّكْرَى، إِنِ اسْتَعَدْتَهَا، أَقَلَّ قِيمَةً؟
فَكَّرَ سَامِرٌ طَوِيلًا، وَكَانَتِ الطَّوِيلُ هُنَا أَطْوَلَ مِمَّا تُشِيرُ إِلَيْهِ الكَلِمَةُ عَادَةً:
ـ لَا أَعْرِفُ، بِصَرَاحَةٍ.
ـ هَذِهِ إِجَابَةٌ أَكْثَرُ صِدْقًا مِمَّا يُجِيبُ بِهِ مُعْظَمُ النَّاسِ.
دَعْنِي أُقَدِّمُ لَكَ مَنْظُورًا مُخْتَلِفًا.
فِي فَلْسَفَتِي، التَّغَيُّرُ لَيْسَ عَيْبًا يَجِبُ أَنْ نَخَافَ مِنْهُ أَوْ نُقَاوِمَهُ، بَلْ هُوَ طَبِيعَةُ الوُجُودِ نَفْسِهَا، حَتَّى جَوْهَرُهُ.
النَّهْرُ لَيْسَ أَقَلَّ حَقِيقِيَّةً لِأَنَّهُ يَتَغَيَّرُ بِاسْتِمْرَارٍ.
بَلِ التَّغَيُّرُ المُسْتَمِرُّ هُوَ بِالضَّبْطِ مَا يَجْعَلُهُ نَهْرًا حَيًّا، لَا بِرْكَةَ مَاءٍ رَاكِدَةً مَيِّتَةً.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ جَدِيدَةٍ تَتَشَكَّلُ بِبُطْءٍ كَمَا تَتَشَكَّلُ السَّحَابَةُ مِنَ الهَوَاءِ:
ـ تَقْصِدُ أَنَّ ذَاكِرَتِيَ المُتَغَيِّرَةَ بِاسْتِمْرَارٍ لَيْسَتْ أَقَلَّ قِيمَةً لِأَنَّهَا تَتَغَيَّرُ، بَلْ هَذَا التَّغَيُّرُ نَفْسُهُ جُزْءٌ مِنْ كَوْنِي إِنْسَانًا حَيًّا، لَا أَرْشِيفًا ثَابِتًا جَامِدًا؟
أَوْمَأَ هِيرَاقْلِيطُسُ بِرَأْسِهِ بِإِعْجَابٍ حَقِيقِيٍّ، نَادِرٍ عَلَى وَجْهِهِ العَابِسِ:
ـ بِالضَّبْطِ هَذَا مَا أُحَاوِلُ قَوْلَهُ.
لَوْ كَانَتْ ذِكْرَيَاتُكَ ثَابِتَةً تَمَامًا، لَا تَتَغَيَّرُ أَبَدًا، لَكَانَ هَذَا أَقْرَبَ إِلَى صِفَةِ شَيْءٍ مَيِّتٍ، لَا إِنْسَانٍ حَيٍّ يَتَطَوَّرُ بِاسْتِمْرَارٍ.
تَخَيَّلِ امْرَأَةً فَقَدَتْ زَوْجَهَا فِي حَرْبٍ وَهِيَ شَابَّةٌ.
لَوْ بَقِيَتْ ذِكْرَاهُ فِي قَلْبِهَا ثَابِتَةً لَمْ تَتَحَرَّكْ مُنْذُ يَوْمِ وَفَاتِهِ، لَظَلَّتْ أَسِيرَةَ تِلْكَ اللَّحْظَةِ، مَجَمَّدَةً، غَيْرَ قَادِرَةٍ عَلَى الحَيَاةِ.
لَكِنَّ ذِكْرَاهُ تَتَحَوَّلُ بِمُرُورِ السِّنِينَ: مِنَ الجَرْحِ إِلَى النُّدْبَةِ، وَمِنَ النُّدْبَةِ إِلَى دِرْعٍ خَفِيٍّ تَحْمِلُهُ فِي الصَّدْرِ.
هَذَا لَيْسَ نِسْيَانًا، بَلْ حِكْمَةُ الذَّاكِرَةِ الحَيَّةِ نَفْسِهَا.
الفَجْوَةُ فِي ذَاكِرَتِكَ، حَتَّى لَوْ لَمْ تُمْلَأْ أَبَدًا بِتَفَاصِيلَ دَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ، هِيَ جُزْءٌ مِنْ كَوْنِكَ كَائِنًا حَيًّا مُتَغَيِّرًا، لَا أَرْشِيفًا جَامِدًا.
________________________________________
مَدَّ سَامِرٌ يَدَهُ وَلَمَسَ سَطْحَ المَاءِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ.
كَانَ بَارِدًا، بَارِدًا بِطَرِيقَةٍ تَجْعَلُ الحَقِيقَةَ تَبْدُو مَلْمُوسَةً لَا مُجَرَّدَةً:
ـ هَذَا يُخَفِّفُ مِنْ قَلَقِي قَلِيلًا، لَكِنَّهُ أَيْضًا يَجْعَلُ البَحْثَ عَنِ “الحَقِيقَةِ” الكَامِلَةِ لِيَوْمِي يَبْدُو شِبْهَ مُسْتَحِيلٍ مِنَ الأَسَاسِ.
ضَحِكَ هِيرَاقْلِيطُسُ ضَحْكَةً هَادِئَةً هَذِهِ المَرَّةَ، كَضَوْءِ الشَّمْسِ الَّذِي يَظْهَرُ فَجْأَةً مِنْ خَلَلِ الغُيُومِ الثَّقِيلَةِ:
ـ رُبَّمَا هَذَا، فِي الحَقِيقَةِ، نَوْعٌ مِنَ التَّحَرُّرِ، لَا الخَسَارَةِ.
تَوَقَّفْ عَنِ البَحْثِ عَنِ “الحَقِيقَةِ الثَّابِتَةِ المُطْلَقَةِ” لِيَوْمِكَ المَفْقُودِ، فَهَذِهِ رُبَّمَا لَا تَوْجَدُ أَصْلًا، حَتَّى لَوْ كُنْتَ تَتَذَكَّرُهُ بِوُضُوحٍ كَامِلٍ.
ابْحَثْ بَدَلًا مِنْ ذَلِكَ عَنْ “مَعْنًى مُتَطَوِّرٍ” لَهُ، مَعْنًى يَتَغَيَّرُ وَيَتَعَمَّقُ مَعَ كُلِّ مَرْحَلَةٍ مِنْ حَيَاتِكَ، تَمَامًا كَمَا يَتَغَيَّرُ النَّهْرُ مَعَ كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ جَرَيَانِهِ.
الفَيْلَسُوفُ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الحَقِيقَةِ المُطْلَقَةِ كَمَنْ يَحَاوِلُ أَنْ يَقْبِضَ عَلَى المَاءِ بِيَدَيْهِ: كُلَّمَا ضَغَطَ أَكْثَرَ، تَسَرَّبَ المَاءُ أَسْرَعَ.
لَكِنَّ مَنْ يَغْرِفُ المَاءَ بِكَفَّيْهِ مَفْتُوحَتَيْنِ يَنْتَفِعُ بِهِ.
________________________________________
سَكَتَ سَامِرٌ لَحْظَةً، ثُمَّ جَاءَ السُّؤَالُ مِنْ مَكَانٍ آخَرَ تَمَامًا، مِنَ الجُزْءِ الَّذِي رَأَى الحَرْبَ وَعَاشَ بَيْنَ أَنَاسٍ فَقَدُوا كُلَّ شَيْءٍ:
ـ هَلْ تَظُنُّ أَنَّ الصِّرَاعَ، الحُرُوبَ، الاخْتِلَافَاتِ بَيْنَ البَشَرِ، كُلُّهَا أَيْضًا جُزْءٌ مِنْ هَذَا التَّغَيُّرِ الطَّبِيعِيِّ الَّذِي تَتَحَدَّثُ عَنْهُ؟
نَظَرَ هِيرَاقْلِيطُسُ إِلَيْهِ بِجِدِّيَّةٍ مُفَاجِئَةٍ، وَكَأَنَّ السُّؤَالَ لَمَسَ جُذُورَ فَلْسَفَتِهِ كُلِّهَا:
ـ نَعَمْ.
هَذَا جُزْءٌ أَسَاسِيٌّ مِمَّا أُومِنُ بِهِ.
أَنَا أُومِنُ أَنَّ الصِّرَاعَ، أَوْ مَا أُسَمِّيهِ “بُولِيمُوس”، هُوَ أَبُو كُلِّ الأَشْيَاءِ.
التَّوَتُّرُ بَيْنَ القُوَى المُتَضَادَّةِ هُوَ مَا يَخْلُقُ التَّوَازُنَ وَالتَّغَيُّرَ وَالنُّمُوَّ.
تَأَمَّلْ كَيْفَ أَنَّ الجِسْرَ يَصْمُدُ لَيْسَ لِأَنَّ حِجَارَتَهُ مُتَّفِقَةٌ، بَلْ لِأَنَّهَا تَضْغَطُ عَلَى بَعْضِهَا مِنَ الجَانِبَيْنِ، وَفِي التَّوَتُّرِ بَيْنَهَا يَنْشَأُ الثَّبَاتُ.
وَتَأَمَّلِ الوَتَرَ المَشْدُودَ بَيْنَ طَرَفَيِ القَوْسِ: لَوْلَا هَذَا التَّوَتُّرُ المُؤْلِمُ، لَمَا أَطْلَقَ السَّهْمَ.
حَتَّى صِرَاعُكَ الدَّاخِلِيُّ، بَيْنَ رَغْبَتِكَ فِي تَذَكُّرِ يَوْمِكَ المَفْقُودِ وَقَبُولِكَ المُحْتَمَلِ لِغُمُوضِهِ، هُوَ نَوْعٌ مِنْ هَذَا التَّوَتُّرِ الخَلَّاقِ الَّذِي يَدْفَعُكَ نَحْوَ فَهْمٍ أَعْمَقَ لِنَفْسِكَ.
________________________________________
ـ هَذَا يَجْعَلُ الصِّرَاعَ الدَّاخِلِيَّ يَبْدُو إِيجَابِيًّا، لَا مُجَرَّدَ عَذَابٍ.
أَوْمَأَ هِيرَاقْلِيطُسُ بِرَأْسِهِ، وَفِي عَيْنَيْهِ شَيْءٌ يُشْبِهُ الرِّفْقَ المَكْتُومَ:
ـ لَيْسَ كُلُّ صِرَاعٍ مُرِيحًا، لَكِنَّ الكَثِيرَ مِنْهُ ضَرُورِيٌّ لِلنُّمُوِّ الحَقِيقِيِّ.
مَاءٌ رَاكِدٌ بِلَا حَرَكَةٍ يَتَعَفَّنُ، يَا سَامِرُ.
نَهْرٌ يَتَدَفَّقُ، حَتَّى لَوْ كَانَ جَرَيَانُهُ عَنِيفًا أَحْيَانًا، يَبْقَى حَيًّا وَنَقِيًّا.
الشَّجَرَةُ الَّتِي تَنْمُو فِي مَهَبِّ الرِّيحِ تُرْسِخُ جُذُورَهَا أَعْمَقَ مِنْ تِلْكَ الَّتِي نَشَأَتْ فِي دِفْءٍ مَحْمِيٍّ لَا يَنَالُهَا فِيهِ أَيُّ عَاصِفَةٍ.
الإِنْسَانُ الَّذِي خَرَجَ مِنَ الأَلَمِ وَلَمْ يُكَذِّبِ الأَلَمَ، بَلِ اسْتَوْعَبَهُ وَمَضَى، هُوَ أَكْثَرُ إِنْسَانِيَّةً مِمَّنِ اخْتَارَ الرَّاحَةَ وَلَمْ يُجَرِّبْ شَيْئًا.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكْرَةٍ عَمِيقَةٍ تَسْتَقِرُّ فِيهِ، كَحَجَرٍ يَهْبِطُ إِلَى قَاعِ نَهْرٍ صَافٍ وَيَجِدُ مَكَانَهُ:
ـ شُكْرًا لَكَ.
هَذَا غَيَّرَ طَرِيقَةَ تَفْكِيرِي فِي طَبِيعَةِ الذَّاكِرَةِ نَفْسِهَا، لَا فِي يَوْمِي المُحَدَّدِ فَحَسْبُ.
ابْتَسَمَ هِيرَاقْلِيطُسُ ابْتِسَامَةً نَادِرَةً كَامِلَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى مُرَاقَبَةِ النَّهْرِ الجَارِي أَمَامَهُ، كَأَنَّ النَّهْرَ وَحْدَهُ يَسْتَحِقُّ وَفَاءَهُ الكَامِلَ:
ـ اذْهَبِ الآنَ، يَا سَامِرُ.
وَتَذَكَّرْ: أَنْتَ لَسْتَ نَفْسَ الشَّخْصِ الَّذِي دَخَلَ هَذَا المُتْحَفَ، حَتَّى لَوْ شَعَرْتَ أَنَّكَ كَذَلِكَ.
المِيَاهُ الَّتِي لَمَسَتْ قَدَمَكَ عِنْدَ البَابِ الأَوَّلِ قَدْ مَضَتْ إِلَى حَيْثُ تَمْضِي الأَنْهَارُ.
وَالمِيَاهُ الَّتِي تُلَامِسُ أَصَابِعَكَ الآنَ هِيَ وَحْدَهَا الحَاضِرُ.
وَهَذَا، فِي الحَقِيقَةِ، أَمْرٌ جَيِّدٌ جِدًّا.
________________________________________
بَدَأَتِ الصَّخْرَةُ وَالنَّهْرُ الصَّغِيرُ يَتَلَاشَيَانِ بِبُطْءٍ، كَمَا تَتَلَاشَى الرُّؤَى عِنْدَ الصَّحَوِ، حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرِّوَاقِ المُعْتَادِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنْتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحْمِلُ نَقْشًا لِسِلْسِلَةٍ مَكْسُورَةٍ بَسِيطَةٍ.
نَظَرَ إِلَى سَامِرٍ وَكَأَنَّهُ يَقِيسُهُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ دُخُولِ تِلْكَ القَاعَةِ:
ـ القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحْمِلُ صَوْتَ امْرَأَةٍ لَمْ يُسَجِّلِ التَّارِيخُ اسْمَهَا بِدِقَّةٍ.
لَكِنَّ فَلْسَفَتَهَا سَاعَدَتْ أَجْيَالًا مِنَ البَشَرِ عَلَى إِيجَادِ حُرِّيَّةٍ دَاخِلِيَّةٍ، حَتَّى فِي أَحْلَكِ ظُرُوفِ العُبُودِيَّةِ وَالقَهْرِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى النَّقْشِ عَلَى البَابِ، إِلَى السِّلْسِلَةِ المَكْسُورَةِ، وَأَدْرَكَ أَنَّ الكَسْرَ فِي السِّلْسِلَةِ لَيْسَ نِهَايَةَ قِصَّتِهَا، بَلْ بِدَايَةَ قِصَّةٍ أُخْرَى.
مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ المِقْبَضِ.
وَدَفَعَ البَابَ.

متحف الأيام المفقودة 32