مُتحَفُ الأَيَّامِ المَفقُودَة
الفَصلُ الثَّانِي وَالخَمسُون – طَبِيبُ الطِّبِّ النَّفسِيّ – بَيرُوت، ٢٠٠٦م
________________________________________
لَم يَكُن الرَّوَاقُ طَوِيلًا هَذِهِ المَرَّة.
مَشَى سَامِرٌ خُطُوَاتٍ قَلِيلَة، وَكَأَنَّ المَسَافَةَ بَينَ هَذِهِ القَاعَةِ وَمَا قَبلَهَا كَانَت أَضيَقَ مِنَ المُعتَاد، كَأَنَّ مَن صَمَّمَ هَذَا المُتحَفَ الغَرِيبَ أَرَادَ أَن يَقُولَ: مَا تُوشِكُ أَن تَسمَعَهُ قَرِيبٌ جِدًّا مِمَّا سَمِعتَه.
أَو رُبَّمَا هُوَ الوَجهُ الآخَرُ مِنهُ.
فَتَحَ البَابَ.
________________________________________
كَانَتِ العِيَادَةُ بَسِيطَةً بِشَكلٍ يَكَادُ يَكُونُ مَقصُودًا.
لَا زَخرَفَةَ تُشتِّتُ النَّظَر، وَلَا لَوحَاتٌ مُعَلَّقَةٌ تَدَّعِي الحِكمَة، وَلَا كُتُبٌ مُرَصَّفَةٌ لِتُوحِيَ بِالعِلم.
أَرِيكَةٌ مُريحَةٌ ذَاتُ لَونٍ بَينَ الرَّمَادِيِّ وَالبُنِّيّ، وَكُرسِيَّانِ مُتَقَابِلَان، وَنَافِذَةٌ مُشرَعَةٌ عَلَى صَوتٍ خَافِتٍ لَا يُمكِنُ تَحدِيدُ مَصدَرِه، صَوتُ مَدِينَةٍ تَتَنَفَّسُ بِصُعُوبَة.
وَرَجُلٌ فِي الثَّالِثَةِ وَالخَمسِين يَجلِسُ فِي أَحَدِ الكُرسِيَّينِ بِهُدُوءٍ مِهنِيٍّ فِيهِ كَثَافَة.
لَيسَ هُدُوءَ مَن لَا يَشعُر، بَل هُدُوءَ مَن شَعَرَ كَثِيرًا حَتَّى تَعَلَّمَ كَيفَ يُمسِكُ بِنَفسِه.
عَيَنَاهُ تَحمِلَانِ شَيئًا يَصعُبُ وَصفُه، عُمقًا مَأهُولًا، كَأَنَّ فِيهِمَا أَصدَاءَ كُلِّ مَا سَمِعَهُ عَبرَ سَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ مِن مَن جَلَسُوا حَيثُ سَيَجلِسُ سَامِرٌ الآن.
قَالَ بِصَوتٍ هَادِئٍ لَا يَستَعجِل:
ـ أَهلًا بِك.
اجلِس، إِن شِئت، فِي المَكَانِ الَّذِي تَشعُرُ فِيهِ بِأَقصَى رَاحَةٍ مُمكِنَة.
لَاحَظَ سَامِرٌ تَفصِيلَةً صَغِيرَة: الرَّجُلُ لَم يَقُل “اجلِس هُنَا” وَلَم يُشِر إِلَى مَكَانٍ بِعَينِه.
أَعطَاهُ الخِيَار.
جَلَسَ عَلَى الأَرِيكَةِ بِحَذَر، وَكَأَنَّهُ لَم يَكُن مُتَأَكِّدًا بَعدُ مِن مِقدَارِ ثِقَتِهِ بِهَذَا المَكَان:
ـ أَنَا سَامِر.
مَا تَخَصُّصُكَ بِالضَّبط؟
ـ طَبِيبٌ نَفسِيّ، مُتَخَصِّصٌ فِي عِلَاجِ اضطِرَابِ مَا بَعدَ الصَّدمَة.
خَاصَّةً لَدَى ضَحَايَا الحُرُوبِ وَالنِّزَاعَاتِ المُسَلَّحَة.
أُمَارِسُ عَمَلِي هُنَا فِي بَيرُوت، مَدِينَةٍ عَرَفَت الكَثِيرَ مِن هَذَا الأَلَمِ عَبرَ تَارِيخِهَا الحَدِيث.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذَا التَّخَصُّص، ثِقَلٍ لَيسَ فِي الكَلِمَاتِ بَل فِي الطَّرِيقَةِ الَّتِي نُطِقَت بِهَا، كَأَنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ تَحمِلُ وَرَاءَهَا سِيرَةَ شَخصٍ بِعَينِه، أَو أَكثَر:
ـ هَذَا يَبدُو عَمَلًا صَعبًا جِدًّا عَاطِفِيًّا وَمِهنِيًّا.
أَومَأَ بِرَأسِهِ بِصِدقٍ لَا أَدَاءَ فِيه:
ـ هُوَ كَذَلِك، نَعَم، بِطُرُقٍ عَمِيقَةٍ جِدًّا.
أَتَعَامَلُ يَومِيًّا مَعَ أُنَاسٍ عَاشُوا أَهوَالًا يَصعُبُ عَلَى مَن لَم يَعِشهَا أَن يَتَخَيَّلَهَا بِالكَامِل.
ثُمَّ نَظَرَ إِلَيهِ بِجِدِّيَّةٍ وَاضِحَة:
ـ لَكِن دَعِني أُخبِرُكَ بِشَيءٍ مُهِمٍّ تَعَلَّمتُهُ عَبرَ سَنَوَاتِ مُمَارَسَتِي، قَد يَتَعَلَّقُ بِمُشكِلَتِكَ أَنتَ تَحدِيدًا.
ـ تَفَضَّل.
ـ فِي حَالَاتِ الصَّدمَةِ الشَّدِيدَة، خَاصَّةً الصَّدَمَاتِ المُرتَبِطَةِ بِخَطَرٍ مُبَاشِرٍ عَلَى الحَيَاة، يَحدُثُ أَحيَانًا شَيءٌ غَرِيبٌ يُربِكُ الحَدسَ الأَوَّلِيَّ لِكَثِيرِ مِنَ النَّاس.
تَتَوَقَّعُ أَن تُنسَى اللَّحظَةُ الصَّادِمَة، أَليس كَذَلِك؟
أَن يَتَخَلَّصَ مِنهَا الدِّمَاغُ كَمَا يَتَخَلَّصُ الجِسمُ مِن سُمٍّ أَكَلَه.
لَكِنَّ العَكسَ هُوَ مَا يَحدُثُ أَحيَانًا.
بَدَلًا مِن أَن تُنسَى اللَّحظَةُ الصَّادِمَةُ تَمَامًا، تُحفَرُ بِعُمقٍ شَدِيدٍ جِدًّا فِي الذَّاكِرَة، لِدَرَجَةٍ أَنَّ الضَّحِيَّةَ تُعِيدُ عَيشَهَا مِرَارًا وَتَكرَارًا، كَأَنَّهَا تَحدُثُ الآنَ فِي الحَاضِر، لَا فِي المَاضِي البَعِيد.
تَوَقَّفَ وَنَظَرَ إِلَى سَامِر:
ـ تَخَيَّل أَنَّكَ تَسكُنُ فِي بَيتٍ وَفِيهِ لَوحٌ إِعلَانِيٌّ فِي مُنتَصَفِ الصَّالَة، كُلُّ مَا تَفعَلُهُ مِن بُكرَةٍ إِلَى اللَّيل، يَعرِضُ عَلَيكَ صُورَةً وَاحِدَة، لَا تَتَبَدَّلُ وَلَا تَرحَل.
هَذَا مَا يَعِيشُهُ بَعضُ مَرضَايَ كُلَّ يَوم.
شَعَرَ سَامِرٌ بِثِقَلِ هَذِهِ الصُّورَة، ثُمَّ قَال:
ـ هَذَا مُختَلِفٌ تَمَامًا عَن مُشكِلَتِي.
أَنَا فَقَدتُ ذَاكِرَةَ يَومٍ كَامِل، لَا أَنَّنِي أُعِيدُ عَيشَهُ باستِمرَار.
أَومَأَ بِرَأسِهِ بِتَفَهُّمٍ مِهنِيّ:
ـ هَذَا صَحِيح، حَالَتُكَ مُختَلِفَةٌ ظَاهِرِيًّا عَن أَغلَبِ مَرضَايَ.
لَكِن هُنَاكَ أَحيَانًا ظَاهِرَةٌ مُعَقَّدَةٌ أُخرَى، حَيثُ يَحجُبُ الدِّمَاغُ ذِكرَى صَادِمَةً مُعَيَّنَةً تَمَامًا كَآلِيَّةِ دِفَاع، بَينَمَا تَظهَرُ آثَارُ تِلكَ الصَّدمَةِ بِطُرُقٍ أُخرَى غَيرِ مُبَاشِرَة.
قَلَقٌ غَامِضٌ يَعتَرِيكَ دُونَ سَبَبٍ وَاضِح.
تَوَتُّرٌ جَسَدِيٌّ تَجِدُهُ فِي كَتِفَيكَ أَو فِي فَكِّكَ حِينَ تَستَيقِظُ صَبَاحًا، وَلَا تَعرِفُ لَهُ تَفسِيرًا.
أَحلَامٌ مُتَكَرِّرَةٌ تَتَرُكُكَ مُثقَلًا دُونَ أَن تَفهَمَ لِمَاذَا.
تَوَقَّفَ، كَأَنَّهُ يَتَرَكُ الكَلِمَاتِ تَجِدُ طَرِيقَهَا.
شَعَرَ سَامِرٌ بِشَيءٍ يَلمَسُ شَيئًا فِيه، لَمسًا نَاعِمًا لَكِنَّهُ دَقِيق:
ـ أَشعُرُ بِكُلِّ هَذِهِ الأَشيَاءِ بِالفِعل، بِطَرِيقَةٍ أَو بِأُخرَى.
نَظَرَ إِلَيهِ الطَّبِيبُ بِجِدِّيَّةٍ مِهنِيَّةٍ مَشُوبَةٍ بِتَعَاطُفٍ حَقِيقِيّ، لَيسَ التَّعَاطُفَ الَّذِي يُقَالُ لِأَنَّهُ يُفتَرَضُ أَن يُقَال، بَل التَّعَاطُفَ الَّذِي يَجِيءُ مِن مَكَانٍ عَمِيق:
ـ هَذَا يَستَحِقُّ استِكشَافًا مُتَخَصِّصًا حَقِيقِيًّا، يَا سَامِر.
لَا مُجَرَّدَ مُحَادَثَةٍ عَابِرَةٍ كَهَذِه.
لَكِنَّنِي سَأُشَارِكُكَ مَبدَأً مُهِمًّا مِن عَمَلِي تَعَلَّمتُهُ بِالمُمَارَسَةِ لَا مِنَ الكُتُب: حَتَّى حِينَ تَكُونُ الذَّاكِرَةُ المُبَاشِرَةُ مَحجُوبَةً تَمَامًا، الجَسَدُ وَالعَقلُ اللَّاوَاعِيُّ غَالِبًا مَا “يَتَذَكَّرَان” بِطُرُقٍ أُخرَى.
أَحيَانًا عَبرَ أَعرَاضٍ جَسَدِيَّة.
أَحيَانًا عَبرَ أَنمَاطٍ سُلُوكِيَّةٍ مُتَكَرِّرَةٍ لَا نَفهَمُ مَصدَرَهَا بِوَعيِنَا المُبَاشِر.
وَأَحيَانًا عَبرَ طَرِيقَةِ اختِيَارِنَا لِلنَّاسِ الَّذِينَ نَقتَرِبُ مِنهُم، أَو الَّذِينَ نَبتَعِدُ عَنهُم دُونَ أَن نَعرِفَ لِمَاذَا.
تَخَيَّل أَنَّ ذِكرَاكَ المَحجُوبَةَ كَمَوجَةٍ تَحتَ السَّطح.
أَنتَ لَا تَرَى الإِعصَارَ الَّذِي صَنَعَهَا، لَكِنَّكَ تُحِسُّ بِمَا تُحَرِّكُهُ فِيكَ، فِي كُلِّ قَرَارٍ تَتَّخِذُه، وَفِي كُلِّ خَوفٍ يَعتَرِيكَ دُونَ مُقَدِّمَات.
ـ كَيفَ يُمكِنُنِي أَن “أُصغِيَ” لِهَذِهِ الذَّاكِرَةِ غَيرِ المُبَاشِرَة؟
فَكَّرَ الطَّبِيبُ طَوِيلًا قَبلَ أَن يُجِيبَ، بِعِنَايَةٍ مِهنِيَّةٍ لَا تَستَعجِلُ وَلَا تَتَهَرَّب:
ـ بِصَبرٍ شَدِيد، وَمُرَافَقَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ إِن استَطَعتَ الوُصُولَ إِلَيهَا.
تِقنِيَّاتٌ عِلَاجِيَّةٌ مُعَيَّنَةٌ تُسَاعِدُ عَلَى الوُصُولِ التَّدرِيجِيِّ الآمِنِ لِهَذِهِ الذَّاكِرَةِ المَحجُوبَة، دُونَ التَّسَبُّبِ بِضَرَرٍ إِضَافِيّ.
وَفِكرَةُ “الوُصُولِ التَّدرِيجِيّ” مُهِمَّةٌ جِدًّا هُنَا.
تَخَيَّل أَنَّكَ تُرِيدُ دُخُولَ غُرفَةٍ مُظلِمَةٍ لَم تَدخُلهَا مِن قَبل.
إِن اقتَحَمتَهَا بِشَكلٍ مُفَاجِئ لَا تَرَى شَيئًا، بَل قَد تَتَعَثَّرُ بِمَا فِيهَا وَتَقَعُ.
لَكِن إِن أَدخَلتَ ضَوءًا قَلِيلًا أَوَّلًا، ثُمَّ أَكثَرَ قَلِيلًا، ثُمَّ أَكثَر، تَستَطِيعُ أَن تَرَى مَا فِيهَا وَتَتَعَامَلَ مَعَهُ.
هَذَا تَقرِيبًا مَا تَفعَلُهُ العِلَاجَاتُ المُتَخَصِّصَة.
ـ هَل هُنَاكَ خَطَرٌ حَقِيقِيٌّ فِي عَدَمِ مُعَالَجَةِ هَذَا، إِن تَرَكتُهُ دُونَ استِكشَافٍ مُتَخَصِّص؟
نَظَرَ إِلَيهِ بِصِدقٍ مِهنِيٍّ لَا يَتَلَطَّفُ عَلَى حِسَابِ الحَقِيقَة:
ـ أَحيَانًا، نَعَم.
الذِّكرَيَاتُ المَحجُوبَة، خَاصَّةً المُرتَبِطَةُ بِصَدَمَاتٍ حَقِيقِيَّة، قَد تَستَمِرُّ فِي التَّأثِيرِ عَلَى حَيَاةِ الشَّخصِ بِطُرُقٍ خَفِيَّة، حَتَّى لَو لَم يَكُن وَاعِيًا بِذَلِكَ بِشَكلٍ مُبَاشِر.
عَلَاقَاتٌ تَتَعَقَّدُ دُونَ أَن تَفهَمَ لِمَاذَا.
قَرَارَاتٌ تَبدُو لِلآخَرِينَ غَرِيبَة، وَأَنتَ أَيضًا لَا تَملِكُ تَفسِيرًا وَافِيًا لَهَا.
حَتَّى أَعرَاضٌ جَسَدِيَّةٌ مُزمِنَةٌ لَا تَفسِيرَ طِبِّيَّ وَاضِحَ لَهَا أَحيَانًا، كَآلَامِ الظَّهرِ المُزمِنَةِ الَّتِي لَا يَجِدُ لَهَا الأَطِبَّاءُ سَبَبًا عُضوِيًّا، أَو الصُّدَاعِ الدَّوَّارِ الَّذِي يَأتِي وَيَذهَبُ كَضَيفٍ لَم يُدعَ.
الجَسَدُ يَحمِلُ مَا يَرفُضُ الذِّهنُ أَن يَحمِلَه.
شَعَرَ سَامِرٌ بِقَلَقٍ مُتَجَدِّد، لَكِنَّهُ كَانَ قَلَقًا مِن نَوعٍ مُختَلِف، لَيسَ قَلَقَ الجَهل، بَل قَلَقَ مَن بَدَأَ يَفهَمُ شَيئًا كَانَ ضَبَابِيًّا:
ـ هَذَا يَجعَلُنِي أُفَكِّرُ بِجِدِّيَّةٍ أَكبَرَ فِي طَلَبِ مُسَاعَدَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ فِعلِيَّة، حِينَ أَعُودُ إِلَى حَيَاتِي العَادِيَّة.
أَومَأَ الطَّبِيبُ بِرَأسِهِ بِقُوَّةٍ تَشجِيعِيَّةٍ فِيهَا دِفءٌ غَيرُ مُتَصَنَّع:
ـ أُشَجِّعُكَ بِشِدَّةٍ عَلَى هَذَا، يَا سَامِر.
مَا تَفعَلُهُ الآن، فِي هَذِهِ الرِّحلَةِ الغَرِيبَةِ عَبرَ هَذَا المُتحَف، رَمزِيٌّ وَعَمِيقٌ بِطَرِيقَتِهِ الخَاصَّة.
لَكِنَّهُ لَا يُغنِي عَن مُسَاعَدَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ حَقِيقِيَّةٍ حِينَ تَعُودُ إِلَى حَيَاتِكَ الفِعلِيَّة.
الفَهمُ الرَّمزِيُّ جَمِيل، وَلَهُ قِيمَتُه.
لَكِنَّهُ يُشبِهُ أَن تَقرَأَ كِتَابًا عَن السِّبَاحَةِ دُونَ أَن تَدخُلَ المَاء.
صَمَتَ سَامِرٌ لَحظَة، ثُمَّ سَأَلَ سُؤَالًا لَم يَكُن قَد فَكَّرَ بِأَنَّهُ سَيَسأَلُه:
ـ كَيفَ تُحَافِظُ عَلَى أَمَلِكَ وَقُوَّتِك، وَأَنتَ تَتَعَامَلُ يَومِيًّا مَعَ أَصعَبِ أَنوَاعِ الأَلَمِ البَشَرِيّ؟
نَظَرَ الطَّبِيبُ بَعِيدًا لَحظَةً.
وَرَأَى سَامِرٌ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ مَا كَانَ مُختَبِئًا تَحتَ الهُدُوءِ المِهنِيّ: تَعَبٌ صَادِقٌ، لَيسَ تَعَبَ مَن يُرِيدُ أَن يَستَقِيل، بَل تَعَبَ مَن يَختَارُ كُلَّ يَومٍ أَن يَبقَى.
قَال بِصَوتٍ أَخفَضَ قَلِيلًا:
ـ بِصُعُوبَةٍ كَبِيرَةٍ أَحيَانًا، لَن أَكذِبَ عَلَيك.
لَكِنَّنِي أَجِدُ قُوَّةً فِي أَمرٍ وَاحِدٍ ثَابِتٍ تَقرِيبًا، أَمرٍ رَأَيتُهُ يَتَكَرَّرُ أَمَامَ عَيَنَيَّ مِرَارًا حَتَّى آمَنتُ بِهِ إِيمَانًا حَقِيقِيًّا لَا أَدَاءً مِهنِيًّا: حَتَّى أَصعَبُ الصَّدَمَات، حِينَ تُعَالَجُ بِصَبرٍ وَمُرَافَقَةٍ مُتَخَصِّصَةٍ صَحِيحَة، يُمكِنُ أَن تَتَحَوَّل، وَلَو جُزئِيًّا، إِلَى مَصدَرِ نُمُوٍّ وَفَهمٍ أَعمَق، لَا فَقَط أَلَمًا ثَابِتًا دَائِمًا.
هَذَا لَا يَعنِي أَنَّ الأَلَمَ يَختَفِي تَمَامًا.
لَكِنَّهُ يُمكِنُ أَن يُصبِحَ أَكثَرَ احتِمَالًا، أَقَلَّ تَحَكُّمًا بِحَيَاةِ الشَّخصِ بِشَكلٍ كَامِل.
كَالنَّدبَةِ الَّتِي لَا تَختَفِي لَكِنَّهَا تَكُفُّ عَن الأَلَم.
شَعَرَ سَامِرٌ بِأَمَلٍ حَقِيقِيٍّ رَغمَ ثِقَلِ المَوضُوع، أَو رُبَّمَا بِسَبَبِ ثِقَلِه، لِأَنَّ الأَمَلَ الَّذِي يَأتِي مِن مَكَانٍ ثَقِيلٍ أَكثَرُ مِصدَاقِيَّةً مِمَّا يَأتِي رَخِيصًا وَمَجَّانًا:
ـ شُكرًا لَك، عَلَى هَذِهِ الحِكمَةِ المِهنِيَّةِ الصَّادِقَة.
ابتَسَمَ الطَّبِيبُ ابتِسَامَةً أَخِيرَةً دَافِئَة، ابتِسَامَةً فِيهَا شَيءٌ مِنَ الوَدَاعِ الحَقِيقِيّ:
ـ اذهَب الآن، يَا سَامِر.
وَاحمِل مَعَكَ هَذَا: إِن كَانَ يَومُكَ المَفقُودُ مُرتَبِطًا فِعلًا بِصَدمَةٍ حَقِيقِيَّة، فَهُنَاكَ مُسَاعَدَةٌ مُتَخَصِّصَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مُتَاحَة، تَستَطِيعُ أَن تُسَاعِدَكَ عَلَى التَّعَامُلِ مَعَهَا بِأَمَانٍ وَحِكمَة، لَا بِمُحَاوَلَاتٍ فَرِدِيَّةٍ مُتَهَوِّرَةٍ وَحدَك.
الشَّجَاعَةُ الحَقِيقِيَّةُ أَحيَانًا هِيَ أَن تَطلُبَ يَدًا تُمسِكُ بِيَدِك.
________________________________________
بَدَأَتِ العِيَادَةُ البَسِيطَةُ تَتَلَاشَى ببُطء، وَكَانَ آخِرُ مَا رَآهُ سَامِرٌ قَبلَ أَن تَختَفِيَ تَمَامًا ذَلِكَ الكُرسِيَّانِ المُتَقَابِلَان، فَارِغَانِ الآن، وَالنَّافِذَةُ المُشرَعَةُ عَلَى صَوتِ بَيرُوتَ الَّتِي لَا تَتَوَقَّفُ.
حَتَّى عَادَ إِلَى الرَّوَاقِ المُعتَاد.
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحمِلُ نَقشًا لِجَبَلٍ جَلِيدِيٍّ بَسِيط، تِسعَةُ أَعشَارِهِ مُختَبِئَةٌ تَحتَ السَّطح، وَعُشرُهُ فَقَط يُطِلُّ فَوقَ الأَزرَق.
نَظَرَ إِلَيهِ العَجُوزُ بِعَينَينِ فِيهِمَا شَيءٌ يُشبِهُ السُّؤَال:
ـ القَاعَتَانِ الأَخِيرَتَانِ فِي هَذَا المِحوَرِ العِلمِيّ، يَا سَامِر: امرَأَةٌ تَقرَأُ ذَاكِرَةَ الجَلِيدِ القُطبِيّ، وَرَجُلٌ يَصنَعُ ذَاكِرَةً اصطِنَاعِيَّةً بِالكَامِل.
هَل تُرِيدُ أَن نُكمِلَ الآن؟
نَظَرَ سَامِرٌ إِلَى النَّقشِ المَحفُورِ عَلَى الباب.
الجَبَلُ الجَلِيدِيُّ الصَّامِت.
أَكثَرُهُ مَخفِيٌّ، وَأَقَلُّهُ ظَاهِر.
قَالَ بِهُدُوءٍ وَاضِح:
ـ نَعَم.
لِنُكمِل.
