مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقودة
الفَصلُ الثَّامِنُ وَالأَربَعُون – المُؤَرِّخَةُ النِّسوِيَّةُ — «التَّارِيخُ الَّذِي كُتِبَ بِدُونِنَا»
________________________________________
لَم تَكُن هَذِهِ القَاعَةُ تُشبِهُ مَا سَبَقَهَا فِي شَيءٍ.
لَم يَكُن فِيهَا صَمتٌ مُطبَقٌ كَغُرفَةِ فيتغنشتاين، وَلَا فَرَاغٌ مَقصُودٌ يَحمِلُ مَعنَاهُ بِصَمتِهِ.
كَانَت هَذِهِ القَاعَةُ عَلَى العَكسِ تَمَامًا، مَليئَةً بِالحَيَاةِ وَالحَرَكَةِ وَالأَورَاقِ المُتَرَاكِمَةِ فَوقَ بَعضِهَا كَأَنَّهَا تُزَاحِمُ بَعضَهَا عَلَى مِسَاحَةٍ لَا تَكفِيهَا.
مَكتَبَةٌ بَحثِيَّةٌ حَدِيثَةٌ مَعَ رَائِحَةِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ الَّتِي لَا يُخطِئُهَا أَنفٌ تَعَوَّدَ عَلَى المَكتَبَاتِ.
رُفُوفٌ تَمتَدُّ مِن الأَرضِ حَتَّى السَّقفِ، مَملُوءَةٌ بِكُتُبٍ تَارِيخِيَّةٍ تُغطِّي ظُهُورُهَا الأَلوَانَ الغَامِقَةَ كَأَنَّهَا جُدُرُ أُخرَى مِن أَورَاقٍ وَأَفكَارٍ وَأَصوَاتٍ بَشَرِيَّةٍ رُكِّزَت بَينَ دَفَّتَينِ.
وَعَلَى طَاوِلَةٍ وَاسِعَةٍ فِي وَسَطِ القَاعَةِ، كَانَت المَخطُوطَاتُ وَالنُّسَخُ المُصَوَّرَةُ مِن وَثَائِقَ قَدِيمَةٍ تَنتَشِرُ بِطَرِيقَةٍ تَبدُو فَوضَوِيَّةً لِلوَهلَةِ الأُولَى، لَكِنَّ مَن تَأَمَّلَ قَلِيلًا رَأَى فِيهَا نِظَامًا خَفِيًّا لَا يَفهَمُهُ إِلَّا مَن وَضَعَهُ.
وَفِي قَلبِ هَذَا كُلِّهِ، كَانَت تَجلِسُ امرَأَةٌ فِي السَّابِعَةِ وَالأَربَعِينَ مِن عُمُرِهَا، تَكتُبُ بِتَركِيزٍ شَدِيدٍ لَا يَعرِفُ المُجَامَلَةَ وَلَا يَتَوَقَّفُ لِلتَّظَاهُرِ بِالانتِبَاهِ.
لَم تَرفَع رَأسَهَا حِينَ سَمِعَت صَوتَ قَدَمَيِ سَامِرٍ، لَكِنَّهَا قَالَت بِنَبرَةٍ دَافِئَةٍ حَارَّةٍ رَغمَ انشِغَالِهَا:
— أَهلًا بِكَ. اعذُر انشِغَالِي، أُحَاوِلُ أَن أُنهِيَ فَصلًا عَن نِسَاءٍ قُدنَ مُقَاوَمَاتٍ اسـتِعمَارِيَّةً شَرِسَةً، لَم يُذكَرنَ أَبَدًا فِي الكُتُبِ الرَّسمِيَّةِ.
وَقَفَ سَامِرٌ لَحظَةً عِندَ العَتَبَةِ، يَنظُرُ إِلَى هَذِهِ الفَوضَى المُنتِجَةِ وَالمَليئَةِ بِالحَيَاةِ، ثُمَّ تَقَدَّمَ وَجَلَسَ عَلَى الكُرسِيِّ المُقَابِلِ وَقَالَ:
— أَنَا سَامِرٌ. هَذَا يَبدُو عَمَلًا مُهِمًّا جِدًّا.
رَفَعَت رَأسَهَا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ، وَعَلَى وَجهِهَا ابتِسَامَةٌ عَازِمَةٌ لَيسَ فِيهَا شَيءٌ مِن البَسَاطَةِ أَو الاسـتِعرَاضِ، بَل فِيهَا شَيءٌ يُشبِهُ الإِيمَانَ الرَّاسِخَ بِقِيمَةِ مَا تَفعَلُهُ:
— هُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسبَةِ لِي.
أَمضَيتُ عِشرِينَ عَامًا أُحَاوِلُ أَن “أُعِيدَ كِتَابَةَ” التَّارِيخِ، لَيسَ بِتَزيِيفِهِ أَو اختِلَاقِ مَا لَم يَحدُث، بَل بِإِضَافَةِ أَصوَاتٍ حُذِفَت عَمدًا أَو بِإِهمَالٍ مِن السَّردِ الرَّسمِيِّ المُهَيمِنِ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفُضُولٍ حَقِيقِيٍّ، وَتَذَكَّرَ المَرأَةَ الإِغرِيقِيَّةَ المَنسِيَّةَ وَدُو بُوفوَار وَكُلَّ مَن حَدَّثَهُ عَن الأَصوَاتِ الَّتِي لَا يَسمَعُهَا التَّارِيخُ الرَّسمِيُّ:
— قَابَلتُ امرَأَتَينِ فِي رِحلَتِي تَحَدَّثَتَا عَن نَفسِ المُشكِلَةِ بِالضَّبطِ، مِن زَوَايَا مُختَلِفَةٍ.
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِاهتِمَامٍ شَدِيدٍ، وَوَضَعَت قَلَمَهَا جَانِبًا لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مُنذُ دَخَلَ سَامِرٌ:
— هَذَا لَا يُفَاجِئُنِي.
مُشكِلَةُ مَحوِ ذَاكِرَةِ النِّسَاءِ مِن التَّارِيخِ لَيسَت مَحصُورَةً بِثَقَافَةٍ وَاحِدَةٍ أَو عَصرٍ وَاحِدٍ، بَل هِيَ ظَاهِرَةٌ عَالَمِيَّةٌ تَقرِيبًا، تَتَكَرَّرُ عَبرَ حَضَارَاتٍ مُختَلِفَةٍ جِدًّا وَمُتَبَاعِدَةٍ جُغرَافِيًّا وَزَمَنِيًّا.
عَمَلِي يُرَكِّزُ تَحدِيدًا عَلَى القَارَّةِ الأَفرِيقِيَّةِ، حَيثُ نِسَاءٌ قُدنَ ثَورَاتٍ كَامِلَةً، وَحَكَمنَ مَمَالِكَ وَدَوَّلًا بِأَكمَلِهَا، وَقُدنَ مُقَاوَمَاتٍ شَرِسَةً ضِدَّ قُوَّاتِ الاستِعمَارِ حَين كَانَت تِلكَ القُوَّاتُ فِي عُنفُوَانِ قُوَّتِهَا.
وَمَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ، اختَفَت أَسمَاؤُهُنَّ مِن الكُتُبِ التَّارِيخِيَّةِ المُعتَمَدَةِ، تِلكَ الكُتُبِ الَّتِي كَتَبَهَا غَالِبًا رِجَالٌ مُستَعمِرُونَ يَرَونَ فِي تِلكَ النِّسَاءِ عَقَبَةً يَجِبُ إِزَالَتُهَا لَا بُطُولَةً تَستَحِقُّ التَّوثِيقَ، أَو رِجَالٌ مَحَلِّيُّونَ مُتَأَثِّرُونَ بِالأَطُرِ الذُّكُورِيَّةِ المُهَيمِنَةِ الَّتِي لَا تَرَى فِي المَرأَةِ فَاعِلَةً فِي التَّارِيخِ بَل مَوضُوعًا هَامِشِيًّا عَلَى هَامِشِهِ.
________________________________________
— كَيفَ تُعِيدِينَ اكتِشَافَ هَذِهِ القِصَصِ المَفقُودَةِ؟
أَشَارَت إِلَى أَكوَامِ الأَورَاقِ أَمَامَهَا بِحَرَكَةٍ جَامِعَةٍ، كَأَنَّهَا تُقَدِّمُ لَهُ أَداةَ عَمَلِهَا الأَسَاسِيَّةَ:
— بِصَبرٍ شَدِيدٍ، وَبَحثٍ دَقِيقٍ فِي مَصَادِرَ غَيرِ تَقلِيدِيَّةٍ يَتَجَاهَلُهَا كَثِيرٌ مِن زُمَلَائِي.
رِوَايَاتٌ شَفَهِيَّةٌ مُتَوَارَثَةٌ فِي القُرَى، تِلكَ القِصَصُ الَّتِي تَنتَقِلُ مِن جَدَّةٍ إِلَى حَفِيدَةٍ عَلَى مَدَى أَجيَالٍ، وَالَّتِي يَرفُضُ المُؤَرِّخُونَ الأَكَادِيمِيُّونَ غَالِبًا الاعتِرَافَ بِهَا كَمَصدَرٍ مُعتَمَدٍ.
وَثَائِقُ مَحَلِّيَّةٌ مُهمَلَةٌ تَرقُدُ فِي أَقبِيَةِ مُؤَسَّسَاتٍ لَا تَعرِفُ أَحيَانًا مَا تَملِكُهُ، أَو تَعرِفُ لَكِنَّهَا لَا تَحسِبُهُ ذَا قِيمَةٍ.
حَتَّى تَفَاصِيلُ صَغِيرَةٌ مَذكُورَةٌ عَرَضِيًّا فِي وَثَائِقَ استِعمَارِيَّةٍ، حَيثُ كَانَت تِلكَ الوَثَائِقُ تَذكُرُ أَسمَاءَ نِسَاءٍ فَقَط لِوَصفِهِنَّ كَـ”تَهدِيدٍ يَجِبُ إِخضَاعُهُ” أَو “عُنصُرٍ مُقَاوِمٍ يَجِبُ تَحيِيدُهُ”، دُونَ أَن تَمنَحَهُنَّ السِّيَاقَ الكَامِلَ لِإِنجَازَاتِهِنَّ الحَقِيقِيَّةِ.
وَهَذَا بِحَدِّ ذَاتِهِ مُفَارَقَةٌ مُؤلِمَةٌ: أَن يَكُونَ عَدُوُّكَ أَحيَانًا هُوَ مَن حَفِظَ اسمَكَ مِن النِّسيَانِ، وَإِن كَانَ قَد حَفِظَهُ كَدَلِيلِ إِدَانَةٍ لَا كَشَهَادَةِ تَقدِيرٍ.
________________________________________
— هَذَا يُشبِهُ مَا قَالَهُ لِي مِيشِيلُ فُوكُو عَن مَن يَملِكُ سُلطَةَ كِتَابَةِ الذَّاكِرَةِ.
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِحَمَاسٍ حَقِيقِيٍّ، وَكَأَنَّ ذِكرَ ذَلِكَ الاسمِ أَشعَلَ فِيهَا شَيئًا:
— بِالضَّبطِ مَا أُحَاوِلُ مُوَاجَهَتَهُ فِي عَمَلِي.
السُّلطَةُ الاستِعمَارِيَّةُ وَالسُّلطَةُ الذُّكُورِيَّةُ مَعًا، تَشَارَكَتَا فِي تَحدِيدِ مَن يَستَحِقُّ أَن يُذكَرَ فِي التَّارِيخِ “الرَّسمِيِّ”، وَمَن يَجِبُ أَن يُمحَى أَو يُهَمَّشَ.
وَهَذَا لَيسَ مُجَرَّدَ إِهمَالٍ بَرِيءٍ أَو نِسيَانٍ عَفوِيٍّ.
هُوَ فِعلٌ سِيَاسِيٌّ مَقصُودٌ فِي أَغلَبِ الأَحيَانِ، لِأَنَّ إِثبَاتَ وُجُودِ قِيَادَةٍ نِسَائِيَّةٍ قَوِيَّةٍ كَانَ يَعنِي تَقوِيضَ السَّرَدَياتِ الَّتِي يَقُومُ عَلَيهَا النِّظَامُ المُهَيمِنُ، الاستِعمَارِيُّ وَالذُّكُورِيُّ مَعًا.
مَحوُ اسمِ امرَأَةٍ قَادَت ثَورَةً لَيسَ مُجَرَّدَ نِسيَانٍ، بَل هُوَ إِعلَانٌ ضِمنِيٌّ بِأَنَّ مِثلَ هَذَا لَم يَحدُث وَلَا يَنبَغِي أَن يَحدُثَ.
عَمَلِي مُحَاوَلَةٌ لِاستِعَادَةِ جُزءٍ مِن هَذَا التَّوَازُنِ، وَلَو مُتَأَخِّرًا جِدًّا بِالنِّسبَةِ لِكَثِيرٍ مِمَّن أَكتُبُ عَنهُنَّ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِرَبطٍ بَينَ هَذَا كُلِّهِ وَمُشكِلَتِهِ الخَاصَّةِ، وَإِن بَدَا الرَّبطُ لِوَهلَةٍ بَعِيدًا:
— كَيفَ يُسَاعِدُنِي هَذَا فِي فَهمِ يَومِي المَفقُودِ؟
فَكَّرَت طَوِيلًا قَبلَ أَن تُجِيبَ، وَعَيُنَاهَا تَنظُرَانِ إِلَى نُقطَةٍ بَينَ الأَورَاقِ كَأَنَّهَا تَبحَثُ فِيهَا عَن الإِجَابَةِ المُنَاسِبَةِ:
— رُبَّمَا بِطَرِيقَةٍ مَنهَجِيَّةٍ.
حِينَ أَبحَثُ عَن قِصَّةِ امرَأَةٍ مَحذُوفَةٍ مِن التَّارِيخِ، لَا أَبحَثُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَقَط.
أَبحَثُ فِي مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ، أَحيَانًا مُتَنَاقِضَةٍ فِيمَا بَينَهَا، أُقَارِنُ بَينَهَا بِصَبرٍ طَوِيلٍ، أَبحَثُ عَن أَنمَاطٍ مُتَكَرِّرَةٍ تَظهَرُ هُنَا وَهُنَاكَ حَتَّى فِي غِيَابِ وَثِيقَةٍ وَاحِدَةٍ حَاسِمَةٍ كَامِلَةٍ تُحَسِمُ الأَمرَ بِيُسرٍ.
فَالمُؤَرِّخُ الحَقِيقِيُّ لَا يَقِفُ أَمَامَ غِيَابِ الوَثِيقَةِ الكَامِلَةِ مَذهُولًا وَيُعلِنُ استِسلَامَهُ، بَل يُحَوِّلُ هَذَا الغِيَابَ نَفسَهُ إِلَى سُؤَالٍ: لِمَاذَا لَيسَت هَذِهِ الوَثِيقَةُ هُنَا؟ مَن الَّذِي أَزَالَهَا؟ وَمَاذَا يَعنِي غِيَابُهَا؟
________________________________________
— تَقصِدِينَ أَنَّنِي يَجِبُ أَن أَبحَثَ عَن يَومِي بِطَرِيقَةٍ مُشَابِهَةٍ، مِن مَصَادِرَ مُتَعَدِّدَةٍ لَا مِن مَصدَرٍ وَاحِدٍ؟
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِقُوَّةٍ وَاضِحَةٍ:
— بِالضَّبطِ.
لَا تَعتَمِد فَقَط عَلَى ذَاكِرَتِكَ الفَردِيَّةِ، الَّتِي أَثبَتَ لَكَ عُلَمَاءُ كَثِيرُونَ فِي رِحلَتِكَ أَنَّهَا مُتَغَيِّرَةٌ وَغَيرُ مَوثُوقَةٍ تَمَامًا بِطَبِيعَتِهَا.
ابحَث فِي مَصَادِرَ أُخرَى:
مَن كَانَ حَولَكَ فِي ذَلِكَ الوَقتِ؟ مَا الَّذِي يَتَذَكَّرُونَهُ هُم، حَتَّى لَو بَدَا مَا يَتَذَكَّرُونَهُ جُزئِيًّا أَو مُتَنَاقِضًا مَع مَا تَظُنُّهُ أَنتَ؟
هَل تُوجَدُ سِجَلَّاتٌ مُؤَسَّسِيَّةٌ، حَتَّى لَو غَيرُ مُبَاشِرَةٍ، عَن نَشَاطَاتِكَ فِي تِلكَ الفَترَةِ؟ رَسَائِلُ، فَوَاتِيرُ، مُكَالَمَاتٌ مُسَجَّلَةٌ، حَتَّى مُجَرَّدُ تَوَاجُدٍ مَوثَّقٍ فِي مَكَانٍ مَا.
هَل هُنَاكَ أَنمَاطٌ فِي حَيَاتِكَ بَعدَ ذَلِكَ اليَومِ تُشِيرُ، وَلَو بِشَكلٍ غَيرِ مُبَاشِرٍ، إِلَى مَا حَدَثَ؟ تَغيُّرٌ فِي عَادَاتِكَ، قَطِيعَةٌ مَع شَخصٍ كُنتُمَا قَرِيبَينِ، انجِذَابٌ غَيرُ مُبَرَّرٍ نَحوَ مَكَانٍ لَم تَزُرهُ مِن قَبلُ؟
كُلُّ هَذِهِ آثَارٌ، وَالآثَارُ تَحكِي قِصَصًا حَتَّى حِينَ تَرفُضُ الوَثِيقَةُ الرَّسمِيَّةُ فِعلَ ذَلِكَ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكرَةٍ مَنهَجِيَّةٍ جَدِيدَةٍ تَتَشَكَّلُ:
— هَذَا يُشبِهُ نَصِيحَةَ عَالِمِ الآثَارِ عَن الحَفرِ الصَّبُورِ طَبَقَةً بَعدَ طَبَقَةٍ.
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِإِعجَابٍ صَرِيحٍ:
— مُثِيرٌ أَنَّ مَنهَجِيَّاتِنَا، رَغمَ اختِلَافِ مَجَالَينَا، تَتَقَاطَعُ بِشِدَّةٍ.
التَّارِيخُ، كَعِلمِ الآثَارِ، يَتَطَلَّبُ صَبرًا، وَتَحَقُّقًا مُتَعَدِّدَ المَصَادِرِ، وَاستِعدَادًا لِقَبُولِ أَنَّ بَعضَ الفَجَوَاتِ قَد تَبقَى دُونَ إِجَابَةٍ كَامِلَةٍ قَاطِعَةٍ، حَتَّى بَعدَ كُلِّ هَذَا الجُهدِ وَكُلِّ هَذِهِ السَّنَوَاتِ.
وَهَذَا القَبُولُ لَيسَ هَزِيمَةً، بَل هُوَ جُزءٌ لَا يَنفَصِلُ عَن النَّضجِ المَنهَجِيِّ الحَقِيقِيِّ.
المُؤَرِّخُ الَّذِي يَدَّعِي أَنَّ بِحَوزَتِهِ تَفسِيرًا كَامِلًا لَا ثَغرَةَ فِيهِ مَشكُوكٌ فِي أَمَانَتِهِ العِلمِيَّةِ، لِأَنَّ الحَقِيقَةَ التَّارِيخِيَّةَ أَكثَرُ تَعقِيدًا مِن أَن تَتَسَعَ لَهَا يَقِينِيَّاتٌ كَامِلَةٌ.
________________________________________
— هَل تَشعُرِينَ بِالإِحبَاطِ حِينَ لَا تَستَطِيعِينَ إِكمَالَ قِصَّةِ امرَأَةٍ مُعَيَّنَةٍ بِالكَامِلِ، رَغمَ كُلِّ بَحثِكِ؟
نَظَرَت بَعِيدًا لَحظَةً، وَحُزنٌ مِهنِيٌّ صَادِقٌ ظَهَرَ فِي عَينَيهَا، ذَلِكَ الحُزنُ الَّذِي لَا يَشُلُّ الشَّخصَ بَل يُضِيفُ لَهُ ثِقلًا ضَرُورِيًّا يَجعَلُهُ جَادًّا:
— نَعَم، كَثِيرًا.
هُنَاكَ نِسَاءٌ أَعرِفُ أَسمَاءَهُنَّ فَقَط، أَو فِعلًا وَاحِدًا قُمنَ بِهِ، دُونَ أَن أَستَطِيعَ مَعرِفَةَ المَزِيدِ عَن حَيَاتِهِنَّ الكَامِلَةِ، عَن مَشَاعِرِهِنَّ، عَن دَوَافِعِهِنَّ العَمِيقَةِ، عَمَّا كَانَ يَدُورُ فِي رُؤُوسِهِنَّ حِينَ اتَّخَذنَ قَرَارَاتٍ غَيَّرَت مَجرَى أَحدَاثٍ كَبِيرَةٍ.
هُنَاكَ امرَأَةٌ بِعَينِهَا أُمضِي مَعَهَا شَهرَينِ مِن البَحثِ، وَكُلَّ مَا استَطَعتُ التَّثَبُّتَ مِنهُ أَنَّهَا وَقَفَت أَمَامَ جَيشٍ وَرَفَضَت الاستِسلَامَ.
جُملَةٌ وَاحِدَةٌ فِي تَقرِيرٍ استِعمَارِيٍّ.
مَن كَانَت هَذِهِ المَرأَةُ؟ مَاذَا كَانَت تَخَافُ؟ مِمَّن كَانَت تُحِبُّ؟ مَاذَا كَانَ اسمُ طِفلِهَا إِن كَانَ لَهَا طِفلٌ؟
لَا أَعرِفُ، وَرُبَّمَا لَن أَعرِفَ أَبَدًا.
وَهَذَا يُؤلِمُنِي.
ثُمَّ أَضَافَت بِنَبرَةٍ فِيهَا شَيءٌ يُشبِهُ السَّلَامَ المَكتَسَبَ بِصُعُوبَةٍ لَا المَوهُوبَ بِسُهُولَةٍ:
— لَكِنَّنِي تَعَلَّمتُ أَنَّ حَتَّى استِعَادَةَ جُزءٍ صَغِيرٍ، اسمٌ وَاحِدٌ مَحفُوظٌ مِن النِّسيَانِ الكَامِلِ، لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ، حَتَّى لَو لَم تَكتَمِل القِصَّةُ بِالكَامِلِ أَبَدًا.
لِأَنَّ ذَلِكَ الاسمَ يَقُولُ لِلعَالَمِ: كَانَت هُنَا، وَكَانَت مُهِمَّةً، وَلَم يَستَطِع أَحَدٌ أَن يَمحُوَهَا تَمَامًا حَتَّى بَعدَ قُرُونٍ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِفِكرَةٍ عَمِيقَةٍ تَستَقِرُّ فِيهِ بِهُدُوءٍ تَامٍّ:
— رُبَّمَا هَذَا مَا يَجِبُ أَن أَتَعَلَّمَهُ أَيضًا: أَنَّ استِعَادَةَ جُزءٍ مِن يَومِي، حَتَّى لَو لَم يَكُن كَامِلًا، لَهُ قِيمَةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِحَدِّ ذَاتِهِ.
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً حَكِيمَةً، فِيهَا دِفءٌ مُكتَسَبٌ مِن سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِن العَمَلِ مَع الفَجَوَاتِ وَالأَسئِلَةِ المُعَلَّقَةِ:
— بِالضَّبطِ، يَا سَامِرُ.
الكَمَالُ المُطلَقُ نَادِرًا مَا يَكُونُ الهَدَفَ الوَاقِعِيَّ فِي أَيِّ بَحثٍ حَقِيقِيٍّ عَمِيقٍ، سَوَاءٌ كَانَ بَحثًا تَارِيخِيًّا أَو بَحثًا شَخصِيًّا عَن ذَاكِرَةٍ مَفقُودَةٍ.
المُؤَرِّخُ الَّذِي يَنتَظِرُ الوَثِيقَةَ الكَامِلَةَ قَبلَ أَن يَكتُبَ كَلِمَةً وَاحِدَةً لَن يَكتُبَ شَيئًا أَبَدًا.
وَالإِنسَانُ الَّذِي يَنتَظِرُ استِعَادَةَ ذَاكِرَتِهِ كَامِلَةً قَبلَ أَن يَمضِيَ قُدُمًا فِي حَيَاتِهِ قَد يَنتَظِرُ وَقتًا طَوِيلًا جِدًّا.
الهَدَفُ الأَكثَرُ وَاقِعِيَّةً هُوَ استِعَادَةُ أَكبَرِ قَدرٍ مُمكِنٍ مِن المَعنَى وَالفَهمِ، حَتَّى لَو ظَلَّت بَعضُ الفَجَوَاتِ قَائِمَةً إِلَى الأَبَدِ.
________________________________________
— مَاذَا تَأمُلِينَ أَن يَحدُثَ نَتِيجَةً لِعَمَلِكِ، عَلَى المَدَى الطَّوِيلِ؟
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً عَازِمَةً، فِيهَا يَقِينٌ هَادِئٌ لَا ادِّعَاءٌ:
— آمُلُ أَن تَتَعَلَّمَ الأَجيَالُ القَادِمَةُ، نِسَاءٌ وَرِجَالٌ مَعًا، أَنَّ التَّارِيخَ لَيسَ حَقِيقَةً ثَابِتَةً مَوضُوعِيَّةً كَامِلَةً.
بَل هُوَ سَردٌ مُستَمِرُّ التَّشَكُّلِ، يَحتَاجُ دَائِمًا لِمُرَاجَعَةٍ وَإِضَافَةِ أَصوَاتٍ جَدِيدَةٍ، خَاصَّةً تِلكَ الَّتِي أُسكِتَت عَمدًا أَو بِإِهمَالٍ عَبرَ القُرُونِ.
وَآمُلُ أَن يَفهَمَ النَّاسُ أَنَّ كُلَّ مَرَّةٍ يَقُولُ فِيهَا أَحَدٌ “هَذَا لَم يَحدُث” عَن شَيءٍ لَم يُوَثَّق، فَهُوَ يُعِيدُ إِنتَاجَ نَفسِ المَنطِقِ الَّذِي مَحَا قِصَصَ تِلكَ النِّسَاءِ مِن الأَصلِ.
غِيَابُ الوَثِيقَةِ لَيسَ دَلِيلًا عَلَى غِيَابِ الحَدَثِ، بَل قَد يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ أَحَدَهُم أَرَادَ مَحوَهُ.
________________________________________
شَعَرَ سَامِرٌ بِإِلهَامٍ عَمِيقٍ مِن هَذَا الالتِزَامِ طَوِيلِ الأَمَدِ بِاستِعَادَةِ مَا أُرِيدَ لَهُ أَن يَضِيعَ:
— شُكرًا لَكِ، عَلَى عَمَلِكِ المُهِمِّ، وَعَلَى مُشَارَكَتِكِ مَنهَجَكِ مَعِي.
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً أَخِيرَةً وَعَادَت إِلَى كِتَابَتِهَا بِتَركِيزٍ مُتَجَدِّدٍ، وَكَأَنَّ الحَدِيثَ أَضَافَ لَهَا طَاقَةً لَا أَخَذَ مِنهَا:
— اذهَب الآنَ، يَا سَامِرُ. وَاحمِل مَعَكَ هَذَا: ابحَث فِي كُلِّ مَكَانٍ مُمكِنٍ، بِصَبرٍ، وَتَقَبَّل أَنَّ بَعضَ الفَجَوَاتِ قَد تَبقَى.
لَكِن هَذَا لَا يُلغِي قِيمَةَ مَا تَستَطِيعُ استِعَادَتَهُ.
________________________________________
بَدَأَت المَكتَبَةُ البَحثِيَّةُ وَالأَورَاقُ المُتَنَاثِرَةُ وَرَوَائِحُ الكُتُبِ القَدِيمَةِ تَتَلَاشَى بِبُطءٍ، حَتَّى عَادَ سَامِرٌ إِلَى الرَّوَاقِ المَعتَادِ.
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحمِلُ نَقشًا لِتِلسكُوبٍ بَسِيطٍ يُشِيرُ نَحوَ السَّمَاءِ.
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى النَّقشِ لَحظَةً، وَهُوَ يَتَسَاءَلُ فِي دَاخِلِهِ عَن نَجمَةٍ تُضِيءُ بِنُورِهَا وَقَد تَكُونُ انطَفَأَت مُنذُ زَمَنٍ بَعِيدٍ.
قَالَ العَجُوزُ بِنَبرَةٍ هَادِئَةٍ:
— القَاعَةُ التَّالِيَةُ، يَا سَامِرُ، تَحمِلُ صَوتَ رَجُلٍ يَدرُسُ النُّجُومَ البَعِيدَةَ جِدًّا، وَيَرَى فِيهَا شَيئًا مُذهِلًا عَن طَبِيعَةِ الزَّمَنِ وَالمَوتِ وَالذَّاكِرَةِ مَعًا.
مَدَّ سَامِرٌ يَدَهُ وَفَتَحَ البَابَ.
________________________________________
