متحف الأيام المفقودة 65

الفَصلُ الخَامِسُ وَالسِّتُّون – المَرأَةُ الأَمَازِيغِيَّة – الجَزَائِر، ١٩٦٠م — «الهُوِيَّةُ المُقَاوِمَةُ فِي زَمَنِ التَّجهِيل»
________________________________________
لَم تَكُنِ القَاعَةُ التَّالِيَةُ قَاعَةً بِالمَعنَى الَّذِي اعتَادَهُ سَامِر فِي هَذَا المُتحَف.
كَانَت بَيتاً.
بَيتٌ جَبَلِيٌّ بَسِيطٌ، جُدرَانُهُ مِن طِينٍ مَعجُونٍ بِأَصَابِعِ أَجيَال، سَقفُهُ مُنخَفِضٌ كَأَنَّهُ يَنحَنِي احتِرَاماً لِمَن يَسكُنُ تَحتَه. وَعَلَى الجُدرَانِ، نُقُوشٌ أَمَازِيغِيَّةٌ تَقلِيدِيَّةٌ بِأَلوَانٍ دَافِئَةٍ تَجمَعُ بَينَ الأَحمَرِ الطِّينِيِّ وَالأَخضَرِ الزَّيتُونِيِّ وَالأَبيَضِ الكَلَسِيّ، مَرسُومَةٌ بِيَدٍ تَعرِفُ كَيفَ تَجعَلَ الجِدَارَ يَتَذَكَّر.
فِي وَسَطِ الغُرفَةِ كَانَ النُّول.
لَيسَ مُجَرَّدَ آلَةٍ لِصُنعِ الثَّوب، بَل شَيءٌ أَشبَهُ بِرَاوٍ خَشَبِيٍّ صَامِتٍ يَعرِفُ أَكثَرَ مِمَّا يَقُول.
وَأَمَامَهُ، امرَأَةٌ فِي الخَامِسَةِ وَالخَمسِين.
وَجهُهَا نُقِشَ فِيهِ التَّعَبُ نَقشاً جَمِيلاً، كَمَا تُنقَشُ خُطُوطُ الجِبَالِ فِي وَجهِ الصَّخرَةِ العَتِيقَة. يَدَاهَا تَتَحَرَّكَانِ فَوقَ خُيُوطِ النُّولِ بِإِيقَاعٍ ثَابِتٍ لَا يَتَلَعثَم، كَأَنَّهُمَا لَا تَنسِجَانِ قُمَاشاً بَل تُرَمِّمَانِ شَيئاً كَانَ يُوشِكُ أَن يُمحَى.
لَم تَنظُر إِلَيهِ حِينَ دَخَل.
لَكِنَّهَا تَكَلَّمَت: ـ أَهلاً بِك. اجلِس، إِن أَرَدت، وَرَاقِب يَدَيَّ وَهُمَا تَحَافِظَانِ عَلَى شَيءٍ يُحَاوِلُونَ مَحوَهُ مِنَّا مُنذُ زَمَنٍ طَوِيل.
جَلَسَ سَامِر عَلَى بِسَاطٍ صَغِيرٍ بِجَانِبِ الجِدَار، وَرَاحَ يُرَاقِب.
خُيُوطٌ بِيضٌ وَحُمرٌ وَزُرقٌ تَتَشَابَكُ، تَتَفَرَّقُ، تَلتَقِي مِن جَدِيد. نَمَطٌ يَخرُجُ مِن لَا شَيءٍ كَأَنَّهُ كَانَ دَائِماً هُنَاك، وَكَانَت اليَدَانِ تُحَرِّرَانِهِ فَقَط.
سَأَل: ـ أَنَا سَامِر. مَاذَا يُحَاوِلُونَ مَحوَه؟
لَم تَتَوَقَّف.
صَوتُهَا جَاءَ هَادِئاً كَالمَاءِ الَّذِي يَجرِي تَحتَ الجَلِيد، هَادِئاً وَحَازِماً فِي آنٍ مَعاً: ـ لُغَتَنَا، رُمُوزَنَا، تَارِيخَنَا الأَمَازِيغِيَّ الَّذِي يَسبِقُ الاستِعمَارَ الفَرَنسِيَّ بِآلَافِ السِّنِين. فِي المَدَارِسِ الاستِعمَارِيَّة، يُعَلَّمُ أَطفَالُنَا أَنَّ تَارِيخَهُم الحَقِيقِيَّ يَبدَأُ فَقَط مَعَ وُصُولِ المُستَعمِر، وَكَأَنَّ كُلَّ مَا قَبلَ ذَلِكَ لَا يَستَحِقُّ الذِّكر.
شَعَرَ سَامِر بِغَضَبٍ يَعبُرُهُ كَرِيحٍ بَارِدَةٍ فَجَأَة.
غَضَبٌ لَيسَ لَهُ، بَل نِيَابَةً عَنهَا، نِيَابَةً عَن آلَافِ الأَطفَالِ الَّذِينَ جَلَسُوا فِي فُصُولٍ دِرَاسِيَّةٍ وَتَعَلَّمُوا أَنَّ وُجُودَهُم قَبلَ وُصُولِ الغَرِيبِ كَانَ نَوعاً مِنَ الانتِظَار.
قَال: ـ هَذَا يَبدُو مَحواً مَنهَجِيَّاً مُتَعَمَّداً لِلهُوِيَّة.
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِحَزمٍ هَادِئ: ـ هُوَ كَذَلِكَ بِالضَّبط. لَكِنَّهُم لَم يَنجَحُوا تَمَاماً، رَغمَ كُلِّ مُحَاوَلَاتِهِم. انظُر إِلَى هَذَا النَّسِيج.
أَشَارَت إِلَى النَّمطِ المُعَقَّدِ الَّذِي يَخرُجُ مِن بَينِ يَدَيهَا شَيئاً فَشَيئاً، كَأَنَّهُ وُلِدَ لِلتَّوِّ مِن صِلبِ الخُيُوطِ وَالذَّاكِرَة: ـ كُلُّ رَمزٍ هُنَا يَحمِلُ مَعنىً مُحَدَّداً تَوَارَثنَاهُ عَبرَ أَجيَالٍ طَوِيلَةٍ جِدَّاً: الخِصبُ وَالحِمَايَة، رِحلَاتُ أَجدَادِنَا عَبرَ الصَّحرَاء، حَتَّى قِصَصُ حُبٍّ وَفَقدَانٍ قَدِيمَةٍ جِدَّاً لَا يَعرِفُهَا أَيُّ كِتَابٍ مَدرَسِيٍّ فِي العَالَم. لَا يَستَطِيعُونَ مَنعَنَا مِنَ النَّسج، حَتَّى لَو مَنَعُونَا مِنَ الكِتَابَةِ بِلُغَتِنَا فِي المَدَارِسِ الرَّسمِيَّة.
وَلِيُوَضِّحَ لَهُ مَا تَعنِيه، أَومَأَت إِلَى نَمَطٍ مُعَيَّنٍ فِي طَرَفِ النَّسِيج: ـ تَرى هَذَا المُثَلَّثَ المُتَكَرِّرَ بِنُقطَةٍ فِي مَركَزِه؟ الكِتَابُ الرَّسمِيُّ لَا يَذكُرُه. لَكِنَّ كُلَّ أُمٍّ أَمَازِيغِيَّةٍ تَعرِفُ أَنَّهُ يَعنِي الحِمَايَةَ مِنَ العَينِ الشَّرِيرَة، وَأَنَّ جَدَّتَهَا كَانَت تُعَلِّمُهَا إِيَّاهُ وَهِيَ طِفلَة، وَأَنَّ جَدَّةَ جَدَّتِهَا كَانَت تَفعَلُ الشَّيءَ نَفسَه. هَذَا هُوَ الكِتَابُ الَّذِي لَا يُحرَق.
أَثَارَ هَذَا فِي سَامِرٍ ذِكرَى قَرِيبَة: ـ هَذَا يُشبِهُ مَا قَالَتهُ لِي الكَاهِنَةُ الكِلتِيَّةُ وَالشَّاعِرَةُ الإِيرَانِيَّةُ المَنفِيَّة، عَنِ الحِفَاظِ عَلَى الهُوِيَّةِ رَغمَ مُحَاوَلَاتِ القَمع.
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِإِعجَابٍ لِهَذَا الرَّبط: ـ نِسَاءٌ كَثِيرَاتٌ عَبرَ التَّارِيخِ وَالثَّقَافَاتِ يَجِدنَ طُرُقاً لِلمُقَاوَمَةِ الصَّامِتَة، حِينَ تُمنَعُ المُقَاوَمَةُ الصَّرِيحَةُ المُبَاشِرَة. النَّسِيج، الغِنَاءُ التَّقلِيدِيّ، حَتَّى طَرِيقَةُ تَربِيَتِنَا لِأَطفَالِنَا فِي البَيتِ بَعِيداً عَن أَعيُنِ السُّلطَةِ الاستِعمَارِيَّةِ المُبَاشِرَة، كُلُّهَا أَشكَالٌ مِنَ الحِفَاظِ عَلَى ذَاكِرَتِنَا الجَمَاعِيَّةِ حَيَّة.
سَأَلَ سَامِر، وَفِيهِ فُضُولٌ حَقِيقِيٌّ لَم يَكُن يَتَكَلَّفُه: ـ كَيفَ تُعَلِّمِينَ أَطفَالَكِ هُوِيَّتَهُم الحَقِيقِيَّة، رَغمَ مَا يَتَعَلَّمُونَهُ المُخَالِفَ لَهَا فِي المَدرَسَة؟
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً حَازِمَةً فَخُورَة: ـ فِي البَيت، أَتَحَدَّثُ مَعَهُم بِلُغَتِنَا الأَمَازِيغِيَّةِ بِاستِمرَار، حَتَّى لَو يَتَعَلَّمُونَ الفَرَنسِيَّةَ فِي المَدرَسَةِ الرَّسمِيَّة. أَروِي لَهُم قِصَصَ أَجدَادِنَا قَبلَ النَّوم، لَا كَحِكَاياتٍ بَل كَحَقَائِقَ. أُعَلِّمُهُم رُمُوزَ النَّسجِ هَذِهِ وَمَعَانِيهَا، أَحتَفِلُ مَعَهُم بِأَعيَادِنَا التَّقلِيدِيَّة، حَتَّى لَو لَم تُعتَرَف بِهَا رَسمِيَّاً. أَبنِي لَهُم ذَاكِرَةً مُزدَوَجَة: مَا يَتَعَلَّمُونَهُ رَسمِيَّاً، وَمَا يَحمِلُونَهُ فِي قُلُوبِهِم مِن هُوِيَّتِهِم الحَقِيقِيَّةِ العَمِيقَة.
تَوَقَّفَت لَحظَة، ثُمَّ أَضَافَت: ـ إِنَّهُ مِثلُ طَائِرٍ يَعِيشُ فِي قَفَصٍ نَهَاراً، لَكِنَّهُ يَتَذَكَّرُ كُلَّ لَيلَةٍ أَنَّهُ يَعرِفُ الطَّيَرَان. القَفَصُ حَقِيقِيٌّ، وَكَذَلِكَ الجَنَاحَان.
سَأَلَ سَامِر: ـ أَلَا يُسَبِّبُ هَذَا ارتِبَاكاً لَهُم، بَينَ هُوِيَّتَينِ مُختَلِفَتَينِ مُتَضَارِبَتَينِ أَحيَاناً؟
فَكَّرَت طَوِيلاً قَبلَ أَن تُجِيبَ بِصِدقٍ لَا يُجَامِل: ـ يُسَبِّبُ صُعُوبَة، نَعَم، أَحيَاناً ارتِبَاكاً حَقِيقِيَّاً، خَاصَّةً فِي مَرحَلَةِ المُرَاهَقَةِ حِينَ يُحَاوِلُونَ فَهمَ مَن هُم بِالضَّبط. الصَّبِيُّ الَّذِي يُغَنِّي بِالفَرَنسِيَّةِ فِي المَدرَسَةِ وَيَرقُصُ بِالأَمَازِيغِيَّةِ فِي البَيتِ يَحمِلُ تَوَتُّراً حَقِيقِيَّاً بَينَ عَالَمَين. لَكِنَّنِي أُؤمِنُ أَنَّ حَملَ هُوِيَّتَينِ، حَتَّى مَعَ كُلِّ تَعقِيدِهِمَا وَتَنَاقُضِهِمَا الظَّاهِرِيِّ أَحيَانَاً، أَفضَلُ بِكَثِيرٍ مِن فَقدَانِ هُوِيَّةٍ كَامِلَةٍ استِسلَاماً لِمَحوٍ قَسرِيٍّ كَامِل. البَذرَةُ تَعيشُ دَاخِلَ القَشرَةِ الصَّلبَة، وَإِن ضَاقَت عَلَيهَا، لَا تَفقِدُ قُدرَتَهَا عَلَى النَّبت.
شَعَرَ سَامِر بِفِكرَةٍ تُلَامِسُهُ مِن دَاخِلِه: ـ هَذَا يَجعَلُنِي أُفَكِّرُ فِي يَومِيَ المَفقُودِ بِطَرِيقَةٍ مُختَلِفَة. رُبَّمَا عَلَيَّ أَلَّا أَبحَثَ عَن «نُسخَةٍ وَاحِدَةٍ كَامِلَةٍ مُتَمَاسِكَة» لِمَا جَرَى، بَل أَتَقَبَّلَ أَنَّ هُوِيَّتِي وَذَاكِرَتِي قَد تَحمِلَانِ تَعقِيداً وَتَنَاقُضاً، أَجزَاءً وَاضِحَةً وَأَجزَاءً غَامِضَةً مَعاً، دُونَ أَن يَلغِيَ هَذَا قِيمَةَ أَيٍّ مِنهَا.
أَومَأَت بِرَأسِهَا بِإِعجَابٍ عَمِيق: ـ هَذَا فَهمٌ حَكِيمٌ جِدَّاً، يَا سَامِر. الهُوِيَّةُ الكَامِلَةُ المُتَمَاسِكَةُ تَمَاماً، بِلَا أَيِّ تَنَاقُضٍ أَو غُمُوضٍ عَلَى الإِطلَاق، رُبَّمَا وَهمٌ أَكثَرَ مِنهَا حَقِيقَةً وَاقِعِيَّةً لِمُعظَمِ البَشَر، خَاصَّةً مَن عَاشُوا تَجَارِبَ مُعَقَّدَةً كَالاستِعمَارِ أَو الفَقدَانِ أَو التَّهجِير. الإِنسَانُ الَّذِي لَا يَحمِلُ فِي دَاخِلِهِ سُؤَالاً وَاحِداً عَن نَفسِهِ رُبَّمَا لَم يَعِش بَعد.
تَأَمَّلَ سَامِر المَرأَةَ وَهِيَ تَنسِج، لَاحَظَ كَيفَ أَنَّ يَدَيهَا لَا تَتَوَقَّفَانِ طَوَالَ الحِوَار. كَأَنَّ الكَلَامَ وَالنَّسجَ شَيءٌ وَاحِد.
سَأَل: ـ هَل تَأمُلِينَ أَن تَنتَهِيَ هَذِهِ المُحَاوَلَاتُ لِمَحوِ هُوِيَّتِكُم يَوماً؟
نَظَرَت إِلَى النَّسِيجِ بَينَ يَدَيهَا بِفَخرٍ هَادِئٍ لَا يَحتَاجُ لِأَحَدٍ يُصَفِّق: ـ أُؤمِنُ بِقُوَّةٍ أَنَّنَا سَنَستَمِرّ، مَهمَا طَالَ الزَّمَن. طَالَمَا هُنَاكَ امرَأَةٌ وَاحِدَةٌ تَنسِجُ هَذِهِ الرُّمُوز، تَروِي هَذِهِ القِصَصَ لِأَطفَالِهَا، تَتَكَلَّمُ هَذِهِ اللُّغَةَ فِي بَيتِهَا، فَإِنَّ هُوِيَّتَنَا تَبقَى حَيَّة، مَهمَا حَاوَلُوا مَحوَهَا مِنَ السِّجِلَّاتِ الرَّسمِيَّة.
وَبَعدَ لَحظَةِ صَمتٍ قَصِيرَة: ـ الذَّاكِرَةُ الحَقِيقِيَّةُ لَا تَعِيشُ فَقَط فِي الكُتُبِ الرَّسمِيَّة. تَعِيشُ فِي الأَيدِي الَّتِي تَنسِج، وَالأَلسِنَةِ الَّتِي تَتَكَلَّم، وَالقُلُوبِ الَّتِي تَتَذَكَّرُ بِإِصرَارٍ هَادِئٍ يَومِيّ. الإِصرَارُ اليَومِيُّ الهَادِئُ أَقوَى بِكَثِيرٍ مِمَّا يَبدُو مِن سَطحِه.
شَعَرَ سَامِر بِإِلهَامٍ عَمِيقٍ يَسرِي فِيهِ مِن هَذِهِ المُقَاوَمَةِ الصَّامِتَةِ المُستَمِرَّة.
لَيسَ إِلهَامَ الكِتَابِ وَالخِطَابَة، بَل إِلهَامُ الخُيُوطِ وَالصَّبر، إِلهَامُ مَن يَعرِفُ أَنَّ المَعرَكَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تُكسَبُ فِي يَومٍ وَاحِد، وَلَا تُخسَرُ فِي يَومٍ وَاحِد.
قَال: ـ شُكراً لَكِ، عَلَى هَذِهِ الحِكمَةِ وَعَلَى مُشَارَكَتِي قِصَّةَ مُقَاوَمَتِكِ الجَمِيلَة.
ابتَسَمَت ابتِسَامَةً أَخِيرَةً فَخُورَة، عَادَت إِلَى نَسجِهَا بِتَرَكُّزٍ هَادِئٍ كَأَنَّ الوَدَاعَ جُزءٌ مِنَ النَّسجِ نَفسِه: ـ اذهَب الآن، يَا سَامِر. وَاحمِل مَعَكَ هَذَا: حَتَّى حِينَ يُحَاوِلُ العَالَمُ مَحوَ جُزءٍ مِن ذَاكِرَتِكَ بِالقُوَّة، تَبقَى دَائِماً طُرُقٌ هَادِئَة، صَامِتَة، لَكِنَّهَا قَوِيَّة، لِلحِفَاظِ عَلَيهَا حَيَّة.
بَدَأَ البَيتُ الجَبَلِيُّ البَسِيطُ وَالنُّولُ التَّقلِيدِيُّ يَتَلَاشَيَانِ بِبُطء، خُيُوطٌ وَرُمُوزٌ وَصَوتٌ وَرَائِحَةٌ، كُلُّ شَيءٍ يَنسَحِبُ إِلَى مَكَانٍ لَا يُمكِنُ لِأَيِّ مُستَعمِرٍ الوُصُولُ إِلَيه.
حَتَّى عَادَ سَامِر إِلَى الرَّوَاقِ المُعتَاد.
كَانَ العَجُوزُ يَنتَظِرُهُ بِجَانِبِ بَابٍ يَحمِلُ نَقشاً لِقَارِبٍ صَغِيرٍ وَسطَ أَمَوَاجٍ عَاتِيَة.
قَالَ بِصَوتٍ أَهدَأَ مِنَ المُعتَاد، كَأَنَّ حَتَّى هُوَ يَحتَرِمُ شَيئاً تَرَكَهُ فِي تِلكَ الغُرفَة: ـ القَاعَةُ التَّالِيَة، يَا سَامِر، صَعبَةٌ جِدَّاً عَاطِفِيَّاً. سَتُقَابِلُ طِفلاً صَغِيراً، يَحمِلُ ذَاكِرَةً مُشَتَّتَةً بَينَ وَطَنٍ فَقَدَهُ وَوَطَنٍ لَم يَقبَلهُ بَعدُ بِشَكلٍ كَامِل.
وَقَفَ سَامِر أَمَامَ البَاب، نَظَرَ إِلَى نَقشِ القَارِبِ الصَّغِير.
فِي كُلِّ بَحرٍ يَبدُو القَارِبُ الصَّغِيرُ هَشَّاً.
لَكِنَّ القَوَارِبَ الصَّغِيرَةَ وَحدَهَا تَعرِفُ كَيفَ تَمضِي بَينَ الأَمَوَاج.

متحف الأيام المفقودة 66