متحف الأيام المفقودة 37

مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقودة
الفَصلُ السَّابِعُ وَالثَّلاثون – فيتغنشتاين — «مَا لَا يُقَالُ، كَيفَ يُتَذَكَّرُ؟»
________________________________________
كَانَت القَاعَةُ التَّالِيَةُ مُختَلِفَةً عَن كُلِّ مَا سَبَقَهَا فِي هَذَا المُتحَفِ العَجِيبِ.
لَم تَكُن هُنَاكَ تَحَفٌ مُعَلَّقَةٌ عَلَى الجُدرَانِ، وَلَا أَصوَاتٌ بَعِيدَةٌ تَتَسَرَّبُ مِن وَرَاءِ السِّتَائِرِ، وَلَا رَوَائِحُ مَجهُولَةٌ تَستَدعِي ذَاكِرَةً قَديمَةً.
كَانَت القَاعَةُ بَسِيطَةً بِشَكلٍ مُثِيرٍ لِلدَّهشَةِ، شِبهَ فَارِغَةٍ تَمَامًا، كَأَنَّ مَن صَمَّمَهَا كَانَ يَعرِفُ أَنَّ الفَرَاغَ نَفسَهُ هُوَ المَعنَى الأَعمَقُ الَّذِي سَيَحمِلُهُ هَذَا المَكَانُ.
مَكتَبٌ خَشَبِيٌّ صَغِيرٌ يَقِفُ فِي الزَّاوِيَةِ كَأَنَّهُ يَحمِلُ ثِقَلَ حَضَارَةٍ بِأَكمَلِهَا، وَنَافِذَةٌ مُستَطِيلَةٌ تُطِلُّ عَلَى حَدِيقَةٍ هَادِئَةٍ تَكتَفِي بِنَفسِهَا، وَضَوءٌ رَمَادِيٌّ خَفِيٌّ يَتَسَلَّلُ بِحَيَاءٍ كَأَنَّهُ يَخشَى إِزعَاجَ صَاحِبِ المَكَانِ.
وَفِي قَلبِ هَذَا الفَرَاغِ المَقصُودِ، كَانَ يَجلِسُ رَجُلٌ فِي الثَّانِيَةِ وَالخَمسِينَ مِن عُمُرِهِ.
لَم يَكُن يَقرَأُ، وَلَم يَكُن يَكتُبُ، وَلَم يَكُن يَنظُرُ إِلَى النَّافِذَةِ.
كَانَ يُحَدِّقُ فِي نُقطَةٍ فَارِغَةٍ فِي الهَوَاءِ أَمَامَهُ، بِصَمتٍ تَامٍّ وَمُطبَقٍ، كَأَنَّهُ يَستَمِعُ إِلَى صَوتٍ لَا يَسمَعُهُ أَحَدٌ سِوَاهُ، أَو يُفَكِّرُ بِعُمقٍ شَدِيدٍ فِي شَيءٍ يَعرِفُ سَلَفًا أَنَّ اللُّغَةَ لَن تَبلُغَ قَرَارَهُ.
وَقَفَ سَامِرٌ عِندَ العَتَبَةِ لَحظَةً، يَتَرَدَّدُ، وَكَأَنَّ المَكَانَ نَفسَهُ يَطلُبُ مِنهُ إِذنًا قَبلَ الدُّخُولِ.
ثُمَّ تَقَدَّمَ بِخُطوَةٍ حَذِرَةٍ، فَارتَفَعَ الصَّوتُ دُونَ أَن يَرفَعَ الرَّجُلُ رَأسَهُ:
— ادخُل بِهُدُوءٍ. أَنَا لَا أُحِبُّ الكَلَامَ الزَّائِدَ عَن الحَاجَةِ.
كَانَت النَّبرَةُ جَافَّةً لَكِنَّهَا لَم تَكُن قَاسِيَةً، دَقِيقَةً كَأَنَّهَا تَزِنُ كُلَّ حَرفٍ قَبلَ إِطلَاقِهِ فِي الهَوَاءِ.
جَلَسَ سَامِرٌ عَلَى الكُرسِيِّ الوَحِيدِ المُقَابِلِ، الَّذِي كَانَ مَوضُوعًا هُنَاكَ كَأَنَّهُ كَانَ يَنتَظِرُهُ بِالتَّحدِيدِ.
— أَنَا سَامِرٌ. وَأَنتَ؟
رَفَعَ الرَّجُلُ عَينَيهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، نَظرَةٌ ثَاقِبَةٌ فِيهَا مِزَاجٌ مُرَكَّبٌ مِن الذَّكَاءِ الحَادِّ وَشَيءٍ آخَرَ يَبدُو كَالحُزنِ القَدِيمِ الَّذِي تَصَالَحَ مَع نَفسِهِ:
— فيتغنشتاين. أَمضَيتُ حَيَاتِي أُفَكِّرُ فِي اللُّغَةِ، فِي حُدُودِهَا، فِي مَا تَستَطِيعُ قَولَهُ وَمَا لَا تَستَطِيعُ.
تَوَقَّفَ لَحظَةً، ثُمَّ أَضَافَ بِنَبرَةٍ أَكثَرَ هُدُوءًا:
— وَالفَرقُ بَينَ الأَمرَينِ أَعمَقُ وَأَوسَعُ مِمَّا يَتَخَيَّلُهُ أَحَدٌ.
________________________________________
جَلَسَ سَامِرٌ يَنظُرُ إِلَيهِ، مُتَسَائِلًا فِي دَاخِلِهِ عَن رَجُلٍ يُمضِي عُمُرَهُ يَدرُسُ حُدُودَ الكَلَامِ، بَينَمَا هُوَ عَاجِزٌ عَن وَصفِ مَا حَدَثَ لَهُ فِي يَومٍ وَاحِدٍ مِن حَيَاتِهِ.
— مَاذَا تَقصِدُ بِـ”مَا لَا تَستَطِيعُ اللُّغَةُ قَولَهُ”؟ هَل يَعنِي هَذَا أَنَّ هُنَاكَ أَشيَاءَ حَقِيقِيَّةً تَعجِزُ عَن الوُصُولِ إِلَيهَا بِالكَلِمَاتِ؟
نَظَرَ إِلَيهِ فيتغنشتاين بِجِدِّيَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَنَبرَةُ صَوتِهِ مَحسُوبَةٌ كَأَنَّهُ يَختَارُ أَلفَاظَهُ مِن قَائِمَةٍ خَاصَّةٍ مَرَّ عَلَيهَا مَرَّاتٍ عَدِيدَةً:
— هُنَاكَ أَشيَاءُ، يَا سَامِرُ، نَختَبِرُهَا بِعُمقٍ حَقِيقِيٍّ، لَكِن حِينَ نُحَاوِلُ وَضعَهَا فِي كَلِمَاتٍ، تَفقِدُ شَيئًا جَوهَرِيًّا مِن حَقِيقَتِهَا.
صَمَتَ لَحظَةً ثُمَّ وَاصَلَ، وَكَأَنَّهُ يُعطِي كُلَّ مِثَالٍ حَقَّهُ مِن التَّأَمُّلِ:
— المُوسِيقَى الَّتِي تُحَرِّكُ رُوحَكَ فِي لَحظَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَتَجعَلُكَ تَشعُرُ أَنَّكَ تَلمَسُ شَيئًا يَتَجَاوَزُ كُلَّ تَفسِيرٍ.
حَاوِل أَن تَصِفَهَا لِشَخصٍ لَم يَسمَعهَا، وَسَتَكتَشِفُ أَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَقُولُهَا هِيَ ظِلٌّ بَاهِتٌ لِمَا تُحَاوِلُ قَولَهُ.
أَو الحُبُّ العَمِيقُ الَّذِي تَشعُرُ بِهِ تُجَاهَ شَخصٍ مَا، ذَلِكَ الإِحسَاسُ الَّذِي لَا تَكفِيهِ مَكتَبَاتٌ مِن الشِّعرِ وَالرِّوَايَاتِ لِوَصفِهِ بِدِقَّةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
حَتَّى تَجرِبَتُكَ الدِّينِيَّةُ أَو الرُّوحِيَّةُ إِن كَانَت لَدَيكَ وَاحِدَةٌ، تِلكَ اللَّحظَةُ الَّتِي تَشعُرُ فِيهَا بِحَضُورِ شَيءٍ أَكبَرَ مِنكَ، ثُمَّ تُحَاوِلُ تَفسِيرَهَا لِآخَرِينَ فَتَجِدُ أَنَّكَ تَتَكَلَّمُ عَن شَيءٍ آخَرَ تَمَامًا.
كُلُّ هَذِهِ أَشيَاءُ حَقِيقِيَّةٌ تَمَامًا، لَكِنَّ اللُّغَةَ، بِطَبِيعَتِهَا المَحدُودَةِ، لَا تَستَطِيعُ أَن تَحتَوِيَهَا بِالكَامِلِ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكرَةٍ تَلَامَسُ مُشكِلَتَهُ مُبَاشَرَةً، كَأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ العَجِيبَ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَنهُ هُوَ بِالتَّحدِيدِ، لَا عَن فَلسَفَةٍ مُجَرَّدَةٍ فِي كِتَابٍ قَدِيمٍ.
— هَل تَظُنُّ أَنَّ هَذَا يَنطَبِقُ عَلَى يَومِي المَفقُودِ؟
أَنَّنِي أُحَاوِلُ أَن “أَقُولَ” أَو “أَتَذَكَّرَ” بِكَلِمَاتٍ شَيئًا قَد يَكُونُ، بِطَبِيعَتِهِ، يَتَجَاوَزُ قُدرَةَ الكَلِمَاتِ أَو حَتَّى الذَّاكِرَةِ الوَاعِيَةِ عَلَى احتِوَائِهِ بِالكَامِلِ؟
أَومَأَ فيتغنشتاين بِرَأسِهِ بِبُطءٍ وَاضِحٍ، وَنَظرَةُ تَقدِيرٍ حَقِيقِيٍّ ظَهَرَت فِي عَينَيهِ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ بَدَأَ الحَدِيثُ:
— سُؤَالٌ ذَكِيٌّ جِدًّا.
ثُمَّ صَمَتَ لَحظَةً كَأَنَّهُ يَزِنُ مَا سَيَقُولُهُ:
— دَعنِي أُخبِرُكَ بِمَقُولَةٍ كَتَبتُهَا يَومًا بَعدَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِن التَّفكِيرِ:
“مَا لَا يُمكِنُ الكَلَامُ عَنهُ، يَجِبُ الصَّمتُ عَنهُ.”
لَكِن انتَبِه، هَذَا لَا يَعنِي أَنَّ تِلكَ الأَشيَاءَ غَيرُ مَوجُودَةٍ أَو غَيرُ مُهِمَّةٍ.
بَل يَعنِي أَنَّ مُحَاوَلَةَ وَضعِهَا بِالقُوَّةِ فِي إِطَارٍ كَلَامِيٍّ صَارِمٍ قَد تُشَوِّهُهَا، بَدَلًا مِن أَن تَكشِفَهَا بِدِقَّةٍ.
فَكِّر فِي الأَمرِ هَكَذَا: حِينَ تُحَاوِلُ إِجبَارَ تَجرِبَةٍ رُوحِيَّةٍ عَمِيقَةٍ عَلَى الدُّخُولِ فِي قَالَبِ تَقرِيرٍ صَحَفِيٍّ بِتَوَارِيخَ وَأَرقَامٍ وَتَسَلسُلٍ مَنطِقِيٍّ، فَأَنتَ لَا تَصِفُهَا، بَل تَقتُلُهَا.
________________________________________
— هَذَا يَبدُو إِذنًا بِأَن أَتَوَقَّفَ عَن مُحَاوَلَةِ وَضعِ يَومِي فِي كَلِمَاتٍ أَو ذَاكِرَةٍ وَاضِحَةِ المَعَالِمِ؟
رَفَعَ فيتغنشتاين يَدَهُ بِرِفقٍ، إِشَارَةٌ إِلَى التَّرَيُّثِ كَأَنَّهُ يُعَدِّلُ مَسَارًا انزَلَقَ نَحوَ التَّبسِيطِ المُخِلِّ:
— لَيسَ بِالضَّبطِ. أَنَا لَا أَقُولُ تَوَقَّف عَن المُحَاوَلَةِ تَمَامًا، بَل أَقُولُ كُن وَاعِيًا لِحُدُودِ مَا تُحَاوِلُ فِعلَهُ.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبرَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ:
— رُبَّمَا يَومُكَ المَفقُودُ لَن يَعُودَ أَبَدًا كَسَردٍ كَلَامِيٍّ وَاضِحٍ، بِدَايَةٌ وَوَسَطٌ وَنِهَايَةٌ مَنطِقِيَّةٌ.
لَكِنَّ هَذَا لَا يَعنِي أَنَّهُ غَيرُ مَوجُودٍ، أَو أَنَّهُ لَا يُمكِنُ أَن “يُعرَفَ” بِطَرِيقَةٍ أُخرَى، غَيرِ لُغَوِيَّةٍ.
— كَيفَ “يُعرَفُ” شَيءٌ بِطَرِيقَةٍ غَيرِ لُغَوِيَّةٍ؟
هَذَا يَبدُو غَرِيبًا، كَأَنَّكَ تَقُولُ لِي إِنَّنِي أَعرِفُ شَيئًا لَا أَعرِفُ أَنِّي أَعرِفُهُ.
فَكَّرَ فيتغنشتاين طَوِيلًا، وَيَدَاهُ تَتَحَرَّكَانِ بِإِيمَاءَاتٍ دَقِيقَةٍ مَحسُوبَةٍ وَهُوَ يَبحَثُ عَن المِثَالِ الأَنسَبِ:
— فَكِّر فِي كَيفِيَّةِ مَعرِفَتِكَ لِكَيفِيَّةِ رُكُوبِ الدَّرَّاجَةِ.
هَل تَستَطِيعُ أَن تَشرَحَ بِكَلِمَاتٍ دَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ كَيفَ تُوَازِنُ جَسَدَكَ أَثنَاءَ الرُّكُوبِ؟
مَتَى تُمِيلُ لِلأَيمَنِ وَمَتَى تُمِيلُ لِلأَيسَرِ؟
كَيفَ تَضبِطُ سُرعَتَكَ عَلَى المُنحَنِيَاتِ تَحدِيدًا؟
عَلَى الأَرجَحِ لَا، وَمَعَ ذَلِكَ أَنتَ تَعرِفُ كَيفَ تَفعَلُ ذَلِكَ، مَعرِفَةً حَقِيقِيَّةً تَمَامًا، لَكِنَّهَا مَعرِفَةٌ جَسَدِيَّةٌ عَمَلِيَّةٌ، لَا لُغَوِيَّةٌ بِطَبِيعَتِهَا.
وَكَذَلِكَ الطَّبَّاخُ الَّذِي يَعرِفُ مَتَى يَكُونُ الطَّعَامُ جَاهِزًا بِمُجَرَّدِ رَائِحَتِهِ، وَالمُوسِيقِيُّ الَّذِي يَعزِفُ بِأَصَابِعِهِ دُونَ أَن يُفَكِّرَ فِي كُلِّ نَغمَةٍ، وَالأُمُّ الَّتِي تَعرِفُ أَنَّ طِفلَهَا مَرِيضٌ قَبلَ أَن يَنطِقَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ.
كُلُّ هَؤُلَاءِ يَعرِفُونَ مَعرِفَةً حَقِيقِيَّةً عَمِيقَةً، لَكِن لَا أَحَدَ مِنهُم يَستَطِيعُ تَرجَمَةَ مَعرِفَتِهِ إِلَى كَلِمَاتٍ دَقِيقَةٍ كَامِلَةٍ.
________________________________________
تَوَقَّفَ سَامِرٌ لَحظَةً وَهُوَ يَستَوعِبُ هَذِهِ الفِكرَةَ الَّتِي كَانَت تَستَقِرُّ فِيهِ كَحَجَرٍ يَجِدُ مَكَانَهُ الصَّحِيحَ فِي بِنَاءٍ كَانَ نَاقِصًا:
— تَقصِدُ أَنَّ هُنَاكَ مَعرِفَةً بِيَومِي قَد تَكُونُ مَوجُودَةً فِي جَسَدِي، فِي عَادَاتِي، فِي رُدُودِ أَفعَالِي، حَتَّى لَو لَم أَستَطِع أَبَدًا وَضعَهَا فِي سَردٍ كَلَامِيٍّ وَاضِحٍ؟
أَومَأَ فيتغنشتاين بِرَأسِهِ بِإِعجَابٍ صَرِيحٍ:
— بِالضَّبطِ.
رُبَّمَا عَلَيكَ أَن تَتَوَقَّفَ عَن البَحثِ عَن “السَّردِ الكَلَامِيِّ الكَامِلِ” لِيَومِكَ، وَتَبدَأَ بِالانتِبَاهِ لِأَشكَالٍ أُخرَى مِن “المَعرِفَةِ” غَيرِ اللُّغَوِيَّةِ.
رُدُودُ أَفعَالِكَ الجَسَدِيَّةُ تُجَاهَ أَمَاكِنَ أَو أَشخَاصٍ أَو أَصوَاتٍ مُعَيَّنَةٍ، تِلكَ القَشعَرِيرَةُ الَّتِي تَأتِيكَ حِينَ تَسمَعُ مَوسِيقَى لَا تَذكُرُ أَنَّكَ سَمِعتَهَا مِن قَبلُ.
انجِذَابُكَ أَو نُفُورُكَ غَيرُ المُبَرَّرِ مَنطِقِيًّا تُجَاهَ أَشيَاءَ مُعَيَّنَةٍ، ذَلِكَ الإِحسَاسُ الغَامِضُ بِأَنَّكَ مَرَرتَ بِهَذَا الطَّرِيقِ مِن قَبلُ، رَغمَ أَنَّكَ تَعرِفُ مَنطِقِيًّا أَنَّكَ لَم تَفعَل.
حَتَّى أَحلَامُكَ، تِلكَ الصُّوَرُ الَّتِي تَظهَرُ لَيلًا مِن مَنَاطِقَ لَا تَصِلُ إِلَيهَا الكَلِمَاتُ نَهَارًا.
كُلُّ هَذِهِ أَشكَالٌ حَقِيقِيَّةٌ مِن المَعرِفَةِ، حَتَّى لَو رَفَضَ المَنطِقُ الأَكَادِيمِيُّ الاعتِرَافَ بِهَا.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكرَةٍ عَمِيقَةٍ تَستَقِرُّ فِيهِ بِهُدُوءٍ، كَأَنَّ أَجزَاءً مُتَفَرِّقَةً كَانَت تَطفُو فِي فَضَاءِ رِحلَتِهِ تَبدَأُ فَجأَةً فِي الاتِّصَالِ بِبَعضِهَا:
— هَذَا يُشبِهُ مَا قَالَهُ لِي الشَّامَانُ الأَمَازُونِيُّ عَن قِرَاءَةِ الإِشَارَاتِ بِصَبرٍ وَانتِبَاهٍ، وَمَا قَالَتهُ المَرأَةُ الإِغرِيقِيَّةُ عَن الفَجَوَاتِ الَّتِي تَحمِلُ مَعنًى رَغمَ نَقصَانِهَا.
أَومَأَ فيتغنشتاين بِرَأسِهِ بِتَقدِيرٍ حَقِيقِيٍّ:
— رُبَّمَا، بِطُرُقٍ مُختَلِفَةٍ تَمَامًا وَمِن ثَقَافَاتٍ لَا تَعرِفُ بَعضَهَا، يَصِلُ كُلُّ مَن تَتَحَدَّثُ مَعَهُم فِي رِحلَتِكَ إِلَى نَفسِ الحَقِيقَةِ الجَوهَرِيَّةِ.
ثُمَّ تَوَقَّفَ كَأَنَّهُ يَزِنُ مَا سَيَقُولُهُ بِعِنَايَةٍ فَائِقَةٍ:
— لَيسَت كُلُّ حَقِيقَةٍ يَجِبُ أَن تَتَّخِذَ شَكلَ سَردٍ كَلَامِيٍّ وَاضِحٍ وَمُنَظَّمٍ لِتَكُونَ حَقِيقِيَّةً وَذَاتَ مَعنًى.
الشَّمسُ حَقِيقِيَّةٌ سَوَاءٌ شَرَحتَهَا بِصِيغَةٍ رِيَاضِيَّةٍ أَو رَسَمتَهَا بِالأَلوَانِ أَو شَعَرتَ بِدِفئِهَا عَلَى وَجهِكَ فِي الصَّبَاحِ.
وَكَذَلِكَ يَومُكَ المَفقُودُ، حَقِيقِيٌّ، حَتَّى لَو لَم يَعُد أَبَدًا كَمَا تَتَمَنَّى أَن يَعُودَ.
________________________________________
سَأَلَ سَامِرٌ سُؤَالًا شَخصِيًّا، وَشَيءٌ مَا دَفَعَهُ إِلَى ذَلِكَ، رُبَّمَا لِأَنَّ هَذَا الرَّجُلَ بَدَا لَهُ أَكثَرَ صِدقًا مِمَّن يَبدُو عَلَيهِ الثِّقَةُ وَالاتِّزَانُ:
— أَعرِفُ أَنَّ حَيَاتَكَ كَانَت صَعبَةً، مَليئَةً بِصِرَاعَاتٍ دَاخِلِيَّةٍ عَمِيقَةٍ.
كَيفَ تَتَعَامَلُ أَنتَ مَع الأَشيَاءِ الَّتِي لَا تَستَطِيعُ التَّعبِيرَ عَنهَا بِوُضُوحٍ؟
صَمَتَ فيتغنشتاين طَوِيلًا، وَنَظرَةٌ مُعَقَّدَةٌ ظَهَرَت فِي عَينَيهِ، تِلكَ النَّظرَةُ الَّتِي يَعرِفُهَا كُلُّ مَن يُمضِي وَقتًا طَوِيلًا مَع صَمتِهِ الدَّاخِلِيِّ:
— هَذَا صِرَاعٌ حَقِيقِيٌّ بِالنِّسبَةِ لِي أَيضًا، لَا أُنكِرُهُ.
أَمضَيتُ حَيَاتِي أُحَاوِلُ أَن أُحَدِّدَ بِدِقَّةٍ حُدُودَ مَا يُمكِنُ قَولُهُ، لَكِنَّ هَذَا لَم يُخَفِّف كَثِيرًا مِن ثِقَلِ مَا لَا يُمكِنُ قَولُهُ، الَّذِي أَحمِلُهُ بِدَاخِلِي.
ثُمَّ أَضَافَ بِنَبرَةٍ فِيهَا شَيءٌ يُشبِهُ التَّصَالُحَ الصَّادِقَ:
— رُبَّمَا أَفضَلُ مَا تَوَصَّلتُ إِلَيهِ هُوَ نَوعٌ مِن السَّلَامِ مَع هَذَا الصَّمتِ الضَّرُورِيِّ، لَا مُحَاوَلَةٌ دَائِمَةٌ لِكَسرِهِ بِالقُوَّةِ.
السَّلَامُ لَيسَ غِيَابَ الصِّرَاعِ، بَل هُوَ الاعتِرَافُ بِأَنَّ بَعضَ الصِّرَاعَاتِ لَا تَنتَهِي، وَأَنَّ هَذَا لَيسَ هَزِيمَةً.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِتَعَاطُفٍ عَمِيقٍ مَع هَذَا الصِّرَاعِ الصَّادِقِ الَّذِي لَم يَختَبِئ وَراءَ الفَلسَفَةِ، بَل أَطَلَّ بِوُضُوحٍ مِن وَرَائِهَا:
— شُكرًا لَكَ عَلَى صِدقِكَ، حَتَّى حَولَ صُعُوبَةِ تَطبِيقِ فَلسَفَتِكَ عَلَى حَيَاتِكَ الشَّخصِيَّةِ.
ابتَسَمَ فيتغنشتاين ابتِسَامَةً نَادِرَةً خَفِيفَةً جِدًّا، كَأَنَّ وَجهَهُ لَم يَتَعَوَّد عَلَى هَذَا الشَّكلِ مِن التَّعبِيرِ، وَقَالَ بِنَبرَةٍ أَهدَأَ مِمَّا كَانَت عَلَيهِ طِوَالَ حَدِيثِهِم:
— اذهَب الآنَ، يَا سَامِرُ.
وَاحمِل مَعَكَ هَذَا الصَّمتَ كَهَدِيَّةٍ، لَا كَعِبءٍ.
لَيسَ كُلُّ مَا لَا تَستَطِيعُ قَولَهُ عَن يَومِكَ المَفقُودِ يَعنِي أَنَّهُ ضَائِعٌ تَمَامًا.
بَعضُهُ فَقَط يَنتَظِرُ أَن يُعرَفَ بِطَرِيقَةٍ مُختَلِفَةٍ عَن الكَلِمَاتِ.
________________________________________
بَدَأَت الغُرفَةُ البَسِيطَةُ وَالنَّافِذَةُ الهَادِئَةُ تَتَلَاشَى بِبُطءٍ، كَأَنَّ المَكَانَ نَفسَهُ كَانَ يَعرِفُ أَنَّ مَا جَاءَ سَامِرٌ لِأَجلِهِ قَد انتَهَى، وَلَم يَعُد ثَمَّةَ مَا يَستَدعِي بَقَاءَ هَذَا الضَّوءِ الرَّمَادِيِّ الخَجُولِ وَهَذَا الصَّمتِ المَقصُودِ.
حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المَعتَادِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحمِلُ نَقشًا لِدَائِرَةٍ فَارِغَةٍ تَمَامًا، بِلَا أَيِّ زَخرَفَةٍ أُخرَى.
دَائِرَةٌ كَامِلَةٌ فِي فَرَاغِهَا، كَامِلَةٌ فِي بَسَاطَتِهَا، كَأَنَّهَا هِيَ نَفسُهَا رَدٌّ عَلَى كُلِّ مَا دَارَ فِي القَاعَةِ الَّتِي غَادَرَهَا لِتَوِّهِ.
قَالَ العَجُوزُ بِنَبرَةٍ هَادِئَةٍ وَهُوَ يُشِيرُ إِلَى البَابِ:
— القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحمِلُ صَوتَ امرَأَةٍ مِن مَدرَسَةٍ فَلسَفِيَّةٍ مُختَلِفَةٍ تَمَامًا، تَنظُرُ إِلَى “اللَّاشَيءِ” لَيسَ كَغِيَابٍ مُخِيفٍ، بَل كَحَضُورٍ عَمِيقٍ لَهُ قِيمَتُهُ الخَاصَّةُ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى الدَّائِرَةِ الفَارِغَةِ عَلَى البَابِ مَرَّةً أُخرَى.
ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ وَفَتَحَ البَابَ.
________________________________________

متحف الأيام المفقودة 38